كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح السابع عشر – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح السابع عشر

روحي تلفت، أيامي انطفأت، إنما القبور لي

  • ” رُوحِي تَلِفَتْ. أَيَّامِي انْطَفَأَتْ. إِنَّمَا الْقُبُورُ لِي”:-

أحس أيوب أن أيامه قليلة فروحه تلفت وهي قريبة الانفصال عن جسده لترحل نهائيا، فإن الله جعلها ترتبط بالجسد في هذه الحياة وعند الموت ينفصلا.

أيامه التي هي الحياة هي نور ودائما الحياة مرتبطة بالنور “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس”، أما الظلمة فمرتبطة بالقبر والموت فأيوب اعتبر حياته قد انطفأت ليدخل إلى الموت.

إنما هو ذاهب إلى قبور آبائه لينضم إليهم ويكون مثلهم.

فلهذا ينصحنا الآباء أن تكون عينانا مليئة بالدموع قبل يوم الدينونة وقبل الموت حيث لا تستطيع أن ترى شيئا. وأيدينا ترتفع بالصلاة قبلما تنحلا بالموت.

وأرجلنا تمشي في طريق الخير والعطاء قبلما لا تستطيع أن تتحرك مطلقا حيث القبر.

  • ​” لَوْلاَ الْمُخَاتِلُونَ عِنْدِي، وَعَيْنِي تَبِيتُ عَلَى مُشَاجَرَاتِهِمْ “:-

في الترجمة السبعينية: ” في قلق استعطف ماذا أفعل؟ يسرق الغرباء خيراتي، لم أخطئ وعيني تقطن في مرارة”.

في النص العبري يعبر عن أصحابه بدل ما يعزونه أصبحت تعزيتهم مشاجرات حتى عندما ينام تظل هذه المشاجرات بصوتها عالقة في أذنيه.

هو (أيوب) دائما في قلق حيث يتوقع الدينونة في كل وقت، وقد يحاول إبليس بجنوده أن يسرق خيراته الأبدية.

لم يخطئ أيوب خطية مميتة تستوجب كل هذه التجارب لأنه لا يوجد إنسان بلا خطية بل أيضا يشير هنا بالنبوة إلى ربنا يسوع الذي هو وحده بلا خطية وبلا عيب وقدوس التي تعني بعيد عن الأرض.

  • ​” كُنْ ضَامِنِي عِنْدَ نَفْسِكَ. مَنْ هُوَ الَّذِي يُصَفِّقُ يَدِي ؟”:-

لا يوجد من يبرر أيوب ولا من يقف في صفه فالتجأ إلى الله أن يكون ضامنا له كفيل يدفع عنه دين خطاياه، وقد كان ربنا يسوع هو الذي ضمننا لدى الله الآب وقدم نفسه ذبيحة مقبولة حتى يحررنا من خطايانا بواسطة فدائه الذي تم على عود الصليب بشروط استحقاقات دمه.

  • ​” لأَنَّكَ مَنَعْتَ قَلْبَهُمْ عَنِ الْفِطْنَةِ، لأَجْلِ ذلِكَ لاَ تَرْفَعُهُمُ “:-

هنا يتكلم أيوب على أصحابه أنهم غير عارفين حكمة الله بل أنهم غير متأدبين حسب بعض الترجمات أي غير متأدبين بواسطة الحكمة وبواسطة الضربات والضيقات من الله.

يطلب أيوب من الله بأن لا يمجدهم لأنهم بعداء عن الحكمة والفهم حتى لا ينتفخوا أكثر مما هم عليه.

  • ​” الَّذِي يُسَلِّمُ الأصحاب لِلسَّلْبِ، تَتْلَفُ عُيُونُ بَنِيهِ”:-

هنا يوجه أيوب حديثه لإبليس حيث يتحول إلى صيغة المفرد فإن أبناء الله قد يسلمهم الله للتأديب والسلب لحين لكن أبناء إبليس يسلمهم إبليس للسلب إلى الأبد، ويصبح أبناؤهم مثلهم كذابين وقتالين لأن إبليس هو كذلك (يو٨: ٤٤) بل أن عيون أبناء إبليس تنقصها الحكمة الروحية لأنها تقدر الأمور بمعايير عالمية وليس روحية.

  • ​” أَوْقَفَنِي مَثَلاً لِلشُّعُوبِ، وَصِرْتُ لِلْبَصْقِ فِي الْوَجْهِ”:-

تنبأ أيوب عن نفسه وعن ربنا يسوع فصار أيوب مثالا للصبر وللمتألمين لكن للبصق ربما حدث معه ذلك لكن الذي تحقق فيه هذا بكل دقة هو ربنا يسوع.

فقد صار ربنا يسوع هزءا للمستريحين والمتكبرين (مز١٢٣: ٤)، وصار ضحكة وأغنية لهم النهار كله (مرا ٣: ١٤).

” بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق” (إش٥٠: ٦)، وقد تم ذلك فقد كان العسكر يبصقوا في وجهه ولكموه ولطموه (مت٢٦: 67؛ مر١٤: 65؛ مر١٥: ١٩).

  • ​” كَلَّتْ عَيْنِي مِنَ الْحُزْنِ، وَأَعْضَائِي كُلُّهَا كَالظِّلِّ “:-

صارت عينا أيوب كليلة في نظره بسبب الحزن وأعضاؤه صارت كالظل وكأنها تلاشت وماتت.

هنا صورة لحزن الكنيسة على الخطاة فإن تألم عضو يتألم باقي الأعضاء وإن كُرِم عضو تفرح باقي الأعضاء وهي صورة لكل المؤمنين الحقيقيين الذين يحملوا صليبهم في هذا العالم بل وصورة لآلام ربنا يسوع الذي لكموه فصارت عينه متورمة وهذا ظهر في الكفن المقدس بتورينو بإيطاليا.

  • ​” يَتَعَجَّبُ الْمُسْتَقِيمُونَ مِنْ هذَا، وَالْبَرِئُ يَنْتَهِضُ عَلَى الْفَاجِرِ”:-

يتعجب المستقيمون من ازدهار الأشرار ويقوموا لا للانتقام لكن للشهادة للحق ضد الفجار لينتصر النور على الظلمة والحق على الباطل.

إن ظل العشب في الأرض لفترة لكن من المؤكد أنه سيجف لأنه ليس له جذور وزهره يذبل فإن ازدهر الباطل فإلى حين ثم ينكمش ليظهر الحق.

  • ” ​أَمَّا الصِّدِّيقُ فَيَسْتَمْسِكُ بِطَرِيقِهِ، وَالطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ يَزْدَادُ قُوَّةً “:-

مهما بدا الصديق مجرب طوال حياته يحمل صليبه كل يوم لكن كل هذا يزيد ثباته بالله ويعمل على نموه الروحي، أما الأشرار فيزدهروا إلى حين أو حتى مدى الحياة لأن دينونتهم مؤجلة إلى يوم الدينونة فإذا كنا نتمسك بالحياة الأبدية نتمسك بالوصية في الإنجيل المقدس ونتمسك بالرجاء وبالإيمان وأعمال المحبة.

  • ​” وَلكِنِ ارْجِعُوا كُلُّكُمْ وَتَعَالَوْا، فَلاَ أَجِدُ فِيكُمْ حَكِيمًا”:-

يطلب أيوب الصديق من أصحابه أن يرجعوا عن شرهم واتهاماتهم الباطلة ويلتزموا بالحكمة التي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار حينئذ يستطيع أن يتكلم معهم كحكماء، لهذا يوصينا معلمنا بولس بأن نصير جهلاء حتى نصبح حكماء حسب حكمة الله وليس حكمة العالم المملوءة غشا وكبرياء.

  • ​” أَيَّامِي قَدْ عَبَرَتْ. مَقَاصِدِي، إِرْثُ قَلْبِي، قَدِ انْتَزَعَتْ “:-

إن كانت أعمالنا الزمنية تقف عند حد معين فإننا نقبل الراحة الأبدية.

إن كان قلبنا قد يكون مشغولا في الحياة الحاضرة ببعض الأمور الضرورية الحاضرة فإن في الحياة الأبدية لا نعد نهتم بأي شيء سوى حياتنا مع الله فقط.

فالكنيسة وكل عضو فيها يلتزم بالشهادة والثبات في فترة السلام أي في النهار وفي فترات التجارب يجاهد أيضا حتى يعبر ليل هذا العالم إلى النهار الدائم في الأبدية لأن الرب هناك هو ضياؤها.

فإن كل شيء يُحسب هنا أو نتركه هنا يُحسب نفاية من أجل معرفتنا بالله ومن أجل الحياة الأبدية.

  • ​” يَجْعَلُونَ اللَّيْلَ نَهَارًا، نُورًا قَرِيبًا لِلظُّلْمَةِ”:-

العالم يعبر عنه بالليل والأبدية بالنهار لكن حكماء هذا الدهر ومنهم أصحاب أيوب الثلاثة يخلطون بين ليل العالم لكي يصبح نهارا إذ يعتبرون البار يحيا في رغد في العالم الحاضر لكن عند أيوب العالم الحاضر هو ليل بينما الموت هو طريق للأبدية التي هي نور لا ينطفئ يود أيوب أن يذهب هناك بسرعة.

  • ​” إذا رَجَوْتُ الْهَاوِيَةَ بَيْتًا لِي، وَفِي الظَّلاَمِ مَهَّدْتُ فِرَاشِي، وَقُلْتُ لِلْقَبْرِ: أَنْتَ أَبِي،  وَلِلدُّودِ: أَنْتَ أُمِّي وَأُخْتِي “:-

هنا يعبر أيوب عن طبيعة الإنسان التي فسدت بالخطية وعن الاحتياج لمخلص رغم هذا لم يفقد الرجاء في الحياة الأبدية فلهذا رغم ضعفات القديسين اليومية يقدمون عنها توبة يومية بلا يأس حتى يكونوا مستأهلين للحياة الأبدية.

فقد صار كل أبناء العهد القديم قبل الصليب قديسين وأشرار في الهاوية، كانوا يقيموا بيوتا فيها وكأنهم يقيموا بيوتا في الظلام على عكس أبناء العهد الجديد الذين يقيموا مدنا في الفردوس دائما، لهذا قيل عن العبيد الأمناء واحد له سلطان على عشرة مدن والآخر خمس مدن (لو١٩: ١٦- ١٩) حسب ما تكلم به القديس الأنبا باخوميوس عن رؤيا أماكن القديسين في الفردوس.

فقد صار القبر أب لأيوب والدود الفاسد أما وأختا له إذ تخلى عنه أهله وازدروا به فهذا هو ميراث الخطية والفساد وهي تمثل قبور الخطية ودود الأفكار الشريرة.

  • ​” فَأَيْنَ إذا آمَالِي ؟ آمَالِي، مَنْ يُعَايِنُهَا ؟”:-

فإنه حسب أقوال أصدقاء أيوب آمال الإنسان في هذه الحياة فقط فهي تبلى ففي هذه الحياة قد ينقب اللصوص بيوتنا ويسرقوا أموالنا وقد يُقتل الحارس على منازلنا، أفهي إذن آمال؟! هي إذن سراب.

لكن آمال ورجاء أيوب هما في الحياة الأبدية حيث لا يستطيع أن يسرق اللصوص أو ينقبوا ولا يفسد كنزنا كما قال ربنا يسوع في (مت٦: ١٩- ٢٠)، هناك محفوظة أفعالنا وفضائلنا وصبر أيوب على تجاربه الذي لا يستطيع أن ينقبه إبليس أو يسرقه منه.

  • ” ​تَهْبِطُ إِلَى مَغَالِيقِ الْهَاوِيَةِ إذ تَرْتَاحُ مَعًا فِي التُّرَابِ “:-

الهاوية مغلقة موصدة بأبواب لكنها غير مريحة إذ تمتلئ ظلاما إذ ترتاح النفس في التراب لكنها ترتعب من خطاياها.

إذن لماذا نهتم ببناء بيوت في العالم وشراء ما هو ثمين؟ هل سيذهب معنا هناك؟ لا يذهب معنا سوى فضائلنا سوى وصايا الله التي تكون لنا بيوتا نحيا فيها وفضائل من نعمة الله هي أسقف تصير علينا هي التي تحمينا وهي التي تدوم، هذه هي منازل القديسين…

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment