كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح الثامن عشر – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الثامن عشر

إلى متى تضعون أشراكا للكلام؟ تعقلوا وبعد نتكلم

 

  • “فَأَجَابَ بِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَقَالَ: إِلَى مَتَى تَضَعُونَ أَشْرَاكًا لِلْكَلاَمِ؟ تَعَقَّلُوا وَبَعْدُ نَتَكَلَّمُ”:-
  • تكلم بلدد هنا للمرة الثانية في الحديث الثاني.
  • اتهم بلدد أيوب وحتى أصحابه بأن كلامهم كثير وملئ بالفخاخ ولا يوجد به تعقل قبل الكلام.
  • هنا إشارة إلى أن الهراطقة دائما يتهموا الكنيسة بالجمود وعدم القدرة على التفكير السليم وكثرة الكلام الباطل.
  • من كلام بلدد أن الخطية لها مرحلتين الفكر ثم الكلام فعندما يخطئ الفكر يخطئ المتكلم ويؤدي ذلك إلى الفعل الخاطئ.
  • لذلك ينصحنا الرسول يعقوب أن نكون مبطئين في التكلم مسرعين في الاستماع وإن كان اتهام بلدد خاطئ لأن أيوب يفكر بطريقة سليمة ولا يكثر الكلام دون فهم.
    • ” لِمَاذَا حُسِبْنَا كَالْبَهِيمَةِ، وَتَنَجَّسْنَا فِي عُيُونِكُمْ ؟”:-

رد بلدد هنا فيه شتيمة لأيوب البار الذي كان يعاتب أنهم مخاتلين وغير حكماء فقط (أي١٧: ٢)، لكن لم يقل أنهم مثل البهائم التي بلا عقل وغير ناطقة خرساء أو أنهم (أصدقاء أيوب) غير طاهرين أو نجسين.

فاعتبر المعاتبة إهانة في كبرياء ورد بشتائم دليل ضعف بلدد وعدم قدرته على الصبر، من يجرح الآخرين يسيء إلى نفسه لأنه يدل أنه غير حكيم وشرير وليس الذين يسيء إليهم.

  • “يَا أَيُّهَا الْمُفْتَرِسُ نَفْسَهُ فِي غَيْظِهِ، هَلْ لأَجْلِكَ تُخْلَى الأَرْضُ، أو يُزَحْزَحُ الصَّخْرُ مِنْ مَكَانِهِ؟”:

رد على أيوب الذي اعتبر أن الله افترسه أو اضطهده اعتبر بلدد أن أيوب حيوان مفترس إن لم يجد ما يفترسه يفترس نفسه.

يقول له هل خلق العالم لأجلك حتى بدونك لا يكون أحد في العالم؟!

هل يتزحزح صخر الدهور الله لأجلك؟!

وهذه نفس اتهامات الهراطقة للكنيسة إذ أن الكنيسة لا يوجد خلاص خارجها فادعى الهراطقة هل لا سبيل للخلاص إلا عن طريقها؟ وكأنها أو بدونها لا يخلص العالم، هل الله يغير مكانه لأجل الكنيسة؟ فهم يحقرون من الكنيسة لأجل منفعتهم والعمل بأفكارهم إذ يشهد في سفر يشوع أن راحاب بواسطة بيتها والحبل القرمزي خلص الذين داخل بيتها من الموت هكذا الكنيسة بواسطة دم ربنا يسوع لا خلاص خارجها.

  • ” نَعَمْ! نُورُ الأشرار يَنْطَفِئُ، وَلاَ يُضِيءُ لَهِيبُ نَارِهِ. النُّورُ يُظْلِمُ فِي خَيْمَتِهِ، وَسِرَاجُهُ فَوْقَهُ يَنْطَفِئُ”:

نور الأشرار ينطفئ صحيح لكن ليس في حالة أيوب إذ هو بار وليس شرير، ويقصد بالنور هنا الخيرات الزمنية والحياة الزمنية.

نور الأشرار ينطفئ لأنه يظهر لحين ثم يخبوا (أم٢٠؛ أي٢١: ١٧).

لا يضيء لهيب ناره لأن الشرير يكون ملتهب بالشهوات التي تطفئ نور القداسة فلهذا لهيب ناره لا يضيء.

هكذا إبليس إن حاول أن يظهر في شكل ملاك نور لكن لحين لأنه أصلا مظلم.

النور ينطفئ من الجسد بالخطية حيث الخيمة هي الجسد (٢ كو٥: ١).

وسراجه فوقه ينطفئ إذ فكره يظلم وهو أفضل وأعلى ما في النفس فيصير الإنسان كله مظلما.

  • ” تَقْصُرُ خَطَوَاتُ قُوَّتِهِ، وَتَصْرَعُهُ مَشُورَتُهُ “:-

أي أن المحب للعالم تضيع قوته هباء لأن أمله سراب فهو يبني للعالم وهو زائل، عريان دخل للعالم وعريان يعود.

مشورة الشرير تعود عليه بالشر مثل هامان الذي أعد الصليب لمردخاي فصُلب هو عليه، ويهوذا الاسخريوطي الذي خان معلمه والنتيجة أنه شنق نفسه لأجل ٣٠ من الفضة.

  • ” لأَنَّ رِجْلَيْهِ تَدْفَعَانِهِ فِي الْمِصْلاَةِ فَيَمْشِي إِلَى شَبَكَةٍ “:-

من يفعل الشر أو الخطية هو يعمل لنفسه فخاخ ويفتل حبال لشبكة الخطية التي تسقط فإن الشر أو الخطية ينتج فساد والفساد يعود ويسقط الإنسان.

هناك أشخاص يتوبون عن الخطية إذ يرفعوا أرجلهم عنها ويسموا بالروح عن الأرضيات فلا تصيبهم فخاخ الخطية المنصوبة في الأرض لكن إذا التصق الإنسان بالأرض حتما سيقع في هذه الفخاخ.

هناك أشخاص اعتادوا على الشر إذ لا يستطيعوا أن يحيوا حياة طبيعية إلا بأن يأكلوا ويشربوا من الخطية فهذه الحالة تحتاج إلى جهاد كبير حتى ينسلخ الإنسان من قيود الشر.

  • ” يُمْسِكُ الْفَخُّ بِعَقِبِهِ، وَتَتَمَكَّنُ مِنْهُ الشَّرَكُ “:-

هناك من يختار الشر بإرادته ويدخل فيه فيكون من الصعب التخلص منه إذ يدخله اليأس من العودة إليه، لكن إذا عزم بقوة يستطيع أن يتوب بعد جهاد كبير وعمل نعمة الله التي ترى أمانته فتخلصه مثلما كان حال الأنبا موسى الأسود كانت خطاياه القديمة فخ له تقاتله دائما لكن بجهاد كبير مع إرشاد أبيه الأنبا إيسيذوروس الذي كان معروف أن كل من يلجأ إليه كمن يلجأ إلى ميناء هادئ يخلص مهما كانت حالته.

  • ” مَطْمُورَةٌ فِي الأَرْضِ حِبَالَتُهُ، وَمِصْيَدَتُهُ فِي السَّبِيلِ”:-

إذ يخفي إبليس فخاخه عن البشر حتى لا تظهر لهم فيحيدوا عنها بل يطمرها بشكل البر والحق والعدل لكي يخفي وراءها السيف والقتل وكل شيء.

فهو (إبليس) يتلون حسب نوعية الإنسان، الإنسان المحب لله يخفي له البر الذاتي والمحب للعالم يحمل له شهوات العالم والعنيف يحمل له العنف لأجل الحق وحتى القتل بدافع الحق…

  • ” تُرْهِبُهُ أَهْوَالٌ مِنْ حَوْلِهِ، وَتَذْعَرُهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ”:-

إذ يخاف الشرير ويشك في كل من حوله إذ يُطرد ولا طارد لأنه لو يوجد فيه سلام لأنه لا سلام يقول الرب للأشرار (إش٤٨: ٢٢).

يقولون سلام ولا يوجد سلام إذ يضل البعض الآخرين حتى لا يكونوا حذرين كما كان في عهد إرميا النبي إذ كانوا يقولون أن أورشليم في سلام والسبي قادم بسبب شر الشعب (إر٦: ١٤؛ ٨: ١٥).

  • ” تَكُونُ قُوَّتُهُ جَائِعَةً وَالْبَوَارُ مُهَيَّأٌ بِجَانِبِهِ”:-

يمتلك الإنسان نوعين من الخواص الروح الذي فيه والجسد، وحسب طريقة سلوك الإنسان يقوى واحد من العنصرين على الآخر حسب إرادة الإنسان.

فإن قوى عنصر الجسد يكون الإنسان في مجاعة روحية كما تكلم عاموس النبي (عا٨: ١١)، مثلما كان شعب إسرائيل غني من ناحية عطايا الله الروحية من ناموس وذبائح وكهنوت لكنهم طلبوا القوة والغنى الجسدي فعبدوا الأوثان وتقوى جانب الجسد على الروح حتى جاءهم الأنبياء فلم يذعنوا لهم وحتى ابن الله المتجسد صلبوه.

لكن في العهد الجديد عرف الإنسان المسيحي قوة الروح أنها تقوى بالوسائل الروحية من الكتاب المقدس والصلاة والوسائط الروحية وكيف أعطاه ربنا يسوع مثال على ذلك بصومه ٤٠ يوما حتى تتقوى الروح على الجسد وتقوده.

  • ” يَأْكُلُ أَعْضَاءَ جَسَدِهِ. يَأْكُلُ أَعْضَاءَهُ بِكْرُ الْمَوْتِ”:-

الإنسان الذي يهتم بمجده الزمني هو الذي يهتم بمجد مؤقت يزول كجمال الجلد من الخارج مثلما كان موسى عندما كان على الجبل ٤٠ يوما و ٤٠ ليلة فكان جلد وجهه يلمع، لكن مع ذلك فسد الشعب أسفل الجبل وعبد عجل أبيس. لكن الإنسان الروحي هو الذي يكون مجده من الداخل مثلما قيل في المزمور “كل مجد ابنة الملك من داخل” (مز٤٥: ١٣) فالقوة والجمال الروحي هو الذي يضفي أو يعكس جمال على الجسد فيجعله مشرق بعمل روح الله كما كان الآباء يكتفوا أن ينظروا وجه الأنبا أنطونيوس حيث ينعكس مجده الداخلي عليه.

  • ” يَنْقَطِعُ عَنْ خَيْمَتِهِ، عَنِ اعْتِمَادِهِ، وَيُسَاقُ إِلَى مَلِكِ الأَهْوَالِ”:-
  • الإنسان الذي لم يولد من الماء والروح (يو٣: ٣، ٥) لا يقدر أن يدخل ملكوت السموات فإن عاش مقاوم للخطية وإبليس وإغراءات العالم يكون له الموت راحة.
  • فالمريض والحزين يشتهي الموت ليستريح.
  • أما من يحب العالم فهو الذي يخاف الموت لأنه ينقطع عن خيمته أي جسده الذي يعتمد عليه والذي كان يعيش في الخطية وسلم نفسه لإبليس فإن الموت الثاني يدخل إليه كملك عند موته حيث يرحل إلى الجحيم مكان إبليس وجنوده.
  • ” يَسْكُنُ فِي خَيْمَتِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ. يُذَرُّ عَلَى مَرْبِضِهِ كِبْرِيتٌ “:-

ينوه بلدد هنا عن ما حدث لأيوب بنزول نار أحرقت خيمته فإنه يقارن حالته من الشر ما وصلت إليه في الشر سدوم وعمورة (تك١٩: ١٤) حيث أمطر الله عليها نار وكبريت فاحترقت هكذا اعتبر بلدد أيوب مملوء شر مثل سدوم وعمورة فاستحق نفس العقاب.

لكن هذا العقاب لا يأتي على الشرير في يوم الدينونة فجأة، لكن في حياته في العالم سلم فكره لأفكار شريرة وأعماله صارت شريرة فأصبحت رائحته رائحة كريهة قبل أن يحترق بالكلية في يوم الدينونة.

لكن الذي يقدم توبة دائمة وصلوات دائمة وجهاد دائم يحفظ نفسه برائحة طاهرة ويستأهل لملكوت السموات حتى يقال على تلك النفس عندما تصل إلى الله “من هذه الطالعة من البرية معطرة بالمر واللبان؟”.

  • ” مِنْ تَحْتُ تَيْبَسُ أُصُولُهُ، وَمِنْ فَوْقُ يُقْطَعُ فَرْعُهُ “:-

هنا يتكلم عن مبدأ أن الثمر دليل على أن الجذر الخفي في الأرض يعمل ويمتص الغذاء وهذا يعني أن الثمر الروحي يأتي من الظاهر لكنه يحتوي على عمق داخلي أي جذر أي أفكار روحية سماوية تعلن له أفكار روحية مثل جذر خفي يظهر ذلك في ثماره الروحية من سلوك وأعمال صالحة وأقوال صالحة لأن الله يجازي الإنسان حسب الأعمال وحسب الأفكار (إش٦٦: ١٨).

  • ” ذِكْرُهُ يَبِيدُ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ اسْمَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْبَرِّ “:-

يبيد الشر صاحبه وأيضا رئيس الأشرار وهو إبليس الذي يحاول أن يسحب الكثيرين إلى شره سيباد هو وكل من يجذبهم إليه حيث الظلمة الخارجية (مت٢٥: ٣٠)، فيحاول الأشرار شهرة أنفسهم بأنفسهم لكن إن ماتوا لا يذكرهم أحد، كم من مشهورين زال ذكراهم مع موتهم وكم من غير معروفين ذاعت ذكراهم بعد موتهم بسبب برهم وعمل الله معهم فجيد للإنسان أن تكون ذكراه مخلدة بواسطة السماء وليس الأرض.

  • ” يُدْفَعُ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلْمَةِ، وَمِنَ الْمَسْكُونَةِ يُطْرَدُ”:-

هنا كلام بلدد يرمي به إلى أيوب ظلما منه له لكن دون التطبيق على أيوب لأنه بار فالكلام صحيح إذ الشرير يخرج من نور الحياة الأرضية التي تمجد فيها إلى ظلمة القبر ومن المسكونة ليصير خارجها حيث الجحيم فيباد ذكر فاعلي الشر من الأرض (مز٣٤: ١٦).

وقد اعتبر كما قلنا بلدد أن أيوب شرير لهذا طرده الله من نور الحياة الرغدة إلى ظلمة الفقر والمرض بل عن قريب سيموت ويطرد من المسكونة ويزال اسمه بموته.  لكن على عكس ما توقع بلدد تمجد أيوب باحتماله الآلام وأصبح مثال لربنا يسوع الذي صلبوه حقدا وظلما وأرادوا أن يطردوه من المسكونة بصلبه وينقلوه إلى الظلمة لكن هيهات فقد أظلموا هم إذ عندما صلبوه أظلمت الشمس حتى تنفتح عيون هؤلاء العمي ويفهموا أن من صلبوه هو نور الحياة والخلود فسادت عليهم الظلمة إلى الأبد في قلوبهم.

  • ” لاَ نَسْلَ وَلاَ عَقِبَ لَهُ بَيْنَ شَعْبِهِ، وَلاَ شَارِدَ فِي مَحَالِّهِ (ولا باق في منازله)”:-

إذ لا يصبح نسل للشرير ويقصد بالنسل النسل الروحي أي لا يوجد لديه شيء روحي تنقله الأجيال التالية عنه حتى لو كان له نسل جسدي فلا يوجد شيء جيد يتقولوه عنه، هكذا صار يهوذا الاسخريوطي مات بلا نسل وصارت داره خرابا كقول المزمور (مز٦٩: ٢٥)، وهكذا أيضا قيل عن ضد المسيح الذي يباد بنفخة من فم الله (٢ تس٢: ٨).

  • ” يَتَعَجَّبُ مِنْ يَوْمِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَيَقْشَعِرُّ الأَقْدَمُونَ “:-

إذ الشرير وبالأخص ضد المسيح يحدث له تغيير مفاجئ لم يكن يتوقعه أحد سواء السابقين أو المتأخرين.

وأيضا قد يحدث أن يوجد البعض أصحاب الساعة الحادية عشر يتوبون فيعجب منهم السابقون لأنهم تمموا الوصايا من زمن قديم ومنذ بدء حياتهم والمتأخرون يتعجبون كيف تغير هؤلاء…

  • ” إِنَّمَا تِلْكَ مَسَاكِنُ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَهذَا مَقَامُ مَنْ لاَ يَعْرِفُ اللهَ”:-

مساكن فاعلي الشر ومن لا يعرف الله هي الجحيم وهو مكان خارج العالم واسع به درجات ينتظر فيه الأشرار الدينونة حيث ينالوا عقوبة أبدية وبه عذاب مؤقت أما جهنم فهي النار الأبدية حيث تكون الأجساد غير فانية روحانية فتظل تتعذب إلى الأبد في أنهار النار التي يغرقوا فيها بلا هوادة، هذا ما رآه القديسين مثل ق. باخوميوس أب الشركة ورواه لأبنائه.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment