كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح الرابع – القمص مكسيموس صموئيل

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

حديث أليفاز التيماني الأول

 

” فَأجَابَ أليفاز التَّيمَانِيُّ وَقَالَ “:-

كان أليفاز أكبر أصحاب أيوب الثلاثة فلهذا تكلم أولا.

توضح طريقة كلامه وكلمات نفسه أن أصحاب أيوب قد اتفقوا قبل مجيئهم إليه على مواجهة أيوب بأنه إنسان مرائي غش الشعب وأصدقائه بأعمال الرحمة وأن وراء بليته خطية خفية لهذا عاقبه الله، وقد اتفقوا أيضا على تحطيم أيوب وليس عزاؤه.

​” إن امْتَحَنَ أَحَدٌ كَلِمَةً مَعَكَ، فَهَلْ تَسْتَاءُ؟ وَلكِنْ مَنْ يَسْتَطِيعُ الامْتِنَاعَ عَنِ الْكَلاَمِ؟”:-

بدأ أليفاز كلامه على أساس أنهم سكتوا وصمتوا لمدة أسبوع كامل لكنهم لا يحتملوا رياء أيوب الذي يتساءل لماذا كل هذه التجارب بل أنهم احتملوا الصمت أيضا واعتبروا أنفسهم مدافعين عن عدل الله.

لكنهم أثبتوا جهلهم وأنهم أطباء فاشلون يزيدون من ألم المريض بدل من تخفيف الألم عنه.

فبدأ أليفاز كلامه كأنه يستأذن أيوب أن يكلمه بصراحة فهل يستاء؟ لكن حتى لو استاء فالكلام ضروري لا الصمت على غشه لهم حسب فكرهم الرديء عنه.

في الترجمة السبعينية تكلم أليفاز مع أيوب بسؤال هل تتكلم في أسى؟ أي لماذا تتكلم في حزن وأنت تعاقب عن خطاياك الخفية؟ مع أن أيوب أراد أن يختفي أو يموت مثل السقط مع خدامه وأولاده ولم يقل أن شهرة فضائله تملأ الأرض طولا وعرضا.

​” هَا أَنْتَ قَدْ أَرْشَدْتَ كَثِيرِينَ، وَشَدَّدْتَ أَيَادِيَ مُرْتَخِيَةً”:-

بدأ أليفاز حديثه بمدح أيوب حتى يستطيع بعد ذلك ذمه.

لم يقدر أليفاز أن ينكر عمل أيوب وأعماله الصالحة التي يعرفها الكل.

كان أيوب مرشدا للجهلاء في طريق الله، وأيضا كان عمليا يسند الضعفاء حتى يقفوا.

لقد كان مثل معلمنا بولس الذي كانت له روح الأبوة (١ كو٥: ١٤)، وكان يتأنى على الجميع ويسند الجميع (١ تس٤: ١٥).

فقد شهدت أعماله عليه لكن أليفاز استغل هذا المدح ليبدأ الهجوم على أيوب حتى يزيد آلامه ألما.

​” قَدْ أَقَامَ كَلاَمُكَ الْعَاثِرَ، وَثَبَّتَّ الرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ! “:-

مدح أليفاز أيوب على إقامته للعاثرين في طريق الحياة وطريق الحياة مع الله وجعل الغير ثابتين ثابتين حتى صاروا مجتهدين بدل التراخي.

قد يكون أليفاز في هذه الآية مادحا شكليا لأيوب لكن الكلام يحمل معنى التبكيت فكيف الذي يقيم العاثرين يتعثر والذي يثبت الآخرين يتزعزع!!

لكن سواء مديح واضح أو يحمل ضغينة الذم لكن هناك شهادة بعمل إنسان مسئول عن من يرعاهم بحب فصار هو متشدد لأجل عمله بتثبيت الآخرين أثناء فترة ما قبل تجربته فكانت حياته مكرسة لخدمة الآخرين كما أوضح ربنا يسوع المسيح في العهد الجديد بأن نكون نور العالم وملح للأرض وخميرة جيدة تخمر العجين كله (مت٥: ١٣، ١٤؛ ١٣: ٣٣)، هكذا عملنا نضيء لأنفسنا كما للآخرين، نملح الطعام بالذوبان فيه، نخمر العجين كله مهما كان الخمير صغير الحجم.

​” وَالآنَ إذ جَاءَ عَلَيْكَ ضَجِرْتَ، إذ مَسَّكَ ارْتَعْتَ “:-

اتهمه أليفاز دون وجه حق أنه حين كان في رغد كان يعلم غير الثابتين ويقويهم في آلامهم والآن عندما حلت الضيقات به ضجر وإذ مس الله ما له ارتعب وكأنه يتهمه أنه يقول ولا يفعل، أو ما يقوله هو خطأ لأنه لا يطبقه على نفسه.

ولهذا تكلم الآباء بأن اختيار الشخص المسئول عن الرعاية لا يجب أن يكون مقصرا في شيء لئلا يكون مثل الحجر الذي يرمى في لجة البحر أن يهلك في الهاوية (مت١٨: ٦، لو١٧: ٢).

وأيضا ينبغي أن من يرعى الآخرين أن لا يكون فيه مجرد رائحة الخطية بل ويفعل الخير بقوة “حد عن الشر وافعل الخير” (مز٣٧: ٢٧)، إذ يقيس نفسه ليس على الآخرين بل في ضوء الوصية بما لا يقارن.

​” أَلَيْسَتْ تَقْوَاكَ هِيَ مُعْتَمَدَكَ، وَرَجَاؤُكَ كَمَالَ طُرُقِكَ ؟”:-

في الترجمة السبعينية: “أليست تقواك قامت على الغباوة، وأيضا رجاؤك وكمال طرقك؟”.

تكلم أليفاز مكملا طريق إبليس حتى يجعل أيوب يجدف بأن تقوى أيوب ورجاءه وكماله كله رياء ووهم كما يفعل إبليس في أذن البعض، وأن حياته الروحية بلا عمق بدليل أنه عند دخوله في الألم ضجر ويأس، وأن الله يؤدبه فلماذا لا يقبل التأديب؟

وطريق الكمال هو يبدأ بمخافة الرب ثم القوة المصاحبة للثقة فيه ثم الصبر على أخطاء الغير ثم الكمال إلى ما يستطيع الإنسان.

​” اُذْكُرْ: مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَأَيْنَ أُبِيدَ الْمُسْتَقِيمُونَ ؟”:-

يحاول أليفاز أن يضع مبدأ عام هو أن البريء لا يهلك ولا يباد المستقيمون هذا ما كان سائدا في زمانه لكن هناك استثناءات، وهذا الذي يقوله قد يتم في الحياة الأبدية وليس الزمنية لأن الحياة الزمنية فيها ظلم وعدم عدل لأنها وضعت في الشرير لهذا يقول إشعياء النبي “باد الصديق وليس أحد يضع ذلك في قلبه” (إش٥٧: ١)، وأيضا في سفر الحكمة يقول “نعم بسرعة قد أخذ لئلا يحول الشر فهمه” (حك٤: ١١) وبالتالي يكون تطبيق هذا على أيوب خطأ.

  • ​” كَمَا قَدْ رَأَيْتَ: أن الْحَارِثِينَ إِثْمًا، وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهَا “:-

هذه الآية صحيحة من الناحية الفكرية حسب فكر أليفاز أن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد (٢تس١: ٦، رؤ١٣: ١٠)، لكن التطبيق في حالة أيوب خطأ وأن في أيوب خطية خفية يجب التوبة عنها هذا غير موجود في حالة أيوب لكن قد يعطي الله الأشرار نجاحا لكن إلى حين، وقد يعطي الأبرار فشلا لكن إلى حين، لكن بالتوبة يتحول الأشرار إلى أبرار ويصبح ثمرهم نفيس.

وهذا كله اعتمد على خبرة أليفاز وملاحظاته وعن رؤى الليل (أي٤: ٨، ١٣)، وهذا ما كذب نظريته فيما بعد أيوب في (أي٢١: ١٧).

  • ​” بِنَسَمَةِ اللهِ يَبِيدُونَ، وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنَوْنَ “:-

الذي يصر على خطيته يتعرض لعقوبة الله بروحه القدوس أي بنفخة فمه لكن الذي يقدم توبة يعفوا عنه الله (أم١٥: ٣٢).

أما الأبرار عندما يؤدبون فهذا ممكنا لتزكيتهم (مز١١: ٥)، أما الأشرار فتمطر لهم السماء فخاخا حتى يتوبون (مز١١: ٦).

فالأشرار كالريح التي تهب على التراب فيتصاعد ولا يوجد (مز١: ٤).

​” زَمْجَرَةُ الأَسَدِ وَصَوْتُ الزَّئِيرِ وَأَنْيَابُ الأَشْبَالِ تَكَسَّرَتْ”:-

هنا تحول أليفاز إلى ذم أيوب بطريقة غير مباشرة فاعتبر أيوب وكلامه كأسد مزمجر بزئير لكنه يهلك وقد هلك الأشبال أي أبناءه نتيجة شره حيث تكسرت أسنانهم فلم تعد لهم قدرة علي الافتراس وبذلك يموتون، فيطبق هذا على أيوب بأنه ظالم وأقواله مثل زئير الأسد فلهذا ماتت أشباله، تكسرت أسنانهم عقوبة على شره.

  • ​” اَللَّيْثُ هَالِكٌ لِعَدَمِ الْفَرِيسَةِ، وَأَشْبَالُ اللَّبْوَةِ تَبَدَّدَتْ “:-

يكرر أليفاز ما قاله في الآية السابقة بأن الليث أي الأسد هالك لعدم وجود فريسة أي أن أيوب مثل الأسد يفترس الآخرين وأن أشباله أي أبناءه تبددوا وهنا إشارة إلى موت أبناء أيوب وعلل هذا بخطية أيوب وكبريائه وهو لا يعلم أن هذا عُمل لتزكيته فصار حكماء الأرض مثل أليفاز في ظلمة أمام حكمة الله الواسعة.

​” ثُمَّ إلى تَسَلَّلَتْ كَلِمَةٌ، فَقَبِلَتْ أُذُنِي مِنْهَا رِكْزًا (همساً)، فِي الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ، عِنْدَ وُقُوعِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ، أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ، فَرَجَفَتْ كُلَّ عِظَامِي. فَمَرَّتْ رُوحٌ عَلَى وَجْهِي، اقْشَعَرَّ شَعْرُ جَسَدِي. وَقَفَتْ وَلكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا، شِبْهٌ قُدَّامَ عَيْنَيَّ. سَمِعْتُ صَوْتًا مُنْخَفِضًا: أَالإنسان أَبَرُّ مِنَ اللهِ؟ أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً”:-

هنا يقدم أليفاز من خبرته عن رؤيا رآها ليلا وهي أنه يبدو أنه قبل مجيئه لأيوب تساءل لماذا حل به هذا فرأى هذه الرؤيا.

يحاول أليفاز أن يثبت رأيه بأن رؤيته صالحة بأن كلمة من عند الله تسللت إلى أذنه حين تساءل عن أيوب لما جرى له وقد وصف الكلمة التي تسللت إليه بأنها مثل كلام الله بصوت منخفض كما حدث مع إيليا (١ مل١٩: ١١- ١٣)، لكن يوضح دون أن يقصد أن هذه كانت هواجس في رؤى الليل أي أحلام مزعجة عندما ينام الناس يحلموا بها وبهذا أثبت أنه مجرد حلم وليست رؤيا من الله، صحيح أن الله يتكلم في قلوب البشر (مز٦٣: ٦؛ مز٤: ٤)، لكن هنا هواجس حتى أنه صار في رعب ورعدة وانزعجت عظامه ومرت عليه روح لم يستطع أن يحدد منظره أو شكله، لكن اقشعر شعر جسده لهذا يحلق اللاويون شعر جسدهم لأنه لا فائدة له بالنسبة لهم (عد٨: ٧)، لكن لا ندري هل هذه الروح ملاكا أم شيطانا !!

فبعد سقوط آدم صارت الملائكة مخيفة للإنسان لكن واضح أنه ليس بملاك لأن الملاك لا يسبب انزعاج بل سلام، وكانت رسالة هذه الروح تتظاهر بالتقوى هل الإنسان أبر من الله ؟ أي هل أيوب أبر من الله ؟ وهنا تحمل الرسالة نوع من اللوم والكبرياء على أيوب فيها جزء صحيح أن الله أبر من الكل لكن أيوب لم يكن متكبرا وحسب نفسه أبر من الله وهذا الجزء هو الخطأ فكل البشر يعترفوا ببر الله الفائق الوصف (إش٤٥: ٩، إر١٢: ١، مز١٤٣: ٢٢، رو٣: ٢٠، ٢٤)، فإن الكل ملوم أمامه حتى الملائكة التي تقف أمام الله هي في حماقة بدون الله لأنها تكتسب برها من تأملها فيه وحذرها من أن تسقط كما سقط إبليس، هذا ما حمله أليفاز من فكر معكوس في أنصاف الحقائق وباقي الحقائق خاطئة.

  • ​” فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ، الَّذِينَ أَسَاسُهُمْ فِي التُّرَابِ، وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ الْعُثِّ؟ بَيْنَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ يُحَطَّمُونَ. بِدُونِ مُنْتَبِهٍ إِلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُونَ.                               أما انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ طُنُبُهُمْ؟ يَمُوتُونَ بِلاَ حِكْمَةٍ”:-

يشبه أليفاز البشر أو جسدهم ببيوت من طين ونسى أن لهم روح من الله خالدة، فعندما تفارق الروح الإنسان تسحق هذه البيوت، مثلما يسحق العث يبيد الإنسان فالإنسان بين صباح ومساء يموت ففي العالم كل دقيقة يموت عدد كبير من البشر ولا يقدر الإنسان أن يعرف كل من يموت، وفي نظرة يائسة كأحد أبناء العهد القديم قال أن الإنسان يبيد إذ هو مثل الخيمة كما تكلم معلمنا بولس تقام ثم تحل وتذهب حكمتهم معهم واعتبر أيوب كواحد من الذين أبيدت حكمتهم.

لكن نسى أليفاز أن الله أعطى الإنسان روحا خالدة ونسي أن صحيح الإنسان يموت وترجع الروح إلى خالقها والجسد يعود إلى التراب لكن الإنسان سيقوم ليقدم حسابا وينال نعمة الحياة الدائمة مع الله، وأن حكمة الله التي أعطاها له الله تعود له أكثر قوة بل تزداد بل لأجل هذا تجسد ربنا يسوع الله الكلمة ورفع الطبيعة البشرية إذ صلب وأوفى دين العدل الإلهي إلى الله أبيه عنا كذبيحة وكرئيس كهنة أعظم وقام من الموت وصعد وجلس عن يمين الآب وبهذا تكون طبيعتنا نالت نعمة المجد ولم تعد في قمة الانحطاط حسب ما وصفها أليفاز بأنه حقر حتى من الإنسان الطبيعي فوق ما ينبغي وأساء حتى إلى الله خالق الإنسان إذ اعتبر الإنسان كبيت من طين وكخيمة  (٢ كو٤: ٧) وكالعث ناسيا عظمة الإنسان في روحه الخالدة على صورة الله ومثاله وجسده المملوء عجبا وليس عثا !!

Leave a Comment