كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح الأربعون – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الأربعون

هل يخاصم القدير موبخه ؟

 

  • ” ​فَأَجَابَ الرَّبُّ أيوب فَقَالَ: هَلْ يُخَاصِمُ الْقَدِيرَ مُوَبِّخُهُ، أَمِ الْمُحَاجُّ اللهَ يُجَاوِبُهُ ؟”:-

لقد أجاب الله على أيوب فهو (الله) ليس مثل البشر يخاصم من يجادل معه أو يتحاجج معه لكن أيوب أدرك أنه خفيف الوزن أو تافه جدا أمام الله هذا الذي طلب الله أن يحاكمه.

  • ​” فَأَجَابَ أيوب الرَّبَّ وَقَالَ: هَا أَنَا حَقِيرٌ، فَمَاذَا أُجَاوِبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي “:-

إذ شعر أيوب بضآلة حجمه أن يجاوب الله ففضل أن يضع يده على فمه.

رغم أن أيوب إنسان قديس صالح كامل أمام الله.

فالإنسان عندما ينحرف يدعى بصفات الحيوانات مثل الكلاب وهو تعبير عن الدنس أو الحيات وهو تعبير عن الإنسان الخبيث أو الثعلب أو الذئب عندما يكون محب لسفك الدماء.

  • ​” مَرَّةً تَكَلَّمْتُ فَلاَ أُجِيبُ، وَمَرَّتَيْنِ فَلاَ أَزِيدُ “:-

اعترف أيوب أنه تكلم مرة أو اثنين بين ما حل به من نكبات وطالب المحاكمة لدى الله في إلحاح، وها هو عندما ظهر الله له صمت واعترف فإن الاعتراف هو طريق الاتضاع والاتضاع يؤدي إلى حب الله.

  • ​” فَأَجَابَ الرَّبُّ أيوب مِنَ الْعَاصِفَةِ فَقَالَ: الآنَ شُدَّ حَقْوَيْكَ كَرَجُل. أَسْأَلُكَ فَتُعْلِمُنِي”:-

هذا بداية الحوار الثاني لله مع أيوب.

أوضح الكاتب أن الله تكلم في العاصفة وهنا كثيرا ما يحدث مثلما كلم الله إيليا بعد العاصفة عندما هرب من وجه إيزابل في مصر على جبل حوريب، ومثلما حدث يوم الخمسين حلول الروح القدس في العلية مثل صوت رياح عاصفة (أع ٢).

أمره الرب أن يقف أمامه كرجل مشدود الحقوين أي مسيطر على أفعاله وله إرادة حرة حتى يتكلم ليس عن خطية ارتكبها أيوب لكن عن شكواه فيما أصابه من تجارب وإن كان نجح في الصمود لكنه برر نفسه، وإن كانت التجربة أذاعت استحقاقاته.

  • ” ​لَعَلَّكَ تُنَاقِضُ حُكْمِي، تَسْتَذْنِبُنِي لِكَيْ تَتَبَرَّرَ أَنْتَ ؟”:-

في الترجمة السبعينية: “هل تظن أنني أنذرك لسبب آخر إلا لأظهر برك؟”.

فالمعنى مختلف الله ينذر أيوب حتى يظهر انتصاره في التجربة وظهور بره ليس في غناه لكن في التجربة وانتصاره عليها.

  • ​” هَلْ لَكَ ذِرَاعٌ كَمَا ِللهِ، وَبِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِهِ تُرْعِدُ ؟”:-

الله في طبيعته روح كما قال ربنا يسوع للسامرية في (يو٤: ٢٤).

فليس لله يد أو ذراع لكنها تشبيهات لها مدلولاتها اللاهوتية.

فذراع الرب هي تمثل ابنه وأصبع الرب هو الروح القدس كما تكلم ربنا يسوع أنه يخرج الشياطين بروح الله وفي إنجيل آخر يقول بأصبع الله.

فصوت الله يكون قويا مثل الرعد هكذا ذراعه وليس هناك وجه مقارنة بين الله وأيوب فإن ذراع الرب خلقت العالم وفدته وصوت الرب تكلم به مع موسى على جبل حوريب وعندما تجسد ربنا يسوع سمعناه عن قرب.

  • ​” تَزَيَّنِ الآنَ بِالْجَلاَلِ وَالْعِزِّ، وَالْبَسِ الْمَجْدَ وَالْبَهَاءَ “:-

يقارن الله مجد البشر عندما يلبسون ملابس ثمينة مثل الملوك فإنهم يرهبون بشر مثلهم.

لكن مجد السمائيات أعلى بكثير من الأرض فكما ارتفعت السماء عن الأرض ارتفع مجد السماء عن مجد الأرض.

فالله يلبس الكنيسة السماوية والأرضية كثوب بما في الكنيسة السماوية من ملائكة بكل رتبهم وجمالهم الذي يأخذونه عن جمال الله وبهائه ويعكسه هو عليهم والكنيسة الأرضية يتمجد الله فيها في قديسيها العائشين على الأرض.

  • ​” فَرِّقْ فَيْضَ غَضَبِكَ، وَانْظُرْ كُلَّ مُتَعَظِّمٍ وَاخْفِضْهُ “:-

هنا الله بين الفرق بين الخالق والمخلوق فهل يستطيع المخلوق في غضبه أو عدله أن يجريه على المتكبرين والمتعظمين فيخفضهم بنظرة منه؟ طبعا لا يستطيع لكن الله يستطيع وهذا ما قاله إشعياء النبي في (إش٢: ١٢).

  • ​” اُنْظُرْ إِلَى كُلِّ مُتَعَظِّمٍ وَذَلِّلْهُ، وَدُسِ الأشرار فِي مَكَانِهِمِ”:-

كأن الله يقول له أنا اعرف أنك متواضع حتى في ساعة عتابك لي، وأنك تضايقت من أصحابك المتكبرين عليك لكني أستطيع أن أخفض كبريائهم عليك، فالإنسان الشرير هو متعظم داخليا وخارجيا أما المتواضع فهو غني بالله داخليا ليس له حاجة أن يفتخر لأنه يفتخر بالرب فقط.

كما أن أم الفضائل التواضع وصمام أمانها كذلك أم الشرور هو الكبرياء وسبب سقوط كثيرين.

  • ​” اطْمِرْهُمْ فِي التُّرَابِ مَعًا، وَاحْبِسْ وُجُوهَهُمْ فِي الظَّلاَمِ”:-

هل يستطيع أيوب أن يميت المتكبرين وأن يهبط بهم إلى الهاوية؟ طبعا لا.

لكن الله يخفض الإنسان المتكبر صاحب السلطان في العالم إلى التراب فيموت ويبيد، وإن كل البشر سقطوا تحت نفس الحكم بسبب كبريائهم فمهما كان السلطان أو حتى القداسة فأجسادهم تنزل إلى التراب. وإن كان الله يحفظ عظام القديسين فلا ترى فسادا لكن المتكبرين لا يعودوا يروا الله أو النور إذ يهبطون إلى الهاوية في الظلمة إلى يوم الدينونة حيث يكونوا في ظلام أبدي.

  • ​” فَأَنَا أيضا أَحْمَدُكَ لأَنَّ يَمِينَكَ تُخَلِّصُكَ “:-

الله يمدح خليقته ويمدح أيوب.

لكن لا يمدح من يتكل على ذاته لأنه لا يستطيع أن يخلص، حقا من يتكل على ذاته سينهزم أمام إبليس أما من يتكل على الله فالله سيخلصه لأنه هو وحده الذي دعي مخلص وليس سواه مخلص.

  • ​” هُوَذَا بَهِيمُوثُ (فرس البحر) الَّذِي صَنَعْتُهُ مَعَكَ يَأْكُلُ الْعُشْبَ مِثْلَ الْبَقَرِ”:-

فرس البحر: ذكر في العبري بالجمع بمعنى بهيم behemah أي حيوان ضخم لكنه يأكل العشب وهو chaytow .

يرى البعض أنه فرس النهر hippopotamus أو حيوان منقرض ضخم هو mammoth .

لكن في كل هذا هو يرمز للشيطان فابتدأ الله يُري أيوب أن هناك عددا ضخم يصارع ضده لكي يغلبه، هو (الشيطان) يأكل العشب مثل البقر أي يتغذى على البشر في جذبهم إلى الملذات أو إلى الكبرياء فإن المعركة الحقيقية هي معه والله هو الذي يخلصه منه وليس الله هو عدوه في شيء.

  • ​” هَا هِيَ قُوَّتُهُ فِي مَتْنَيْهِ، وَشِدَّتُهُ فِي عَضَلِ بَطْنِهِ “:-

هنا يصف إبليس مثل الحيوان الذي قوته في متنيه وعضل بطنه أي حقويه.

والحقوين من الضروري أن يموتوا حتى يستطيع الإنسان أن يغلب في الحرب ضد إبليس.

ففي سفر ناحوم عندما يتكلم عن قوة رجال الحرب يقول عن تشديد الحقوين أي ضبط النفس ضد الشهوات (نا٢: ١).

بنو إسرائيل عندما أراد الله أن يخلصهم بواسطة خروف الفصح ودمه اشترط عليهم أن يأكلوه بأحقاء ممنطقة (خر١٢: ١١).

يوحنا المعمدان كانت له منطقة من جلد على حقويه لأنه يميت الشهوات الجسدية (مت٣: ٤).

أورشليم أو البشرية في (حز١٦: ٤- ٦) عندما كانت غارقة في الشر قال أنها غارقة في دمائها وسرتها لم تقطع.

  • ​” يَخْفِضُ ذَنَبَهُ كَأَرْزَةٍ. عُرُوقُ فَخِذَيْهِ مَضْفُورَةٌ “:-

هنا يمثل إبليس مثل شجرة الأرز له ذيل متماسك يحارب أبناء الله حتى يسقطهم إذ قيل في سفر الرؤيا ذيله يجر ثلث نجوم السماء (رؤ١٢: ٤).

فخذيه مضفورين أي له عضل قوي متناسق يهجم به على أولاد الله أما بالملذات أو الكبرياء حتى يسقطوا تحت نيره.

  • ​” عِظَامُهُ أَنَابِيبُ نُحَاسٍ، جِرْمُهَا حَدِيدٌ مَمْطُولٌ (مطرق)”:-

إبليس قوي مثل حيوان عظامه قوية جدا مثل النحاس وضلوعه أي عظام صدره قوية كالحديد ليحطم بهم أبناء الله حتى يحارب الله بواسطة حربه لأولاد الله لأنه قائد مملكة الظلمة ضد مملكة النور وقائدها ربنا يسوع لكنه في النهاية سيُهزم ويلقي في البحيرة المتقدة نار وكبريت التي صُنعت له ولجنوده خصيصا.

  • ​” هُوَ أَوَّلُ أعمال اللهِ. الَّذِي صَنَعَهُ أَعْطَاهُ سَيْفَهُ “:-

أكد أيوب الصديق أن إبليس هو خليقة الله.

كان صالحا في البداية ودعي كوكب بنت الصبح كان منيرا ومنير على الآخرين كهبة من الله (إش١٤: ١٢)، ودعي لوسيفر أي حامل النور.

لكنه تكبر على الله وأراد أن يرفع كراسيه فوق جبل صهيون فوق العلي فسقط هو وملائكته وصار سخرية لملائكة الله القديسين وذلك حسب نص الآية في الترجمة السبعينية.

وستبطل رئاسته ويخضع لله كما في (١كو١٥: ٢٤، ٢٥).

  • ​” لأَنَّ الْجِبَالَ تُخْرِجُ لَهُ مَرْعًى، وَجَمِيعَ وُحُوشِ الْبَرِّ تَلْعَبُ هُنَاكَ “:-

إذ بتدبير الله القدير جعل هذا الوحش لا يتغذى على لحوم الحيوانات الأخرى بل على العشب فصارت الحيوانات المستأنسة تلعب معه لأن غذاءه العشب وهذا بين قدرة الله أنه جعله في أشياء معينة محدود القوة لا يتعدى أمور معينة حتى لا يستغل قوته الطبيعية في هلاك الآخرين.

  • ​” تَحْتَ السِّدْرَاتِ يَضْطَجعُ فِي سِتْرِ الْقَصَبِ وَالْغَمِقَةِ. تُظَلِّلُهُ السِّدْرَاتُ بِظِلِّهَا. يُحِيطُ بِهِ صَفْصَافُ السَّوَاقِي”:-

رغم أن هذا الحيوان قوي لكنه يستريح في الأشجار المظللة والقصب فينام تحت ظلهما وتحت ظل الصفصاف مكانه وعند سواقي المياه.

وهنا بين أن إبليس له مكان راحة في النفوس الباردة الرطبة التي ليس فيها قوة الروح فتكون عبدة له إذ تبعد عن الله شمس البر (ملا٤: ٢).

  • ​” هُوَذَا النَّهْرُ يَفِيضُ فَلاَ يَفِرُّ هُوَ. يَطْمَئِنُّ وَلَوِ انْدَفَقَ الأُرْدُنُّ فِي فَمِهِ. هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ أمامهِ؟ هَلْ يُثْقَبُ أَنْفُهُ بِخِزَامَةٍ ؟”:-

إذ إبليس أو بهيموث يشرب مياه كثيرة والمياه الكثيرة هي الأمم والبشر الذين يبتلعهم إبليس لعبوديته حتى يخيل للإنسان أنه يبتلع نهر الأردن بأكمله.

لكن جاء ربنا يسوع المسيح وتعمد في نهر الأردن وهزم إبليس في عقر داره المياه التي كان يشربها وأخذ منه البشر الذين أقتنصهم لعبوديته.

واستطاع أن يصيده من أنفه بخزامة الصليب إذ قيده ألف سنة روحية عندما نزلت روح ربنا يسوع الإنسانية المتحدة بلاهوته هربت قوات الجحيم ولم تقوى على الثبات لأنها عرفت قوته (من طرح الساعة التاسعة من يوم الجمعة العظيمة).

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment