تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح الأول – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح الأول

أحبوا البر يا أيها الذين يحكمون الأرض

طلب معلمنا سليمان الحكيم في الآية الأولى ثلاث أعمال :-

  1. محبة البر أي حياة القداسة خصوصا للذين يحكمون الأرض.
  2. أن نفكر في الله تفكيرا صالحا أي نحفظ فكرنا أيضا مقدسا ويكون الله مادة تأملنا لكنه ليس كشيء جسدي لأنه أعلى من كل ما على الأرض.
  3. أن نلتمس الله ببساطة قلب أي بقلب ذي رأي واحد ووحدة واحدة في الله، وهنا عمل أن نشتاق إلى الله ونطلبه.

وكأن الثلاثة أعمال هي تحب الرب إلهك من كل قلبك أي مشاعرك، ومن كل فكرك أي قداسة الفكر، ومن كل قدرتك أي نعمل لأجل الله أي لحساب الله بالحب مع قداسة الفكر مع العمل لالتماس الله دون شيء سواه.

لا يستطيع الإنسان أن يرى الله بمجهوده لكن يستطيع إن كان له البر وحياة القداسة والفكر المقدس الطاهر يستأهل بأن يعلن الله ذاته في النفوس المقدسة والتي لها إيمان لا تخاف شيء ولا ترتاب من أي شيء، فالإيمان بالله عمليا وحياة القداسة والبر تؤهل الإنسان أن يأتي الله إليه ويستعلن ذاته فيه ويصنع عنده منزلا (يو١٤: ٢٣).

الأفكار الغير نقية تبعد الله عن قلب الإنسان لكن الأفكار السليمة تجعل الله قريب وهذا يجعل الله هو الطريق لأنه قال “أنا هو الطريق والحق والحياة” فإن كانت أعمالنا مستقيمة وأفكار قلوبنا مستقيمة سنجده طريقا يوصل إليه وهو يكون قريبا منا.

والفكر والقلب النقيان المملوءان بالله فيهما قوة الله التي ترد على الأغبياء وعديمي الإيمان وتصد فكرهم وتخزيهم وتبين ضعف قلوبهم وظلمتهم تنفضح.

يوضح سليمان الحكيم أن الحكمة لا تسكن النفس الخاطئة، وأيضا الجسد الخاطئ أي الخطية هي مسئولية النفس أي الروح الإنسانية فهي سبب خطية الجسد.

فإن كانت روح الإنسان بارة فجسده يكون بارا ويكون مهيأ لروح الحكمة أو للحكمة كأقنوم للسكنى في الإنسان كما يرد عن الحكمة كأقنوم في (أم١: ٢٠، ٣٣؛ ٨: ١- ٣٦؛ ٩: ١- ٦؛ أي٢٨؛ با٣: ٩- ٤: ٤؛ سي٢٤: ١- ٢١).

وتقرأ كنيستنا القبطية هذا الفصل من (حك١: ١- ٨) في الساعة الثالثة من يوم الاثنين من البصخة المقدسة إشارة إلى غرس الإنسان في جنة عدن وكيف خدع بواسطة الحية (إبليس) وفقد حكمته وبساطته.

هنا بين أن الحياة المقدسة البارة عمليا هي أولا ثم تأتي الحياة التأملية نتيجة للبر العملي.

هنا يؤكد عمل الثالوث القدوس :-

  • فأقنوم الحكمة يسكن في النفس المقدسة.
  • والآب يحل في الذي يفكر فيه باستقامة.
  • والروح القدس أي روح الله يهرب من المخادعين.
  • فالروح القدس هو روح وديع يهرب من الخداع أو الغش على جميع المستويات سواء الكذب باللسان أو الخداع بالأعمال الغاشة أو الرياء.
  • وأيضا لا يسكن الروح القدس مع الخطية والإثم، فكيف يسكن روح الله مع الخطية؟!! هل يلتقي الشر مع البر أو النور مع الظلمة!! فهنا يترك الروح القدس الإنسان إذا جعل الإنسان في قلبه إثما.
  • يعطي أيضا صفة أخرى لأقنوم الروح القدس أنه روح محب للبشر لكنه لا يقبل أخطاء الإنسان.
  • فالكليتين هما عرش المشاعر (مز٧: ١٠) والفكر عرش العقل والحياة عرشها اللسان.
  • واللسان هو أداة تعبير عن كل ما بداخل الإنسان سواء فكر أو مشاعر.
  • فعندما يجدف الفم على الله هذا يدل على ما بداخله من أفكار ضد الله أو مقاومة لله ومشاعر غير محبة لله.
  • والروح القدس يحب النفس المحبة لله.
  • فالله يفحص القلوب والكلى وليس اللسان فقط فهو يفحص القلوب والكلى ويسمع ما يقوله الإنسان ويحاسب على الكل.

هنا في هذه الآية يصف الروح القدس أو روح الرب كأقنوم بصفتين إلهيتين :-

  1. أنه يملأ العالم، يملأ المسكونة (إر٢٣: ٢٤).
  2. أنه عالم بكل شيء أو بكل كلمة أي كلي العلم والمعرفة وهو الذي يعطي المعرفة الحقيقية.

فهو أي الروح القدس معدود مع الآب والابن (مت٢٨: ١٩).

هو خالق (مز٣٣: ٦).

به نحيا ونتحرك ونوجد (أع١٧: ٢٨).

يؤكد مرة أخرى أن الروح القدس عالم بكل من ينطق بسوء على الله أو على أخيه الإنسان.

وأنه روح العدل وهو يعاقب على الأخطاء، ليس هو متصيد لها لكنه عالم بها ولأنه عادل يعاقب على أخطاء بني البشر.

في يوم الدينونة سيظهر الله نيات الإنسان الشرير أي إرادته الفاسدة الغير معلنة وأفكاره الداخلية الخاطئة تُعلَن، وأيضا أقواله تبلغ إلى الرب أي أقواله التي بها شر دليل على شره وآثامه لأن الله ليس بظالم لأحد فالعمل ناتج من القول باللسان واللسان ناتج من الفكر وكلها مراحل الخطية دليل على شر الخاطئ ودينونة الله العادلة له.

الله إلهنا هو العريس الغيور على عروسه البشرية وكل إنسان يحبه لأن الله تبنى البشرية بسبب خلقته لها وعمله الدائم لحسابها.

فغيرة الرب تجعله يسمع صوت العروس فقد تكون تشكره بصوتها اللطيف (نش٢: ١٤)، وقد يكون البعض يملأ الدنيا بالتذمر على الله فيسمع الله الغيور على عروسه صوت تذمرها حتى لو كان مجرد فكر وليس صوت، بدل ما تشكر البشرية الله تتذمر في جحود له وتتنكر لنعمته عليها.

يحذرنا الحكيم من ٣ خطايا : التذمر والنميمة والكذب.

لكن يعلق على خطية الكذب أنها تقتل النفس.

فالكذب هو خطية إبليس لأنه كذاب وأبو كل كذاب.

فمن يكذب يتحول ليكون ابن لإبليس ولا يضر الآخرين فقط بل يقتل نفسه أولا فتكون نفسه هالكة بالخطية (الكذب) (مز٥: ٥، ٦).

كذلك أيضا التذمر هو من أكبر الخطايا (سي١٠: ٢٨) لذلك دائما تقدم الكنيسة سر الافخارستيا خلال ذبيحة الصليب لأن سر الافخارستيا هو امتداد لذبيحة الصليب.

كذلك النميمة فيها عدة أخطاء: إدانة للآخرين وعدم إدانة الإنسان لنفسه وأخذ حق من حقوق الله وكبرياء حيث المتضع لا يدين أحدا.

فكل الخطايا السابقة من تذمر وكذب وأفكار تجلب الموت فأجرة الخطية موت سواء الخطية لم تدخل حيز التنفيذ أو دخلت حيز التنفيذ لأن الله سيجازي كل أحد عن أعماله وأفكاره (إش٦٦: ١٨)، وبدل من أن حياة الإنسان تتجه ناحية الله فتحيا إلى الأبد تتجه ناحية إبليس فيهلك الإنسان.

إن الله لم يصنع الموت بل الإنسان جلب الموت كعقوبة على نفسه عندما خالف وصية الله. فالله لا يشاء موت الخاطئ إلا أن يرجع ويحيا.

لكن اجتاز الموت إلى الجميع أي جميع البشر بسبب خطية آدم (رو٣: ٢٣؛ رو٥: ١٢)، وأيضا اختيار الإنسان للخطية ومخالفة وصايا الله فكان له الموت.

لكن ربنا يسوع جاء وصلب وقام وأعطانا الحياة عوض الموت.

خلق الله العالم والإنسان بلا خطية، لا للموت بل للحياة فبحسد إبليس جلب الإنسان الموت بسبب الخطية، لكن خلال الفداء رفع الله الخطية عن العالم بشروط استحقاقات الخلاص.

البر خالد، والبر مصدره الله لأن الله أبدي هكذا هباته فدائما الله يبحث عن الحياة الأبدية والحياة لكل الخليقة لكن إبليس يحاول أن يجلب الموت حتى لا يتمتع الإنسان بالله الذي حرم منه إبليس.

الأشرار تعاهدوا مع الموت من خلال أقوالهم وأفعالهم مثلما عملت حواء وآدم (إش٢٨: ١٥)، لكن الله تعاهد مع إبراهيم على ميثاق الحياة (مز١٦: ٥؛ ٧٣: 26؛ ١٤٢: ٦، تث٣٢: ٩؛ ٢مل٢٦: ١؛ زك٢: ١٦).

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment