تفسير سفر أيوب – الإصحاح الثاني والأربعون – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الثاني والأربعون

قد علمت أنك تستطيع كل شيء ولا يعسر عليك أمر

 

  • ” ​فَأَجَابَ أيوب الرَّبَّ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ”:-

بعدما عرض الله على أيوب علمه وخلقته لكل المخلوقات وعنايته الوثيقة بالعالم أجمع عرف أيوب أنه شيء زهيد فاتضع إذ عرف قدر نفسه كما قال داود أنه كلب ميت وبرغوث، عرف ما قاله ربنا يسوع ” تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم” (مت١١: ٢٩).

فقد حان الوقت أن يعرف أيوب أن الله قادر على كل شيء لا يقف أمامه شيء عسير أو صعب، ربما تساءل لماذا جُرب؟ فاحتار، هل عقوبة على خطاياه فيقدم توبة والله يغفر؟ أم هي حرب من إبليس، فبدون الله لا تكن نصرة؟ أو هل هو امتحان من الله فبدون الله لا ينجح؟ فلهذا اتضع عندما عرف مقاصد الله العلوية والعميقة جدا.

  • ” ​فَمَنْ ذَا الَّذِي يُخْفِي الْقَضَاءَ بِلاَ مَعْرِفَةٍ؟ وَلكِنِّي قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا”:-

هنا يرد الله على أيوب في اتهامه لله (أي٣٨: ٢٢)، هل بعدما تعرف على حكمته ولم يستطيع أن يجاوب الله عن أعماله في خليقته وحكمته هل هي بلا معرفة ؟ حاشا… بل عرف أيوب أن معرفته إذا قورنت بالله تحسب غباوة، بل أنه نطق بما يفوق مستواه بكثير. هكذا عندما يكتشف الإنسان حكمة الله من الأمور المخفية عنه يمجده ويعترف بنقص حكمة الإنسان لهذا صرخ موسى لما تقابل مع الله أنه إنسان ثقيل الفم واللسان هذا الذي تعلم بكل حكمة المصريين (خر٤: ١٠)، وهكذا إرميا قال عن نفسه أنه ولد لا يستطيع أن يتنبأ لشعبه (إر١: ٦).

  • ” اِسْمَعِ الآنَ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ. أَسْأَلُكَ فَتُعَلِّمُنِي. بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي”:-

أدرك أيوب أنه صار جاهلا فطالب باشتياق أن يعرفه الرب حكمته إذ كلمة أسألك في العبرية shaa’al تعني اشتياق من تلميذ أن يتعلم من معلمه، هكذا اتضع أيوب الذي ظهر أحيانا وكأنه عالم بكل شيء.

وقد أعلن أيوب أن كل ما كان يعرفه عن الله مجرد سماع عن الله لكن لم يكن يتوقع أن يرى الله ببهائه ويتمتع بمعرفة الرؤية الحقيقية والتي ليست بعين الإيمان بل بما يستطيع أن يحتمل الإنسان في تنازل الله ليراه الإنسان، فمعرفة السمع شيء والرؤية شيء آخر فكأن السماع لا يساوي شيئا بالمقارنة برؤية الله.

  • ​” لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ “:-

عندما يرى الإنسان الله في قداسته يعرف أنه لا شيء.

عندما قارن أيوب نفسه بأصحابه ربما أحس أنه بار لكن عندما تراءى له الرب أحس أنه لا شيء بالمرة مثلما رأى إشعياء الرب جالس على كرسي عالي وأذياله تملأ الهيكل فقال عن نفسه أنه نجس الشفتين (إش٦: ٥).

وعندما أحس معلمنا بطرس بنور ربنا يسوع بعد معجزة صيد السمك الكثير قال لربنا يسوع “أخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطئ” (لو٥: ٨).

أما لبس المسوح فهو إعلان عن خشونة الخطية.

أما الجلوس في التراب والرماد فإعلان عن فعل الخطية من انحلال الإنسان وفساده بسبب الخطية.

فلهذا قدم أيوب توبة عما سبق وأعلنه من بره عندما ظهرت له قداسة الله الكلية.

  • ​” وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أيوب بِهذَا الْكَلاَمِ، أن الرَّبَّ قَالَ لأليفاز التَّيْمَانِيِّ: قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أيوب”:

أعلن الرب لأليفاز التيماني أكبر أصدقاء أيوب الثلاثة أن أيوب أبر منهم وأنه أقرب إلى قلب الله لأنه صادق وتكلم بالصدق تجاه الله لكن أليفاز وأصحابه أدانوا أيوب ظلما مما أثار الغضب الإلهي عليهم فظهرت هنا الحقيقة من فم الله ذاته أنهم مدانون وأن أيوب بار وعبد الله.

  • ​” وَالآنَ فَخُذُوا لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أيوب، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أيوب يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ   مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أيوب”:-

تقديم عدد الذبائح ٧ كان رمزا أو عدد للكمال سواء لليهود أو للأمميين، فلليهود في (ملا٢٣: ١٨، عد٢٩: ٣٢) وللأمميين قدمه بلعام في (عد٢٣: ١، ٢٩).

أعلن الله عن عدم كفاية الذبائح التي للعهد القديم خلال رفض تقديم ذبائح أصدقاء أيوب بدون صلاة أيوب الذي يشير إلى ربنا يسوع الكلمة المتجسد الذبيحة الحقيقية الكاملة.

أيضا يعلن بوضوح عن الشفاعة التوسلية وقدرة صلوات الآخرين عنا مثل كرنيليوس وطابيثا (أع١٠: ٣؛ ٩: ٣٦)، وأيضا شفاعة داود وحزقيا ملك يهوذا عن مدينة أورشليم (٢مل٢٠: ٦)، بينما يرفض الله شفاعة أيوب عندما يخطئ الشعب كما في (حز١٤: ١٤، ١٦)، (إر١٥: ١).

أعلن الله لأصدقاء أيوب أنه رغم توبيخه لأيوب لعدم معرفته حكمة الله الكاملة في صنع الأمور لكن أيوب أبر من أصدقائه الذين توهموا أنهم يحامون عن الله بينما هم ضده لهذا مثلهم الآباء بالهراطقة.

  • ​” فَذَهَبَ أليفاز التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَفَعَلُوا كَمَا قَالَ الرَّبُّ لَهُمْ. وَرَفَعَ الرَّبُّ وَجْهَ أيوب”:-

قبل الله شفاعة أيوب عندما نفذ أصحابه الثلاثة ما قاله الرب لهم وقُبلت شفاعة أيوب التوسلية عنهم، هؤلاء الذين قبلا عيروه واتهموه بالخطايا الخفية أصبحوا متهمين من العدل الإلهي يحتاجوا إلى الذي اتهموه ليشفع فيهم، ما أبعد أحكام الله عن البشر! وما أبعد فكره عنهم! إذ كما ارتفعت السماء عن الأرض ارتفع فكر الله عن أفكار بني البشر.

  • ​” وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أيوب لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أصحابهِ، وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأيوب ضِعْفًا”:-

اعتبر أيوب كمن في سبي مقيد في حرفية كأنه مسجون لكن متى رد سبيه إذ انفتح قلبه وصلى لأجل الذين أساءوا إليه واضطهدوه واتهموه، حقا عندما نغفر للآخرين يغفر لنا أبونا السماوي ويعطينا ضعف ما لنا روحيا بل ١٠٠ ضعف حسب ما قال الإنجيل في (لو١٩: ٢٩) ويرفعنا الله من مذبلة التجربة لمحبتنا لأخوتنا والصلاة لأجلهم (مز١١٤: ٧).

  • ​” فَجَاءَ إِلَيْهِ كُلُّ إِخْوَتِهِ وَكُلُّ أَخَوَاتِهِ وَكُلُّ مَعَارِفِهِ مِنْ قَبْلُ، وَأَكَلُوا مَعَهُ خُبْزًا فِي بَيْتِهِ، وَرَثَوْا لَهُ وَعَزَّوْهُ عَنْ كُلِّ الشَّرِّ الَّذِي جَلَبَهُ الرَّبُّ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ كُلٌّ مِنْهُمْ قَسِيطَةً  وَاحِدَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ قُرْطًا مِنْ ذَهَبٍ”:-

يبدو أن أخوة أيوب احتقروه في وقت التجربة مما زاد التجربة ألما (أي١٩: ١٣، ١٤)، لكنهم عندما رد الرب سبي أيوب رجعهم إلى زيارته ومساعدته.

كانت عادة الشرقيين عندما يصاب إنسان بتجربة ويشفى يزورونه ويعطوه عطايا (٢أي٣٢: ٢٣) أي عوضوه عما فقده.

وأعطوه قسيطة وقرطا من ذهب وكليهما غير معروف وزنه.

وعزوه ورثوا له.

الشر الذي في الآية أي الآلام والتجربة لأن الله ليس خالقا للشرور لكن الذي جلب الشر هو إبليس ثم الإنسان بطاعته لإبليس.

أشار أخوة ومعارف أيوب إلى اليهود الذين لم يؤمنوا بربنا يسوع عندما رأوه مصلوبا لكن بعدما قام وصعد وحل الروح القدس كثيرون منهم آمنوا.

  • ​” وَبَارَكَ الرَّبُّ آخِرَةَ أيوب أَكْثَرَ مِنْ أُولاَهُ. وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْغَنَمِ، وَسِتَّةُ آلاَفٍ مِنَ الإِبِلِ، وَأَلْفُ فَدَّانٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَأَلْفُ أَتَانٍ”:-

بارك الله أيوب بعد تجربته أكثر مما كان وقت السلام، قد يتذمر البعض على التجارب لكنه يدري أنه يمحص ويتطهر ويعطي له الصبر والاحتمال لأجل مكافأة أكبر.

فبارك الرب أيوب فكان له :-

١٤٠٠٠ من الغنم و ٦٠٠٠ من الإبل و ١٠٠٠ زوج من البقر و ١٠٠٠ أتان.

وهذه الأرقام تبين أن الله أعطاه ضعف ما كان له قبل تجربته.

  • ​” وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. وَسَمَّى اسْمَ الأُولَى يَمِيمَةَ، وَاسْمَ الثَّانِيَةِ قَصِيعَةَ، وَاسْمَ الثَّالِثَةِ قَرْنَ هَفُّوكَ”:-

البنون عامة يرمزوا لعمل الروح القدس والبنات لفضائل الجسد بواسطة روح الله.

يميمة : تعني يوما أو نهارا أو نورا.

قصيعة : تعني كاسيا أو سليخة وهي من النباتات العطرية كما جاء في (مز٤٥: ٨).

قرن هفوك : قرن توضع فيه مادة مثل كحل العين خاص بالرموش لذا يسمى                  eye-lashes .

فالثلاثة يحملوا معاني روحية هي النور الذي يشرق في الأبدية والرائحة الزكية التي لربنا يسوع المسيح رائحة الأعمال الصالحة والثالثة هي رؤية الله وجها لوجه وتسبيحه دائما.

  • ​”وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أيوب فِي كُلِّ الأَرْضِ، وَأَعْطَاهُنَّ أَبُوهُنَّ مِيرَاثًا بَيْنَ إِخْوَتِهِنَّ”:-

يوضح الله جمال بنات أيوب الذي يرمز لجمال الروح ذات الفضائل السامية.

إعطاءه بناته ميراثا مع أخوتهن دليل على مساوتهن مع الأخوة الذكور إذ كان أيوب عادلا في توزيع ميراثه وهذا يرمز إلى أن في الحياة الأبدية كل واحد سيأخذ مجدا حسب أعماله لأنه قيل “في بيت أبي منازل (مواضع) كثيرة” (يو١٤: ٢).

  • ​” وَعَاشَ أيوب بَعْدَ هذَا مِئَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَال. ثُمَّ مَاتَ أيوب شَيْخًا وَشَبْعَانَ الأَيَّامِ”:-

عاش أيوب بعد التجربة ١٤٠ سنة وفي الترجمة السبعينية ١٧٠ سنة، ومات في سن ٢٤٠ سنة فتكون التجربة حلت به في سن الــ ٧٠ تقريبا.

رأى أيوب أربع أجيال دليل على البركة الأرضية التي ترمز للبركة السماوية، لقد نجح في الانتصار على تجربته التي كانت بسماح من الله وبحسد إبليس لكن عاد إبليس في هذه المرة منهزما فقد أثبت أيوب أنه يمكن لبني البشر إن أرادوا النصرة على إبليس والتي تحققت بشكل كامل بواسطة ربنا يسوع الذي هو نسل المرأة الذي سحق رأس الحية، فاختبر أيوب الألم والرخاء لكنه تبارك بواسطة الألم أكثر مما كان في رخائه وكأن سفره يتكلم عن بركة الألم المضاعفة لمن ينتصر في التجارب.

المراجع

تقسير الأباء الأولين لسفر أيوب للقمص تادرس يعقوب ملطي

 

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment