كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح العشرون- القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح العشرون

من أجل هذا هواجسي تجيبنـي ولهذا هيجاني فيَّ

 

  • ” ​فَأَجَابَ صُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هَوَاجِسِي تُجِيبُنِي، وَلِهذَا هَيَجَانِي فِيَّ “:-

واضح من إجابة صوفر أن أفكاره ليست أفكار سليمة ولا تنتج عن قلب في حالة سلام بل أفكار مشوشة دوارة مثل الزوبعة ومركز هذه الزوبعة هو أيوب وقلبه في حالة غضب شديد، وواضح أن عقله صار مسرح مُقتَحم من أفكار الغضب فاقد السيطرة على أفكار قلبه وعقله في حالة هياج مثل الخيل الهائج الذي بلا لجام يجري ولا يعرف إلى أين، والقلب المليء بالغضب لا يصنع بر الله وهو مليء بأفكار الغضب التي تقتحم العقل فتظلمه.

  • ​” تَعْيِيرَ تَوْبِيخِي أَسْمَعُ. وَرُوحٌ مِنْ فَهْمِي يُجِيبُنِي “:-

أراد صوفر أن يبكم أيوب حتى لا يرد على أي من أصحابه بل تعالى صوفر بالتوبيخ كمعلم لتلميذ مع أنه هو وأصدقاءه هم الذين يحتاجون لمعلم، وواضح من كلامه اعتزازه بنفسه ولغة الذات والاعتماد على فهمه مع أن سفر الأمثال يقول “على فهمك لا تعتمد”.

  • ​” أما عَلِمْتَ هذَا مِنَ الْقَدِيمِ، مُنْذُ وُضِعَ الإنسان عَلَى الأَرْضِ، ​أَنَّ هُتَافَ الأشرار مِنْ قَرِيبٍ، وَفَرَحَ الْفَاجِرِ إِلَى لَحْظَةٍ! “:-

لكي يثبت صوفر كلامه يؤكد أن ما يقوله معروف عند الأقدمين وشيء مسلم به منذ خلق الله الإنسان على الأرض أن الشرير يُباد والبار يُبنى.

فلهذا لأن الشرير يبني نفسه على الرمل فيسقط أما البار يبنيه على الصخرة والصخرة هي ربنا يسوع فيثبت.

فلهذا يجب علينا أن نقلع ونهدم الشر حتى الأساس منه حتى لا نبقى على أساس شرير ثم نبني البناء بناء الفضائل المقدسة ولهذا دعا الله إرميا النبي أن يقلع ويهدم ويغرس ويبني ليس ممالك أرضية إنما فضائل سماوية.

وما يعلنه صوفر أن هتاف وفرح الأشرار قصير الأمد لأنه فرح عالمي ونجاح عالمي سرعان ما ينقلب إلى حزن، فجيد للإنسان أن يزرع بالدموع لكي يحصد بابتهاج وعندما يجيء يوم الحصاد يكون مع القمح الذي يوضع في مخازن الله العليا في السماويات ولا يحرق مثل التبن بنار لا تطفأ.

  • ​” وَلَوْ بَلَغَ السَّمَاوَاتِ طُولُهُ، وَمَسَّ رَأْسُهُ السَّحَابَ، كَجُلَّتِهِ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُ. الَّذِينَ رَأَوْهُ يَقُولُونَ: أَيْنَ هُوَ ؟”:-

المرائي يتعظم ويظن أنه وصل إلى السماوات عينها لكنه يحسب عند الله كروث البهائم الذي يريد الكل التخلص منه والذين رأوه عاليا متشامخا يبحثوا عنه فإذا هو باد مثل روث يُرمى بعيدا عن البيوت.

  • ​” كَالْحُلْمِ يَطِيرُ فَلاَ يُوجَدُ، وَيُطْرَدُ كَطَيْفِ اللَّيْلِ”:-

يظهر المرائي وحتى حياة الإنسان في العالم كحلم عندما يستيقظ الإنسان لا يجده وكطيف الليل سرعان ما يعبر هكذا المرائي وهكذا حياة الإنسان في العالم كبخار مضمحل كزهر العشب الذي يظهر اليوم وغدا يوضع في التنور، كسفينة في البحر ليس لها أثر، كطائر في الجو بعدما يطير ليس له أثر في الجو هكذا يعبر عمر الإنسان لكن إذا كان له رجاء وإيمان سيعبر إلى الأبدية السعيدة.

  • ​” عَيْنٌ أَبْصَرَتْهُ لاَ تَعُودُ تَرَاهُ، وَمَكَانُهُ لَنْ يَرَاهُ بَعْدُ “:-

كان يبصره الجميع ذا مكانة لكن إذا باد لا يعود يراه أحد ويكون مكانه خاويا، والقصد هنا منه أيوب إذ كانوا رأوه في مجده وحاليا بالكاد يتعرفون عليه إذ حرق بيته لم يعد موجودا ولا أبناءه موجودين.

  • ​” بَنُوهُ يَتَرَضَّوْنَ الْفُقَرَاءَ، وَيَدَاهُ تَرُدَّانِ ثَرْوَتَهُ “:-

أي أبناؤه يحتقرون الفقراء ويطردونهم ويؤلمونهم وأيديهم تزداد في الثروة لكن لحين.

  • ” عِظَامُهُ مَلآنَةٌ شَبِيبَةً، وَمَعَهُ فِي التُّرَابِ تَضْطَجِعُ “:-

رغم أن المرائي يعيش قوي في العالم لكن سرعان ما يفقد قوته وتفارقه روحه فتعود عظامه توضع أو ترجع إلى أصلها وتضطجع في التراب الذي أخذت منه. وهنا إشارة خفية على أيوب الذي عاش قويا والآن في مزبلة يعيش جالسا على الرماد مبلي بقروحه.

  • ​” إن حَلاَ فِي فَمِهِ الشَّرُّ، وَأَخْفَاهُ تَحْتَ لِسَانِهِ”:-

هنا يتكلم عن المرائي أنه يتلذذ بالشر الذي تحول من الفكر إلى القلب والمشاعر ثم الكلام به، وأيضا يستر شره تحت لسان ملق ناعم.

  • ” ​أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكْهُ، بَلْ حَبَسَهُ وَسَطَ حَنَكِهِ”:-

يشفق المرائي على فكره السيئ بل يحبسه في فمه حتى لا ينطق به لكن الشر يفضح صاحبه مهما حاول إخفاءه مثل الجريمة التي حتما تترك أثر يدل على فاعلها.

  • ​” فَخُبْزُهُ فِي أَمْعَائِهِ يَتَحَوَّلُ، مَرَارَةُ أَصْلاَل فِي بَطْنِهِ”:-

شبه شر المرائي بالخبز اليومي إذ صار له طعامه وشرابه لكن الخبز يؤدي إلى الحياة أما خبز المرائي وهو أفكار شريرة تتحول إلى الموت مثل سم الأصلال أي الأفاعي.

  • ​” قَدْ بَلَعَ ثَرْوَةً فَيَتَقَيَّأُهَا. اللهُ يَطْرُدُهَا مِنْ بَطْنِهِ”:-

المرائي لا يشبع من العالم يخزن ثروات كثيرة في خزانة بطنه التي لا تشبع ثم يتقيأها من كثرة النهم فيعود جائعا مرة أخرى وتخزن مرة أخرى ثم يتقيأها بلا نهاية لكن النعمة والبركة والشكر يشبع النفس البسيطة أفضل من كل شيء.

  • ​” سَمَّ الأَصْلاَلِ يَرْضَعُ. يَقْتُلُهُ لِسَانُ الأَفْعَى “:-

يتغذى المرائي على سم الأفاعي فيؤدي هذا إلى موت من يتلذذ بالشر إذ الشر يقتله فأجرة الخطية هي حتما موت، وسم الأصلال في لسانها الذي يتلذذ به المرائي بل يرضع منه كأنه مصدر غذاء ونمو، ومن ينمي شجرة سامة تنتج له موتا.

  • ” ​لاَ يَرَى الْجَدَاوِلَ أَنْهَارَ سَوَاقِيَ عَسَل وَلَبَنٍ “:-

كانت أرض الميعاد أرض تفيض لبنا وعسلا.

والإنسان المسيحي تفيض من بطنه أنهار ماء حية أي يفيض من قلبه عمل الروح القدس الذي يكون مثل أنهار الماء لتشبعه وترويه.

لكن الإنسان المرائي لا يرى أنهارا في داخله بها عسل ولبن لكن تنبع منه ينابيع ماء جافة وأرض جافة بلا ثمر بل تكون فيها شوك وحسك مثل الغابات المهجورة.

  • ​” يَرُدُّ تَعَبَهُ وَلاَ يَبْلَعُهُ. كَمَالٍ تَحْتَ رَجْعٍ. ولاَ يَفْرَحُ (وبمكسب تجارته لا يفرح)”:-

الإنسان المرائي يعاين العقوبة التي وضعها الله على الجنس البشري “بعرق وجهك تأكل خبزك”، بل إنه يتعب ولا يبلغ هدفه من تعبه وإن كان يتاجر لا يكسب ولا يفرح بربح تجارته بل ما هو للحزن هو نصيبه.

لأن الإنسان مهما حصد من تعبه ومن تجارته عريان خرج من بطن أمه وعريان يعود إذ لا تنفعه ثيابه الغالية ونجاحه العالمي لكن توبته ورجوعه وعلاقته بالله هي التي تفلح وتفتح له الطريق إلى السماء.

فإن لم يتغطى الإنسان ببر ربنا يسوع بواسطة سر المعمودية التي هي من الماء الذي خرج مع الدم من جنبه المطعون فسوف يكون عاريا من الفضائل والبركات.

  • ” ​لأَنَّهُ رَضَّضَ الْمَسَاكِينَ، وَتَرَكَهُمْ، وَاغْتَصَبَ بَيْتًا وَلَمْ يَبْنِهِ “:-

يوضح صورة للجشع بدل من أن يعطي الإنسان للفقراء ما يخصهم كوصية الله يهينهم بل يصل إلى ضربهم لأن كلمة رفضهم تعني عمل كدمة في الجسد عبارة عن تجمع دموي تحت الجلد فيكون لونه أزرق فيضيف إلى القسوة ظلم وإلى الظلم سحق المساكين.

بل يأخذ بالعنف بيوتا ونتيجة للظلم لا يعطى له وقتا لكي يبنيه كما أخذ أخاب كرم نابوت اليزرعيلي وحكم عليه بالموت فمات أخاب في نفس مكان كرم نابوت اليزرعيلي ولحست الكلاب دمه، هذه هي أجرة اغتصاب البيوت من أصحابها المساكين.

  • ” ​لأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِي بَطْنِهِ قَنَاعَةً، لاَ يَنْجُو بِمُشْتَهَاهُ “:-

شهوة الأكل التي هي النهم هي أم شهوات كثيرة مثل الزنى والأفكار الشريرة وهي أول خطية سقط فيها الإنسان عندما كان في جنة عدن، وأيضا في شهوة البطن لا يصل إلى ما يتمناه إذ لا يعطى له بسبب عدم القناعة وعدم الشكر لأنه ليست عطية بلا زيادة إلا التي بلا شكر.

  • ” ​لَيْسَتْ مِنْ أَكْلِهِ بَقِيَّةٌ، لأَجْلِ ذلِكَ لاَ يَدُومُ خَيْرُهُ “:-

الجشع لا يبقي من أكله شيئا لفقير أو غريب أو أرملة لكنه يستحوز على كل شيء حتى لا يعطي شيء للآخرين، ومع هذا خيراته لا تدوم بسبب عدم الشكر (رو١٤: ٦) وقلة العطاء.

  • ​” مَعَ مِلْءِ رَغْدِهِ يَتَضَايَقُ. تَأْتِي عَلَيْهِ يَدُ كُلِّ شَقِيٍّ “:-

عجيب هو الإنسان يلهث وراء اقتناء الأشياء وعندما يأخذها بدل الشكر يتحول إلى العطية دون العاطي ليفكر فيها وتسبب له قلق فيعمل مثل الغني الغبي الذي أراد توسيع مخازنه لكن أخذت نفسه قبل هذا لأنه لم يعطي أحد منها (لو١٢: ١٧، ١٨)، بل لأنه يجمع غناه بالظلم يأتي من يظلمه ويأخذها منه ظلما.

  • ​” يَكُونُ عِنْدَمَا يَمْلأُ بَطْنَهُ، أن اللهَ يُرْسِلُ عَلَيْهِ حُمُوَّ غَضَبِهِ، وَيُمْطِرُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ طَعَامِهِ”:-

يشير صوفر إلى ما حدث لأبناء أيوب إذ ماتوا أثناء تجمعهم لأجل الوليمة، لكن تطبيقه عليهم خطأ لأن ذلك ينطبق على الإنسان الشرير الغير محب للعطاء فيعاقبه الله عندما يكون ممتلئا بالأكل مثلما حدث في الطوفان وفي سدوم وعمورة كانوا يأكلون ويشربون ويزوجون ويتزوجون إذ أمطر عليهم نار وكبريت (لو١٧: ٢٧- ٢٩) لأن الإنسان يظن أن حياته من الأكل والشرب وليست من الله.

  • ​” يَفِرُّ مِنْ سِلاَحِ حَدِيدٍ. تَخْرِقُهُ قَوْسُ نُحَاسٍ “:-

سلاح الحديد مقصود به السيف وهي عقوبة مؤقتة أرضية وهي للذين يتهيأ لهم أنهم أقوياء لا يقدر أحد أن يهزمهم.

أما القوس النحاس هو الذين يحاولون أن يهربوا من غضب الله وهو يشير إلى العقوبة الأبدية للذين يخالفوا الله ووصاياه.

  • ​” جَذَبَهُ فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهِ، وَالْبَارِقُ مِنْ مَرَارَتِهِ مَرَقَ. عَلَيْهِ رُعُوبٌ “:-

هنا يصور الإنسان الشرير وقد حاربه عدو الخير كمن يضرب بالسهم بواسطة القوس فيصيب بطنه (كبده) ويخرج من الناحية الأخرى فيتهيأ له الموت والرعب، ويقول              ق. إغريغوريوس الكبير أن الشياطين تحيط بالإنسان ليرتكب مجموعة من المعاصي والخطايا ثم تفارقه لتحل به مجموعة أكثر شراسة وكأنه كرة يتلاعب بها الشياطين لأنه لم يكن حذرا.

  • ​” كُلُّ ظُلْمَةٍ مُخْتَبَأَةٌ لِذَخَائِرِهِ. تَأْكُلُهُ نَارٌ لَمْ تُنْفَخْ. تَرْعَى الْبَقِيَّةَ فِي خَيْمَتِهِ “:-

هنا يوضح أن النار ليست مادية لأن النار المادية ينفخ فيها حتى تزداد توهج لكن هذه النار تزداد من نفسها على ذخائر الأشرار في ظلمة قلوبهم وهذه الذخائر هي خطاياهم بل تمتد إلى أسرهم وهي المقصود بها خيمته، فالنار الأبدية لحرق الأجسام التي يلبسها الخطاة للعار الأبدي وللأرواح.

ودائما الشر معه ظلمة والعقوبة معها ظلمة أما فعل البر معه إشراق شمس البر ومعه النور (تك١٨: ١، ٢؛ ١٩: ١؛ أم٤: ١٨؛ مت١٣: ٣٤).

  • ​” السَّمَاوَاتُ تُعْلِنُ إِثْمَهُ، وَالأَرْضُ تَنْهَضُ عَلَيْهِ “:-

السموات والأرض… السموات هم سكان السماء الملائكة وهي الأعمال البارة وهم البشر محبو البر والسماء، أما الأرض فهم محبو الخطية والإثم والأرضيات والعالميات رغم اختلاف هدف الاثنين لكن بواسطة الله يجعلهم يشهدوا ضد الإنسان الشرير، السموات تعلن إثمه والأرض تقاومه وتثير الآخرين ضده.

  • ​” تَزُولُ غَلَّةُ بَيْتِهِ. تُهْرَاقُ فِي يَوْمِ غَضَبِهِ. هذَا نَصِيبُ الإنسان الشِّرِّيرِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمِيرَاثُ أَمْرِهِ مِنَ الْقَدِيرِ “:-

غلة بيته أي أبناؤه أو الشيء الأساسي الذي يعتمد عليه في معيشته فإن الله في يوم الدينونة ينزع عنه كل النعم ويعاقبه ويكون ميراثه النار الأبدية، لكن هذا الكلام في تطبيقه لا ينطبق على أيوب بل حمل صوفر ظلما كبيرا على البار بكم من التهم غير عادي، صحيح كلامه دون التطبيق على أيوب صحيح لكن تطبيقه على أيوب ظلما فادحا.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment