كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح الثاني – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح الثاني

تجربة أيوب في جسده بسماح من الله وجلوسه فوق الرماد

وتجربة زوجته له وافتقاد أصحابه الثلاثة له

الوقوف ليمثل أمام الله مع الملائكة :-

كانت الملائكة تمثل أمام الله أي تقف أمامه وواضح أنها تقف كل يوم حتى تعطي حسابا عما فعلته وتأخذ أوامر من الله للعناية بخليقته ومساعدتهم فإنهم أرواح خادمة للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب١: ١٤).

جاء إبليس ووقف معهم بسماح من الله، كان في جسارة إذ جرب أيوب في كل ممتلكاته وأبنائه وانهزم لكنه يصر على الاستمرار في التجارب فهو المشتكي على أولاد الله نهارا وليلا (رؤ١٢: ١٠).

سؤال الرب له من أين جئت، والإجابة من التجوال والتمشي في الأرض :-

سؤال الرب هنا ليس عن عدم معرفة إنما فيه تأنيب عما فعله وانهزم فيه إذ كان يرمي أيوب لكي يجدف على الله فحدث العكس أن أيوب بارك الله.

فأجاب إبليس: من التجوال والتمشي في الأرض، التجول كمثل أسد زائر يلتمس من يبتلعه والتمشي أي بدون هدف سوى التربص لأولاد الله حتى يبسط شباكه وفخاخه على الأرض كلها فإن كل الأرض ينصب فيها شباكه حتى يضيق على أولاد الله.

قول الرب عن أيوب ليس مثله في الأرض كامل مستقيم تقي يحيد عن الشر، جعل الشيطان قلبه عليه وهيج الله عليه ليبتلعه بلا سبب:-

أظهر الله عدله رغم قوله أنه ضرب أيوب بلا سبب من جهة أيوب لكن من جهة الله ليظهر فضائله وكماله وتقواه واستقامته وحيدانه عن الشر.

كان أيوب رمزا للمخلص ربنا يسوع الذي صلب بلا سبب سوى خطايانا ومحبته لنا، فحمل خطايانا وتألم وصلب لإيفاء العدل الإلهي لله الآب.

أجاب إبليس جلد بجلد وكل ما للإنسان يعطيه لأجل نفسه :-

هنا يذكر إبليس مثلا في أيام أيوب وأيضا طريقة الحياة الاجتماعية في هذا الوقت.

وهو أن يعطي الإنسان جلد الحيوان الذي يصطاده مقابل أن يأخذ طعام، وفي هذا الزمان القديم كان يتبادل الإنسان الصياد جلود الحيوان بل كل الحيوانات خصوصا لو كانت هناك مجاعة مع أو نظير أكله وطعامه.

وأيضا يعني أن طالما الأمور التي يخسرها هي خارجية لا تمس صحته مثل الممتلكات وحتى الأبناء طالما شيء لا يمس داخله فهذا لا يهمه، فإن الإنسان الأناني لا يهتم بما هو خارجه حتى لو كانوا أبناءه بل يثور عندما تمس التجربة داخله.

قول إبليس لله ابسط يديك ومس عظمه ولحمه فإنه يجدف في وجهك، فسمح وأذن له الله بشرط عدم مساس نفسه :-

سمح الله للشيطان أن يمد يده إلى جسد أيوب فضربه ببثور وقروح من رأسه إلى أسفل قدميه لكن نفسه لم يسمح له أن يمسها بل يحفظها.

وحفظ النفس أي الروح الإنسانية من الضرر من جهة التعقل والتفكير أي لا يكون مجنونا ولا يمس قوة إرادته وأيضا لا يمس روحه.

لذلك يقول في المزمور ” تأديبا أدبني الرب وإلى الموت لم يسلمني” أي ضُرِبت بالجسد لكن الروح تقوت (مز١١٨: ١٨).

فبذلك يصنع الله من سم الأفعى ترياق ضد الأفعى ذاتها فيضربنا إبليس في جسدنا فيتألم الجسد فتتوب الروح وتحيا وتُحفظ.

بل عندما ننتصر يجعلنا الله نمسك إبليس كمثل عصفور بشص ونلعب به مثل الأطفال عندما يعملوا مع العصافير (أي٤١: ٥).

ضرب إبليس لأيوب بقروح من هامة رأسه إلى باطن قدميه :-

ضربه إبليس بعد أخذ الإذن حالا في كل أعضائه من هامة رأسه حتى باطن قدميه عدا لسانه لأنه كان يتوقع تجديفه على الله.

وقد فعل هذا لإتعاب أيوب جسديا فلا يستطيع الوقوف ولا حتى النوم أو المشي لكن مع كل هذا لم يجدف أيوب بلسانه على الله فإن ” كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله” (رو٨: ٢٨)، فقد تزكى أيوب مثل الذهب الذي يوضع في النار وقد ظهرت فضائله التي تخص نفسه وليس جسده.

فلم يعد لا أب ولا سيد ولا مالك لشيء لكنه يملك الله مالك كل شيء.

فالشيطان يجرب في حدود ما يخصه أو يسمح به الله لكن الله يحول كل هذا لمصلحة الإنسان الذي أحبه.

  • جلوس أيوب على الرماد وعلاج نفسه بشقفة فخار :-

جلس أيوب خارج المدينة في العراء بلا أسَّرة بلا أحد ولا سقف ولا حائط غريبا منفيا من الآخرين.

جلس أيوب على الرماد لأن جسده صار نفاية مثل التراب الذي أخذ منه لكنه أفضل قداسة من الملوك الجالسين على العروش الذهبية.

صار أيوب في قمة الاتضاع والاضطهاد بل والمذلة فصار جالسا في مزبلة.

جروحه تسيل سيلا من الدماء والقيح ذا رائحة نتنة لكنه أفضل من المتعطرين بعطور وهم أنجاس.

أخذه شقفة من فخار وهي فخار مكسور فيحك بها قروحه فصارت له قروحه تتألم أكثر من قبل استخدام الشقفة فهي تشير إلى المعرفة البشرية التي تزيد النفس مرارة بل أن الشقفة غير طاهرة وملوثة لوثت جروحه أكثر فصار في حال رديء جسديا جدا لكنه كان عظيما في الروح القوية، جالسا ليس له أين يسند رأسه مثلما قيل عن ربنا يسوع إذ كان يجول يصنع خيرا.

قالت زوجة أيوب: ” أنت متمسك بعد بكمالك! جدف على الله ومت!”:-

في الترجمة السبعينية جاء أنه مر وقت طويل على التجربة وأيوب بهذا الحال، وأيضا أن زوجته كانت تتسول على البيوت من بيت لآخر.

إذ سقطت التجارب على أيوب وفقد أبناءه وبناته وممتلكاته لكن استبقى إبليس امرأته لعلها تصير نصيرة له وتكون سهما يوجه ضد أيوب مثلما كانت حواء وسيلة لسقوط آدم إذ سمعت لمشورة الحية الشريرة، وكما كانت امرأة هامان إذ أشارت عليه بقتل اليهود (أس٦: ١٣).

فإن كان آدم متنعم في الفردوس وكان أيوب لديه ممتلكات كثيرة، وكان آدم يخاطب الله وكان أيوب يحب الله جدا لكن التجارب فرقت بين آدم الذي بنى بيته على الرمل فلما جاءت الأمطار والأنهار سقط، أما أيوب فكان بيتا مبنيا على الصخر فلما جاءت الأمطار والأنهار لم يسقط.

قالت له حسب الترجمة السبعينية أنه ” انقطع ذكراك في الأرض” أي لم يعد له بنين أو بنات يذكروه إذ هم أموات في الجحيم، فقد صار توجعها في ميلادهم سراب وألم بلا ثمر إذ هم أموات، وصار أيوب أشبه بميت ملآن قروح لا يقدر أن ينجب أبناء، فكانت امرأته وسيلة لجلب اليأس لا الرجاء لهذا تركها إبليس واستغلها لكنها فشلت.

وإذ وضع إبليس نفس كلماته في فمها إذ قالت العن أو اجحد الرب ومت لأنها تعرف أن جحد الرب سيميته، لكنه رفض مشورتها الشريرة التي هي مشورة إبليس والهدف من وراء التجربة أن يجعل امرأته ولسانه دون تجارب لكي يجعلها تثيره ضد الله فيجدف على الله لكنه رفض.

  • رد أيوب على امرأته: ” تتكلمين كإحدى الجاهلات، أألخير من الله نقبل والشر (التجارب)لا نقبل؟ في كل هذا لم يجدف أيوب بشفتيه”:-

في الترجمة السبعينية يقول أن أيوب تطلع إلى زوجته وهي تتكلم وهذا يعني معنيين هما:

١- أنه لم يعلمها هكذا أن ترفض من الرب الضيق والتجارب.                                 ٢ – أن إبليس هو الذي يتكلم على لسانها وهي أعطته أذناها.

غلب أيوب وكأن آدم هو الذي غلب لكن أدم في تنعمه سقط وهو في الفردوس متنعما وسمع لكلام حواء، أما أيوب وهو جالس على الرماد غلب ورفض كلام امرأته بل وبخها كأنها أحد الذين لا يعرفون الرب.

يؤمن أيوب أن الإنسان عندما يتقبل من الله التأديب فإنه ينال مكافأة، هو لم ينظر إلى إبليس المنفذ بل الذي أعطاه السلطان والإذن من لدنه، هكذا يتقبل الضيق حتى يكون له بركة وسعادة (١ كو١١: ٣٢).

علمنا القديسون والآباء أننا في ساعة التألم نتذكر السعادة الأبدية، وفي ساعة التنعم نتذكر العقوبة والدينونة حتى نكون متزنين في كل تصرف.

في كل هذا لم يخطئ أيوب إلى الرب بشفتيه وغلب إبليس الذي اقترح عليه التجديف بواسطة امرأته.

  • افتقاد أصحاب أيوب له وبكاؤهم عليه ٧ أيام، وشق جبتهم وزروا رماد على رؤوسهم:-

لم نسمع أن الأرامل والأيتام الذين ساعدهم أيوب جاءوا ليعزوه ربما افتكروا أنه غاش يخفي غشه بمظاهر المحبة والعطاء.

أصدقاء أيوب الثلاثة :-

هم أليفاز التيماني حفيد عيسو (تك٣٦: ١١)، وبلدد الشوحي حفيد إبراهيم من قطورة (تك٢٥: ٢)، وصوفر النعماتي حفيد عيسو أيضا (تك٣٦: ١١).

هم أصدقاؤه وشيوخ كبار في السن، وهم حكماء وربما لهم مكانتهم الدنيوية.

تواعدوا لزيارة أيوب.

شاركوه حزنه وبكوا عليه ٧ أيام، شقوا جبتهم وزروا رماد على رؤوسهم.

لم يفتحوا أفواههم لمدة ٧ أيام و ٧ ليالي.

لكن لما تكلموا كانوا أشد عداوة من الأسود، فلهذا هم يرمزوا للهراطقة أو يتظاهروا بالحب لكن داخلهم كره دفين ناحية الكنيسة، هم أطباء بطالون كما قال أيوب (أي١٣: ٣، ٤).

لهذا في نهاية تجربة أيوب طلب الله منهم أن يتشفعوا بأيوب ويصلي عنهم ويقدموا ذبيحة لأن فكرهم ظلم وغش (أي٤٢: ٨).

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment