كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح العاشر – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح العاشر

قد كرهت نفسي حياتي، أسيب شكواي، أتكلم في مرارة نفسي

  • ” قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي. أُسَيِّبُ شَكْوَايَ. أَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي”:-

تحول أيوب إلى نفسه يدينها قبل أن تدان حتما أمام الله، فربما كان لا يلتفت للسهوات والهفوات وكان الله هنا يحاسبه عليها.

هو يتكلم عن مرارة نفسه لكنه لا يتكلم على الله في شيء إذ يعرف أنه عادل في كل شيء، وأنه كلما تألم كلما زاد مجده الأبدي (2 كو٤: ١٧).

الله كأب ليس كطبيب فقط فالأب لا يكون أب في الحنو فقط بل عندما يستخدم العصا، والطبيب ليس طبيب فقط عندما يأمرنا بالذهاب للحدائق والحمامات والأماكن الجيدة بل أيضا عندما يستخدم المشرط والكي.

الله يدخلنا مثل الذهب في الفرن سواء لنؤدب أو نتنقى ويعرف متى يخرجنا في الوقت المناسب.

  • ​” قَائِلاً ِللهِ: لاَ تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي !”:-

إذ عرف أيوب أن الله عادل ويجازي الإنسان على خطاياه لا يعرف أي نوع من الخطايا بها يستذنب الرب أيوب، ولماذا يخاصمه؟ فهو يقبل التأديب حتى لا يدان مع العالم (١ كو١١: ٣٢).

ثقلت التجربة على أيوب وأدرك أنه لا يتبرر إنسان أمام الله لكنه طلب أن يعرف نوع الخطية التي بسببها يخاصمه الله ولم يرفض التأديب بل طلب معرفة سببه.

  • ​” أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أن تَظْلِمَ، أن تُرْذِلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأشرار؟”:-

وكأن أيوب يقول لله أعرف أنك عادل لكن تذكر أني صنعة يديك فهل تظلمها؟ حاشا لك، وهل تترك مشورة الأشرار على الصديقين تعمل إلى الأبد؟ حاشا، لكن الله يجعل التجربة قدر الاحتمال ويجعل معها المنقذ (١ كو١٠: ١٣).

إن سمح الله للأشرار بالعمل بمشورتهم ضد الأبرار ذلك لحين حتى يؤدب الأبرار لكن ليس إلى النهاية لأن الله عادل ورحيم معا (مز١٢٥: ٣).

  • ​” أَلَكَ عَيْنَا بَشَرٍ، أَمْ كَنَظَرِ الإنسان تَنْظُرُ؟ أَأَيَّامُكَ كَأَيَّامِ الإنسان، أَمْ سِنُوكَ كَأَيَّامِ الرَّجُلِ”:

يعاتب أيوب الله ويقول هل عيناك تنظران مثلما ينظر بنو البشر؟ تنظر لتدين دون ذنب، تنظر بسطحية دون عمق وأنت تعرف الأعماق والأسباب والخفيات؟ فلماذا يكون أو هل يكون نظرك مثلهم؟ أنت منذ الأزل وإلى الأبد سرمدي عارف وكلي المعرفة، فهل تقصر معرفتك مثل البشر قصير العمر والنظر؟ فلماذا يكون هذا الألم؟ ولماذا سمحت به؟

  • ​” حَتَّى تَبْحَثَ عَنْ إِثْمِي وَتُفَتِّشَ عَلَى خَطِيَّتِي ؟”:-

وكأن أيوب يقول لله أنت تعرفني قبلما صورت في البطن فأنا تراب لماذا تبحث عن آثامي وأنت أنت كلي المعرفة وأنت تفتش على خطاياي كما بسراج تفحص آثامي لأني كلي معروف أمامك قبل أن أكون؟

  • ​” فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِبًا، وَلاَ مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ “:-

إن أيوب قد اعترف بخطئه أمام الله فماذا يبقى من خطية أمام الله ؟ وإن أراد أن يفلت من يده لا يستطيع لأن الله كلي القدرة فالوحيد الذي يبرره هو الله، والوحيد الذي ينقذه هو الله أيضا لأنه يقول في إشعياء ” ليس مخلص غيري”.

  • ​” يَدَاكَ كَوَّنَتَانِي وَصَنَعَتَانِي كُلِّي جَمِيعًا، أَفَتَبْتَلِعُنِي ؟”:-

يــداك : تشير اليد أو اليدين إلى الله الكلمة لأنه كما يقول ق. يوحنا الإنجيلي ” كل شيء به كان” (يو١: ١).

فأيوب يستلهم مراحم الله لماذا يفحصه بالضربات وهو صنعة يديه فالذي يصنع يخاف على صنعته ويعتني بها فلا يعقل أن يبتلعه أو يفنيه وهو الذي صنعه.

وهنا تأكيد على خلقة الله لجسدنا كما لأرواحنا وأنفسنا ولهذا لم يستنكف ربنا يسوع الله الكلمة أن يتجسد ويتأنس من العذراء مريم حتى يعود بالجسد إلى كرامته الأولى التي أفسدتها الخطية، فالجسد ليس فيه عيب لكن العيب في الفساد الذي جلبه الإنسان للجسد.

  • ​” اُذْكُرْ أَنَّكَ جَبَلْتَنِي كَالطِّينِ، أَفَتُعِيدُنِي إِلَى التُّرَابِ ؟”:-

يسترحم أيوب الله أنه أي أيوب تراب وطين فهل بعدما تعب فيه وصنعه يعيده إلى ما كان عليه!!

أليس الله يشفق على صنعة يديه أو يفتقدها لأنه صنعها (مز٨: ٤، عب٢: ٦).

فإن كان الإنسان طين فلماذا يغضب الله على أخطائه ولكن مع هذا فقد أعطاه الله أن يكون صورته ومثاله فلا يشعر بالتدني فهو المخلوق الوحيد الذي كرم بهذا أن روحه الإنسانية على صورة الله ومثاله.

  • ​” أَلَمْ تَصُبَّنِي كَاللَّبَنِ، وَخَثَّرْتَنِي كَالْجُبْنِ ؟”:-

الله في تصوير أيوب بسهولة صنع الإنسان، صبه كاللبن وجمده كما يجمد اللبن فصار كالجبن فأصبح جسد الإنسان بسهولة كما يصنع الإنسان الجبن من اللبن.

وأيضا عمل الروح القدس فينا مثل اللبن يسري في أحشائنا ويصير كالجبن في حنو من الله لنا ونحن بدورنا على أخوتنا هكذا تعمل نعمة الله في هذا الجسد المبارك من الله.

  • ​” كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا، فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ “:-

لم يترك الله الإنسان خاويا بل نسج عظمه والعظم هو أساس الإنسان لأنه هو مصنع الدم الذي يحيي الإنسان، ثم كسا هذا العظم باللحم والذي هو العضلات حتى يستطيع أن يربط العظام معا ويتحرك ثم جعل وسيلة اتصال بين أجزاء الجسم كلها بواسطة الأعصاب الموصلة لإشارات المخ إلى جميع أجزاء الجسم حتى تقوم العضلات بتحريك العظام فيعمل الإنسان ويمشي ويتحرك، ثم كسا كل ذلك بجلد لحماية الإنسان فهذا الإبداع الفائق الحنو من الله استحالة أن يترك خلقته الدقيقة التي فيها اهتمام عظيم مثل هذا تفنى وتهلك.

  • ​” مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً، وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي “:-

لأن الجسد كله لا يحيا إلا بروح الله التي وهبها الله للإنسان أي الروح الإنسانية وقد حفظت عناية الله الروح وبالأخص روح أيوب فإن كان مرضه في الجسد لكن روحه لم يأذن الله لإبليس أن يمسها، فإن الروح الإنسانية والجسد الرائع في تكوينه أعطى الإنسان حياة ورحمة بهذا الصنيع والجميل الحسن جدا لأجل الإنسان.

  • ​” لكِنَّكَ كَتَمْتَ هذِهِ فِي قَلْبِكَ. عَلِمْتُ أن هذَا عِنْدَكَ “:-

أي أن الله خلق الإنسان بعنايته الفائقة صبه كاللبن وخثره كالجبن برحمته، نسجه بالعظم وكساه باللحم والجلد والعصب لكنه أيضا سمح له بالألم فإنه بالتأكيد يعمل هذا لصالح أيوب، بحكمة يعمل هذا كله فوق فكر بني البشر.

  • ​” إن أَخْطَأْتُ تُلاَحِظُنِي وَلاَ تُبْرِئُنِي مِنْ إِثْمِي “:-

إن كان الله كلي القدرة والمعرفة لآثامنا لا ليديننا بل لنعرفها نحن أيضا ونتوب ونعترف بها وهنا اعتراف أيوب بخطيته أمام الله وأنه لا يتبرأ أمامه مثلما قال ق. يوحنا الإنجيلي “إن قلنا ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا”(١يو١: ٨).

على الإنسان أن يقدم توبة واعتراف أمام الله إذ كان الآباء الأول ينتظروا المسيا الذي يسحق رأس الحية.

  • ​” إن أَذْنَبْتُ فَوَيْلٌ لِي، وإن تَبَرَّرْتُ لاَ أَرْفَعُ رَأْسِي. إِنِّي شَبْعَانُ هَوَانًا وَنَاظِرٌ مَذَلَّتِي “:-

يقدم لنا أيوب الصديق مثال متزن للإنسان المتواضع فالويل والشقاء لكل من يفعل الخطية لأنه يرث الموت والهلاك، وأيضا الذي يتباهى بفضائله فإنه يقع في خطايا الكبرياء ولكن الذي يشبع هوان فإنه إن كان تائب فإنه له بركات كثيرة لأن الهوان الذي ليس بسبب الخطية يثمر اتضاع ويحافظ على الفضائل، والذي بسبب الخطية ينتج توبة وهذا جيد إذ يعلمنا الله أن نتوب دائما فالهوان يجعلنا نتوب وعندما نتكبر بالبر الذاتي نسقط فلا نعود إليه بل بالاتضاع نرث كل شيء جيد.

  • ​” وإن ارْتَفَع َ(رأسي) تَصْطَادُنِي كَأَسَدٍ، ثُمَّ تَعُودُ وَتَتَجَبَّرُ عَلَيَّ “:-

عندما يرتفع الإنسان بكبرياء كأسد فانه يسقط كما يصطادون الأسد الغير حذر من فخاخ الصيادين لأنه يسقط بثقته في نفسه، هكذا يحثنا الله على الاتضاع، لا نكون أسود في الشر بل أسود في الخير وفي الفضيلة (أم٢٨: ١)، لنحمل سمة الملوكية من ملك الملوك ورب الأرباب في اتضاع وليس في كبرياء حتى لا نكون مصيدة بسبب شرورنا فالشر شبكة لصاحبه.

  • ​” تُجَدِّدُ شُهُودَكَ تُجَاهِي، وَتَزِيدُ غَضَبَكَ عَلَيَّ. نُوبٌ (مصائب) وَجَيْشٌ ضِدِّي “:-

الشهود هم الشهداء سواء بسفك دم أو بالسلوك البار فهم شهود ضد كل إنسان يخطئ فيكونون ديانين له إذ ليس له أن يتبرر أو يتبجح بشيء أو بسبب الخطية بل هؤلاء صنعوا البر ونالوا المواعيد، فأي حجة تكون لدى الخطاة؟! ولكن الله له في كل جيل شهود جدد يدينون أبناء كل جيل فهابيل كان شاهدا ضد قايين ونوح ضد جيله وأخنوخ أيضا وإيليا ضد أخاب وأنبياء البعل ومع إيليا الــ ٧٠٠٠ ركبة الذين لم ينحنوا للبعل، وربنا يسوع ضد الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة وبيلاطس، والرسل والتلاميذ ضد العالم كله، والقديس أثناسيوس في إيمانه ضد العالم كله، ففي كل جيل يوجد لله شهودا جدد ضد الذين يتبجحون بالخطايا.

  • ​” فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! “:-

في نظرة يائسة اشتهى أيوب أن يكون لم يخرج إلى الحياة ويموت في رحم أمه أو حتى كان عند ولادته قد أسلم الروح ولم تراه عين أو بالأحرى لم يرى هو إنسان حتى لا يعيره أحد على ضيقه الذي وصل إليه.

  • ​” فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ، فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ “:-

هنا فكر خاطئ هو اليأس من الحياة وتفضيل الخروج من رحم الأم ميتا إلى القبر، وهناك من يفكر في محبة العالم فهو الآخر يخطئ ويموت بالخطية فكلا الاتجاهين خطأ في محبة العالم وفي اشتهاء الموت إذ لا يرى خطة الله نحو كل إنسان.

  • ​” أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً ؟ اتْرُكْ ! كُفَّ عَنِّي فَأَتَبَلَّجَ قَلِيلاً “:-

أراد أيوب أن يعطيه الله فرصة للراحة حتى ولو قليلة.

لكن غرض أيوب أن يبتسم قليلا وهذا لا يفيده في شيء.

يبدو أن أيوب كان له غرض ثانوي يعبر عن أن الحياة فيها يبتسم قليلا ثم يموت فهل يفيده الابتسام قليلا! فإن الابتسام في الحياة الأخرى سوف يكون كثيرا مهما تعبنا هنا.

من ينظر إلى الموت يعرف كيف يتوب ويستعد ولا يضيع حياته في أغراض تافهة مثل مجرد الفرح العالمي أو الابتسامة التي يبحث عنها أيوب وتزول.

  • ​” قَبْلَ أن أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ. إِلَى أرض ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ “:-

ربما أراد أيوب أن يعطيه الله فرصة حتى يتوب ويراجع نفسه قبل الموت لأن ماذا في الحياة مبهج! هي صراع مع إبليس مع قوات الظلمة إذ يعرض علينا الشر والخطايا ونحن نقاوم، ففي الحياة الأخرى نستريح من كل تجاربه لنا، فقيامة ربنا يسوع أعطتنا رجاء في الحياة الأبدية أن يتمتع الإنسان بالحرية الحقيقية من العالم والذات والخطية وإبليس.

  • ​” أرض ظَلاَمٍ مِثْلِ دُجَى ظِلِّ الْمَوْتِ وَبِلاَ تَرْتِيبٍ، وَإِشْرَاقُهَا كَالدُّجَى “:-

في الهاوية كما في الجحيم هناك درجات حسب الأعمال الغير حسنة لكل إنسان.

وإن كان هناك نور لكن نور الظلام والعذاب الأبدي.

بلا ترتيب: ربما يقصد طريقة الدفن الفقير لا يفرق عن الغني والملك عن العبد.

تشرق على الذين في الجحيم أو جهنم نار أبدية للعذاب وليس للنور في حد ذاته.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment