كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح الثاني والعشرون – القمص مكسيموس صموئيل

 

 

الإصحاح الثاني والعشرون

هل ينفع الإنسان الله ؟

 

” ​فَأَجَابَ أليفاز التَّيْمَانِيُّ وَقَالَ: هَلْ يَنْفَعُ الإنسان اللهَ ؟ بَلْ يَنْفَعُ نَفْسَهُ الْفَطِنُ !”:-

ابتدأ أصحاب أيوب دورة محادثة جديدة وهي الثالثة والأخيرة.

تكلم أليفاز في هذه الدورة بأقل حدة حاثاً أيوب على التوبة لكنه فهم بعض عبارات أيوب خطأ.

أجاب أليفاز أن الإنسان إذا كان صالحا لنفسه أو إذا كان غاشاً لنفسه فالله لا يتأثر بصلاح أو شر الإنسان بل الإنسان نفسه هو الذي يتأثر بصلاح نفسه إذا كان صاحب حكمة روحية التي سماها أليفاز فطنة.

​” هَلْ مِنْ مَسَرَّةٍ لِلْقَدِيرِ إذا تَبَرَّرْتَ، أو مِنْ فَائِدَةٍ إذا قَوَّمْتَ طُرُقَكَ ؟”:-

هل يعود على الله نفع بشيء عندما يتبرر الإنسان أو يعود على الله بخدمة تقدم له؟ لا يعود على الله نفسه لكن الإنسان نفسه تُحسب له كأنه يقدم لله الغير محتاج إلى شيء “فمهما فعلتم بهؤلاء الأصاغر فبي قد فعلتم” (مت٢٥: ٤).

إنه يفرح بتقدمنا إذا كان بحب ويفرح بتوبتنا هذا ما يفرحه ويفرح بمحبتنا للآخرين.

​” هَلْ عَلَى تَقْوَاكَ يُوَبِّخُكَ، أو يَدْخُلُ مَعَكَ فِي الْمُحَاكَمَةِ؟”:-

الله غير ظالم ولا يحكم على من يتقيه أو يوبخه فإن كان الله أنزل عليك ضربات هذا دليل ليس على تقواك بل على عدم تقواك لأن الله لا يحاكم البار إذ ليس له خطية بل يحاكم الشرير لأجل خطاياه وليس ظلما منه لأن الله غير ظالم لأنه نور.

​” أَلَيْسَ شَرُّكَ عَظِيمًا، وَآثَامُكَ لاَ نِهَايَةَ لَهَا؟”:-

تحول أليفاز ليس كما سبق إلى التلميح بخطايا أيوب لكن باتهامه على خطايا لم يرتكبها فانزلق لسانه إلى الكذب والاتهام بالشر لمن لم يعمله وقال شرك عظيم، كيف رأى الشر العظيم؟ وما هو دليله؟ وهل هو إله حتى يقول آثامك لا نهاية لها؟ وهل يدرك الإنسان الأشياء التي ليس لها نهاية إذ أن الإنسان محدود؟ هل تحول أليفاز مكان الله ليحاكم الخطايا الغير محدودة ؟ هل أصبح أليفاز غير محدود حتى يدرك الشر الغير محدود؟ فهو تراءى له أنه فوق مستوى البشر ونطق بما لا يستطيع أن يعمل أي بشر.

” ​لأَنَّكَ ارْتَهَنْتَ أَخَاكَ بِلاَ سَبَبٍ، وَسَلَبْتَ ثِيَابَ الْعُرَاةِ “:-

هنا يبرز أليفاز أيوب كمخترع اتهامات أنه رهن أخاه أي لم يرهن شيء ليضمن حقه بل رهن أخاه نفسه ليصير عبد له.

والعراة الذين ليس لهم ثياب سلب ملابسهم فصاروا إلى حال أردأ وهذه الخطايا مخالفة للشريعة كما في (خر٢٢: ٢٦، تث٢٤: ١٣).

أحيانا تأتي كلمة عراة من كلمة عربون لتأكيد الحق الكامل كما استخدمت في المواهب “وأعطى عربون الروح القدس في قلوبنا” كما قال معلمنا بولس في (٢كو١: ٢٢)، وأحيانا تأتي بمعنى الاعتراف بالخطية كعربون لملكوت السموات (مت١٨: ٣٢).

وتستخدم عبارة سلب العراة بمعنى أن يكون مخادع بوجهين إذ كيف يسلب ثوب من هو بلا ثوب (حسب ق. إغريغوريوس الكبير).

​” مَاءً لَمْ تَسْقِ الْعَطْشَانَ، وَعَنِ الْجَوْعَانِ مَنَعْتَ خُبْزًا “:-

إعطاء ماء للعطشان هو علامة المحبة كما قال ربنا يسوع من يسقي هؤلاء الصغار كوب ماء بارد لا يضيع أجره.

الجوعان للخبز وهو أقل القليل للجوعان ولهذا تعطينا الكنيسة خبز الحياة جسد ربنا يسوع ولهذا تتغنى كنيستنا أثناء تناول الأسرار المقدسة بلحن Piwik `nte `pwn’ (خبز الحياة) الآتي من السماء كما في (يو٦: ٣٥، ٣٨).

​” أما صَاحِبُ الْقُوَّةِ فَلَهُ الأَرْضُ، وَالْمُتَرَفِّعُ الْوَجْهِ سَاكِنٌ فِيهَا “:-

هنا يتهم أيوب بواسطة أليفاز باتهام جديد هو أنه يستعبد ويرهن الضعفاء أما القوم الأقوياء والمرتفعين فإنه يحبهم ويجاملهم، فهو في صف القوي وضد الضعيف فهنا اعتبره كظالم ومحابي للوجوه.

” ​الأَرَامِلَ أَرْسَلْتَ خَالِيَاتٍ، وَذِرَاعُ الْيَتَامَى انْسَحَقَتْ “:-

اتهم أليفاز أيوب باتهام ضد الناموس الطبيعي إذ أهم الفئات التي يشفق عليها أي إنسان هم الأيتام والأرامل لأن الله أب لهم فهو يدخل في المعاداة مع الله نفسه، فالأرامل صرفهن خاليات دون أدنى مساعدة وأذرع اليتامى سحقها فلا يستطيعوا أن يطلبوا شيئا.

وكأنه أراد كإبليس أن تكون النفس مترملة وبعيدة عن عريسها السماوي ربنا يسوع وأراد أن تكون النفس يتيمة بلا عون من الله فتهلك في عدم رجاءها وقدرتها على الحياة.

” ​لأَجْلِ ذلِكَ حَوَالَيْكَ فِخَاخٌ، وَيُرِيعُكَ رُعْبٌ بَغْتَةً ​أَوْ ظُلْمَةٌ فَلاَ تَرَى، وَفَيْضُ الْمِيَاهِ يُغَطِّيكَ “:

اعتبر أليفاز أن أيوب وما يحدث له هو ثمرة أفعاله من ظلم اليتيم والأرملة وسحق المساكين فأصبح حوله فخاخا نصبها أيوب لنفسه دون أن يدري ومعها خوف هو الخوف الناتج من الخطايا، وأنه أصيب بالعمى فلا يقدر أن يميز أو يفرز الخير من الشر بل أن التجارب فاضت حوله لتدفعه وتحدره بقوة بسبب خطاياه. وللأسف كل هذه افتراضات لا حقيقة لها فإنه عجيب أن يفترض إنسان الشر في إنسان دون أن يرى حتى لو رأى بدل الصلاة لأجله فهو يدينه!!

​” هُوَذَا اللهُ فِي عُلُوِّ السَّمَاوَاتِ. وَانْظُرْ رَأْسَ الْكَوَاكِبِ مَا أَعْلاَهُ !”:-

اتهم أليفاز أيوب ظلما بأنه غير مؤمن بالله أنه كلي القدرة بل أنه في سماواته لا يبالي بالبشر سواء صنعوا شرا في اعتقاده مثل أيوب أو خيرا بل وأن أيوب يغطي عدم إيمانه بصنع الخير لكن مجازاة الله له بتجاربه دليل على عدم رحمة أيوب وقسوته على الفقراء وعلى الآخرين بل وظلمه لهم.

فيقول له أن الله عالي أعلى من السموات وأعلى من الكواكب يرى أفعال بني البشر من الشر أو الخير وسيعطيهم جزاءهم يوم الدينونة وأيضا يعطي عقوبة أرضية لمن لا يخافه.

​” فَقُلْتَ: كَيْفَ يَعْلَمُ اللهُ؟ هَلْ مِنْ وَرَاءِ الضَّبَابِ يَقْضِي؟ “:-

استمر أليفاز في اختراع ما لم يقوله أو يفعله أيوب.

فقال أن أيوب يقول في نفسه أن الله لا يعلم ما يفعله الإنسان لأنه إله محتجب عن الإنسان ساكن في الضباب وهل يقضي على من لا يراهم؟!

صحيح أن الله في طبيعته لا تقدر العين البشرية أن تراه لكنه مالئ السماء والأرض ويدرك من خلال أعماله مع بني البشر وأعماله في الخليقة.

لكن اعتبر أليفاز أن الله تخلى عن أيوب لشره ولعدم إيمانه بل اعتبر أن أيوب لا يعرف الله أصلا لهذا جاءت عليه كل الضربات حتى يعرف أن الله موجود ويجازي كل واحد حسب أعماله.

لكن أيوب لم يعمل أو يفكر في هذا فهو يعرف الله ويعرف أن الله سيجازي كل واحد حسب أعماله في يوم الدينونة ويعاقب على الأرض البعض ويسمح بالتجارب للبعض.

” ​السَّحَابُ سِتْرٌ لَهُ فَلاَ يُرَى، وَعَلَى دَائِرَةِ السَّمَاوَاتِ يَتَمَشَّى”:-

اعتبر أليفاز الله محدود عند أيوب بما فوق السموات والسحب لكنه غير موجود أسفلها فلا يرى الإنسان أو فضائله أو خطاياه بل هو مشغول بنفسه ببهاء مجده وكأنه إله أناني سجين سمواته لا يبالي بالبشر. وهذه الاتهامات مازال ينادي بها البعض ويتهم بها البعض الذين يُجرَبوا لكن ظنهم سيئ مثل أليفاز والظن السيئ دليل على ضعف المحبة لأن “المحبة لا تظن السوء” (١ كو١٣: ٥).

​” هَلْ تَحْفَظُ طَرِيقَ الْقِدَمِ الَّذِي دَاسَهُ رِجَالُ الإِثْمِ ؟”:-

يرجع أليفاز بأيوب ويقارنه بطريق الإثم القديم لأناس ما قبل الطوفان ويتهمه بأنه يسلك ذات الطريق الواسع ويفعل نفس الخطايا سرا فإن استمر على عناده (أيوب) سوف تكون نهايته مثل نهاية العالم قبل الطوفان خلال الموت والدينونة وبهذا يدمر نفسية أيوب ويملأ جعبته بسهام اختراع الشر وفخاخه لصديقه هكذا كثيرون يتهموا آخرين دون أي دليل سوى عدم محبتهم.

” ​الَّذِينَ قُبِضَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْوَقْتِ؟ الْغَمْرُ انْصَبَّ عَلَى أَسَاسِهِمِ “:-

كان البشر قبل الطوفان معتمدين على الأرض أنها أساسهم الثابت ولم يتوبوا فلهذا غمرهم الله فماتوا قبل أن يتنعموا إذ كانت شرورهم قد وصلت إلى قمة الشر فماتوا.

فاتهم أليفاز أن أيوب كان معتمدا على غناه وأبناءه لأجل شروره أخذهم الله وفنى ماله وعوقب بأمراض وسيموت لأنه شرير.

وإن كان الله يحدد عمر الإنسان لكن بحكمة فيطيل عمر الشرير أحيانا لأنه ينتظر توبته أو يقصره لأنه يعرف أنه لا يتوب، وقد يقصر عمر البار حتى لا يعثر من العالم ويخطئ وأحيانا أعمار قديسين ماتوا صغار تساوي أعمار شيوخ لأنهم عرفوا الرب جيدا مثلما عرف يوحنا المعمدان ربنا يسوع وهو جنين فسجد له.

” ​الْقَائِلِينَ ِللهِ: ابْعُدْ عَنَّا. وَمَاذَا يَفْعَلُ الْقَدِيرُ لَهُمْ؟ وَهُوَ قَدْ مَلأَ بُيُوتَهُمْ خَيْرًا. لِتَبْعُدْ                          عَنِّي مَشُورَةُ الأشرار”:-

يكمل أليفاز سلسلة الاتهامات والاختراعات في الشرور لأيوب أنه لا يريد الله أن يكون بجواره، أراد أن يبعد الله عنه وأن الله يضر ولا ينفع مع أن الله كان قد ملأ بيت أيوب أو الأشرار بالخيرات لكنهم ذو قلب فارغ لا يريدوا أي مشورة من الله أو يرفضوا مشورة الله لهم.

​” الأبرار يَنْظُرُونَ وَيَفْرَحُونَ، وَالْبَرِيءُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ قَائِلِينَ “:-

الأبرار لا يفرحون أو يستهزئون إلا بالشر ولكنهم في هذه الحياة يئنون ويصلون من أجل الأشرار حتى يتحولوا إلى أبرار.

لكن في يوم الدينونة يفرحون لأن الشر باد مع أصله وهو إبليس لأن الحكم يكون قد صدر والدينونة لأن في العالم الأشرار متعظمين ويعتبرون أنفسهم ناجحين ويظلمون التائبين والضعفاء لكن في الدينونة سيفرح التائبين والأبرار لهلاك إبليس والشر وأتباعه.

” ​أَلَمْ يُبَدْ مُقَاوِمُونَا، وَبَقِيَّتُهُمْ قَدْ أَكَلَتْهَا النَّارُ؟ “:-

يتكلم عن يوم الدينونة إذ تحرق النار الغير هيولية الأجساد والأرواح للأشرار إذ يقوموا بنفس الجسد لكن يتحول الجسد لجسد غير هيولي يحترق بنار تتناسب مع طبيعته وتدوم لأن النار المادية تفني الأجساد المادية لكن النار الغير مادية تفني ذلك الجسد الغير هيولي (مادي) لأنه اشترك مع الروح في الشر، لكن في الحياة الأرضية لا يفرح الأبرار أو يريدوا أن ينتقموا من مقاوميهم لكن يريدوا لهم الخلاص مثل لوط كان يتأذى من أهل سدوم وعمورة الأشرار وكان يشتهي خلاصهم وعندما أعلن لهم حرق سدوم وعمورة استهزأوا به.

أيضا الروح القدس يعمل فينا مثل نار تأكل كل ما هو شرير حينئذ يفرح الإنسان بنصرته على الشر.

​” تَعَرَّفْ بِهِ وَاسْلَمْ. بِذلِكَ يَأْتِيكَ خَيْرٌ “:-

إذا أبعدنا تطبيق أليفاز على أيوب بدعوته للتوبة يكون الكلام رائعا.

فالتوبة أن نتعرف على الله ونشبع به وليس شيء يساوي الوقت الذي نشعر فيه بوجود الله معنا فيكون بذلك لنا سلام مع أنفسنا ومع الآخرين (رو٥: ١)، ويكون بذلك خير سماوي لكن إن ركز أيوب عينه على الخيرات الزمنية التي فقدها فلن يستفاد شيئا لكن البركات السماوية لا تقارن بالأرضية.

​” اقْبَلِ الشَّرِيعَةَ مِنْ فِيهِ، وَضَعْ كَلاَمَهُ فِي قَلْبِكَ”:-

يبرز أليفاز شيئا عجيبا عن التوبة هي وصايا الله التي نقبلها ونؤمن بها كشريعة نلتزم بها لكن العجيب أنه لم تكن الشريعة في ذلك الوقت سُلمت لموسى فمن أين عرف أليفاز الشريعة التي لله؟!

والعجيب أن نقبل الشريعة من فمه وفمه هو الله الكلمة، جيد للإنسان أن يشعر بكلام الله أنه موجه له من الله من فمه كما شعر الأنبا أنطونيوس عندما سمع شماس الكنيسة يقرأ الإنجيل ويقول كلام ربنا يسوع “إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع كل أموالك وتعال اتبعني” فخرج ونفذ.

وأن أثمن شيء في الإنسان هو قلبه ولأن كلام شريعة من فم الله فهي أفضل شيء يقتنيه الإنسان في حياته على الأرض كاللؤلؤة الكثيرة الثمن فأفضل مكان لها هو قلب الإنسان لكي يخبئ كلام الله فيه حتى لا يخطئ إلى الله فيتوب (مز١١٩: ١١).

​” إن رَجَعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ تُبْنَى. إن أَبْعَدْتَ ظُلْمًا مِنْ خَيْمَتِكَ “:-

يقدم أليفاز طريق التوبة هنا يسلم أن التوبة ليست فقط بعد عن الخطية إنما هي الرجوع إلى الله حتى يعمل فينا الله لبنائنا روحيا.

ومن الناحية السلبية البعد عن الظلمة والظلم وإتباع النور الذي هو ربنا يسوع نور العالم والنور الحقيقي، وكلمة خيمتك تعني أسرتك أو جسدك.

​” وَأَلْقَيْتَ التِّبْرَ عَلَى التُّرَابِ وَذَهَبَ أُوفِيرَ بَيْنَ حَصَا الأَوْدِيَةِ. يَكُونُ الْقَدِيرُ تِبْرَكَ وَفِضَّةَ  أَتْعَابٍ لَكَ “:-

التبر هو فتات الذهب قبل أن يصاغ، وأوفير في الجنوب الشرقي من مصر في أثيوبيا حيث كان سليمان الملك له أسطول في البحر الأحمر يأتي به من هناك، فنصيحة أليفاز جيدة بأن نستهين بغنى وذهب العالم ونطرحه في التراب وبين الحصى حيث نغتني بالله فإن الله يعطينا فضته هو أي كلمته وذهبه هو الذي هو الحياة السماوية لهذا سور أورشليم السماوية من ذهب شفاف كما في (رؤ٢١: ١٨)، فعندما تشبع النفس من الله ترمي عنها غنى العالم، أليفاز اعتقد أن أيوب اقتنى غناه من الظلم فنصحه بهذه النصيحة وهذه النصيحة دون تطبيقها على أيوب هي سليمة.

ففي مثل الابن الضال أعطاه أبوه عطايا وهي :-

الحلة الأولى وهي ثوب البر الذي أعطي لنا في المعمودية.

الخاتم وهو عربون الروح القدس الذي أعطى لنا في سر الميرون.

الحذاء وهو البشارة بالإنجيل والكرازة به.

هذه هي غنانا.

​” لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالْقَدِيرِ وَتَرْفَعُ إِلَى اللهِ وَجْهَكَ “:-

عندما يتوب الإنسان بالدموع يستطيع أن يرفع وجهه أي قلبه إلى الله ليجد دالة عنده فيعرفه الله، إذا كان الإنسان يعرف ما بداخل الإنسان من خلال وجهه فهكذا عندما نرفع وجوهنا من خلال التوبة لله يعرفنا الله أو نصير معروفين عنده، صحيح أن الله كلي المعرفة لكن عندما نتنقى بالتوبة نصير إلى حال أليق وبدالة إلى الله لذا في بداية الأنافورا في القداس يقول الكاهن “ارفعوا قلوبكم”، فيرد الشعب “هي عند الرب”، فالقلب وحالته يعبر عنها الوجه، فإن كان الوجه طلقا يكون القلب فرح وإن كان الوجه مكتئب يكون القلب حزين.

وإن كان كلام أليفاز مستقيم لكن اتهامه للبار أيوب ظلم أنه يحتاج إلى توبة.

​” تُصَلِّي لَهُ فَيَسْتَمِعُ لَكَ، وَنُذُورُكَ تُوفِيهَا “:-

فعندما تكون النفس تائبة ترفع صلاته بجناحي الروح إلى الله فيسمع لها، إذ التوبة فيها يترك الإنسان ضجيج العالم لينعم بالحياة العلوية في السماء مثل سكان الجبال الذين يرتفعون نحو السماء ولا يصير ضجيج العالم بالنسبة لهم يسمع هكذا النفس عندما تتوب تتخلص من تأثير العالميات عليها.

ونتيجة لسماع الله صلوات النفس التائبة تقدم له النذور وتوفيها فيقبلها الله.

لكن في حالة أيوب فإن أليفاز يقدم نصيحة لمن هو بار وغريب أن المصاب أو المتهم بعدم البر يعلم البار أو من هو أبر منه!!

​” وَتَجْزِمُ أَمْرًا فَيُثَبَّتُ لَكَ، وَعَلَى طُرُقِكَ يُضِيءُ نُورٌ “:-

الله يقبل من التائب ما ينطق به ويحققه له، فما يقوله التائب يثبته له الله.

بل أن التائب ينير له الرب وكلمة الإنجيل كسراج لطريقه فلا يتعثر بل يرى كل شيء في ضوء كلام الإنجيل فيكون كل شيء واضح أمامه.

​” إذا وُضِعُوا تَقُولُ: رَفْعٌ. وَيُخَلِّصُ الْمُنْخَفِضَ الْعَيْنَيْنِ “:-

في الترجمة السبعينية “من اتضع تقول له ارتفع” أي الذي يتوب ويتضع يرفعه الله حتى أن الله نفسه نزل إلى مسكنتنا وتجسد وهو العالي على كل المخلوقات أفلا يليق بنا نحن أن نتضع؟ فالناسوت الذي أخذه هو علامة اتضاعه وكان الاتضاع – كما يقول مار إسحق السرياني ومار يعقوب السروجي – هو الحلة التي لبسها اللاهوت.

هكذا كان العشار لا يشاء أن يرفع عيناه إلى الهيكل وصرخ “اللهم ارحمني أنا الخاطئ” فخرج مبررا.

ومعنى خفض العينين يعني أن الإنسان أقل من أي خليقة ترى على الأرض.

لكن أليفاز هنا يتهم أيوب بعدم الاتضاع وهو أبر منه.

​” يُنَجِّي غَيْرَ الْبَرِيءِ وَيُنْجَى بِطَهَارَةِ يَدَيْكَ “:-

هنا اتهام من أليفاز لأيوب لكن اتهامه يعود عليه.

اتهم أليفاز أيوب أنه غير بريء وخاطئ لذا كان يقدم ذبائح عن أولاده ولم يستجيب له الله فعليه أن يلتجئ لمن هو بريء حتى يستجيب له الله، وهو لا يدري أن أيوب أبر منه وأن أيوب بأمر الله سيصلي من أجله ويتشفع من أجل أصحابه فيستجيب له الله (أي٤٢: ٨).

عجيب هو الإنسان الذي يقلب الموازين يرى بطرق جسدية ويحكم على الآخرين ظلما بأنهم غير طاهرين لكن الله هو الذي سيظهر في يوم الدينونة أراء القلوب كقول معلمنا بولس.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment