تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الحادي و العشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) أخآب يطلب كرم نابوت ونابوت يرفض إعطاءه إياه (ع1- 3).
(2) مؤأمرة إيزابل والحكم على نابوت وأولاده ظلماً (ع4-16).
(3) إيليا يبلغ أخآب قضاء الرب عليه وعلى بيته وعلى زوجته (ع17-24).
(4) حديث عن شرور أخآب (ع25-26).
(5) ندم أخآب ونظر الرب إلى ندمه وكلامه إلى إيليا عنه (ع27-29).
1 – وحدث بعد هذه الأمور أنه كان لنابوت اليزرعيلى كرم فى يزرعيل بجانب قصر أخآب ملك السامرة.
(1) أساء أخآب التصرف إزاء ملك وثنى غريب الجنس فأعفاه من الموت وأطلقه حراً لأجل مطامعه المادية والسياسية مع أن الرب كان قد حرمه (ص20: 34), وهنا نراه يسئ التصرف أيضاً مع إنسان برئ من بنى جنسه ومن رعيته فيسمح بقتله ظلماًَ ويسلمه لذهن مرفوض فلا يعرف كيف يتصرف إزاء الغريب أو القريب.
(2) حدثت مأساة (نابوت اليزرعيلى) بعد الانتهاء من الحرب ضد الأراميين. ربما بفترة قصيرة. و (يزرعيل) المذكورة هنا تدعى الآن (يزرعين) وتقع فى سهل يزرعيل الممتد من البحر المتوسط غرباً إلى الأردن شرقاً، وكانت قريبة من السامرة عاصمة إسرائيل. وكان قصر أخآب شرقى المدينة وكان لنابوت بستان للكروم (أشجار عنب) ويرجح أن هذا البستان كان شرقى القصر الملكى. ودعى أخآب (ملك السامرة) لأن مدينة السامرة كانت العاصمة.
2 – فكلم أخآب نابوت قائلاً أعطنى كرمك فيكون لى بستان بقول لأنه قريب بجانب بيتى فأعطيك عوضه كرماً أحسن منه أو إذا حسن فى عينيك أعطيتك ثمنه فضة.
(1) رغم أملاك أخآب الواسعة اشتهى أن يضم كرم نابوت إلى أملاكه ليحوله إلى بستان للبقول والخضر لوقوعه إلى جانب قصره، وعرض على نابوت أن يعطيه الكرم نظير أن يعوضه عنه بكرم أحسن منه فى مكان آخر أو يعطيه ثمنه إذا شاء.
(2) كان تصرفاً حسناً من أخآب أنه لم يشأ أن يغتصب الكرم اغتصاباً أو يأخذه بالقوة، وربما كان لتوبيخ النبى له بعد إطلاق بنهدد ملك أرام أثر فى قلبه فلم يشأ أن يضيف إثماً جديداً إلى آثامه المتعددة، ولكنه للأسف لم يثبت على هذا الموقف العادل بل سلم الأمر لزوجته كما سنرى ووقع فى أشر الآثام، وبرهن على أن كلمة الرب ليست ثابتة فيه (1يو2: 6).
3 – فقال نابوت لأخآب حاشا لى من قبل الرب أن أعطيك ميراث آبائى.
(1) رفض نابوت رفضاً تاماً أن يعطيه الكرم لأنه “ميراث” له عن آبائه وأجداده، لأن الرب أعلمهم أن أرض الموعد هى ملكه تبارك اسمه، وقد أعطى منها لكل سبط نصيبه، وأقام كل سبط فى أرضه، وأمر فى شريعته ألا ينتقل نصيب سبط إلى سبط آخر، أو نصيب رجل إلى آخر، وحتى إذا افتقر صاحب الأرض وباع أرضه كان فى إمكان أو فى إمكان أقاربه أن يفكها (يستردها بثمنها ثانية، وإن لم يستطع استردادها كانت ترد إلى صاحبها تلقائياً فى سنة اليوبيل) (لا25 : 23- 29، عد 36: 7 – 9).
(2) كان نابوت اليزرعيلى حكيماً جداً لأنه لم يفرط فى ميراث الآباء، وقد قال بعزم (حاشا لى من قبل الرب أن أعطيك ميراث آبائى)، وإذا كان الميراث المادى الذى يرثه الأبناء والأحفاد عن الآباء والأجداد غالياً وثميناً. فبالأولى يكون الميراث الروحى الذى تسلمه المؤمنون من آبائهم وأجدادهم، وتسلمه هؤلاء من الرب ورسله، وما أجمل أن نتمسك بميراثنا الغالى من التعاليم والتقاليد والطقوس والترتيبات الكنسية المقدسة ولا نفرط فى شئ منه لأنه كنز ثمين وذخيرة طيبة.
4 – فدخل أخآب بيته مكتئباً مغموماً من أجل الكلام الذى كلَّمه به نابوت اليزرعيلى قائلاً لا أعطيك ميراث آبائى واضطجع على سريره وحول وجهه ولم يأكل خبزاً.
مضى الملك إلى بيته حزيناً جداً لأنه لم يستطع أن يشبع شهوته بامتلاك الكرم، ونام على سريره دون أن يأكل أو يشرب من شدة الحزن، وأدار وجهه إلى الداخل مستسلماً للكآبة لأن حزنه الشديد جعله لا يريد أن يرى أحداً أو يتكلم مع أحد .
5 – فدخلت إليه إيزابل امرأته وقالت له لماذا روحك مكتئبة ولا تأكل خبزاً.        6 – فقال لها لأنى كلمت نابوت اليزرعيلى وقلت له أعطنى كرمك بفضة وإذا شئت أعطيتك كرماً عوضه فقال لا أعطيك كرمى.
سألته زوجته عن سبب اكتئابه وامتناعه عن الأكل، فقص عليها قصته مع نابوت حيث طلب منه أن يبيع له كرمه أو يستبدله منه بآخر فرفض.
7 – فقالت له إيزابل أأنت الآن تحكم على إسرائيل. قم كل خبزاً وليطب قلبك. أنا أعطيك كرم نابوت اليزرعيلى.
(1) هونت عليه المرأة الشريرة الأمر، وسألته : ” أأنت الآن تحكم على إسرائيل” وهو سؤال يحمل معنى الدهشة، والتهكم والاستنكار وغير ذلك من المعانى، وكأنها توبخه على عدم استعمال سلطته كملك فى اغتصاب الحقل وعقاب صاحبه على وقاحته، وكأنها فى توبيخها تقول : (ألست الملك على إسرائيل؟ وأليس جميع الشعب عبيداً لك وكل مالهم ملكاً لك؟ فلماذا أنت مكتوف اليدين إزاء رجل حقير وقح وفى إمكانك أن تفعل به وبكرمه وبكل أفراد الشعب ما بدا لك؟)
وطلبت إليه أن يقوم ويتناول طعامه ويبعد عنه الاكتئاب ويعود إلى سروره وهدوء نفسه وتعهدت أن تتولى هى بنفسها موضوع أخذ الكرم من نابوت وإعطائه للملك.
(2) واستسلم الرجل الضعيف الإرادة لزوجته، ولم يسألها بأى طريقة تأخذ الكرم من صاحبه، هل بطريق الشرف والعدل والأمانة أم بطريق الظلم والعدوان.
8 – ثم كتبت رسائل باسم أخآب وختمتها بخاتمه وأرسلت الرسائل إلى الشيوخ والأشراف الذين فى مدينته الساكنين مع نابوت. 9 – وكتبت فى الرسائل تقول. نادوا بصوم وأجلسوا نابوت فى رأس الشعب.10 – وأجلسوا رجلين من بنى بليعال تجاهه ليشهدا قائلين قد جدفت على الله وعلى الملك. ثم أخرجوه وأرجموه فيموت.
(1) كان الملك مسلوب الإرادة وجاهلاً لدرجة أنه سلم قيادة ملكه ونفسه إلى امرأته الأثيمة، وأعطاها خاتمه الذى يوقع به على أوامره ولوائحه لتفعل ما تشاء وتكتب ما تشاء باسمه وتختمه بخاتمه كأنه هو الآمر والمتصرف، والحقيقة إنها هى الآمرة والمتصرفة.
(2) ولقد كان فى إمكان هذه المرأة الدنيئة أن تكتفى بإصدار أمر باغتصاب الكرم وضمه لأراضى الملك ولكنها لفساد قلبها وبعدها كل البعد عن مخافة الرب أبت إلا أن تغرم هذا الرجل البرئ المسكين لا كرمه فقط، بل حياته وحياة أولاده أيضاً.
(3) ومن الغريب أنها ألبست مكيدتها ثوباً من التدين الكاذب والشرف والعدل الكاذبين:
( أ ) فأرسلت رسائل إلى شيوخ وعظماء مدينة يزرعيل ليكونوا محكمة قانونية.
(ب) وأن يأمروا الشعب بالصوم والاعتكاف كأن أمراً عظيماً قد حدث وكأن أحد الأشخاص أو بعضهم قد اقترف إثماً فظيعاً يستوجب الصوم والتذلل من جميع الشعب لكى يستدروا مراحم الله ومغفرته.
(4) وأمرت الملكة الشيوخ أن يجلسوا نابوت “فى رأس الشعب” أى فى مقدمتهم :
( أ ) ليكون بمثابة إنسان متهم من جهة.
(ب) وليكون من جهة أخرى بمثابة رئيس عظيم على مدينته، وتكون الجريمة التى يلصقونها به جريمة كبيرة جداً وخطيرة لأنه كلما ارتفع مقام الشخص كلما ازدادت مسئوليته وجسَّم الناس خطيته.
(5) وحاكت جريمتها فأمرت بأن يقف تجاهه أى ضده رجلان من (بنى بليعال) أى الناس الأردياء التافهين البطالين الذين لا هم لهم إلا عمل الشرور، ليكونا شاهدى زور على نابوت ويدَّعيا أنهما سمعاه يجدف على الله وعلى الملك. وقد كانت شهادتهما مقبولة فى نظر المحكمة لأن الشريعة تنص أنه على فم شاهدين أو أكثر يقوم الأمر (تث17: 6).
وكانت عقوبة التجديف على اسم الله القدوس الرجم بالحجارة كما أوضح الرب ذلك لعبده موسى عندما جدف أحد الأشخاص على الله (لا24: 10- 17)، كما أمر الرب أيضاً فى شريعته أن يحترم الملوك ويطاعوا وقد قال الرب فى شريعته أيضاً “لا تسب الله ولا تلعن رئيساً فى شعبك” (خر 22 : 28).
(6) وكم من جرائم وخطايا يأتيها الناس باسم الدين، وكم يتكلم الناس بالصالحات وهم أشرار (مت12: 34), وكم يحبكون مؤامراتهم مُدَّعين أنهم غيورون على مجد الله وعلى كلمته المقدسة وهم بعيدون كل البعد عن كلمة الرب وعن الغيرة المقدسة وإنما (لهم صورة التقوى ولكنهم مُنكرون قوتها) (2تى3: 5).
هكذا فعلت إيزابل الدنيئة أمرت بعقد محكمة زائفة مظهرها الغيرة على الله والشريعة لتحكم على إنسان برئ، وكان مثلها كمثل اليهود الذين حكموا زوراً على المسـيح البرئ (أع3: 13, 14) وعلى استفانوس البار (أع7) وقد قال المسيح لرسله عن أمثال هؤلاء : (تأتى ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله) (يو16: 2).
11 – ففعل رجال مدينته الشيوخ والأشراف الساكنون فى مدينته كما أرسلت إليهم إيزابل كما هو مكتوب فى الرسائل التى أرسلتها إليهم.12 – فنادوا بصوم واجلسوا نابوت فى رأس الشعب. 13 – وأتى رجلان من بنى بليعال وجلسا تجاهه وشهد رجلا بليعال على نابوت أمام الشعب قائلين قد جدف نابوت على الله وعلى الملك. فأخرجوه خارج المدينة ورجموه بحجارة فمات.
ماتت ضمائر شيوخ المدينة وأشرافها وجبنوا أمام أوامر المرأة الطاغية، فنفذوا جميع ما أمرت به، ولم يقف أحد منهم فى صف الرجل البرئ، بل حكموا عليه بالرجم ظلماً، وراح المسكين ضحية مطامع ملك شرير، ومؤامرة ملكة أثيمة، وجبن ونذالة شيوخ وأشراف أردياء.
14 – وأرسلوا إلى إيزابل يقولون قد رجم نابوت ومات.15 – ولما سمعت إيزابل أن نابوت قد رجم ومات قالت إيزابل لأخآب قم رث كرم نابوت اليزرعيلى الذى أبى أن يعطيك إياه بفضة لأن نابوت ليس حياً بل هو ميت.16 – ولما سمع أخآب أن نابوت قد مات قام أخآب لينزل إلى كرم نابوت اليزرعيلى ليرثه.
(1) كانت مؤامرة إيزابل أوسع من ذلك لأنها دبرت فى مكيدتها أن يرجم بنو نابوت أيضاً (2مل9: 26)، وربما أمرت شاهدى الزور باتهامهم بالاشتراك مع أبيهم فى التجديف، وكان قصدها من ذلك ألا يكون هناك وارث للكرم على قيد الحياة فيرثه الملك، وهكذا لأجل قطعة أرض رخيصة أزهقت أرواحاً بريئة غالية وأبادت بيتاً عامراً من بيوت شعب الله !
(2) لما مات نابوت وأبناؤه أرسل الشيوخ يخبرونها بموته لكى يظهروا لها بجبنهم أنهم نفذوا أوامرها كاملة، ويهنئوها بنجاح مكيدتها.
(3) وسرت الملكة للنبأ وذهبت إلى زوجها وطلبت إليه أن يقوم ويضع يده على الكرم ويرثه لأنه أصبح الوارث الوحيد له. وقام الملك وورث الكرم، ورضى بهذا الكسب الحرام.
17 – فكان كلام الرب إلى إيليا التشبي قائلاً
كانت هذه الخطية فظيعة جداً فى عينى الرب حتى إنه لم يرسل إلى أخآب نبياً من الأنبياء العاديين أو واحداً من بنى الأنبياء بل إيليا النبى العظيم نفسه، ليبلغه توبيخ الرب له ويعلن له قضاء الرب عليه وعلى بيته وعلى زوجته. ويرجح أن إيليا دعى (التشبي) لأنه ولد فى بلدة (تشبة) الواقعة فى جلعاد شرقى الأردن، كما أن هناك بلدة أخرى تدعى (تشبة) فى إقليم الجليل غربى الأردن (طو 1 : 2).
18 – قم انزل للقاء أخآب ملك إسرائيل الذى فى السامرة. هوذا هو فى كرم نابوت الذى نزل إليه ليرثه.
أمره الرب أن يذهب إلى أخآب وهو فى نفس الكرم الذى اغتصبه ونزل إليه ليرثه، ليكون إيليا كإنسان من رجال العدل والأمن يضبط شخصاً مجرماً وهو متلبس بجريمته.
19 – وكَّلمه قائلاً. هكذا قال الرب. هل قتلت وورثت أيضاً. ثم كلمه قائلاً هكذا قال الرب. فى المكان الذى لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب دمك أنت أيضاً.
(1) أمر الرب إيليا أن يوبخ أخآب قائلاً : هكذا قال الرب : هل قتلت وورثت أيضاً؟ سؤال استنكارى يوبخ الرب فيه ذلك الإنسان الظالم الذى لأجل إشباع مطامعه رضى لزوجته أن تقتل إنساناً بريئاً وأولاده ليغتصب ملكه لنفسه.
(2) وأعلنه الرب بقضائه عليه شخصياً بأنه يجرح ويموت وتلحس الكلاب دمه فى المكان الذى لحست فيه دم نابوت البرئ! يا لقضاء الله العادل، وحكمه الحق! حقاً “إن الذى يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً ” ( غلا6: 7).
ولقد تم قضاء الله على أخآب لأنه بعد ثلاث سنوات جرح فى الحرب مع أرام ولما مات متأثراً بجراحه نقل فى مركبته وغسل سلاحه فى بركة السامرة ولحست الكلاب دمه.
(3) “فى المكان الذى لحست فيه الكلاب….” لا يعنى نفس البقعة ولكنه الموقع يعنى أن كلاً منهما يموت بعيداً عن بيته وخارجاً عن مدينته وقد تحقق هذا لأن نابوت رجم خارج مدينته يزرعيل ولحست الكلاب دماءه الذكية والملك أخآب مات بنفس الوضع بعيداً عن بيته ولحست الكلاب دمه الدنس خارجاً عن مدينته السامرة فى موقع مشابه تمام المشابهة لموقع مصرع نابوت (ص22: 38 ).
ونقرأ فيما بعد أن ياهو قتل يهورام بن أخآب أيضاً وألقى بجثته فى حقلة نابوت اليزرعيلى (2 مل 9 : 26).
20 – فقال أخآب لإيليا هل وجدتنى يا عدوى. فقال قد وجدتك لأنك قد بعت نفسك لعمل الشر فى عينى الرب.
كان إيليا قد انقطع عن المجئ إلى أخآب منذ تحديه لكهنة البعل وقتلهم وصلاته من أجل نزول المطر (ص 18) مدة طويلة يقدرها العلماء بنحو تسع سنوات، فلما أرسل الرب إيليا أخيراً إليه ورآه أخآب استاء وقال غاضباً “هل وجدتنى يا عدوى؟ ” وهو يعنى (هل عدت ثانية لمواجهتى؟).
ومن المؤلم أنه يدعوه (عدواً) لأنه يوبخه على أخطائه ويكلمه بكلمة الحق. ومن الخطأ جداً أن يستاء الناس من الخدام الأمناء والأصدقاء المُخلصين الذين يبكتونهم على خطاياهم وينصحونهم لتعديل طرقهم، بينما يرحبون ويسرون بالأشخاص المتملقين الذين يتركونهم فى أخطائهم وقد يزينون أمامهم الطرق المعوجة التى يسلكون فيها، مع أنه “أمينة هى جروح المحب وغاشة هى قبلات العدو” (أم27: 6).
(2) وأجابه إيليا : ” قد وجدتك لأنك قد بعت نفسك لعمل الشر فى عينى الرب” :
( أ ) لأن الإنسان الشرير الذى يتباعد عن طريق الرب ينزع نفسه من بنوته لله ويسلم ذاته للشيطان ليصبح أسيراً له، وعبداً لخطيته لأن “من يعمل الخطية فهو عبد للخطية ” (يو8: 34 ).
(ب) وبيعه نفسه لعمل الشر يعنى أيضاً أن ضميره قد مات وأصبح مستبيحاً مستهتراً مسلماً ذاته لهواه يعمل الشر بدون حساب وبدون مبالاة فأصبح عمل الشر الشئ الطبيعى الملازم له. والعامة يقولون فى لغتهم الدارجة عن مثل هذا الرجل : (إنه مستبيع) بفتح الياء.
21 – هأنذا أجلب عليك شراً وأبيد نسلك وأقطع لأخآب كل بائل بحائط ومحجوز ومطلق فى إسرائيل. 22 – وأجعل بيتك كبيت يربعام بن نباط وكبيت بعشا بن أخيا لأجل الإغاظة التى أغظتنى ولجعلك إسرائيل يخطئ.
وأبلغه إيليا قضاء الرب عن بيته ونسله أيضاً، فأعلن أن الرب يجلب الشر عليه وعلى بيته من بعده :
( أ ) لأنه يبيد من نسله “كل بائل بحائط” أى جميع الذكور (شرح ص14), “وكل محجوز ومطلق” أى كل من هو مقيد الحرية أو يعيش فى المدينة ومن هو حر أو ساكن بعيداً عن المدن (شرح ص14).
(ب) ويجعل بيته يحيق به الدمار مثل بيت يربعام بن نباط (ص15)  و(بعشا بن أخيا) (ص16) لأن كلاً من هؤلاء أغاظ الرب بشروره وجعل “إسرائيل يخطئ ” لأن الملك الشرير يسبب عثرة لشعبه .
وقد تم كل هذا على بيت أخآب على يد ياهو بن نمشى، وكان أول من قُتل لأخآب ابنه يهورام (2مل9) ثم باقى نسله (2مل10).
23 – وتكلم الرب عن إيزابل أيضاً قائلاً إن الكلاب تأكل إيزابل عند مترسة يزرعيل.
24 – من مات لأخآب فى المدينة تأكله الكلاب ومن مات فى الحقل تأكله طيور السماء.
(1) وقضى الله على إيزابل الشريرة التى كانت المدبرة لكل هذا الشر بأن تُقتل وتأكلها الكلاب عند (مترسة يزرعيل) ويقصد بذلك (عند حدود يزرعيل) ولعل الحدود دعيت مترسة لأن المتاريس والتحصينات توضع عليها أحياناً لتحصين المدن وقد قتلت إيزابل فعلاً بأمر ياهو حيث رماها بعض الأشخاص من كوة البرج وأكلت الكلاب لحمها ولم يبق منها إلا الجمجمة والكفَّان والرِجلان (2مل 9 : 35).
(2) وعاد الرب وأعلن عن بيت أخآب أن من يموت له فى المدينة تأكله الكلاب ومن يموت له فى الحقل تأكله الطيور، وهكذا يموتون بلا كرامة ولا يشيع أحد جنائزهم أو يهتم بدفنهم، وهو نفس القضاء الذى أعلنه الرب عن نسل يربعام بن نباط (ص16).
25 – ولم يكن كأخآب الذى باع نفسه لعمل الشر فى عينى الرب الذى أغوته إيزابل امرأته.
(1) كان أخآب من أشر الملوك لأنه “باع نفسه لعمل الشر فى عينى الرب” كما صرح له بذلك إيليا النبى (ع 20). ومعنى قوله “فى عينى الرب”:
( أ ) أنه عمل كل الشرور التى يراها الرب قبيحة وفظيعة.
(ب) وعمل شرورها بكل وقاحة فى مواجهة الرب كأنه يتحداه تعالى ولا يخافه.
(ج) وعملها مع أنها مكشوفة وظاهرة أمام الرب.
(2) ومن المخجل أن الذى أضلته وساقته لعمل الشر هى امرأته، مما يدل على ضعف شخصيته وانعدام إرادته وانسياقه وراء زوجته انسياقاً أعمى.
26 – ورجس جداً بذهابه وراء الأصنام حسب كل ما فعل الأموريون الذين طردهم الرب من أمام بنى إسرائيل.
دنس حياته بعبادة البعل وغيره من الأوثان مقلداً بذلك الأموريين الذين كانوا من أشر الشعوب الكنعانية التى حرمها الرب فقتل بنو إسرائيل الكثيرين منهم وهرب الباقون.
وذكر الرب هنا الأموريين بنوع خاص :
( أ ) لأنهم كانوا سكان الجبال وكانت السامرة فى منطقة جبلية وتأثر ملكها وشعبها كثيراً بها.
(ب) ولأنهم من أقوى الشعوب الكنعانية وكثيراً ما يذكر الأموريين ويقصد بهم الكنعانيون جميعاً كما نرى ذلك فى قول الرب لأبينا إبراهيم ” لأن ذنب الأموريين ليس إلى الآن كاملاً ”  (تك15: 16).
27 – ولما سمع أخآب هذا الكلام شق ثيابه وجعل مسحاً على جسده وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت.
(1) سمع وعبد الرب :
( أ ) “فشق ثيابه” لهول المصائب التى أعلن الرب أنها ستحل به وببيته.
(ب) “وجعل مسحاً على جسده” و(المسح) ثوب من قماش خشن ورخيص ويلبسه المرء كعلامة للحزن والتذلل.
(ج) (وصام) لعل الرب يشفق عليه.
(د ) ولم يخلع عنه المسح فى وقت النوم بل (اضطجع به).
(ها) “ومشى بسكوت” كعلامة على اكتئابه الشديد وصمته وخجله أمام قضاء الرب عليه.
(2) كان حسناً من أخآب أنه ندم على خطأه لأن الندم خطوة هامة من خطوات التوبة، ويظهر أن توبته لم تكن كاملة لأنه لم يعمل شيئاً لرد الحقل لأقارب نابوت، ولم يظل ثابتاً على توبته ورجوعه إلى الله لأنه عاد وأثار على أرام حرباً هو وشعبه فى غنى عنها، وعاد واستشار أنبياء البعل فى أمر الحرب، وحتى لما تنبأ له أخيا نبى الله غضب أخآب ووضعه فى السجن (ص 22) وهكذا كانت الخطية متأصلة فى حياته ولم يمكنه أن يستأصلها من حياته أو يتخلى عنها.
28 – فكان كلام الرب إلى إيليا التشبى قائلاً: 29 – هل رأيت كيف أتضع أخآب أمامى. فمن أجل أنه قد أتضع أمامى لا أجلب الشر فى أيامه بل فى أيام ابنه أجلب الشر على بيته.
(1) إن الرب برحمته الواسعة يتلمس أى علامة للتوبة للإنسان الخاطئ فيعامله بالرحمة، وقد قبل اتضاع أخآب وتذلله وندمه، وأعلن لعبده إيليا أنه لن يجلب الشر العظيم على بيت أخآب فى حياته بل يفعل هذا فى أيام ابنه. وقد قصد الرب برحمته أن يعيش أخآب الفترة القصيرة الباقية فى حياته فى سلام وهدوء، وأن يموت أيضاً فى سلام، وأن يترك له فرصة لتكمل توبته حتى لا يكون له عذر، ولكن المسكين لم يكمل توبته كما عرفنا.
وقد أعلن الرب بأنه يجرى العقاب فى أيام ابنه يهورام لأنه تعالى بعلمه السابق عرف ما يكون عليه هذا الابن من الفساد، حيث إنه لم يثبت بل عاش غارقاً فى الشرور وعبادة الأوثان مكملاً مكيال شرور أبيه.
(2) تحقق قول الرب فعاش أخآب فى هدوء ثلاث سنوات (ص 22 : 1) واكتفى الرب بمعاقبته شخصياً فى حياته لأنه مات فى الحرب ولحست الكلاب دمه، أما دمار بيته وإبادة نسله وقتل زوجته فقد أجراه الرب بعد موته على يد ياهو بن نمشى وكان ذلك فى حكم يهورام بن أخآب (2مل 9، 10).

Leave a Comment