كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح الخامس والثلاثون – القمص مكسيموس صموئيل

الإصحاح الخامس والثلاثون

الحديث الثالث لأليهو أتحسب هذا حقا ؟ قلت أنا أبر من الله

 

  • ” ​فَأَجَابَ أَلِيهُو وَقَالَ: أَتَحْسِبُ هذَا حَقًّا؟ قُلْتَ: أَنَا أَبَرُّ مِنَ اللهِ “:-

فهم أليهو خطأ أن أيوب يقول ضمنا أنه أبر من الله ربما من أقواله في (أي٩: ١٧، ٣٠ – ٣٥؛ ١٠: ١٣- ١٥)؛ ١٦: ١٢- ١٧؛ ٣٤: ١٨، ١٩).

لكن أيوب اعتبر أنه عند محاكمته أمام الله سينتصر ببر الله وتبريره له (أي٢٣: ٧).

ربما حسب أنه لا يستحق كل هذه التجارب حتى لو كان يخطئ إلى الله فهو يتوب.

لكن التجارب تأتي على الإنسان لأسباب :-

  1. عقوبة على خطاياه.
  2. لتزكيته وتنقيته.
  3. لإظهار فضائله.
  4. ليتأكد إبليس أن لا وجود لمحبة العالم في قلبنا.
  5. حتى يصير الإنسان قويا مثل الحديد.
  6. ربما لكي ننال مكافأة إذا انتصرنا.
  • ​” لأَنَّكَ قُلْتَ: مَاذَا يُفِيدُكَ؟ بِمَاذَا أَنْتَفِعُ أَكْثَرَ مِنْ خَطِيَّتِي ؟”:-

يرى البعض أن معنى الآية أن أيوب لم ينتفع ببره.

ويرى آخرون أنه ببره لا ينتفع هو ولا الله، ربما فهمت من حديثه (أي٩: ٣٠، ٣١؛ ١٠: ١٥)، وأيضا في (مز٧٣: ١٣).

لكن في الحياة لا يضر الإنسان سوى خطاياه ولا يقيده سوى استقامة قلبه وتنفيذ وصايا الله.

  • ” ​أَنَا أَرُدُّ عَلَيْكَ كَلاَمًا، وَعَلَى أصحابكَ مَعَكَ “:-

أوضح أليهو أنه سيوضح ما هي نتيجة الخطية وما هي بركات البر وما قاله أصحابه.

  • ” ​اُنْظُرْ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَأَبْصِرْ، وَلاَحِظِ الْغَمَامَ. إِنَّهَا أَعْلَى مِنْكَ “:-

دعى أليهو أيوب أن ينظر إلى علو السموات حتى يستنتج علو فكر الله عن فكر البشر فكما علت السموات عن الأرض علا فكر الله عن بني البشر (إش٥٥: ٩).

وهل يستطيع الإنسان أن يفحص فكر الله (رو١١: ٣٣)، لعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا (رو٩: ٢٠).

  • ​” إن أَخْطَأْتَ فَمَاذَا فَعَلْتَ بِهِ؟ وإن كَثَّرْتَ مَعَاصِيَكَ فَمَاذَا عَمِلْتَ لَهُ ؟”:-

يقول أليهو إن أخطأ الإنسان لا يسيء إلى الله وبره لا يحسن إليه أو يضيف إليه شيئا لكن خطأ الإنسان يضر الإنسان وبر الإنسان هو الذي يفيد الإنسان.

  • ” ​إِنْ كُنْتَ بَارًّا فَمَاذَا أَعْطَيْتَهُ؟ أو مَاذَا يَأْخُذُهُ مِنْ يَدِكَ ؟”:-

إن بر الإنسان يعود إلى الإنسان وهو أصلا من الله والإنسان كله هو صنعة القدير فنحن دائما نأخذ منه (مز١٦: ٢، أم٩: ١٢، لو١٧: ١٠).

  • ​” لِرَجُل مِثْلِكَ شَرُّكَ، وَلابْنِ آدَمٍ بِرُّكَ “:-

إن الإنسان لا يؤذي الإنسان بشره بل يؤذي نفسه فعندما يقهر الآخرين ويضطهدهم يساعدهم الله ويعطيهم الاحتمال فيخرجوا من العالم سريعا ويُكافئوا في ملكوت السموات (١تي٦: ٧، مت٥: ١١؛ ٢كو٢: ١٦).

أما البر فينفع الإنسان ويؤثر أيضا على من حوله دافعا إياهم إلى السلوك في الفضيلة كما تجمع حول القديس أنطونيوس الكبير آلاف الشباب للرهبنة وكما تجمع مثلهم في برية نتريا والقلالي والإسقيط حول ق. أبو مقار الكبير وفي الصعيد حول القديس العظيم الأنبا شنودة والأنبا باخوميوس هكذا صاروا أنوار للعالم.

  • ​” مِنْ كَثْرَةِ الْمَظَالِمِ يَصْرُخُونَ. يَسْتَغِيثُونَ مِنْ ذِرَاعِ الأَعِزَّاءِ “:-

يتكلم أليهو عن مشكلة عامة أشار إليها أيوب في (أي٢٤: ١٢) هي صراخ المظلومين والظالمين وغالبا الظالمين من أقرب الناس للمظلومين سواء جسديا أو وجودا فقد ظلم فرعون مصر شعب الله الذي كان يخدمه وساعده في بناء مدينتي فيثوم ورعمسيس (خر١: ١١) وهما مدينتي مخازن لرمسيس الثاني وإذ ظلوا في هذا الظلم صرخوا إلى الرب والرب سمع صراخهم وأرسل لهم موسى ليخلصهم.

لكن قد لا يستجيب الله لصراخ المظلومين عندما يكون فيه كبرياء أو طلب النقمة من الظالمين أو فيه كلام غير لائق، لكن الله عادل يكافئ المظلومين فشعب الله الذين ظلمهم فرعون أعطاهم الله نعمة في عيون المصريين بعد نزول الضربات العشر على المصريين وأخذوا ذهب وفضة كثيرة فقد عوضهم الله عن سنين التسخير الذي بلا أجر بل أيضا أغرق فرعون وجعلهم يعبرون البحر الأحمر، وأعطاهم المن طعام وماء الصخرة شراب وظللهم بالسحاب نهارا وبعمود النور ليلا أضاء لهم، ولم تبلى ثيابهم ولا تهرأت أحذيتهم، لم يمرضوا في البرية القفر هكذا الله إله المظلومين والمحتملين.

  • ​” وَلَمْ يَقُولُوا: أَيْنَ اللهُ صَانِعِي، مُؤْتِي الأَغَانِيِّ فِي اللَّيْلِ”:-

هنا يتكلم عن حال المظلومين الصارخين لله متذمرين عليه قائلين أين هو الله ؟ ولماذا تركنا ليصنع بنا الظالمون هكذا ؟

لكن إذا احتمل المظلومون الظالمين وصلوا إلى الله وصلوا لظالميهم يعطيهم الله تعزية حتى يحول ظلمة العالم إلى نور بل تسابيحه تقدم ليلا فيكونوا نهارا في حالة سرور عوض الكآبة.

  • ​” الَّذِي يُعَلِّمُنَا أَكْثَرَ مِنْ وُحُوشِ الأَرْضِ، وَيَجْعَلُنَا أَحْكَمَ مِنْ طُيُورِ السَّمَاءِ؟”:-

ميزة الإنسان هي روحه العاقلة وعقله لكن عندما يتذمر يصير بلا عقل، وعندما يغضب يصير مثل الوحوش المفترسة ولما يتطاول على الله يصير أقل حكمة من الطيور.

فدعانا أن نتعلم من وحوش الأرض وطيور السماء التي تعرف وتتصرف بالفطرة أفضل من الإنسان العاقل.

لذا دعانا الحكيم أن نتعلم من النملة (أم٦: ٦)، ودعانا ربنا يسوع لنتأمل طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد لكن الله يعولها، ودعانا إلى التأمل إلى زنابق الحقل التي لها منظر أبهى من ملابس أغنى ملوك العالم سليمان (مت٦: ٢٦، ٢٨).

  • ​” ثَمَّ يَصْرُخُونَ مِنْ كِبْرِيَاءِ الأشرار وَلاَ يَسْتَجِيبُ”:-

يصرخ المساكين فلا يستجاب لهم لأجل تذمرهم ولأجل كبريائهم.

لكن يستجاب لهم بالشروط الآتية :-

  1. الندامة والتواضع والتوبة (مز١٠: ٤، إر١٣: ١٧).
  2. إن توافق طلبنا مع إرادة الله (مت٢٦: ٣٩).
  3. الثبات واللجاجة (لو١١: ٨).
  4. نصلح سيرتنا (إش١: ١٥).
  5. الشعور بعدم استحقاقنا لما نطلبه (١اي١٧: ٤)، وعدم استحقاق من نطلب لأجلهم (إر١٤: ١١).
  • ​” وَلكِنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ كَذِبًا، وَالْقَدِيرُ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ”:-

الله لا ينظر إلى صلاة المتذمر وغير المتواضع مثل الفريسي (لو١٨: ١٠)، وغير الشاكر والذي ليس له إيمان.

  • ​” فَإِذَا قُلْتَ إِنَّكَ لَسْتَ تَرَاهُ، فَالدَّعْوَى قُدَّامَهُ، فَاصْبِرْ لَهُ “:-

ليس معنى أن الله لا يرى أنه لا يهتم بأمور بني البشر ربما أيوب قال مثل ذلك في (أي٢٣: ٨) لكن الله يهتم بكل صغيرة وكبيرة.

لكن الله يحتاج منا إلى الصبر وليس التسرع والعجلة في إصدار القرارات لأنه ليس مثل بني البشر المتهورين بل هو كلي المعرفة يعطي استجابة في حين مناسب غير ناظر إلى الأخطاء بل العدل.

  • ​” وَأَمَّا الآنَ فَلأَنَّ غَضَبَهُ لاَ يُطَالِبُ، وَلاَ يُبَالِي بِكَثْرَةِ الزَّلاَّّتِ”:-

الله عادل لكنه عندما يعاقب على الخطايا لا يعاقب على كل الخطايا لأنه لو عاقبنا حسب استحقاقاتنا عن كل خطايانا لثقلت يده علينا لكنه يؤدب حتى نتوب عنها ونعاقب في العالم حتى لا ندان في اليوم الأخير مع العالم (١كو١١: ٣٢).

  • ​” فَغَرَ أيوب فَاهُ بِالْبَاطِلِ، وَكَبَّرَ الْكَلاَمَ بِلاَ مَعْرِفَةٍ “:-

اعتبر أليهو أن أيوب صرخ إلى الرب لكنه يتذمر وبلا معرفة فأصبح كلامه على الله لغو لا قيمة له.

 [pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment