كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح الحادي والثلاثون – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الحادي والثلاثون

عهدا قطعت لعيني، فكيف أتطلع في عذراء؟

 

” عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ، فَكَيْفَ أَتَطَلَّعُ فِي عَذْرَاءَ ؟”:-

أوضح أيوب في هذا الإصحاح مدى دقته في محاسبته لنفسه على مستوى ليس الناموس الذي لم يكن استلمه موسى بعد بل على مستوى العهد الجديد.

فالخطية تمر بثلاث مراحل إثارتها ثم التلذذ بها ثم السقوط فيها أو إرضاءها.

لذا منع ربنا يسوع في العظة على الجبل النظر إلى أي شيء بهذه النية كما في (مت٥: ٢٧، ٢٨).

ولذا تكلم إشعياء عن طهارة العينين اللتين مثل الحمام الطائر من النوافذ (إش٦٠: ٨).

وتكلم ارميا النبي أن الموت دخل إلى بيوت أجسادنا من كوانا أي نوافذنا التي هي عيوننا (إر٩: ٢١).

وأيضا حواء سقطت لأنها وجدت أن الثمرة بهجة للعيون (تك٣: ٦).

لذا منع الآباء السكنى مع العذارى (ق. يوحنا ذهبي الفم).

  • ​” وَمَا هِيَ قِسْمَةُ اللهِ مِنْ فَوْقُ، وَنَصِيبُ الْقَدِيرِ مِنَ الأَعَالِي ؟”:-

إذا كانت الخطية تمنع الإنسان من الشركة مع الله فإن البر والطهارة يؤهلان الإنسان للشركة مع الله فيكون نصيبه هو التمتع بالله “نصيبي هو الرب قالت نفسي” (مرا٣: ٢٤).

فالتلذذ بالرب يوضع مقابل التلذذ بالخطية فيرى التلذذ بالخطية باهت وضئيل فلهذا تحتقره النفس السامية المحبة للتلذذ بالعلويات، فبقدر تركنا وحبنا لله بقدر ما نرفض خطايا الفكر والنظر والحواس مثل اللمس والتذوق والسمع والنظر والكلام البطال.

  • ​” أَلَيْسَ الْبَوَارُ لِعَامِلِ الشَّرِّ، وَالنُّكْرُ لِفَاعِلِي الإِثْمِ ؟”:-
  • هنا يؤكد أن عدم الإثمار والأحزان والاضطراب لفاعلي الشر.
  • وأيضا تنكُر الآخرين بسبب شرهم.
  • أما فاعل البر فيجد ثمرا ويجد فرحا وسلاما.
  • فاعل البر محبوب من الكل ومن الله ذاته.
  • فلماذا الخطية التي تجلب المصائب والعقوبة والغضب من الله ؟! ولماذا يحب الإنسان الشيء الوقتي والفرح العابر ولا يحب السلام والفرح الدائم؟!

​” أَلَيْسَ هُوَ يَنْظُرُ طُرُقِي، وَيُحْصِي جَمِيعَ خَطَوَاتِي ؟”:-

هنا يوضح أيوب أن الله يرى ويعرف ويفحص جميع طرق الإنسان وأعماله الظاهرة والخفية، بل يحصي الطرق أي الأعمال ويجازي حسبها (إر٣٢: ١٨، ١٩).

فالله فاحص القلوب والكلى يعرف أفكار الإنسان ونياته ويجازي على الأفكار والأعمال (إش٦٦: ١٨).

  • ​” إن كُنْتُ قَدْ سَلَكْتُ مَعَ الْكَذِبِ، أو أَسْرَعَتْ رِجْلِي إِلَى الْغِشِّ “:-

هنا يفحص أيوب عفة اللسان، فعفة اللسان هي قول الصدق أما الكذب فهو يتبع الكذاب أبو كل كذاب وهو إبليس (يو٨: ٤٤)، وأيضا الغش والخداع في كل شيء أو تضليل إنسان بأفكار خاطئة فهو بهذا يتبع إبليس المضل (١ يو١: ٧).

  • ​” لِيَزِنِّي فِي مِيزَانِ الْحَقِّ، فَيَعْرِفَ اللهُ كَمَالِي “:-

أي إنسان مهما كانت قداسته فهو في الموازين إلى فوق.

لكن أيوب الصديق يبدو أنه رأى بره خلال بر ربنا يسوع بواسطة الصليب والفداء فهذا هو الوحيد الذي يبررنا بدمه إذ كان مثال لنا لنتبع خطواته (١بط٢: ٢١- ٢٣).

  • ​” إن حَادَتْ خَطَوَاتِي عَنِ الطَّرِيقِ، وَذَهَبَ قَلْبِي وَرَاءَ عَيْنَيَّ، أو لَصِقَ عَيْبٌ بِكَفِّي”:-

يعلمنا أيوب خلال كماله الداخلي والخارجي فهو لا يفصل بين الحياة الداخلية والخارجية لأن الداخل هو أساس الخارج.

فخطواته تسلك في الطريق المستقيم لا يحيد يمينا بالكبرياء ولا يسارا بالملذات.

وكانت عيناه طاهرتين وقلبه له مشاعر طاهرة وفكره فإن وجد فكر أو خيال يقطعه ويقتله فورا.

أيضا في أفعاله وأعماله كانت كلها بالكمال والاستقامة.

  • ​” أَزْرَعْ وَغَيْرِي يَأْكُلْ، وَفُرُوعِي تُسْتَأْصَلْ “:-

كان أيوب يزرع لما لا يأكله حتى يعطي للفقراء من زرعه أما هو فلا يأكل مما زرع لأجلهم.

أيضا إذا علم الإنسان من الكارزين دون أن يعمل بما يعلم به فإنه يصير جوعانا أما سامعيه فيشبعون إذ تعمل الكلمة في قلوبهم القفرة.

كانت فروعه تستأصل أي كلما زرع ونما له نبات وشجر يأتي العدو لا ليأخذ فقط بل يستأصل زرعه من جذوره كنوع من الحقد على أيوب لكن أيوب احتمل كل هذا بصبر عجيب.

  • ​” إن غَوِيَ قَلْبِي عَلَى امْرَأَةٍ، أو كَمَنْتُ عَلَى بَابِ قَرِيبِي”:-

هنا يعرض أيوب أنه لم تسيطر عليه الخطية بأي شكل فإنه كان حريصا في لسانه وأعماله ونظراته فبالتالي من الصعب أن يغوى بواسطة الشيطان بامرأة لأن هذا الشر هو نتيجة استهتار عظيم بقداسة الإنسان وتغلب الشر عليه بإرادته.

وهذه الخطية تعتبر جريمة فاعلها يستحق الرجم والموت.

فلم يكن لأيوب فكر أو مشاعر نحو امرأة قريبه أو أي امرأة.

ولم يتحين الفرص لعمل هذه الخطية.

  • ​” فَلْتَطْحَنِ امْرَأَتِي لآخَرَ، وَلْيَنْحَنِ عَلَيْهَا آخَرُونَ “:-

جريمة الزنى تجعل الزاني عبد هو وزوجته وعقوبته أن تصير زوجته عبدة تطحن القمح في البيوت للآخرين حتى تعيش هي وأسرتها وعندما تموت ينوح عليها الآخرون غير زوجها وأسرتها إذ أنها صارت عبدة مجبرة على أي شيء مثل الخطية وليس لها حرية الأبناء.

  • ​” لأَنَّ هذِهِ رَذِيلَةٌ، وَهِيَ إِثْمٌ يُعْرَضُ لِلْقُضَاةِ. ​لأَنَّهَا نَارٌ تَأْكُلُ حَتَّى إِلَى الْهَلاَكِ، وَتَسْتَأْصِلُ كُلَّ مَحْصُولِي”:-

اعتبر أيوب خطية الزنى هي إثم لأنها تجعل الآخرين لهم خسارة معنوية ومادية ولها أثر في حياة الآخرين كبير.

أيضا اعتبرها أنها ليس خطية فقط بل تبلغ إلى حد الإجرام وهو السلوك العنيف جدا الذي تمنعه قوانين المجتمعات ويؤدي بصاحبه إلى العقوبة.

واعتبرها نار تهلك الإنسان داخليا وخارجيا تجعل في بيته لعنة لا بركة فتأكل النيران محصوله وقت الحصاد لأن من يزرع الخطية يحصد إثما ويحصد تبنا يحرق بالنار.

​” إن كُنْتُ رَفَضْتُ حَقَّ عَبْدِي وَأَمَتِي فِي دَعْوَاهُمَا عَلَيَّ “:-

كان أيوب بار حتى أنه أعطى عبيده حقوقهم فإن كان ناموس موسى أول من أعطى حقوق للعبيد فأيوب كان قبل موسى أعطى عبيده حقوقهم.

بل أنه استوعب حق دفاع عبيده أو أمته عن نفسها بل اتهامه في حالة أي خطأ صدر منه وهذا قمة العدل والاتضاع من ناحية أيوب لأن البشر جميعهم من آدم وحواء كلهم متساوون من هذه الجهة.

  • ​” فَمَاذَا كُنْتُ أَصْنَعُ حِينَ يَقُومُ اللهُ ؟ وَإِذَا افْتَقَدَ، فَبِمَاذَا أُجِيبُهُ ؟”:-

يعامل أيوب عبيده على قدم المساواة مراعيا العدل وذلك لأنه وضع في قلبه أنه حتما سيقف أمام الله الديان العادل ليعطي جوابا عن كل ما فعله بالجسد فلهذا عمل حساب ذلك اليوم الذي تراجع فيه الأعمال.

  • ​” أَوَلَيْسَ صَانِعِي فِي الْبَطْنِ صَانِعَهُ، وَقَدْ صَوَّرَنَا وَاحِدٌ فِي الرَّحِمِ ؟”:-

أوجد أيوب أسباب معاملته مع عبيده بالمساواة معه، أولا أنه سيعطي حسابا أمام الله عن معاملته مع عبيده، ثانيا أن الله حينما كون الإنسان في الرحم تساوى الكل إذ الكل يأتي إلى العالم بنفس الإمكانيات المتساوية بين البشر لكن البشر هم الذين أوجدوا العبودية بأفكارهم الظالمة.

  • ​إِنْ كُنْتُ مَنَعْتُ الْمَسَاكِينَ عَنْ مُرَادِهِمْ، أو أَفْنَيْتُ عَيْنَيِ الأَرْمَلَةِ “:-

لم يمنع المساكين عندما يطلبونه فكلما يطلبونه يجيبهم ولم يجعل الأرامل يتوسلن إليه في مذلة لكن كان يعطيهم ما يسألوه سريعا.

  • ​” أو أَكَلْتُ لُقْمَتِي وَحْدِي فَمَا أَكَلَ مِنْهَا الْيَتِيمُ “:-

كان أيوب بالغ في حنوه إلى أقصى درجة لا يكتفي في طعامه بأسرته أو عائلته فقط بل كان يدعو اليتيم إلى مائدته وهذه عادة شرقية ويهودية أيضا.

حيث في المناطق الصحراوية كان عندما تعد المائدة كان يقف منادي يصوت على أن المائدة وضعت وأن من يريد أن يأتي فليتفضل وكان اليهود الأغنياء يعملوا ولائم ويرفعوا راية في المنزل الذي به الوليمة وكانت أثناء الولائم تقدم كلمات الحكمة والشعر مع الموسيقى الهادئة الرخيمة.

  • ​” بَلْ مُنْذُ صِبَايَ كَبِرَ عِنْدِي كَأَبٍ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّي هَدَيْتُهَا “:-

اليتيم ومحبته في قلب أيوب كانت عنده منذ زمن بعيد كان كأب لكل من هم في احتياج ليسد احتياجهم، بل هذه النعمة التي هي محبة الأيتام والأرامل والفقراء أعطاها له الله كنعمة حتى قبل ولادته.

  • ​” إن كُنْتُ رَأَيْتُ هَالِكًا لِعَدَمِ اللِّبْسِ أو فَقِيرًا بِلاَ كِسْوَةٍ، إن لَمْ تُبَارِكْنِي حَقَوَاهُ وَقَدِ اسْتَدْفَأَ بِجَزَّةِ غَنَمِي”:-

تعتمد فضيلة إعطاء الفقراء ليس طعاما بل كسوة أيضا على فضيلتين كما قال                   ق. إغريغوريوس الكبير هما التواضع والحنو.

والمحبة العملية ليست بالكلام إنما بالعمل وهذا واضح من مقارنة (يع٢: ١٥، ١٦) مع (١ يو٣: ١٨).

ويوضح معلمنا بولس في (٢ كو٨: ١٤) أننا حاليا عندما نعطي نعطي من فضلتنا لأعواز المحتاجين حتى قد يأتي وقت يعطينا البعض من فضلته لأعوازنا لأن العالم غير ثابت على حال.

  • ​” إن كُنْتُ قَدْ هَزَزْتُ يَدِي عَلَى الْيَتِيمِ لَمَّا رَأَيْتُ عَوْنِي فِي الْبَابِ”:-

إن كان أيوب قاضيا مشهورا لشعبه يجلس عند الباب مع القضاة حتى يسود العدل والسلام في المدينة ولا يوجد متخاصمين أو مختلفين في المدينة لكنه لم يستغل سلطانه حتى مجرد إشارة برفع يده على يتيم والتي تشير إلى الكبرياء بل حتى هذه لم يعملها أيوب لاتضاع نفسه.

  • ​” فَلْتَسْقُطْ عَضُدِي مِنْ كَتِفِي، وَلْتَنْكَسِرْ ذِرَاعِي مِنْ قَصَبَتِهَا”:-

أراد أيوب أن تكون له عقوبة إذا رفع يده على يتيم وهي أن تسقط عضده من كتفه وهي الجزء العلوي من الذراع والذي به عضلة قوية هي عضلة العضد وأن يسقط ذراعه من قصبتها من الجزء الأمامي.

يدل ذلك أنه عندما لا تكون الكنيسة في وحدة فأنها تصبح وكأنها مكسورة الذراع غير قادرة على العمل بسبب عدم مساعدتها للفقراء حيث ينكسر الذراع إلى جزء علوي وأمامي وينخلع من الكتف ذلك بسبب عدم الوحدة التي سببها عدم المحبة الخادمة للكل.

  • ” ​لأَنَّ الْبَوَارَ مِنَ اللهِ رُعْبٌ عَلَيَّ، وَمِنْ جَلاَلِهِ لَمْ أَسْتَطِعْ”:-

أوضح أيوب مخافته من الله لأنها أرعبته بما حل به من كوارث وأيضا مخافته من الله لمجد الله وعظم جلاله وهي مخافة الأبناء.

  • ​” إن كُنْتُ قَدْ جَعَلْتُ الذَّهَبَ عَمْدَتِي، أو قُلْتُ لِلإِبْرِيزِ: أَنْتَ مُتَّكَلِي”:-

كان أيوب متكلا على الله فلم يتكل على المقتنيات من ذهب وحجارة كريمة مثل الإبريز ففي الضيقات يلجأ إلى الله كما يشكره وهو في حالة الفرج، لم يفعل مثل الغني الغبي الذي اتكل على ماله فأخذت نفسه في تلك الليلة (لو١٢: ١٩، ٢٠).

  • ​” إن كُنْتُ قَدْ فَرِحْتُ إذ كَثُرَتْ ثَرْوَتِي وَلأَنَّ يَدِي وَجَدَتْ كَثِيرًا “:-

كان أيوب وكأنه تدرب جيدا وكأنه كان يستعد للتجارب فأنه لم يحتمل ما حل به فقط من فقدان ثروته وأبناءه ومرضه وتوبيخ أصحابه واتهامهم الباطل له بل حتى لم يفرح بكثرة الثروة والذهب ولأن في يده ثروة كبيرة، حتى مجرد المشاعر والفكر كانوا مدربين جيدا إذ استخف بكل ثروة لديه رغم امتلاكه لها، قد ترك وراءه كل شيء يعطله عن الله وراح يشتهي الكنز الخلاب وهو الله وحده.

  • ​” إن كُنْتُ قَدْ نَظَرْتُ إِلَى النُّورِ حِينَ ضَاءَ، أو إِلَى الْقَمَرِ يَسِيرُ بِالْبَهَاءِ”:-

لم يشترك أيوب مع سكان أرض المشرق في زمانه الذين عبدوا أجزاء من المخلوقات مثل الشمس والقمر.

بل عبد أيوب الله بكل قلبه إذ طلب النور الحقيقي وانعكاس مجده فيه.

بل كان حكيما لأنه كيف يعبد إله يغيب في الليل أو يغيب في النهار ويكون غير موجود؟! بل عبد أيوب الله بكل تقوى وإخلاص نادرين.

  • ​” وَغَوِيَ قَلْبِي سِرًّا، وَلَثَمَ يَدِي فَمِي “:-
  • لم يكن ذو رأيين يتظاهر بعبادة الله ويعبد آلهة غريبة سرا في قلبه ويغوى بعبادته في داخله.
  • ولم يعبد آلهة ويعبر عن عبادته لها بتقبيل يده بواسطة فمه مع الإشارة إلى تلك الآلهة كما كان في ذلك الزمان لكنه حتى في داخله كان يعبد الله وخارجه مع حركات جسده ونفسه يقدم العبادة الحقيقية لله وليس لأي إله غريب.
  • ​” فَهذَا أيضا إِثْمٌ يُعْرَضُ لِلْقُضَاةِ، لأَنِّي أَكُونُ قَدْ جَحَدْتُ اللهَ مِنْ فَوْقُ “:-

لم يجحد الله أو يجدف عليه لأن هذا التجديف عقوبته الموت وهذا ما جاء في شريعة موسى فيما بعد، فإن أيوب مستعد أن يعاقب بهذا إن كان جدف على الله أو جحده في أي شيء.

  • ” إن كُنْتُ قَدْ فَرِحْتُ بِبَلِيَّةِ مُبْغِضِي أو شَمِتُّ حِينَ أَصَابَهُ سُوءٌ “:-

وصل أيوب إلى مستوى محبة العهد الجديد عهد النعمة وهو محبة الأعداء وإن كان قد أشار الله إلى ذلك في(خر٢٣: ٥) إن وقع حمار عدوك ترفعه.

فهو لا يفرح ببلاء الآخرين لئلا يرى الله ذلك فيسوء في عينيه (أم24: ١٧، ١٨).

وحتى مجرد الشماتة عند إصابة الأعداء بسوء لم تكن عنده، وقد أوضح ربنا يسوع علامة التلمذة له وهي محبة بعضنا البعض (يو١٣: ٣٥).

  • ​” بَلْ لَمْ أَدَعْ حَنَكِي يُخْطِئُ فِي طَلَبِ نَفْسِهِ بِلَعْنَةٍ “:-

كان أيوب حريصا في لسانه أيضا لأن اللسان يعكس ضبط النفس من الداخل وهذا يتطابق مع وصايا العهد الجديد أن نبارك ولا نلعن ولا نجازي عن شر بشر ولا شتيمة بشتيمة (لو٦: ٢٧، رو١٢: ١٤؛ ١بط٣: ٩).

  • ​” إن كَانَ أَهْلُ خَيْمَتِي لَمْ يَقُولُوا: مَنْ يَأْتِي بِأَحَدٍ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ طَعَامِهِ ؟”:-
  • كان أهل بيت أيوب يندهشون من كون أيوب لم يدع أحد يغادر بيته إن لم يشبع من الطعام أو احتياجاته المادية.
  • هكذا أيضا أيوبنا الجديد ربنا يسوع لا يدع أحد يغادر الكنيسة إن لم يشبع من جسده ودمه حتى تكون له حياة فيه ويكون ثابتا فيه ومعطيا إياه كل البركة وهي البركة المعطية الحياة.
  • ​” غَرِيبٌ لَمْ يَبِتْ فِي الْخَارِجِ. فَتَحْتُ لِلْمُسَافِرِ أَبْوَابِي “:-

اتصف أيوب أيضا بإضافة الغرباء إلى بيته وهنا يشير إلى الكنيسة التي تفتح أبوابها للأمم لكي يسكنوا فيها إلى الأبد ولا يكونوا غرباء بل سكان بيت الله، حيث تم ذلك خلال سر المعمودية.

كان أيوب غير مشهور عندما أعطى وكسا الفقراء لكنه اشتهر حينما فقد كل هذا بصبر فكان عنده العطاء مثل الأخذ “الرب أعطى الرب أخذ ليكن اسم الرب مباركا”، غالبا الإنسان يفرح عندما يأخذ وعندما يعطي من وفرة لكن عندما يؤخذ منه كل شيء يحزن لكن أيوب عندما فقد كل شيء صبر فصار مشهورا بصبره عندما أخذ منه كل شيء وليس عندما أعطى كل شيء للفقراء والغرباء.

  • ​” إن كُنْتُ قَدْ كَتَمْتُ كَالنَّاسِ ذَنْبِي لإِخْفَاءِ إِثْمِي فِي حِضْنِي “:-

امتاز أيوب بالاتضاع الشديد فهو ليس كمثل كل الجنس البشري يخطئ ويحاول أن يخفي خطأه مثلما غطى آدم وحواء جسديهما بأوراق التين بل كان يعلن أو يعترف بذنبه ولا يكتمه لأن كتمان الشر هو إضافة شر إلى شر أما من يقر بخطاياه فينجح.

  • ​” إذ رَهِبْتُ جُمْهُورًا غَفِيرًا، وَرَوَّعَتْنِي إِهَانَةُ الْعَشَائِرِ، فَكَفَفْتُ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنَ الْبَابِ”:-

إذ غارت على أيوب عدد غفير من الشعوب وعلى ممتلكاته تعرض للاهانة من عشائر مختلفة مثل الكلدانيين شمالا والسبئيين في الجنوب لكنه لم يخاف ولم يثور ولم يخرج من بابه للدفاع عن نفسه.

لكن للآية معنى روحي إذ تعرض أيوب للاهانة والترويع من الخارج من جمهور غفير كان داخله في سلام وغير مضطرب إذ كان حكيما فالحكمة توضح أنه ينبغي أن نصمت في مثل هذه الحالات لهذا قال أيوب “صمت لا أفتح فاي”، وقد علم الآباء الروحيون خصوصا آباء البرية أن الصمت في حالة الاهانة نوع من الاتضاع هكذا فعل ربنا يسوع عندما ألبس عساكر هيرودس إياه لباسا لامعا واحتقروه فلم ينطق بكلمة إذ أراد هيرودس (أنتيباس) أن يرى معجزاته (لو٢٣: ٨، ٩، ١١).

  • ​”مَنْ لِي بِمَنْ يَسْمَعُنِي؟ هُوَذَا إِمْضَائِي. لِيُجِبْنِي الْقَدِيرُ. وَمَنْ لِي بِشَكْوَى كَتَبَهَا خَصْمِي”:

إذ طلب أيوب أن يكلف من يتوسط له عند الله أو يتشفع له عند القدير مقرا بإمضائه كدعوة للقضاء حتى يدافع عن نفسه أمامه لأنه عرف أن خصمه أي إبليس كتب شكوى ضده.

  • ​” فَكُنْتُ أَحْمِلُهَا عَلَى كَتِفِي. كُنْتُ أُعْصِبُهَا تَاجًا لِي “:-

عرف أيوب أن اتهامات خصمه باطلة فطلب المحاكمة أمام الله لأن الاتهامات ستثبت أنها باطلة فتكون إكليل بر وتاج له.

  • ​” كُنْتُ أُخْبِرُهُ بِعَدَدِ خَطَوَاتِي وَأَدْنُو مِنْهُ كَشَرِيفٍ “:-

إذ كان أيوب يعرف أن الله سيبرره فيخرج من المحاكمة كشريف لم يخطئ في شيء مما يتهمه إبليس به وهنا إشارة إلى ربنا يسوع كلي البر.

  • ​” إن كَانَتْ أَرْضِي قَدْ صَرَخَتْ عَلَيَّ وَتَبَاكَتْ أَتْلاَمُهَا جَمِيعًا “:-

اعتبر أيوب الأرض التي وزع هو غلاتها بمحبة لكل فقير تبكي عليه كشخص ظُلِم بل تصرخ إلى الله خالقها حتى يتراءف وينظر إلى عبده أيوب المحب الصبور.

  • ​” إن كُنْتُ قَدْ أَكَلْتُ غَلَّتَهَا بِلاَ فِضَّةٍ، أو أَطْفَأْتُ أَنْفُسَ أصحابهَا، فَعِوَضَ الْحِنْطَةِ لِيَنْبُتْ شَوْكٌ، وَبَدَلَ الشَّعِيرِ زَوَانٌ، تمت أقوال أيوب “:-

أشهد الأرض عليه أمام أصدقائه إن كان أخذ من غلاتها ليأكل هو من الحنطة أو أخذ منها شعيرا ليعطي الحيوانات أكلها بلا فضة فإنه إن فعل ذلك يستحق أن يأكل الشوك عوض الحنطة ويأكل التبن عوض الشعير الذي أكلت منه بهائمه ظلما، فقد تكلم أيوب كمن في محضر الرب وطلب تبرير الله لا البشر، وقد تمت أقواله إلى هنا.

مقدمة في الإصحاحات (٣٢ – ٣٧)

تكلم أليهو كشاب بعد الشيوخ في ٤ أحاديث (٣٢: ٦- ٣٣: ٣٣؛ ٣٤: ١- ٣٧؛ ٣٥: ١- ١٦؛ ٣٦: ١- ٣٧: ٢٤).

خصائص خطب أليهو :-

  1. احترام الله بعمق.
  2. فكره عن الخطية أعمق من فكر أصحابه الثلاثة.
  3. أرسله الله ليحمل بشارة مفرحة لأيوب إذ لم يتأثر بالأفكار الشائعة لكن فكره بعمل روح الله بأن الله يسمح بالتجارب لأولاده للتأديب والتنقية.
  4. أليهو يبرز كوسيط بين الله وأيوب ورمز لربنا يسوع المسيح الوسيط الحقيقي.
  5. أوضح أليهو خلافا لأصحاب أيوب أن هناك سبب للآلام ليس هو غضب الله بل لامتحان أولاده وتنقيتهم لكن تأديبه كأب محب.
  6. أن الله يعلن ذاته ليس من خلال الشيوخ فقط لكن للشاب أليهو.
  7. تحدى أيوب إن كان عنده كلام حكمة يمكن أن يقوله غير ما قاله.

تفنيد شكاوي أيوب :-

  1. أن الله عادل والإنسان يجني ما يزرع إن كان خيرا أو شرا.
  2. سلطان الله مطلق أكبر من أن يستوعبه إنسان (أي٣٣: ١٢).
  3. علم الله كامل وكل ما يعمله من عدل لخير الإنسان (أي٣٣: ٣٠).
  4. الإنسان لا يستطيع أن يملي على الله نوع التأديب الذي يقع عليه (أي٣٣: ٣١- ٣٣).
  5. البار عندما يتألم لا ينفعه بره إذا صرخ بدون ثقة في الله، وإذا كان متكبرا فإن الله لا ينظر إليه.

نظرة أليهو اللاهوتية :-

  1. عظمة الله وعنايته في معاملة الناس (أي٣٦: ١- ٢٥).
  2. تظهر ظواهر الأفلاك عظمة الله (أي٣٦: ٢٦؛ ٣٧: ١٣).
  3. دعوة أيوب إلى التأمل في كلمات الله العجيبة (أي٣٧: ١٤- ٢٤).

وحدة أحاديث أليهو :-

  1. اعتذاره بالحديث في مجلس الشيوخ (أي٣٢: ٦- ٢٢).
  2. إجاباته اللاهوتية عن شكوى أيوب (أي٣٣: ٨- ١١؛ ٣٤: ٥- ٩؛ ٣٥: ٢، ٣؛ ٣٦: ١٧).
  3. تكلم عن نعمة الله (أي٣٣: ١٢- ٣٣).
  4. تكلم عن بر الله (أي٣٤: ١٠- ٣٦: ٢٥).
  5. تكلم عن سلطان الله وقوته (أي٣٦: ٢٦- ٣٧: ١٤).
  6. مع وجود وقفات كثيرة في أحاديثه (أي٣٤: ١؛ ٣٥: ١؛ ٣٦: ١).

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment