الباب الرابع – لمحات تاريخية فى حياة بعض الآباء الرسوليين – تلاميذ الحمل – الأرشيدياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”نص تلاميذ الحمل – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

الفصل الرابع: القديس أبولوس

هو أحد العاملين فى الكنيسة الأولى، وهو يهودى ولد فى الإسكندرية، ومعنى أبلوس (المنحاز إلى الإله أبولو).

عمله فى الخدمة

(1) كان هذا القديس يعرف معمودية يوحنا المعمدان فقط وقد ذهب إلى أفسس وكان يبشر بالسيد المسيح وينشر تعاليمه وقد قال الكتاب فيه (رجل فصيح مقتدر فى الكتب. كان هذا خبيرا فى طريق الرب وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب…).

(2) ولما رآه أكيلا وبريسكلا العاملان فى كنيسة أفسس أخذاه وعلماه الإنجيل بالتدقيق.

(3) عزم القديس أن يتوجه إلى أخائية فكتب الإخوة إلى التلاميذ فى أخائية لكى يقبلوه، وكان فى أخائية يجاهر بالإنجيل ويفحم اليهود باشتداد مبينا بالكتب أن يسوع هو المسيح (أع18).

(4) وقد أسس القديس بولس الرسول الكنيسة فى أخائية وصار أبلوس راعيا لها (1كو3: 6).

(5) ويظهر أنه قد وقع بعض الانقسام فى الكنيسة بسبب تحيز بعض المؤمنين لبولس وبعضهم لأبلوس وبعضهم لصفا فأرسل إليهم الرسول بولس فى رسالته الأولى إلى كورنثوس يعاتبهم ويعلمهم أن – المؤمنين جميعاً واحد. ومما قاله لهم “لأنى أخبرت عنكم يا إخوتى من أهل خلوى أن بينكم خصومات فأنا أعنى هذا أن كل واحد منكم يقول أنا لبولس وأنا لأبلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح. هل انقسم المسيح؟ ألعل بولس صلب لأجلكم أم باسم بولس اعتمدتم…”(1كو1: 10-13).

(6) وقد جاهد القديس كثيراً، وكان مساعداً أميناً للرسل سيما للقديس بولس الرسول، وقد كتب عنه فى رسالته إلى تيطس (جهز زيناس الناموسى وأبلوس باجتهاد للسفر حتى لا يعوزهما شئ”(تى3: 13). كما كتب عنه فى الرسالة الأولى إلى كورنثوس “وأما من جهة أبلوس الأخ فطلبت إليه كثيراً أن يأتى إليكم مع الإخوة ولم تكن له إرادة البتة أن يأتى الآن ولكنه سيأتى متى توفق الوقت”(1كو16: 12).

الفصل الخامس

القديس فليمون

(1) موطنه وإيمانه

يغلب أن هذا القديس من كولوسى، وقد كان غنياً ذا هيبة، وقد آمن على يد القديس بولس الرسول وقيل على يد أبفراس تلميذه، ويغلب أنه تقابل مع القديس بولس مدة ثلاث سنوات فى أفسس. ويظهر من الرسالة أن زوجته كانت تدعى أبفية وابنه يدعى أرخبس وكلاهما كانا محبوبين وعاملين فى الرب (فل2)

(2) فليمون العامل

يصفه الرسول بأنه كان عاملا معه (ع1). وأن بيته كان موضع اجتماع الكنيسة حيث يسلم على الكنيسة التى فى بيته (ع2) وأنه كان محباً ومؤمناً ومحسناً وخادماً للقديسين.

(3) الرسول يكتب إليه رسالته

كان لفليمون عبد اسمه أنسيمس، سرق منه مالاً وأمتعة وهرب بها، وحدث أنه ذهب إلى رومية وكان فى السجن مع بولس الرسول فآمن واعتمد على يديه، وطلب أن يرجع إلى سيده فكتب الرسول رسالته الرقيقة إليه، يطلب فيها الصفح عنه وقبوله. فقبله فليمون وسر بتوبته وإيمانه وعامله كأخ فى الرب.

(4) استشهاد القديس

(1) رسم القديس فليمون أسقفاً على غزة ويروى القديس اغناطيوس أنه خلف القديس تيموثاوس فى أسقفية أفسس.

(2) وقد جاهد جهاداً كثيراً فى خدمة الرب، ونشر كلمة الخلاص وأخيراً مات شهيداً.

الفصل السادس

القديس أنسيمس

(1) تعريف بالقديس

كان القديس أنسيمس عبداً لفليمون أحد الأثرياء بكولوسى, وقد كان فليمون من الذين آمنوا على يدى القديس بولس الرسول, وقد عرف بتقواه وإحسانه كما مر بنا فى الحديث السابق.

(2) خطية أنسيمس ثم توبته وإيمانه

أخطأ أنسيمس فى حق سيده ويظهر أنه سرق ماله ومال غيره فى وقت كان فليمون فيه متغيباً عن بلده لغرض ما, وقد هرب من سيده بالمال الذى سرقه, وحضر إلى رومية وتقابل مع بولس فى السجن، حيث يقول بولس “أطلب إليك لأجل ابنى أنسيمس الذى ولدته فى قيودى (أى فى السجن)”, وتصادف أن حضر عظات القديس بولس فعملت النعمة فى قلبه, وآمن على يد الرسول واعترف بذنبه, وأظهر للقديس رغبته فى العودة إلى سيده وطلب منه أن يشفع فيه لديه حتى يقبله. وكان المال الذى سرقه قد نفد منه عن آخره.

(3) القديس يعود إلى سيده

أرسل القديس بولس أنسيمس إلى سيده فليمون برسالته المعروفة. وفيها الكثير من الإحساسات العميقة حيث يعلن فيها الرسول توبة أنسيمس وإيمانه وأنه لم يعد يحسبه كعبد بل كأخ, ويطلب منه أن يصفح عنه ويقبله, ولما وصل أنسيمس إلى فليمون فرح كثيراً بقبوله الإيمان ورحب به, وقد عرض عليه مالاً ولكنه رفض أن يأخذه وقال “إنى قد استغنيت بالمسيح”.

(4) أنسيمس في عداد العاملين

1 – واستأذن أنسيمس سيده بالعودة إلى رومية ليصحب القديس بولس الرسول, فأذن له, فلازم الرسول وكان تلميذاً له إلى أن استشهد الرسول على يد نيرون قيصر وظل أنسيمس يعمل وسيم كاهناً.

2 – استشاط حاكم المدينة غضباً من تعليم أنسيمس فنفاه إلى إحدى الجزر, حيث كان يبشر وآمن على يديه الكثيرون.

3 – وحدث أن زار الحاكم هذه الجزيرة وهاله جهاد القديس أيضاً فضربه ضرباً مبرحاً ثم كسر ساقه فأسلم روحه الطاهرة بيدى الرب.

وتعيد له الكنيسة فى اليوم الحادى والعشرين من شهر أمشير.

الفصل السابع

القديس ياسون

(1) نشأته

ولد هذا القديس فى طرسوس موطن بولس الرسول, وعاش فيما بعد فى تسالونيكى, ومعنى اسمه (الذى يشفى) ويذكر الكتاب أنه نسيب بولس الرسول (رو16: 1).

(2) جهاده فى الخدمة

1 – كان القديس يساعد بولس الرسول فى الخدمة, ويظهر أنه أضاف الرسولين بولس وسيلا حينما كانا يبشران فى تسالونيكى, ولما اغتاظ الأشرار من الرسولين أخذوا يبحثون عنهما, ولما لم يجدوهما أحاطوا بيت ياسون وجروه مع فريق من الإخوة إلى حكام المدينة وقالوا إن هؤلاء هم الذين فتنوا المسكونة وإن ياسون قد قبلهم فى بيته, فأطلقهم الحكام بعد أخذ كفالة منهم.

2 – سامه بولس الرسول أسقفاً على طرسوس, وقد كرز بها كثيراً ونالته عذابات شديدة.

3 – قيل إنه بشر أيضاً فى أفامية وسنزز.

4 – وجاهد فى كور كيراس وبنى بها كنيسة باسم القديس استفانوس رئيس الشمامسة واغتاظ الوثنيون من انتشار الإيمان بسببه فقبضوا عليه وسجنوه فى سجن, فصادف بالسجن سبعة لصوص فأخذ يبشرهم فآمنوا وقبلوا المعمودية, واعترفوا أمام الوالى بإيمانهم ووضعهم الوالى فى قدر كبير به زفت وكبريت وأوقد النار تحته, فأسلموا أرواحهم بيد فاديهم وماتوا شهداء.

وقد أخرج القديس ياسون من السجن وأمر الملك بتعذيبه كثيراً ولكن لم ينله أى ضرر وكانت ابنة الملك تشاهد تعذيبه من نافذة البيت فآمنت بالسيد المسيح وباعت حليها وأعطت ثمنها للفقراء فأمر أبوها بسجنها, ثم أخرجها من السجن وأمر برميها بالسهام حيث أسلمت روحها بيد عريسها السماوى.

وأرسل الملك القديس لينفى فى جزيرة نائية ولكن المركب غرقت وغرق من بها من الجنود الوثنيين ونجا القديس بأعجوبة واستمر يواصل تبشيره.

5 – مات الملك, وتولى آخر فاستحضر القديس ومعه فريق كبير من المؤمنين, وجعل يعذبهم بأنواع مريعة من العذاب ولكن الله حافظ عليهم جميعاً ولم يصابوا بأى ضرر مما أدهش الوالى ومن معه, فآمنوا جميعاً, وزاد إيمانهم بما أجراه الله على يديه من آيات ومعجزات وقد عمدهم القديس.

6 – ظل فى جهاده إلى أن تنيح بسلام فى شيخوخة صالحة. وتعيد له الكنيسة فى اليوم الثالث من شهر بشنس.

الفصل الثامن

القديس تيخيكس

1 – صديق لبولس الرسول وعامل معه. امتدحه الرسول كثيراً فى رسائله.

2 – صحب الرسول فى رحلته التبشيرية الثالثة كما صحبه فى رحلته الأخيرة إلى رومية.

3 – كان يزوره فى سجنه الأول فى رومية وقد أوفده الرسول إلى أفسس, وإلى كولوسى وقد كتب عنه إلى أهل أفسس: “ولكن لكى تعلموا أنتم أيضاً أحوالى ماذا أفعل يعرفكم بكل شئ تيخيكس الأخ الحبيب والخادم الأمين فى الرب الذى أرسلته إليكم لهذا بعينه لكى تعلموا أحوالنا ولكى يعزى قلوبكم” (أف6: 21) وكتب إلى أهل كولوسى: “جميع أحوالى سيعرفكم بها تيخيكس الأخ الحبيب والخادم الأمين والعبد معنا فى الرب الذى أرسلته إليكم لهذا عينه ليعرف أحوالكم ويعزى قلوبكم مع أنسيمس الأخ الأمين الحبيب الذى هو منكم هما سيعرفانكم بكل ما ههنا” (كو4: 7, 8).

الفصل التاسع

أكيلا وبريسكلا

هما زوجان مسيحيان فاضلان, نأتى بلمحات عن سيرتهما لنرى كيف تستطيع البيوت المسيحية الكاملة أن تأتى عملاً مقدساً فى خدمة الرب وفى إذاعة بشرى الخلاص, وفى كثير من المواضع فى الكتاب المقدس ذكر اسماهما مقرونين بعضهما ببعض حتى يكونا مثالين صالحين للزوجين المتعاونين فى عمل الخير, وفى تمجيد اسم الله القدوس.

وكان القديسان يهوديين ولدا فى بنتس وهى مقاطعة فى الشمال الشرقى من آسيا الصغرى ولكنهما طردا من بنتس بأمر من كلوديوس قيصر مع باقى اليهود الذين أمر بطردهم من الأملاك الرومانية, فحضرا ليسكنا فى كورنثوس.

عملهما فى الخدمة

1 – وفد أكيلا مع زوجته إلى كورنثوس حيث كان بها بولس لأول مرة (أع18: 1) ولأنهما كانا خياميين مثل بولس فقد أضافاه فى منزلهما وأكرماه إكراماً عظيماً.

2 – ولما سافر بولس من كورنثوس إلى أفسس سافرا معه لكى يساعداه فى العمل, وقد صادفا أبلوس فى أفسس وكان يعلم طريق الرب ولكنه لا يعرف إلا معمودية يوحنا فأخذاه وعلماه إنجيل الرب بالتدقيق.

3 – وقد صحبا الرسول أيضاً إلى أخائية وكانا يشتركان معه فى العمل والجهاد واحتمال المشقات حتى أن الرسول يقول عنهما “سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معى فى المسيح يسوع اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتى اللذين لست أنا وحدى أشكرهما بل أيضاً جميع كنائس الأمم. وعلى الكنيسة التى فى بيتهما” (رو16: 3).

4 – ومن تاريخهما يتضح أن أكيلا وبريسكلا كزوجين مسيحيين كانا يتعاونان معاً فى إضافة الإخوة وخدمتهم وفى نشر الكلمة, وأن بيتهما كانا كنيسة حتى أن الرسول أيضاً يكتب إلى أهل كورنثوس عنهما “ويسلم عليكم فى الرب كثيراً أكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التى في بيتهما” (1كو16: 19) ويكتب إلى تيموثاوس “سلم على فرسكا وأكيلا وبيت أنيسيفورس” (2تى4: 19).

الفصل العاشر

القديس أنيسيفورس

1 – كان هذا القديس من أصدقاء بولس الرسول ومن العاملين معه, معنى اسمه (ذو منفعة).

2 – كان يسكن فى أفسس ويعمل عمل الرب باجتهاد وحرارة لمعاونة بولس الرسول.

3 – ولما كان الرسول فى سجنه فى روميه أتى أنيسيفورس لزيارته وكان يعمل على تخفيف آلامه وضيقاته.

4 – وقد تنيح هذا القديس, ولم ينس الرسول محبته وخدمته وجهاده فكتب فى رسالته الثانية إلى تيموثاوس يذكر تعب محبته ويطلب له النياح والرحمة فى يوم الدين, كما يطلب نعمة العزاء لبيته حيث يقول “ليعط الرب رحمة لبيت أنيسيفورس لأنه مراراً كثيرة أراحنى ولم يخجل بسلسلتى بل لما كان فى رومية طلبنى بأوفر اجتهاد فوجدنى. ليعطه الرب أن يجد رحمة من الرب فى ذلك اليوم (2تى1: 16-18) كما كتب في نفس الرسالة “سلم على فرسكا وأكيلا وبيت انيسيفورس” (2تى4: 19).

وعلى هذا القياس تقدم الكنيسة صلواتها لأجل نفوس أبنائها الراقدين.

الفصل الحادى عشر

ارسترخس

1 – موطنه تسالونيكى ومعنى اسمه (الحاكم الأفضل) وعمل كثيراً مع القديس بولس الرسول واحتمل معه ضيقات وشدائد كثيرة.

2 – رافقه مع غايس فى سفره إلى أفسس وأقام معه عاملاً فى المدينة ولما أثار ديمتريوس الصائغ فتنة ضد بولس ورفقائه هاج الشعب الوثنى ضدهم وهجموا عليه وخطفوا أرسترخس وغايس وكادوا يفتكون بهما وبالرسول ولكن الله نجاهم من أيديهم (أع19: 29).

3 – ولما كان الرسول مزمعاً أن يتوجه إلى سوريا عن طريق مكدونية أراد أرسترخس أن يرافقه فسبقه مع سوباترس وسكندس وغايس وتيموثاوس وتيخيكس وتروفيمس إلى ترواس ثم صحبوه فى رحلته إلى عدة أماكن (أع20).

4 – وقد كان مرافقاً له أيضاً فى رحلته الأخيرة إلى رومية حيث انكسرت بهم السفينة فى ماليطة وقد ناله الكثير من الشدائد مع الرسول (أع27, 28), وقد دعاه الرسول من العاملين معه (فل24) كما أشار إلى الشدائد التى قاساها بقوله “يسلم عليكم أرسترخس المأسور معى” (كو4: 10).

5 – وأخيراً نال إكليل الشهادة فى رومية.

الفصل الثانى عشر

القديس أغناطيوس الثيؤفورس

(1) تعريف بالقديس

هذا القديس من الآباء الرسوليين, وقيل إن موطنه الأصلى سوريا, على أن بعض المؤرخين ومن بينهم نيكوفورس يرجح أنه من فلسطين, وأنه هو نفس الطفل الذى احتضنه السيد المسيح وأقامه مثلاً للتواضع حين قال لتلاميذه “الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم فى ملكوت السموات” (مت18: 2).

وسمى هذا القديس (الثيؤفورس) أى حامل الله, بالنسبة لقداسته واتصاله الكلى بالله, وهذا القديس من تلاميذ يوحنا الحبيب.

(2) أعماله التبشيرية

1 – أقامه القديس بطرس الرسول أسقفاً على أنطاكية, وكان قد أقام أيضاً أسقفاً آخر هو أفوديوس لكى يكون واحد لتبشير اليهود بالمدينة والآخر لتبشير الأمم, وقد جاهد هذا القديس كثيراً فى خدمة التبشير, ورعى رعيته أحسن رعاية زهاء أربعين سنة.

2 – قيل إن هذا القديس رأى الملائكة يرنمون للثالوث الأقدس فى خورسين (صفين) فأدخل نظام الترنيم بالكنيسة فى خورسين اقتداء بالملائكة.

(3) استشهاد القديس

1 – لما ملك تراجان قيصر سنة 98م أثار الاضطهاد ضد المسيحيين, ولما خرج لمحاربة الفرس مر فى طريقه بأنطاكية, حيث سمع بنشاط القديس فاستدعاه إليه ودار بينهما الحديث التالى:

– أأنت هو أغناطيوس الثيؤفورس الذى يحتقر الآلهة ولا يعبدها؟

فأجابه القديس:

– أنا هو صاحب هذا اللقب. وقال الملك:

– وما معنى هذا اللقب؟ أجابه القديس:

معناه الحامل لله. فقال له الإمبراطور :

أتظن أننا لا نحمل آلهتنا لكى يساعدونا فى الحروب وينصرونا على أعدائنا؟

أجاب القديس بشجاعة:

– ليت شعرى كيف يمكن أن تكون هذه التماثيل العديمة الحس آلهة؟ اعلم أنه لا يوجد إلا الله وحده الذى خلق السماء والأرض وكل ما فيها وابنه الوحيد يسوع المسيح الذى تجسد وصار إنساناً لكى يخلص البشر فلو كنت أيها الملك تعرفه وتؤمن به لكنت أكثر سعادة.

– فطلب الملك منه أن يكف عن هذا الكلام وأن يسجد للأصنام ووعده بأن يجعله أعظم كهنتها ولكن القديس أجابه:

– زادك الله غنى أيها الملك, تكرم بهذه المنح على من يقدرها ويرغبها. أما أنا فكاهن سيدى يسوع المسيح وله أقدم الذبيحة وله أرغب أن أقدم ذاتى ذبيحة.

فغضب الملك من جواب القديس وقال:

– الملك يأمر بأن أغناطيوس الذى يقول عن نفسه إنه حامل فى قلبه المصلوب أن يقيد ويقاد إلى رومية العظمى ليقدم هناك طعاماً للوحوش الضارية.

وسر القديس لما سمع هذا الحكم سروراً عظيماً, ولما تقدم الجنود ليضعوا القيود فى رجليه جثا على ركبتيه شكراً لله وأخذ يقبل القيود فرحاً, وقد عامله الجنود باحتقار طمعاً فى أن يقدم إليهم الشعب رشوة, ولكن القديس أسرع معهم فى طريقه إلى رومية وهو متشوق إلى نوال إكليل الشهادة.

2 – سار القديس فى طريق إلى سلوكية ورومية مع الجند, وقد صحبه تلميذاه فليمون وأغاتوبوس. وعند مروره بأزمير وفدت إليه وفود من الكنائس واستقبلته استقبالاً رائعاً ومؤثراً وطلبت منه البركة للكنائس فكتب القديس إليهم رسالة تفيض بالمحبة والعواطف الروحية والنصائح الغالية كما كتب رسالة أخرى لكنيسة رومية, وسنأتى بشئ من رسائله فى حديثنا عن آثار القديس بمشيئة الله, ممن استقبله فى أزمير القديس بوليكربوس تلميذ يوحنا الحبيب.

3 – ولما وصل القديس إلى رومية استقبله المؤمنون بالفرح الممزوج بالألم. ولما حاولوا رشوة الجند منعهم القديس لاشتياقه إلى إكليل الاستشهاد, ويقول المؤرخون إن القديس عذب بعدة عذابات قبل طرحه للأسود, منها أنهم وضعوا فى يده جمرة من نار ثم ضغطوا عليها بالكفتين مدة ساعتين, وأنهم أحرقوا جبينه بالكبريت والزيت المشتعل, ومشطوا جسمه بأمشاط حديدية, ثم ألقوه فى السجن مدة من الزمان ثم أخرجوه ووعدوه فلم ينثن عن عزمه.

4 – وفى يوم استشهاده العظيم اجتمع عدد وافر من الوثنيين فى ميدان الاستشهاد وأطلقت الأسود على القديس فافترسته حسب ما كان يشتهى, ولم تبق منه إلا العظام فحملها المؤمنون وأرسلوها لتدفن فى مركز رئاسته فى أنطاكية, وقد ظل القديس ينطق باسم الرب إلى أن أسلم الروح وكان استشهاده سنة 107م وتعيد له الكنيسة القبطية فى الرابع والعشرين من كيهك والكنيسة الغربية فى اليوم الأول من شباط.

(4) من معجزات القديس بعد استشهاده

كان المؤمنون الذين حضروا استشهاد القديس يذرفون الدموع الحارة وقد ظلوا ليلهم ساهرين مصلين, جاثين أمام بقايا القديس طالبين من الله أن يشدد ضعفهم, فظهر لهم القديس فى هيئة جندى مجاهد خرج ظافراً من القتال وكان قائماً أمام الله ومشتملاً بالفرح ومكللاً بإكليل المجد ولما رأى المؤمنون هذا المشهد العجيب مجدوا الله وامتلأت قلوبهم فرحاً وابتهاجاً.

(5) آثار القديس

للقديس عدة رسائل نذكر منا:

أولاً رسالته إلى الكنائس المحيطة بأزمير:

كتب القديس هذه الرسالة إلى كنائس أفسس ومغنيسيا وترالوس:

لتكن أمثال سيرتكم الصالحة تعليماً للمنافقين والأشرار. بالمحبة والعدل قاوموا بغضهم وظلمهم. بالصبر وبالصلاة وبافتراءهم وبالثبات على الإيمان ضلالهم. ارغبوا أن تحتملوا من أجل السيد المسيح الظلم والخسارة والإهانة لأنى لأجله جل ذكره لا أبالى بالقيود وأنى لأفضلها على كنوز الأرض.

– اذكرونى فى صلواتكم لكى أصل إلى الله ولا تنسوا كنيسة سوريا التى لا أستحق أن أكون فيها إنى حقاً أحب أن أتألم إلا أنى لا أعلم هل أكون أهلاً لهذه النعمة أم لا. فاضرعوا من أجلى لكى أنال الراحة في دار النعيم ولا أكون من الهالكين.

ثانياً: رسالته إلى أهل رومية:

وكتب هذه الرسالة وهو فى أزمير إلى أهل رومية:

(من أغناطيوس المدعو الثيئوفورس إلى كنيسة يسوع المسيح ابن الله الوحيد المحبوبة المستنيرة التى فى رومية. أعانق كنيستكم هذه المغبوطة معانقة حبية باسم يسوع المسيح ابن الآب الأزلى ثم أحييكم بالسلام أنتم جميعاً المتحدين والمرتبطين بالروح والجسد بالاتفاق على حفظ الوصايا الإلهية والممتلئين من نعمة الله. أهديكم السلام بالرب وأتمنى لجميعكم كل نعيم مقدس طاهر حقيقى عديم النهاية.

إننى قد نلت من الله يا إخوتى وفزت أخيراً بما رغبته وتقت إليه بهذا المقدار والتمسته منه تعالى وهو أنى أستطيع أن آتى لأشاهدكم وأنتم عبيد الله الحقيقيون وبأبلغ من ذلك آمل أيضاً أن أكون استمددت من نعمة الله بغيتى. فالآن أنا مقيد بالسلاسل حباً بيسوع المسيح وأرجو أن أصل قريباً إلى مدينتكم هكذا مقيداً لأعانقكم المعانقة المقدسة هذا إن كان يرتضى الرب أن يقودنى إلى غاية هكذا طوباوية وإلى نهاية طالما اشتهيتها. فالأمور قد ابتدأت حسناً جداً وأتوسل بكل حرارة لتكون النهاية لمبادئ سعيدة مثل هذه أعظم سعادة ولى أمل أن يرفع يسوع المسيح بتفضله الإلهى من الوسط كل مانع وعائق وأن يهبنى امتلاك الحظ السعيد العظيم بطمأنينة حسبما أعدنى له ولى رجاء بنوال ذلك كله ولكن أخاف وأنتم جلبتم لى هذا الخوف يا إخوتى لأنى أخشى أن تسبب لى محبتكم ضرراً فإذا أردتم أن تمنعوا الموت عنى فلا يعثر عليكم ذلك وبه تعملون مرضاتكم غير أن فضلكم هذا سيكون مؤلماً ومحزناً وثقيلاً جداً لدىَّ وإن كنت أخسر الاستشهاد الآن بسبب صنيعكم فسيعود فيما بعد مستصعب الحصول عليه من جديد فلا أريد قط أن أرضيكم إرضاءً بشرياً بل رضى الله وحده كما أنكم تجتهدون لتفوزوا برضوانه.

وربما لا أصادف فى المستقبل هذه الفرصة المغبوطة مرة أخرى أن أبلغ إلى إلهى بواسطة سفك دمى وإذا أنتم تركتمونى أنطلق بهدوء نحو غايتى. لا يمكنكم أن تساعدونى بشئ عزيز أكثر قبولاً لدى من ذلك فحسبكم سعياً لأجلى أن تسكتوا مرتاحين. إذا لم تخطفونى من أيدى الجلادين أمضى للاتحاد مع إلهى ولكن إذا جنحتم لتأثير الشفق بحزن أعدتمونى إلى التعب وأدخلتمونى ثانية فى مضمار الجهاد فأذنوا لى إذن أن أذبح حيث أعد المذبح بل استمدوا لى بدعائكم البأس الواجب لى لكى أقاوم الوثبات الباطنة وأطرد الخارجة واستعدوا أن توجدوا كلكم حاضرين حول المذبح مشاهدين ذبيحتى لكى ترتلوا التسابيح المبهجة ذات الشكر والمديح للآب الإلهى ويسوع المسيح لأنه تنازل أن يجتذب من المشرق إلى المغرب مبتدأ من بلاد سوريا إلى مدينة روميه أسقف أنطاكية ليعترف هناك باسمه العظيم ويصير ضحية مذبوحة من أجله. فيا له من حظ سعيد ونصيب مغبوط وهو أن يترك هذا الدهر ليولد جديداً ويحيا لله إلى الأبد. فأنتم ما منعتم سابقاً قط هذا النصيب الطوباوى على أحد. ولكن بالأحرى قد شجعتم كثيرين فهذه محبة نقية أكيدة صادقة وطيدة وهذه عينها التى أرومها منكم فى الفرصة الحاضرة وأريد أن تعملوا بى ما قد عملتموه للغير فيما مضى.

إنى أشتهى الاستشهاد لكى أظهر ذاتى مسيحياً لا بالقول فقط بل بالفعل لأنه إذا اختبرنى العمل وظهرت أنى مسيحى فحينئذ يليق بى هذا الاسم المجيد حقاً ووقتئذ أكون عبداً صادقا لسيدنا يسوع المسيح وهذا لا يتم لى إلا عند ما أمسى غير منظور من الأعين القابلة الموت لأنه ليس شئ أبدياً وذا قيمة مما تراه العين فقد كتب “إن الأشياء التى ترى زمنية وأما التى لا ترى فأبدية” فحينما لا تعود تشاهدنى ألحاظ البشر أشاهد أنا ربنا يسوع المسيح خلواً من حجاب وجهاً بإزاء وجه جالساً عن يمين الله أبيه.

فأمر زهيد هو أن يظهر الإنسان مسيحياً إن لم يكن كذلك حقيقة فالذى يجعل الإنسان مسيحياً لا بالكلام ولا الظواهر بل بشهامة النفس والثبات فى الفضيلة.

قد كتبت إلى الكنائس أننى ماض للقاء المنون بفرح ورضى تام بشرط أن لا تصدونى عن ذلك فإنى أناشدكم بألا تودونى مودة تؤول لمضرتى. دعونى أصير مأكلاً للأسود والدببة, لعمرى إن هذا أخص طريق للوصول إلى السماء فإننى حنطة البارى تعالى ينبغى أن أطحن لأصير خبزاً أهلاً لأن يقدم ليسوع المسيح فلذا أروم أنكم تراعوا تلك الوحوش أن تضحى قريباً لحدا لجسمى. وأنا أتوسل لله بأشواق بأن لا تترك تلك الوحوش من جسدى شيئاً على الأرض حتى لا تكون فضلات جسمى ثقلاً على أحد عندما تكون روحى قد بلغت الراحة الأبدية وأكون تلميذاً صادقاً ليسوع المسيح. فتضرعوا إذاً عنى لدى يسوع المسيح كي أصير قرباناً وذبيحة بافتراس الوحوش لى حباً به. وهذا هو موضوع كتابتى إليكم فلا أرسمه عليكم وصايا وأوامر كما كان يصنع نحوكم بطرس وبولس. دعونى أقتدى بآلام إلهى. لا تمنعونى عن الحياة بمنعكم إياى من التألم فمن كان فيكم (ثيئوفورس) حاملاً الله فى قلبه يسهل عليه ما أقوله وإن كان مضطرماً بذات النار التى تفنينى يرثى لعذابى. فقد حملتنى رغبتى الشديدة فى الموت على أن أكتب لكم ذلك لأن موضوع حبى قد علق على الصليب وحبه لى يبتغى لى أن أعلق نظيره, فالنار المضطرمة فىّ التى قد أوقدتها فى قلبى مياه المعمودية المضيقة على لا تحتمل أدنى تلطيف يضعف سعيرها فالحى والمتكلم فى داخلى لا يزال يقول فى عمق قلبى: هلم هلم سريعاً إلى أبى ولم يعد لى لذة بكل ما تبتغيه البشر وما عدت أريد طعاماً أو قوتاً أرضياً فإن الخبز الذى أريده هو الخبز السماوى خبز الحياة الذى هو جسد يسوع المسيح ابن الله المسجود له الذى فى هذه الأزمنة الأخيرة قد اتخذه لذاته الكلمة الإلهى مصوراً إياه جسماً له من نسل داود وإبراهيم, والمشروب الذى ابتغيه هو دم هذا الإله المتأنس الذى هو محبة غير قابلة للتغيير, هو الخمر السماوى الذى يضرم فى القلوب ناراً حية خالدة لمحبته فإننى زاهد فى العالم ولا أحسب نفسى فيه بين الأحياء.

اذكروا بصلواتكم كنيسة أنطاكية التى ما فقدت راعيها توجه آمالها نحو الراعى الصالح السامى لجميع الكنائس فهو يسوسها فى غيابى فإنى استودعها عنايته ومحبتكم. وإنى أخجل من أن أحسب واحداً فى عداد المسيحيين لأنى الآخر فى الجميع ونظير ابن سقط فى الكنيسة ولكن مع ذلك قد منحنى الرب من قبل مراحمه غير المتناهية مقدارها هكذا عظيماً حتى اننى سأحسب شيئاً إن كنت أضحى حياتى من أجله وأبلغ بواسطة الاستشهاد إلى امتلاكه. أخيراً أهديكم السلام من كل قلبى وروحى ومعى تسلم عليكم الكنائس جميعها التى مررت عليها إذ أن شعوبها كلهم قد قبلونى باسم يسوع المسيح بمحبة زائدة عن الحدود, وقد عاملونى ليس كعابر طريق دنئ حقير غريب, بل كأحد إخوتهم الأعزاء. وأولئك الذين لم يكونوا مختصين بى نظراً إلى اللحم والدم قد أرادوا أن يرافقونى ويعاملونى فى المدن كافة كأنى واحد من أقربائهم وأنسبائهم الأشد اقتراباً إليهم والأوفر حباً لديهم.

أكتب إليكم رسالتى هذه من مدينة زميرنا باعثاً إياها نحوكم صحبة أناس مسيحيين من أهل أفسس وهم مسيحيون مستحقون مدائح جزيلة مرافقون من آخرين كثيرين ويوجد معى الرجل كروكوس العزيز اسمه على جداً, وأنا أفترض أنكم متحدون معه بالمعرفة وأن مسيحيى أراضى سوريا معلومون عندكم الذين لأجل مجد الله قد سبقونى وجاءوا إلى رومية, فأعلموهم أنى قاربت البلوغ إلى هناك وبلا ريب أنهم كلهم مستحقون لله ولكم, ومن ثم أوصيكم بهم إذ أنهم مستأهلون ذلك جميعه لكى تعزوهم بقدر استطاعتكم وقد حررت هذه الرسالة فى اليوم الرابع والعشرين من شهر آب متوسلاً ليسوع بأن يهديكم جميعاً كل خير حقيقى ويحفظكم أقوياء ثابتين على الصبر حباً به حتى المنتهى آمين.

ثالثاً: من رسالة له ضد الهراطقة

“إنه قد يوجد أناس ضالون مضلون فاهربوا منهم كما تهربون من الوحوش الضارية. إنهم كلاب كلبة يعضون فى الخفاء فإياكم ثم إياكم أن تخالطوهم. واعلموا أن داءهم عضال. وقد بلغنى أنه قد أتاكم بعض منهم فصممتم آذانكم لئلا تسمعوا تعليمهم الردى. فشكرت الله تعالى على ذلك” .

رابعاً: ومن رسالة أخرى ضد الهراطقة إلى أهل سميرنا:

(إنى أنصحكم يا إخوتى الأحباء فاحذروا هؤلاء الوحوش المتظاهرين بصورة بشرية. فليس بكاف أن لا تأووهم فى بيوتكم ومنازلكم, بل يجب عليكم أن تحترسوا من مواجهتهم أيضاً. فتوسلوا إلى الله من أجلهم لكى يتوبوا وفى هذا كفاية. إنى لم أدون لكم هنا أسماءهم بل حاشا لى أن أذكرهم قبل أن يتوبوا ولذلك لابد أن هؤلاء يمنعون عن تناول القربان المقدس لأنهم لا يعتقدون بأنه هو جسد المسيح الذى تألم لأجل خطايانا ومات ثم أقامه الله الآب. فينبغى لكم إذا أن تتجنبوهم ولا تخاطبوهم لا سراً ولا علانية).

الفصل الثالث عشر

القديس بوليكاربوس

اهتم بكتابة تاريخ هذا القديس العظيم القديس ايريناؤس تلميذه الذى عاشره سنين كثيرة وعاين جهاده واستشهاده وإلى القارئ العزيز هذه السيرة العطرة.

(1) نشأة القديس

1 – هو تلميذ يوحنا الحبيب وقد ولد سنة 70م ورسم أسقفاً على أزمير (سميرنا) وهو الذى كتب عنه فى سفر الرؤيا “هذا يقوله الأول والآخر الذى كان ميتاً فعاش أنا أعرف أعمالك وضيقتك وفقرك مع أنك غنى وتجديف القائلين إنهم يهود وليسوا يهوداً   بل هم مجمع الشيطان. لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع أن يلقى بعضاً منكم فى السجن لكى تجربوا ويكون لكم ضيق عشرة أيام كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة… (رؤ2: 8-10) وقد تتلمذ لهذا القديس فريق من آباء الكنيسة منهم القديس إيريناؤس أسقف ليون, وقد مر به القديس أغناطيوس بأزمير حينما كان متوجهاً للاستشهاد فى رومية, وتعزى كلاهما بكلمة الله وعمل الروح القدس فى الكنيسة.

2 – وقد رعى القديس رعايته أحسن رعاية, ولما بلغ الثمانين من عمره سافر إلى روميه لكى يناقش أسقفها أناكليتوس ويقنعه بخصوص عيد الفصح.

وقد كان غيوراً جداً على الإيمان المستقيم ولذلك قاوم المهرطقين كثيراً ومن بينهم مسركيون ووالنتينوس ومما يروى أن مسركيون المهرطق صادفه وهو فى رومية وسأله:

– أما تعرفنى يا بوليكاربوس؟ فأجابه القديس:

– بلى إنى قد عرفتك وعرفت أنك ابن الشيطان البكر.

وكان يحذر المؤمنين من التعاليم الكاذبة، ولما أتم مهمته فى روميه عاد إلى أزمير.

(2) جهاد القديس واستشهاده

1 – لما تملك مرقس أوريليوس فيروس أثار الاضطهاد العنيف ضد المسيحيين وقتل عدداً وفيراً منهم. وبعد أن قتل الشاب المسيحى جرمانيكس بإلقائه للوحوش الضارية, بسبب تمسكه الزائد بالإيمان المسيحى واستخفافه بالعذاب وبالموت تحمس الوثنيون وطلبوا قتل بوليكاربوس رئيس المسيحيين وكانوا يصيحون: (ليبد المنافقون وليقض على بوليكاربوس).

2 – ألح المؤمنون على القديس أن يختفى حتى تهدأ ثورة الاضطهاد فطاوعهم واختفى فى أحد الأماكن, وقضى وقته مصلياً من أجل الكنيسة ومن أجل الشعب, وبينما هو نائم في إحدى الليالى رأى رؤيا مؤداها أن الوسادة التى ينام عليها تحترق فعلم أن الساعة لاستشهاده قد حانت وأنه سيموت حرقاً بالنار.

3 – من ثم أخذ الجنود يبحثون عنه, ولما وجدوا تلميذين من تلاميذه أخذوا يعذبونهما حتى يقرا بمكانه, وأخيراً وجدوه فى بيت, وكان فى إمكانه أن يهرب, ولكنه رفض وقال: “لتكن مشيئة الله” وعمل ضيافة كبيرة للجنود الذين أتوا للقبض عليه وأكرمهم حتى تعجبوا من شيخوخته وهيبته ومن محبته لجميع الناس حتى لأعدائه وقد كان هذا بعد الرؤيا التى رآها بثلاثة أيام.

4 – خرج معهم القديس راكباً جحشاً, ولكن أحد الرؤساء الوثنيين واسمه هيرونس أركبه معه فى مركبته, وأخذ يلاطفه, ولما طلب إليه أن يدعو لقيصر وأن يعترف بالأصنام رفض القديس أن يعترف بها فغضب الرئيس منه ورماه من المركبة فترضض جسده, ولكنه قام وسار إلى مقر الوالى.

5 – وصل القديس إلى مقر الولاية, وهناك نظر إليه الوالى وأشفق على شيخوخته, وبينما كانت الجموع محتشدة حوله سمع القديس صوتاً من السماء يقول له (ليتشدد قلبك يا بوليكاربوس), ثم طلب منه الوالى أن يلعن المنافقين فقال القديس مبتسماً (ليهلك المنافقون) ثم طلب إليه أن يلعن المسيح ويسجد للأوثان ولكن القديس أجاب” “ستة وثمانين سنة خدمته ولم يفعل بى ضرراً فكيف أجدف على ملكى الذى خلصنى؟) فهدده الوالى بإلقائه للوحوش المفترسة, فأجابه القديس:

– ائتِ بالوحوش لأن التوبة والتغيير من أحسن لأردأ أمر لا نستطيع أن نأتيه ولكنه أمر نبيل الرجوع من الشر إلى البر.

فهدده الوالى أيضاً بإلقائه فى النار وأجابه القديس أيضاً:

– إنك تهددنى بالنار التى تشتعل ساعة ثم تنطفئ لأنك لا تعف نار الدينونة العتيدة والقصاص الأبدى المحفوظ للأشرار. ولكن لماذا تتباطأ؟ افعل ما بدا لك.

وهتف الشعب ضده, وطلب أن يلقى للوحوش. ولكن مدير الملاعب ورئيس كهنة الأصنام وكان يسمى فيلبس أعلن أن هذا غير ممكن لأنه أغلق على الأسود, وحينئذ طالب الشعب بإحراقه بالنار وكأن هذا كان بتدبير إلهى لكى تتحقق رؤيا القديس.

6 – أعد الوثنيون كومة كبيرة من الحطب وجعلوا فى وسطها عاموداً قائماً لكى يربط إليه القديس, ولما أرادوا تقييد يديه ورجليه ليدخلوه إلى النار رفض القديس وقال لهم بشجاعة: (دعونى وسأذهب للنار بنفسى), فاكتفوا بتقييد يديه وراء ظهره, ووضعوه على كومة الحطب, فصلى القديس هذه الصلاة:

– (يا أبا ابنك الحبيب المبارك يسوع المسيح الذى منه قبلنا معرفتك إله الملائكة والقوات وكل الخليقة وكل جماعة الأبرار الذين يعيشون فى حضرتك. إننى أباركك لأنك حسبتنى أهلاً لهذا اليوم وهذه الساعة لكى أنال نصيباً مع الشهداء فى كأس المسيح لقيامة الحياة الأبدية للنفس والجسد فى خلود الروح. ليتنى أقبل أمامك اليوم بين هؤلاء فى ذبيحة غنية مقبولة كما سبقت فأعددت أنت وأعلنت وأكملت أيها الإله الحق الأمين. لذلك أسبحك أيضاً من أجل كل شئ, أباركك, أمجدك برئيس الكهنة الأزلى يسوع المسيح ابنك الحبيب الذى يليق لك به ومعه فى الروح القدس المجد الآن وإلى كل الدهور آمين).

ولما أتم صلاته وضعوا الزفت والقار على الحطب وأشعلوا النار فارتفع اللهب ولكن وقعت معجزة باهرة شاهدها الحاضرون, لأن النار أحاطت به كخيمة ولم تضره بسوء, فانذهل الناس واستل واحد منهم سيفه وضرب القديس فخرجت منه الدماء وأطفأت النار فى الحال, وأسلم القديس روحه الطاهرة بهذه الميتة المجيدة, ولكى لا يأخذ المؤمنون جسده أمر القائد بحرقه بالنار, ولكن المؤمنون استطاعوا أن يجمعوا عظامه باحتفال مقدس رهيب.

وتعيد له الكنيسة القبطية فى اليوم التاسع والعشرين من شهر أمشير كما تعيد له الكنيسة الغربية فى اليوم السادس والعشرين من شهر كانون الثانى.

آثار القديس

كتب القديس عدة ميامر ومؤلفات ورسائل أرسل بها إلى كنائس فيلبى وتيطس وغيرها.

الفصل الرابع عشر

القديس ديونيسيوس الأثينى

(1) نشأته

ولد هذا القديس فى أثينا السنة الثامنة للميلاد, وقد كان عالماً, تبحر فى العلوم الفلكية والرياضية وقد أتم علومه فى الإسكندرية وحدث أنه بينما كان فى مصر فى يوم الجمعة العظيمة التى صلب فيها المخلص أنه شاهد الشمس تنكسف كسوفاً كلياً لمدة ثلاث ساعات لغير سبب طبيعى حيث كان القمر بدراً مع أن الشمس لا تكسف إلا والقمر فى المحاق. فتعجب للأمر جداً لدرجة أنه قال “إما أن إله الطبيعة يتألم أو أن العالم قد قارب أن ينهدم, وكتب هذا الحادث فى مذكراته.

(2) إيمان القديس

عاد القديس إلى أثينا وحدث أنه سمع خطاب بولس الرسول فى أريوس باغوس وسمع عن صلب السيد المسيح وحدوث الظلمة العجيبة من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة فى يوم الصلب, فوجد هذا موافقاً لما دونه فى مذكراته وآمن بالسيد المسيح مع سيدة اسمها داميرس قال بعض المؤرخين إنها كانت زوجته ويظهر أن هذا القديس سمى (الأريوباغى) نسبة إلى [أريوس باغوس] الذى كان قد عين واحداً من قضاته.

(3) عمله فى الخدمة

1 – أقامه القديس بولس الرسول أسقفاً على أثينا فرعى رعية المسيح بنشاط واجتهاد.

2 – زار أفسس حيث قابل القديس يوحنا الرسول الذى نصحه بالسفر إلى روميه, فأقام ديونيسيوس أسقفاً على أثينا هو القديس بويليوس, وذهب هو إلى رومية مع قسيس يسمى رستيكوس وشماس يسمى ألوتاريوس, وأخذ يعمل فى التبشير للوثنيين بحماس وقوة بالتعاون مع أسقفها كليمندس.

3 – ذهب بعد ذلك مع أحد تلاميذ القديس يوحنا الرسول وهو زيول إلى بلاد الغال (فرنسا) ولما وصلا إلى ايس القريبة من مرسيليا صادفا بعض المسيحيين الذين كانوا قد آمنوا على يد تروفيموس تلميذ بطرس الرسول فسروا بهم وأقام القديس ديونيسيوس زيول أسقفاً عليهم.

4 – من ثم توجه إلى باريس ومعه تلميذان من تلاميذه فآمن عدد كبير من الوثنيين ومنهم أحد الوجهاء واسمه لسييوس الذى قبل الإيمان بحماس وجعل بيته مقراً للخدمة.

5 – قيل إن القديس اشتهى أن يرى السيدة العذراء البتول فسار إلى اليهودية حيث تمتع برؤيتها وحضر نياحتها.

6 – ولما نفى القديس يوحنا الرسول إلى جزيرة بطمس كتب إليه القديس ديونيسيوس رسالة محبة جاء فيها: (لا يعترينك الضجر والملل فإنه لا يطول سجنك فالمسيح يعمل لك الخلاص) وقد تمت نبوة القديس لأن الإمبراطور دومتيانوس قتل وأعيد القديس يوحنا إلى مقر كرسيه فى أفسس.

(4) استشهاده

1 – لما انتشر الإيمان المسيحى فى باريس اغتاظ الوثنيون فشكوا الأمر إلى الوالى فيسينيوس, وكان فى مقدمة الشاكين لاريسياً زوجة ليسيوس وقالت للوالى إن زوجها سحق الأوثان التى فى بيته, فجعل الوالى يهدد ليسييوس حتى يترك الإيمان المسيحى, ولما لم يقبل, أمر بقطع رأسه أمام زوجته فمات شهيداً.

2 – وأرسل الوالى القديس ديونيسيوس مع تلميذيه إلى السجن بعد أن قيد أرجلهم وثقلها بالحجارة ثم أذاق القديس عذابات مرة احتملها بصبر وغبطة رغم أنه كان شيخاً قد بلغ المائة من عمره.

3 – من هذه العذابات أنه أمر بضربه بحبال بها مسامير من حديد حتى تمزق جسمه وسال دمه على الأرض.

4 – ثم أمر بوضعه فى فرن محمى فكان يترنم فرحاً فى داخله.

5 – وأمر بعد ذلك بصلبه فجعل يعظ الناس من على الصليب حتى اندهش الحاضرون.

6 – ولما سئم الوالى تعذيبه أمر بقطع رأسه هو ومن معه, فسر القديسون كثيراً وتناولوا من الأسرار المقدسة وقطعت رؤوسهم ونالوا أكاليل الشهادة.

7 – ولما رأت امرأة ليسييوس صبر القديس على احتمال العذابات آمنت بالسيد المسيح واعترفت أمام الوالى, فأمر بقطع رأسها.

8 – قيل إن القديس بعد أن قطع رأسه حمله على يديه وجعل يسير به إلى أن وصل به إلى المكان الذى دفن به على بعد ستة أميال من باريس.

(5) آثار القديس

لهذا القديس عدة مؤلفات منها: عشر رسائل, ومؤلف فى رئاسة الكهنوت, ومن بين رسائله رسالة كتبها إلى ديموفيلوس الذى أقامه راهباً بنفسه تدل على غيرته على خلاص النفوس, وسبب كتابة الرسالة أن ديموقيلدس هذا رأى أحد الخطاة المشهورين يريد أن يعترف على أحد الكهنة, ولأن خطأ هذا الخاطئ كان جسيماً فى نظر ديموفيلوس ظن هذا أن اعترافه لن يقبل وذنبه لن يغفر فركله برجله وطرده خارج الكنيسة وأرسل إلى القديس ديونيسيوس يخبره بذلك. ولكن القديس استاء من عمله وأرسل إليه رسالته يوصيه فيها بقبول الخطاة وتشجيعهم على التوبة والاعتراف ويقص عليه فيها قصة عن القديس كربوس أسقف جزيرة كنديا. وملخص هذه القصة هو أن هذا الأسقف شاهد مرة أحد المؤمنين يشترك مع وثنى فى عبادة الأوثان فغضب الأسقف غضباً شديداً وكان يشتهى أن تنزل الصواعق من السماء لتهلك هؤلاء الناس. وفى ذات ليلة أحس بزلزلة تزعزع أساسات بيته, ولمح فى رؤيا أن سقف غرفته ينشق ورأى السموات تنفتح ويظهر منها نور عجيب وشاهد رب المجد محاطاً بالملائكة, ثم نظر إلى الأرض فرأى الرجلين الأثيمين على حافة هوة عميقة تريد أن تبتلعهما, وكان هناك أشخاص كثيرون يريدون أن يعملوا على إسقاطهما فى الهاوية كما ظهر من الهوة حيات وأفاعى تريد أن تسقطهما أيضاً بأسنانها وأذنابها وشعر القديس بفرح لأنه يرى هذين الشخصين على وشك الهلاك, ولكنه لشدة دهشته – شاهد السيد المسيح ينزل من السماء ويأخذ بيد هذين الرجلين ويساعدهما على الخلاص, كما أن الملائكة كانوا يعملون على مساعدتهما. ثم قال المسيح للأسقف (اضربنى وأنا مستعد أن أتألم مرة أخرى لأخلص البشر…) ثم وبخه على عدم رفقه بالخطاة ومساعدتهم على التوبة.

الفصل الخامس عشر

القديس كليمس (كليمندس) أسقف رومية

(1) تعريف بالقديس

هذا القديس العظيم من تلاميذ بولس الرسول ومساعديه فى الخدمة (فى4: 3). وقد ولد فى رومية من أسرة عريقة فى الحسب والنسب, فأبوه من أشراف رومية وهو فستينوس الذى يتصل بالأسرة المالكة بصلة القرابة, وقد علّم ابنه العلوم المختلفة ونبغ بالخصوص فى اللغة اليونانية.

(2) إيمان القديس

لما بشر الرسولان بطرس وبولس فى رومية آمن القديس ووالده بالسد المسيح, وقد كان لإيمانهما دور كبير فى المدينة حتى أقبل على الإيمان عدد كبير من الوجهاء والعظماء، ومن بينهم فلافيا ورحبتيلا ابنة أخي الأمبراطور دوماتيانوس، وثيؤدورا زوجة سيزينيوس أحد الوجهاء بالمدينة, وكانت تذهب إلى الكنيسة لتصلى, فاغتاظ زوجها وذهب خلفها مرة ليرى أين تذهب, ولما دخل وراءها عميت عيناه ولكن القديس كليمندس رفق به وصلى من أجله فانفتحت عيناه فلم يسعه إلا أن آمن هو أيضاً بالمسيح.

(3) عمل القديس فى الخدمة

1 – كان القديس يعمل بنشاط, وقد كان من المعاونين للقديس بولس الرسول كما ذكرنا, وقد أقيم أسقفاً على رومية.

2 – وكان يغار غيرة الرب على قطيع المسيح فى كل مكان فلما وقع بعض الشقاق فى كنيسة كورنثوس أرسل إليهم القديس رسالة حضهم فيها على الاتحاد والتمسك بالفضائل والكمالات المسيحية, وليس هذا معناه رئاسة كنيسة رومية على كنيسة كورنثوس, ولكن لأن الكنيسة الواحدة كان شعارها الوحدة, وكان دأب الأساقفة فى كل كنيسة الغيرة على رعية الله فى كل مكان, كما كان القديس أغناطيوس أسقف أنطاكية مثلاً يرسل رسائله إلى كنيسة رومية وكنيسة أزمير.

(3) محاكمة القديس

لما انتشر الإيمان المسيحى فى رومية, حاول مجلس السناتو ورئيسه مرتينوس إقناع القديس بالرجوع إلى الديانة الوثنية بصفته من وجهاء المدينة ومنتسبا للأسرة المالكة, ولما لم يقلع القديس عن رأيه رفع المجلس عنه تقريراً إلى الإمبراطور تراجان, وحاول الإمبراطور إقناعه فلم يستطع, كما حاول القديس من ناحيته استمالة الإمبراطور إلى الإيمان المسيحى, وكان لفضائله وأحاديثه الإلهية أثر كبير على قلب الإمبراطور فجعله يشعر بشئ من الرفق بالمسيحيين, فنفى القديس إلى شبه جزيرة القرم ليقطع الرخام والمعادن مع المنفيين هناك.

(4) القديس فى المنفى

وصل القديس إلى المنفى فوجد هناك ما يقرب من ألفى مسيحى, وكانوا يقومون بعمل شاق فى قطع الرخام, وقد فرحوا فرحاً عظيماً بوصول القديس. ولما رأى الجهد الذى كانوا يلاقونه بسبب بعد الماء عنهم, صلى إلى الله فظهر له السيد المسيح فى صورة حمل صغير دله على صخرة قربة ينبع منها الماء. ففرح المنفيون كثيراً, وآمن من الوثنيين عدد وفير, مما هيج سخط الحكام.

(5) استشهاد القديس

حنق الولاة فى شبه الجزيرة وأرسلوا إلى الإمبراطور يخبرونه عن نشاط كليمندس وإيمان الكثيرين على يديه, فأرسل وزيره أوسيديوس ليحاول إقناعه من جديد, ولما عجز الوزير عن إقناعه أمر بتعليق مرساة فى عنقه وطرحه فى البحر, وهكذا أسلم القديس روحه غرقاً. وكان هذا فى السنة المائة للميلاد.

(6) من العجائب التى تبعت استشهاده

تألم المسيحيون لموت قديسهم العظيم, وصلى تلميذاه, كورنيليوس وفابيوس لكى يظهر الله جسد القديس الذى أغرق, فانحسرت المياه عن جسده, فدخل المؤمنون فى البحر ووضعوا جسد القديس فى تابوت من الرخام وحاولوا نقله فلم يستطيعوا وعرفوا أن الله يريد أن يمجد اسمه بوجود جسد القديس فى هذا المكان.

وكان البحر ينحسر فى كل عام فى يوم عيد استشهاد القديس ويدخل المؤمنون للتبرك منه, كما كان المسيحيون يأتون من بلاد مختلفة لمعاينة هذه المعجزة العظيمة. قيل إن سيدة أتت لزيارة جسد القديس فى سنة من السنين ومعها طفلها. وبعد أن دخلت فى البحر بعد انحسار الماء مع المؤمنين نسيت ابنها وخرجت ولما عاد الماء وغطى المكان أخذت تبحث عن ولدها بدون جدوى فعادت حزينة إلى بلدها. وفى العام التالى عادت لتزور المكان. وانحسرت مياه البحر كالمعتاد ودخل المؤمنون ومعهم هذه السيدة وما كان أشد دهشتها ودهشة المؤمنين حينما رأوا الطفل حياً بجانب جسد القديس حيث تركته أمه. ولما سألوه كيف كان حاله طوال هذه المدة. أجابهم بأن القديس كان يأتيه بالطعام ليأكل, وكان يدفع عنه وحوش البحر, فمجد الجميع الله, وأخذت الأم ابنها وعادت إلى بلدها وهى تشكر الله, وتمجد قديسه العظيم.

(7) نقل جسد القديس

قيل إن جسد القديس نقل فيما بعد إلى رومية ودفن فى الكنيسة التى بنيت على بيته. وتعيد له الكنيسة القبطية فى التاسع والعشرين من شهر هاتور, كما تعيد له الكنيسة الغربية فى اليوم الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني.

(8) آثار القديس

كتب القديس عدة رسائل من أهمها رسالته فى البتولية ورسالتان إلى كنيسة كورنثوس بسبب الشقاق الذى وقع بين أعضائها والرسالتان باقيتان إلى الآن وكان المسيحيون يقرأونها فى بعض الكنائس ونرى من المناسب أن ندرج إحداهما فيما يلى:

(9) رسالة القديس إلى كنيسة كورنثوس

(من كنيسة الله التى فى رومية إلى كنيسة الله التى فى كورنثوس إلى أولئك المدعوين والمقدسين بمشيئة الله بواسطة ربنا يسوع المسيح النعمة لكم والسلام من الله القادر على كل شئ بيسوع المسيح لتكونوا مباركين. أيها الإخوة الأعزاء إنه بالنظر للحوادث التى تراكمت علينا فجأة نشعر بأننا توانينا قليلاً فى تحويل انتباهنا إلى الأمور التى أردتم أن تستمدوا رأينا فيها ولاسيما ذلك الشغب المعيب البغيض والمضاد تماماً لمشيئة الله الذى أوقد جذوته بضعة من الأشخاص الطائشين المعتدين بأنفسهم حتى أن اسمكم الجليل الذائع الصيت الجدير بمحبة الجميع قد أهين إهانة بالغة ( جدف عليه جداً ). لأنه أى إنسان عاشركم ولو زمناً قصيراً ولم يجد إيمانكم مثمراً بالفضيلة كما تأسس أساساً ثابتاً ومن ذا الذى لم يعجب بما فيكم من قناعة واعتدال وورع مسيحى ولم يسر بمعرفتكم الصحيحة الراسخة؟ فقد ترفعتم فى أعمالكم عن الشخصيات وسلكتم فى وصايا الله مقدمين الطاعة للذين يسوسون أموركم ومعطين كل الكرامة اللائقة للشيوخ الذين بينكم.

لقد أوصيتم الأحداث بأن يكونوا ذوى عقول صاحية ورزينة وأمرتم نساءكم بأن يعملن كل شئ بضمائر نقية وبلا لوم, محبات أزواجهن كأن الله فرض ذلك عليهن وعلمتموهن بأن يعشن فى قانون الطاعة فيدبرون بيوتهن بلياقة ويتحلين بحلية التعقل فى كل شئ.

ثم إنكم قد امتزتم جميعاً بميزة التواضع ولم تنتفخوا قط بالكبرياء بل كنتم خاضعين بعضكم لبعض غير سالبين بعضكم حق بعض مقدمين العطاء على الأخذ مكتفين بما أعطاكم الله من نعمة. وفى الوقت نفسه كنتم تسمعون كلامه تعالى بإصغاء وانتباه وتحرصون فى قلوبكم على تعليمه واضعين نصب أعينكم آلامه من أجلكم حتى إنه أسبغ عليكم سلامه العميق ووشحكم بالرغبة الحارة فى فعل الخير, وأفاض من روحه القدوس عليكم.

وكنتم وأنتم مملؤون مقاصد مقدسة تبسطون أيديكم إلى الله القدير بقلوب طاهرة غيورة وإيمان صادق لكى يترفق بكم ويغفر لكم ما صنعتموه من الخطايا بغير اختياركم وكنتم ليلاً ونهاراً تصلون من أجل الإخوة جميعاً لعل المختارين منهم يخلصون بالرحمة والضمير الصالح . لقد كنتم مخلصين غير خبثاء مسامحين الواحد الآخر على الهفوات ولم يكن للتحزب والفتنة أثر بينكم إذ كنتم تمقتونهما مقتاً وتحزنون على الخاطئين من إخوتكم حزنكم على أنفسكم. وقط ما تذمرتم من إسداء المعروف لأنكم مستعدون لكل عمل صالح. وفيما أنتم مزدانون بحياة الفضيلة والتقوى كنتم سائرين فى مخافة الله وكانت وصايا الرب وأوامره منقوشة على ألواح قلوبكم.

على أنكم ما كدتم تستكملون أنواع الكرامة والسعادة حتى تم عليكم ما كتب ( أكل حبيبى وشرب وعظم وسمن ورفس ) فإن من هنا نبعت المنافسات والحسد. الخصام والشغب. الاضطهاد والتشويش. الحرب والسبى. وهكذا قام الصعلوك على ذى الرفعة. الحمقى على الحصفاء. الأحداث على الشيوخ: ولهذا السبب بعد البر والسلام عن دياركم إذ ترك كل واحد مخافة الله وعميت بصيرة إيمانه فلم يعد يعرف طريق شريعته ولا كيف يتغير عما به ليصير مسيحياً بالحق بل سار فى تيار شهواته الشريرة عائداً إلى اقتراف الحسد الأثيم العديم الصلاح الذى هو علة دخول الموت إلى العالم.

كلمة ختامية

هذه جولات سريعة وقصيرة فى حياة رسل ربنا وبعض الآباء الرسوليين, وكما يليق بالمؤمن – إذ يتصفح هذه السيرة الطيبة أن يتخذ لنفسه منها مثلاً طيباً. ينهج على منوال أصحابها, ويتحلى بفضائلهم.

هؤلاء هم الذين تركوا كل شئ وتبعوا ربهم, إذ أرادوا أن يؤدوا رسالتهم, جاهدوا الجهاد الحسن, وضحوا بالنفس والنفيس, ولم يغرهم وعد, ولم يرهبهم وعيد. لم يهابوا تهديد الملوك, أو الولاة, أو الرؤساء, ولم يثنهم عن عزمهم الصادق اضطهاد, أو استبداد, أو استعباد ولم تلن قناتهم السيوف البتارة, أو الحراب القاتلة, أو الرماح القاسية, ولا السجون ولا الضربات ولا الإهانات  ولا شئ من كل هذه. بل لقد عاشوا ولسان حالهم يقول مع بولس الرسول العظيم: “من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوب أننا من أجلك نمات كل النهار. قد حسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا. فإنى متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة. ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا” (رو8: 35-39).

فطوباكم أيها الرسل الكرام, شعلاً مضيئة للحق, وشهوداً أمناء للصدق, ورسائل حية لملكوت السموات فليجعل الله من سيركم الطاهرة خير نبراس لنا, ولتكن صلواتكم معنا. ولربنا المجد إلى الأبد آمين.

Leave a Comment