كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح الحادي والعشرون – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الحادي والعشرون

اسمعوا قولي سمعا، وليكن هذا تعزيتكم

  • ” فَأَجَابَ أيوب وَقَالَ: اِسْمَعُوا قَوْلِي سَمْعًا، وَلْيَكُنْ هذَا تَعْزِيَتَكُمْ “:-

هنا أراد أيوب أن تكون الفائدة مشتركة بينهم وبينه أن يسمعوه فترتاح نفسه وفي نفس الوقت هم يجدوا تعزية أيضا.

يمثل أيوب الكنيسة المتألمة وسط العالم فهي تأخذ تعزيتها من ربنا يسوع المصلوب وتعزي بها أبناءها، هكذا صارت التعزية بالصليب هي أساس البركات ومنبعها (٢كو١: ٤، ٧).

  • ​” اِحْتَمِلُونِي وَأَنَا أَتَكَلَّمُ، وَبَعْدَ كَلاَمِي اسْتَهْزِئُوا “:-

هنا يمثل أيوب الكنيسة وصبرها في احتمال الآلام بل وصبر ربنا يسوع في الاحتمال لأجل خلاص العالم فإن الكنيسة تحتمل الآلام لأجل خلاص العالم وتقبل الاستهزاء لأجل الخلاص كما قاست وتقاسي من عداوة العالم لكنها تنتصر في النهاية ليس بالتفاخر إنما بالوداعة والاتضاع.

  • ” ​أَمَّا أَنَا فَهَلْ شَكْوَايَ مِنْ إنسان، وإن كَانَتْ، فَلِمَاذَا لاَ تَضِيقُ رُوحِي؟”:-

هنا يوضح أيوب أنه يقدم شكواه أمام الله الديان العادل لأنه لو قدم شكواه لإنسان يضيق صدره أما إلى الله الفاحص القلوب والكلى الذي يعرف كل شيء فيحكم بالعدل ويفرح أيوب بعدل الله أما الإنسان فيحكم حسب الظاهر وبالتالي حكمه يكون جاحفا مغلوطا قاسيا.

  • ​” تَفَرَّسُوا فِيَّ وَتَعَجَّبُوا وَضَعُوا الْيَدَ عَلَى الْفَمِ “:-

صار أيوب أعجوبة في كل الآلام التي توالت عليه بسرعة فائقة للتفكير لذا دعاهم أن يصمتوا حتى يتعقلوا ويتأملوا فيما قاساه من تجربة مرة في نعمة احتمال الآلام فلا يعودوا يتكلموا بل يصمتوا علامة الدهش مما حدث ومن احتمال أيوب لكل ما أتى عليه.

  • ​” عِنْدَمَا أَتَذَكَّرُ أَرْتَاعُ، وَأَخَذَتْ بَشَرِي رَعْدَةٌ. لِمَاذَا تَحْيَا الأشرار وَيَشِيخُونَ، نَعَمْ وَيَتَجَبَّرُونَ قُوَّةً ؟”:-

رغم اعتقاد أصدقاء أيوب برغد الأبرار وإصابة الأشرار بالضيقات لكنه خالفهم إذ شاهد برعدة أن الأشرار يعيشون لمدة طويلة حتى بلوغهم الشيخوخة، بل يصلون إلى أن يكونوا جدود بل يصيروا رؤساء بقوة وبجبروت لكن هذا بسماح من الله لعلهم يتوبون وإلا عقابهم سيكون صعبا سواء في الحياة الحاضرة أو في يوم الدينونة فغنى لطف الله يقودنا إلى التوبة (رو٢: ٤، ٥)، حتى أيام موسى كان الله لطيفا مع فرعون حذره بــ ١٠ ضربات لكن لما أصر على عدم التوبة وخرج وراء الشعب غرق في الماء.

  • ​” نَسْلُهُمْ قَائِمٌ أمامهُمْ مَعَهُمْ، وَذُرِّيَّتُهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ “:-

فإن الأشرار نسلهم موجود في قوة وذريتهم سواء أبناءهم أو أحفادهم موجودين أمام أعينهم وذلك لسببين :-

  1. أن الله يعطيهم فرصة للتوبة (رو٢: ٤، ٥).
  2. أن الله عادل سيجازي كل واحد لكن في الدينونة وليس في العالم الحاضر.
    • ” ​بُيُوتُهُمْ آمِنَةٌ مِنَ الْخَوْفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ عَصَا اللهِ “:-

رأى صوفر أن الخطاة في حالة خوف دائما فرد عليه أيوب بأن الخطاة يسكنون في بيوتهم آمنين ولا يمد الله عليهم عصا التأديب.

لكن المعنى هو أن الخطاة يحصلوا في هذا العالم على سلام مؤقت وتشغلهم البيوت الأرضية عن أن يتوبوا أما الأبرار فنظرهم إلى السلام الدائم والمساكن الأبدية التي يعدها لهم الرب (يو١٤: ٢، ٣).

  • ​” ثَوْرُهُمْ يُلْقِحُ وَلاَ يُخْطِئُ. بَقَرَتُهُمْ تُنْتِجُ وَلاَ تُسْقِطُ “:-

الثور الذكر يكون واحد وسط قطيع من إناث البقر فهو يقوم بالتلقيح لكن قد يكون البقر عقيم أو لا يلد لكن الأشرار ثورهم يلقح والبقر كله يلد فرجاء الأشرار في إنتاج الحيوانات وميلاد الأطفال الذين يشيرون إلى الجسد.

أما رجاء الأبرار فهو ميلاد البشر بالروح لأجل ملكوت السموات فمعلمنا بطرس بعظة واحدة يوم الخمسين ولد بالإنجيل ٣٠٠٠ شخص، ومعلمنا بولس ولد معظم العالم في ذلك الزمان حتى في سجنه ولد أنسيموس العبد الهارب من سيده (فل ١٠).

  • ​” يُسْرِحُونَ مِثْلَ الْغَنَمِ رُضَّعَهُمْ، وَأَطْفَالُهُمْ تَرْقُصُ. يَحْمِلُونَ الدُّفَّ وَالْعُودَ، وَيُطْرِبُونَ بِصَوْتِ الْمِزْمَارِ. يَقْضُونَ أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ. فِي لَحْظَةٍ يَهْبِطُونَ إِلَى الْهَاوِيَةِ “:-

الأشرار كثيرو الأطفال مثل الغنم لكن دون حياة التقوى، يعيشون في فرح عالمي ويتلذذون بالحياة وخبراتها لكن الأبرار يعيشون في تقوى مرشدين أولادهم إلى الحياة الأبدية، يوجد في حياتهم أحزان لأجل توبتهم لكن في لحظة يسقط الأشرار المبتهجون بالحياة إلى الجحيم لأنهم استوفوا أجرهم بالحياة الأرضية السعيدة لكن الأبرار يقومون ببرهم إلى الحياة الأبدية ويتحول حزنهم إلى فرح.

  • ​” فَيَقُولُونَ ِللهِ: ابْعُدْ عَنَّا، وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لاَ نُسَرُّ “:-

إذ كان الأشرار لا يطلبون الله بل يطلبون البعد عنه في هذه الحياة فالنتيجة من نفس نوع العمل في الدينونة حيث يقول لهم “اذهبوا عني يا جميع فاعلي الإثم” (مت٢٥:٤١).

الذين لا يريدون الله هم يعيشون في الظلمة ولا يريدون أن يأتوا إلى النور لئلا توبخ أعمالهم في النور لأنهم أحبوا الظلمة أكثر من النور (يو٣: ١٩، ٢٠؛ ٢ كو٦: ١٤).

الذين يقولون لله ابعد عنا لا يريدون أن يحيوا في التواضع ولا إنكار الذات ولا المحبة ولا التوبة ولا أي عمل صالح حتى لو كانوا يعرفوها (لو١٢: ٤٦، ٤٧).

فالذي لا يعرف أن يتقابل مع الله بالإيمان مثلما يرى في مرآة في لغز في هذه الحياة لن يتقابل مع الله في الحياة الأبدية حيث يراه وجها لوجه (١كو١٣: ١٢).

  • ​” مَنْ هُوَ الْقَدِيرُ حَتَّى نَعْبُدَهُ ؟ وَمَاذَا نَنْتَفِعُ إن الْتَمَسْنَاهُ ؟”:-

إذ يجهل الأشرار الله عن عناد أو جهل ففرعون مصر رأى الضربات وقال لموسى من هو الرب حتى نسمع له؟ (خر٥: ٢).

رأى فرعون أن اليهود في عبادتهم لله هم بطالين ويضيعوا الوقت فتقسى عليهم أكثر لأن موسى طلب أن يخرج الشعب ليعبدوا الرب في البرية.

بل رأي أن الله ليس فيه فائدة إذ يمنع اليهود أن يعملوا له الطين لعمل الطوب، فطالما أن الله لا يعمل لمصلحته فلا ينبغي أن يسمع له.

يرى البعض أن الله قدير لكن ليكن قدير في السموات ويترك لنا الأرض، وهذا ما يقوله الملحدون بكبرياء أنفسهم يلغوا وجود الله مع معرفتهم لقدرته لهذا ” قال الجاهل في قلبه لا إله ” (مز١٤: ١؛ ٥٣: ١).

أيضا هناك من لا يريدوا الله لأنه لا يعطيهم ملذاتهم العالمية أو يمنعها عنهم مع أن الله قال “اطلبوا أولا ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم” (مت٦: ٣٣).

  • ​” هُوَذَا لَيْسَ فِي يَدِهِمْ خَيْرُهُمْ. لِتَبْعُدْ عَنِّي مَشُورَةُ الأشرار “:-

يظن الأشرار أن الخير الذي في يدهم هو من صنع ذكائهم وخبرتهم وليس هو عطية من الله فلهذا لا يعطوا الفقراء ولا يشاركوهم وبهذا تكمن أنانيتهم، هم محبون للخيرات الأرضية ظانين أنها من صنع أيديهم وتدوم معهم، مع أنها من الممكن أن تكون وسيلة لدخول السماء إذا أعطيناها للفقير.

وطلب أيوب أن يبعد الله عنه مشورة الأشرار حتى لا يتأثر بهم فالبعد عن الأفكار ليست الشريرة فقط بل والتي تشور بالبعد عن الله هو لصالح الإنسان الروحي.

  • ​” كَمْ يَنْطَفِئُ سِرَاجُ الأشرار، وَيَأْتِي عَلَيْهِمْ بَوَارُهُمْ؟ أو يَقْسِمُ لَهُمْ أَوْجَاعًا فِي غَضَبِهِ؟”:-

الله هو النور فيعطي الكل من نوره لكن الأشرار يطفئوا النور الذي فيهم بشرورهم والله يساعدهم حتى يعودوا ويشعل نورهم ثم ينطفئ ثانية بشرور أكثر.

بل أن قلب الأشرار يصبح بدل من أرض مثمرة يصبح أرض بور صحراء ليس فيها عمل روح الله وليس فيها جهاد.

بل يصيبهم بأوجاع الجسد أو النفس حتى يرجعوا إليه لكن منهم من يعاندون ولا يرجعون فتكون النهاية هي هلاكهم.

  • ​” أو يَكُونُونَ كَالتِّبْنِ قُدَّامَ الرِّيحِ، وَكَالْعُصَافَةِ الَّتِي تَسْرِقُهَا الزَّوْبَعَةُ ؟”:-

يكون الأشرار مثل التبن أمام الرياح الشديدة يتطايروا في الهواء إذ هم ليس لوجودهم معنى أو هدف وكمثل الرماد الذي يتطاير من الزوبعة في نهايتهم يحرقوا بالنار إذ ليس لهم إيمان بالله حتى يخزنوا في مخازن الإيمان لكنهم بلا قيمة روحية أو حتى هدف روحي يعيشوا لأجله.

  • ​” اَللهُ يَخْزِنُ إِثْمَهُ لِبَنِيهِ. لِيُجَازِهِ نَفْسَهُ فَيَعْلَمَ “:-
  • يضيف إثم الآباء إلى الأبناء عندما يكون الأبناء سالكين في نفس طرق آبائهم الشريرة لكن الله يجازي كل واحد حسب أعماله هو لكن عندما يكون الابن متخذ طريق أبيه الشرير في الغالب يكون شره أكثر.
  • “الله يفتقد ذنب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع” أي يبحث إن كانوا مستمرين في طرق آبائهم الشريرة أم تابوا فلما فهم بنو إسرائيل أن الله يجازيهم عن ذنب آبائهم أوضح لهم أنه يجازي كل واحد عن ذنب نفسه (حز١٨: ٢- ٤) حتى لا يعود ويقول بنو إسرائيل “الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست”.
  • وقد يكون الابن قديس والأب شرير مثل يوشيا ملك يهوذا وقد يكون الابن شرير والأب قديس لكن الآباء يتألموا عندما يكون أبناؤهم أشرار أكثر عندما يكونوا هم يفعلوا الشر.
    • ​” لِتَنْظُرْ عَيْنَاهُ هَلاَكَهُ، وَمِنْ حُمَةِ الْقَدِيرِ يَشْرَبْ “:-

عندما ينظر الإنسان إلى مستقبل نفسه ويعرف أنه بأعماله سوف يهلك يتوب حتى لا يعود ينظر هلاكه يوم الدينونة.

أما من لا ينظر إلى شروره في هذا العالم فإنه يملأ كأسه غضب من الله.

لكن على الإنسان أن يغمض عيناه عن شرور العالم كما كان يفعل الآباء.

  • ​” فَمَا هِيَ مَسَرَّتُهُ فِي بَيْتِهِ بَعْدَهُ، وَقَدْ تَعَيَّنَ عَدَدُ شُهُورِهِ ؟”:-

ما هي مسرة الإنسان الشرير؟ حتى لو كانت كل أيام حياته فهي عدد من الشهور مهما طالت لا تحسب أمام هول العذاب الذي يتعرض له فهو عذاب أبدي.

لكن على الإنسان أن يفرح بالله حتى يستطيع أن يجد فرحا ودالة في يوم الدينونة لأن فرح العالم يزول أما الفرح بالله وبنعمته والسلوك بها لا يزول.

  • ​” أَاللهُ يُعَلَّمُ مَعْرِفَةً، وَهُوَ يَقْضِي عَلَى الْعَالِينَ ؟”:-

الله هو الوحيد الكلي المعرفة فلهذا يستطيع أن يدين إدانة عادلة لأنه يعرف كل شيء ويدين الكائنات مهما علت حتى الشياطين الذين سقطوا سيدينهم كما يكافئ الملائكة القديسين وهكذا الإنسان مهما كان عاليا في هذا العالم سيدان بواسطة الله لأن الله كلي العدل أيضا.

  • ​” هذَا يَمُوتُ فِي عَيْنِ كَمَالِهِ. كُلُّهُ مُطْمَئِنٌّ وَسَاكِنٌ “:-

يموت الإنسان في كمال مطمئن ساكن لكن ليس معنى هذا أنه بار فقد يكون شرير في هدوء يموت لكن تنتظره العدالة والدينونة الرهيبة على شروره لأنه مات في سلام مزيف، وقد يموت إنسان متألم في تعاسة ويكافأ بالفرح الأبدي فلهذا ليس سلام هذا العالم هو السلام الحقيقي بل السلام مع الله ومع النفس ومع الآخرين.

  • ​” أَحْوَاضُهُ مَلآنَةٌ لَبَنًا، وَمُخُّ عِظَامِهِ طَرِيٌّ “:-

يترجم البعض كلمة أحواضه بكلمة ثدياه مع الفارق أن الله له ثديين يقدموا لبن غير غاش هو العهدين القديم والجديد وهذا ما كتبه القديس يوحنا في الإصحاح الأول من رؤياه، لكن الغني مليء بالصحة والدسم وبالتالي الكبرياء، أما عبارة مخ عظامه طري أي له قوة في عظامه ومخ عظامه هو نخاع العظام وهو له شكل خلاياه عنكبوتي وهو الذي يصنع الدم في الإنسان فلهذا الغني في صحة دسمة من توفر اللبن والدماء والعظام القوية، واللبن هو أحد مكونات الدم أو يأتي من الدم عن طريق الثدي الذي به هرمون البرولاكتين الذي يفرز اللبن فدسم الغني هذا يجعله يعيش معتمدا على غناه ليس شاكرا مثل الفقير بل راجيا سنين يحياها كثيرة معتمدا على خيراته على عكس أيوب الذي كان غنيا متواضعا.

  • ​” وَذلِكَ يَمُوتُ بِنَفْسٍ مُرَّةٍ وَلَمْ يَذُقْ خَيْرًا “:-

كذلك قد يوجد أشرار سمح لهم الله بالآلام حتى يلتصقوا به ويعودوا تائبين إليه وإن كانت الآلام هي مدرسة قوية للقاء مع الله فإن الأشرار لا يتعلموا لا بوجود الخيرات والشكر عليها ولا بالآلام للاقتراب من الله.

  • ​” كِلاَهُمَا يَضْطَجِعَانِ مَعًا فِي التُّرَابِ وَالدُّودُ يَغْشَاهُمَا “:-

الأشرار الذين عاشوا في الترف والذين عاشوا في الآلام كلاهما لهما نفس المصير وهو جهنم حيث الدود الذي لا يموت والنار التي لا تطفأ والعذاب الذي لا يزول، لكن أعمال الإنسان وقلبه هي التي تحكم عليه وتتحكم في مصيره والله ترك الإنسان بحريته حتى يختار ما يحب وعلى هذا الأساس يُجازى.

  • ​” هُوَذَا قَدْ عَلِمْتُ أَفْكَارَكُمْ وَالنِّيَّاتِ الَّتِي بِهَا تَظْلِمُونَنِي “:-

فهم أيوب أفكار ونيات أصحابه من طريقة كلامهم ومن سلوكهم نحوه إذ اعتبروه خاطئ لذلك يعاني من النكبات لأنه لا يعرف الإنسان إلا روح الإنسان الساكن فيه (١كو٢: ١١)، لكن ثمر الإنسان يدل على نوعه (مت٧: ٢٠) لكن الإنسان الحكيم يرى أفكار البشر كما في ماء صافي (أم٢٧: ١٩).

  • ​” لأَنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَيْنَ بَيْتُ الْعَاتِي؟ وَأَيْنَ خَيْمَةُ مَسَاكِنِ الأشرار؟”:-

يحكمون على أيوب بأنه عاتي ظالم ولهذا زال عنه أبناؤه ومسكنه عقوبة على ظلمه وخطيته لكن ما أبعد أحكام الله عن أحكام بني البشر.

فتطبيقهم لحالة أيوب هو خطأ لكن الحق في كلامهم دون التطبيق على أيوب لأن كثير من الأشرار ظنوا أنهم يعيشون إلى الأبد وأنهم آلهة، فأين نبوخذ نصر الذي تهيأ له أنه بنى بابل بقوته فترك ٧ سنين يأكل العشب مع الحيوانات إذ فقد عقله، وأين سنحاريب الذي عير ربشاقي وكيله حزقيا والله ؟ مات بواسطة أبنائه في هيكل نسروخ إلهه الوثني وباد جيشه الذي قوامه ١٨٥٠٠٠ بواسطة ملاك الرب.

  • ​” أَفَلَمْ تَسْأَلُوا عَابِرِي السَّبِيلِ، وَلَمْ تَفْطِنُوا لِدَلاَئِلِهِمْ؟ إِنَّهُ لِيَوْمِ الْبَوَارِ يُمْسَكُ الشِّرِّيرُ. لِيَوْمِ السَّخَطِ يُقَادُونَ”:-

يصوب أيوب سهما قويا لأصدقائه، بيسر جدا طالبهم لا أن يسألوا حتى القديسين (أي٥: ١) بل عابري السبيل لسببين :-

  1. أنهم محايدين.
  2. أنهم وسيلة إيضاح عملية إذ أن عابر السبيل لا يهمه شيئا إلا الوصول لموطنه فالحياة التي نحياها هي طريق وليس وطن، هي قنطرة وليس مستقر فإن ازدهر الصديق في هذه الحياة فقد نال جزاءه ويذخر دينونة في يوم الدينونة فإن لم يحاسب هنا أو يعاقب فهناك في الدينونة سيحاسب.
    • ​” مَنْ يُعْلِنُ طَرِيقَهُ لِوَجْهِهِ؟ وَمَنْ يُجَازِيهِ عَلَى مَا عَمِلَ؟”:-

يوجه أيوب كلامه ليس لأصحابه ولا للأشرار بل إلى رئيس الأشرار وهو إبليس من يستطيع أن يقف في وجهه إلا أبناء الله بالنعمة وهو ما سيجري في نهاية الأيام حيث يأتي ضد المسيح ويعمل معجزات ولا يقدر أن يقاومه أحد سوى أخنوخ وإيليا الشهيدان، فأولاد الله لهم نعمة بها يقاوموا الشر والله سيجازي الشرير في يوم الدينونة في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت التي عملت خصيصا له.

  • ​” هُوَ إِلَى الْقُبُورِ يُقَادُ، وَعَلَى الْمَدْفَنِ يُسْهَرُ “:-

يظن الشرير أنه يعيش إلى الأبد لكنه يقاد بغير إرادته إلى القبور حتى يدفن.

لكنه قبل موته يعد مدفن يسهر عليه حتى يليق به بفخامة عظيمة يتكلم عليها الناس.

يصير الشرير مثل قبر يحتوى إنسان ميت روحيا يسهر عليه إبليس لكي يحيك حباله حوله.

لكن الأبرار أو التائبين لا يشتهون شيء على الأرض بجانب لقائهم بربنا يسوع إذ هو الراحة الحقيقية لا يشغلهم طريقة موتهم أو من يتركهم أو هيبة جنائزهم أو كلام الناس عليهم بعد موتهم لكن يشغلهم موقفهم أمام الله واشتياقهم إلى الله.

  • ​” حُلْوٌ لَهُ مَدَرُ (طين) الْوَادِي. يَزْحَفُ كُلُّ إنسان وَرَاءَهُ، وَقُدَّامَهُ مَا لاَ عَدَدَ لَهُ “:-

يحاول الشرير أن يدفن بطريقة فيها فخامة لكن مهما عمل سيتحول إلى طين أو تراب الوادي مثله مثل كل إنسان مات قبله ومثل الذين يموتون بعده لأنه عاش في أوهام المجد الباطل لكنه نهايته تراب يعود إلى التراب، وهذا أيضا ينطبق على ضد المسيح.

  • ​” فَكَيْفَ تُعَزُّونَنِي بَاطِلاً وَأَجْوِبَتُكُمْ بَقِيَتْ خِيَانَةً ؟”:-

كيف أن أصدقاء أيوب – وهنا عاد يوجه كلامه لهم – جاءوا بهدف تعزيته وقلوبهم من خلال كلامهم تحمل إدانة له ومخالفة للمحبة والحق إذ هم معزون ظاهريا ومحبين وأصدقاء خارجيا وداخليا هم أعداء يحملوا روح الفرح لسقوط صديقهم فهم لا معزون ولا لديهم أي حق أو صدق يحملونه.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

 

Leave a Comment