كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح الثاني والثلاثون – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الثاني والثلاثون

الحديث الأول لأليهو

فكف هؤلاء الرجال الثلاثة عن مجاوبة أيوب لكونه بارا

في عينـي نفسه (في أعينهم)

  • ” فَكَفَّ هؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ عَنْ مُجَاوَبَةِ أيوب لِكَوْنِهِ بَارًّا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ “:-

في الترجمات السبعينية والكلدانية والعربية القديمة (لكونه بارا في أعينهم).

وفي ترجمة سيماخوس (لكونه بارا أكثر منهم).

فهذا يعني اقتناع أصحاب أيوب الثلاثة أنه أبر منهم وأنه بار لكن دافعهم للمناقشة كان غير نقي ولهذا يبرز دور أليهو فيما بعد لكونه دافعه نقي.

أصحاب أيوب الثلاثة اتهموا أيوب اتهامات باطلة وبذلك اتهموا الله أيضا باطلا لكن الله لم يدافع عن نفسه بل عن أيوب رغم دفاع أيوب عن نفسه.

فالله يدافع عن الإنسان الذي يصرخ إليه (مز٥٧: ٢)، ويدافع عن الجماعة المقدسة والمدينة المقدسة (إش٣٧: ٣٥؛ ٣٨: ٦؛ زك٩: ١٥).

والله هو البرج الحصين الذي نتحصن به من عدونا إبليس (مز٦١: ٣).

  • ​” فَحَمِيَ غَضَبُ أَلِيهُوَ بْنِ بَرَخْئِيلَ الْبُوزِيِّ مِنْ عَشِيرَةِ رَامٍ. عَلَى أيوب حَمِيَ غَضَبُهُ لأنَّهُ حَسَبَ نَفْسَهُ أَبَرَّ مِنَ اللهِ “:-

حمى غضب أليهو للآتي :-

  1. أن أيوب برر نفسه أمام الله حسب الترجمة الحرفية.
  2. أليهو فهم خطأ كما قال ق. يوحنا ذهبي الفم أن أيوب اعتبر نفسه أبر من الله حسب الفهم الخاطئ لأليهو.
  • أليهو كلمة عبرية تعني إلهي يهوه.
  • برخئيل تعني الله يبارك حيث كلمة إيل تعني الله وحرف (خ) ينطق أحيانا (ك).
  • بوزي هو بوز ابن ناحور أخو إبراهيم (تك٢٢: ٢١).
  • رام تعني مرتفع وهو ابن أخو أليهو.
  • أليهو كان له دافع غيرة على الله ولم يكن يحمل حسد ضد أيوب مثل باقي أصحابه ويرمز للوسيط الحقيقي ربنا يسوع.

​وَعَلَى أصحابهِ الثَّلاَثَةِ حَمِيَ غَضَبُهُ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا جَوَابًا وَاسْتَذْنَبُوا أيوب”:-

إذ حمل أليهو روح الحنو على أيوب والحكمة فأبرز خطأ أيوب أولا أنه تبرر أمام الله ثم أبرز خطأ أصحاب أيوب أنهم اتهموه بالشر ولم يقدروا أن يشفوا ذلك وحكموا عليه مقدما.

لكن أصحاب أيوب أيضا لم يقدروا أن يردوا على حجج أيوب فصمتوا.

فلهذا احتاج الموقف إلى أليهو ليكون وسيط بين الطرفين وبيَّن خطأ كل منهما.

  • ” وَكَانَ أَلِيهُو قَدْ صَبَرَ عَلَى أيوب بِالْكَلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ أَيَّامًا. فَلَمَّا رَأَى أَلِيهُو أَنَّهُ لاَ جَوَابَ فِي أَفْوَاهِ الرِّجَالِ الثَّلاَثَةِ حَمِيَ غَضَبُهُ “:-

صبر أليهو بحكمة على أصحاب أيوب الثلاثة وعلى ردود أيوب لكونهم أكبر منه سننا وهذا موافق للكتاب المقدس كما في (سيراخ٨: ٧؛ ١تي٥: ١، ١٩).

ولما رأى أليهو رغم كونه شابا لكن أعطاه الله حكمة الشيوخ أن الثلاثة شيوخ أصحاب أيوب اقتنعوا بكلام أيوب وأن أيوب حسب أن ظلما وقع عليه تكلم مدافعا عن حق الله بعمق وعن مجده.

  • ​” فَأَجَابَ أَلِيهُو بْنُ بَرَخْئِيلَ الْبُوزِيُّ وَقَالَ: أَنَا صَغِيرٌ فِي الأَيَّامِ وَأَنْتُمْ شُيُوخٌ، لأَجْلِ ذلِكَ خِفْتُ وَخَشِيتُ أن أُبْدِيَ لَكُمْ رَأْيِيِ”:-

عبر أليهو عن عادة الشرقيين خصوصا في آسيا وحتى عند آباء الكنيسة وآباء الرهبنة عن صمت الصغار سنا في وجود الكبار وعند حديثهم.

وقوله أنا صغير ليعلل لماذا لم يتدخل ويتكلم منذ بداية الحديث لكنه لا يعني أنه أقل حكمة بل على العكس هو فاق حكمة الشيوخ.

  • ​” قُلْتُ: الأَيَّامُ تَتَكَلَّمُ وَكَثْرَةُ السِّنِينَِ تُظْهِرُ حِكْمَةً “:-

يتكلم أليهو عن الحكمة مع كثرة الأيام.

لكن نفرق بين ٣ أنواع من الحكمة :-

  1. الأولى هي الحكمة بالخبرة التي تزيد بعدد السنوات.
  2. الثانية هي حكمة العقل البشري الذي أعطاه الله لكل إنسان والتي نسميها ذكاء.
  3. الثالثة هي روح الحكمة الموهوبة لنا من الله أو روح الله القدوس.

فلهذا نطلب أن تكون لنا الحكمة التي من الله غير تاركين النوعين الأولين لأن الحكمة التي من الله هي تفوق كل نوع والتي هي أقنوم الحكمة ربنا يسوع والتي سماها سليمان “الجالسة على عرش الله” (حك٩: ٤).

يقول سليمان “عين الحكيم في رأسه” أي الذي يقود الإنسان هو عقله مع حواسه الروحية لهذا دائما يعبر عن الحكمة بالعين خصوصا الحكمة الروحية (جا٢: ١٤).

  • ​” وَلكِنَّ فِي النَّاسِ رُوحًا، وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ تُعَقِّلُهُمْ “:-

هنا يؤكد أليهو أن الحكمة الأعظم من حكمة السنين والخبرة مع عدم تجاهلها هي الحكمة الموهوبة لنا من روح الله القدوس، هي الحكمة الحقيقية والتي سماها في العبرية (نشمة شاداي) أي نسمة القدير هي الحكمة الحقيقية التي يتمتع بها الشباب والشيوخ على السواء.

  • ​” لَيْسَ الْكَثِيرُو الأَيَّامِ حُكَمَاءَ، وَلاَ الشُّيُوخُ يَفْهَمُونَ الْحَقَّ “:-

برر أليهو تدخله في الحديث بأن ليست الحكمة هي حكمة الأيام والسنين بل الموهوبة لنا من الله بروحه ولهذا وبخ الشيوخ الذين اتهموا أيوب ظلما وأعطى أولوية للحكمة التي من الله (زك١٢: ١).

  • ​” لِذلِكَ قُلْتُ: اسْمَعُونِي. أَنَا أيضا أُبْدِي رَأْيِيِ “:-

طلب أليهو واستأذن من الشيوخ أن يسمعوه ثم يحكموا على ما يسمعوه وعلى رأيه ولذلك يقول سليمان الحكيم “ولد فقير وحكيم خير من ملك شيخ جاهل” (جا٤: ١٣).

  • ​” هأَنَذَا قَدْ صَبِرْتُ لِكَلاَمِكُمْ. أَصْغَيْتُ إِلَى حُجَجِكُمْ حَتَّى فَحَصْتُمُ الأَقْوَالَ “:-

هنا يستهزئ أليهو بأصحاب أيوب إذ وجدهم ليسوا بصادقين فهو سمع وأصغى لكلامهم جيدا فوجدهم لهم هدف هو النصرة الكلامية ضد أيوب أو حب الجدال لمجرد الجدال حتى لو غاب عنه الحق.

لذا ينصح الآباء وبالأخص الأنبا أنطونيوس الكبير والأب بيمن من تلاميذ أنبا مقار بأن نعرض عن المحبين للجدال لأنهم يفسدوا أخلاق الكاملين.

  • ​” فَتَأَمَّلْتُ فِيكُمْ وَإذ لَيْسَ مَنْ حَجَّ أيوب، وَلاَ جَوَابَ مِنْكُمْ لِكَلاَمِهِ “:-

يتهكم أليهو من أصحاب أيوب الثلاثة الذين تكلموا كثيرا ولم يستطيعوا أن يردوا على أسئلة أيوب أو يغيروا فكره فهم سفاسطة فقط.

  • ​” فَلاَ تَقُولُوا: قَدْ وَجَدْنَا حِكْمَةً. اَللهُ يَغْلِبُهُ لاَ الإنسان “:-

معنى كلام أليهو أنه إذا لم يكن مع الإنسان حكمة من الله فباطلة هي حكمته مثل أصحاب أيوب ظنوا أنهم حكماء لكن لأن الله لم يكن معهم فلم تفد حكمتهم أحد حتى أنفسهم، فباطلة هي الحكمة البشرية الضعيفة أمام الله لا تقدر أن تقاوم حكمة الله أبدا.

  • ​” فَإِنَّهُ لَمْ يُوَجِّهْ إليَّ كَلاَمَهُ وَلاَ أَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَا بِكَلاَمِكُمْ “:-

اتصف أليهو بالحياد فقال أنه لم يكن طرف في الحديث إذ أيوب كان يكلم أصحابه وأيضا هم كانوا يحاوروه بأسلوب عنيف فيه اتهامات في فكرهم ليست موجودة في الواقع وأن أليهو لم يتكلم كما تكلم أصحابه.

  • ​” تَحَيَّرُوا. لَمْ يُجِيبُوا بَعْدُ. انْتَزَعَ عَنْهُمُ الْكَلاَمُ “:-

هؤلاء الكثيرون في كلامهم عندما ابتدأ يتكلم أليهو عن حواراتهم صاروا كالأحجار إذ تبدد كلامهم في الهواء ككلام فارغ كعصافة تحملها الرياح فلا توجد هكذا صار كلامهم بلا فائدة وكأنهم أصوات بلا معنى.

  • ​” فَانْتَظَرْتُ لأَنَّهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا. لأَنَّهُمْ وَقَفُوا، لَمْ يُجِيبُوا بَعْدُ “:-

صار أصدقاء أيوب بكم انتظر منهم أليهو ردا فلم يجيبوا فقد سد الله أفواههم لذا هم يرمزوا للهراطقة محبي الجدال لكن عندما ترد الكنيسة عليهم بمعونة الله تسد أفواههم ولا يعودوا يتكلمون لأنهم ليس الحق لديهم في أي شيء.

  • ​” فَأُجِيبُ أَنَا أيضا حِصَّتِي، وَأُبْدِي أَنَا أيضا رَأْيِيِ “:-

انتظر أليهو كأصغر أصحاب أيوب إلى أن ينتهي الشيوخ من حوارهم الذي فشل في الحكم على أيوب حكما صادقا وفشل في إيجاد سببا حقيقيا لما يعاني منه فقد كتم أليهو حكمته طوال فترة نقاش الشيوخ الطويلة.

تحمل عبارة “أبدي أنا أيضا رأي” في اللغة العبرية نوعا من الرقة والاتضاع لا تظهر في الترجمات الأخرى.

  • ” ​لأَنِّي مَلآنٌ أَقْوَالاً. رُوحُ بَاطِنِي تُضَايِقُنِي “:-

على عكس أصحاب أيوب الذين فرغوا من كلامهم الجسدي ولم يستطيعوا أن ينطقوا بعد كان أليهو ملآن حبا لأيوب إذ تشبه بالله النار الآكلة في حبه (خر٢٤: ٧؛ تث٤: ٢٤؛ عب١٢: ٢٩).

وتشبه بالملائكة الذين قيل عنهم خدامه لهيب نار (عب١: ٧).

وتشبه بمعلمنا بولس المنحصر بالروح (أع١٨: ٥).

وتشبه بإرميا النبي الذي صارت كلمات النبوة في قلبه مثل نار محرقة (إر٢٠: ٩).

أراد مثل معلمنا بولس بغيرة على الله أن يقدم أيوب مثلما قال معلمنا بولس عذراء عفيفة على الكنيسة (٢ كو١١: ١).

  • ​” هُوَذَا بَطْنِي كَخَمْرٍ لَمْ تُفْتَحْ. كَالزِّقَاقِ الْجَدِيدَةِ يَكَادُ يَنْشَقُّ “:-

صارت أحشاء أليهو أو بطنه أي قلبه كزقاق جديدة مليئة بخمر جديدة فالزقاق أو البطن تشير إلى القلب والخمر الجديدة إلى عمل الروح القدس الذي يلهب قلب القديسين مثلما قال ربنا يسوع أن يضعوا خمرا جديدة في زقاق جديدة (مت٩: ١٧) فيصير كمن سَكَرَ بالروح (أع٢: ٤).

  • ​” أَتَكَلَّمُ فَأُفْرَجُ. أَفْتَحُ شَفَتَيَّ وَأُجِيبُ “:-

إذ ظل أليهو ملتزم بالصمت لأنه حكيم يعرف متى يصمت ومتى يتكلم (جا٣: ٧) لكن كمن امتلأ قلبه في صمته كلاما أراد أن يزال عن قلبه ما يكتمه من كلام مملوء حقا وحبا بدون محاباة.

  • ​” لاَ أُحَابِيَنَّ وَجْهَ رَجُل وَلاَ أَمْلُث (أتملق) إنسانا “:-

أراد أليهو أن يتكلم بكلمات الله أو كمن مثل الله بغير محاباة لأن الله لا يحب المحاباة كما في (أم٢٤: ٢٣؛ ٢٨: ٢١؛ أف٦: ٩؛ كو٣: ٢٥؛ ١تي٥: ٢١؛ يع٢: ١؛ رو٢: ١١؛ ٢أي١٩: ٧؛ أع١: ٣٤، ٣٥).

  • ​” لأَنِّي لاَ أَعْرِفُ الْمَلْثَ (التملق). لأَنَّهُ عَنْ قَلِيل يَأْخُذُنِي صَانِعِي “:-

أراد أليهو أن ينبه أن ما يقوله ليس تملقا لأيوب لأنه حمل نوعا من التوبيخ له بل كمن ينطق بالحق الإلهي بلا تملق لأن الله سيأتي سريعا وقريبا يأخذه ويقف أمامه ليحاسب عن أقواله وأفكاره وأعماله فهو شاعر دائما بالحضرة الإلهية لكنه يثق أن من يبتغي الله يرفعه الله (أم٢٩: ٢٥).

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment