تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الأول – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

الكلام عن الذبائح بوجه عام (ع1-2)

1 ودعا الرب موسى وكلمه من خيمة الاجتماع قائلا.
كانت هذه الدعوة بعد إقامة خيمة الاجتماع فى اليوم الأول من الشهر الأول من السنة الثانية للخروج من مصر فى جبل سيناء كما هو وارد فى الاصحاح الأربعين من سفر الخروج. وكان الرب فيما سبق يعلن أقواله أحيانا إلى موسى وحده وأحيانا إلى موسى ومعه الشعب، ولكن بعد إقامة الخيمة كان يعلنها لموسى وحده بصفته وسيط العهد بين الله والناس.
(ودعا الرب موسى) أى استدعاه وكان الرب يستدعى موسى فى المناسبات الهامة، وقد ذكر أنه دعاه من العليقة (خر4:3)، وعند تسليمه الوصايا العشر (خر3:19)، واستدعاه هذه المرة لكى يكلمه عن الذبائح وعن أمور أخرى روحية واجتماعية.
(وكلمه من خيمة الاجتماع) أقيمت الخيمة لكى يجتمع فيها الرب بشعبه وبعبده موسى وكانت علامة حلول الله وسكناه فى وسط شعبه. وربما دعى موسى ليدخل إلى القدس أمام الحجاب أو إلى قدس الأقداس والأول أرجح، وكان الرب يكلمه من موضع السكينة (حلول مجد الرب)، أى من بين الكروبين فوق غطاء تابوت العهد (خر22:25)، وقد دعى الغطاء أيضاً (كرسى الرحمة).
2  كلم بنى اسرائيل وقل لهم : إذا قرب إنسان منكم قربانا للرب من البهائم، فمن البقر والغنم تقربون قرابينكم.
(القرابين) بنوع عام التقدمات التى يقربها (يقدمها) إلى الرب سواء أكانت ذبائح دموية أو تقدمات غير دموية. وفى هذه الآية يحدد الرب أنواع الحيوانات التى كان يجوز أن تقدم منها الذبائح للرب، وهى (البقر والغنم)، وكل منها كان من أثمن الحيوانات التى كانوا يقتنونها. فكل من البقر والغنم كان من الحيوانات الطاهرة، والتى يؤكل لحمها، فضلا على أن البقر كان صالحا للعمل، وقد كان لهم فى الغنم سواء من الضأن أو من المعز منافع كثيرة. والإنسان يجب عليه أن يكرم الله بأعز وأغلى وأثمن وأنفع ماعنده.
(كلم بنى أسرائيل وقل لهم) كان على موسى أن يتسلم الأقوال من الرب ويبلغها للشعب لأنه مسئول عن تعليمهم. والكهنة والرعاة وخدام الكلمة فى كل الأجيال مسئولون عن تبليغ الشعب كلام الله وتعليمهم بأمانة.

الكلام عن ذبيحة المحرقة

تمهيد : فى الاصحاحات السبعة الأولى من السفر يتكلم الرب إلى موسى عن أنواع القرابين التى كانت تقدم، الدموية وغير دموية. والشعوب منذ القدم كانت تقدم قرابين إلى الآلهة، ولابد أنها أخذت هذا عن الآباء المؤمنين بالتقليد. وكانوا يعتقدون أن الآلهة ترضى بالقرابين التى كانت تقدم إما لإكرام الآلهة والتعبد لها، وإما لدفع غضبها عن الإنسان، وإما لطلب المغفرة عن الخطية، وإما لتقديم الشكر فى المناسبات الحسنة، أو لأغراض أخرى. وقد تطرفت بعض الشعوب فى اعتقاداتها فظنت أن الآلهة تأكل لحوم الذبائح، كما تطرفت بعض الشعوب فقدمت للآلهة ذبائح من البشر، حتى من الأبناء، وحتى رجال الله فى القديم، واليهود، منذ عهد ناموس موسى، لم يفهموا تماما إلا المعانى السطحية للذبائح.
وفيما بعد كان الوحى ينير أمامهم الطريق شيئا فشيئا ليعطيهم نضجا روحيا أكبر، فأشار الوحى إلى ذبيحة المسيح الحية التى كانت كل قرابين العهد القديم رمزا لها، فقال داود مثلا (…..ثقبوا يدى ورجلى أحصى كل عظامى، وهم ينظرون ويتفرسون فىَّ، يقسمون ثيابى بينهم وعلى لباسى يقترعون…. مز16:22-18) وقال (بذبيحة وتقدمة لم تسر، أذنى فتحت. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب حينئذ قلت هأنذا جئت بدرج الكتاب مكتوب عنى أن أفعل مشيئتك يا إلهى….. مز6:40-8) وقال إشعياء (……. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمتسر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا، وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا. ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه……(اش3:53-7). كما عرفهم الوحى أن هناك ذبائح روحية يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع قرابينهم وذبائحهم التى فرضها عليهم الناموس، فقال داود مثلا (ذبائح الله هى روح منكسر. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لاتحتقره مز17:51).
وسنرى أن كل نوع من القرابين كانت له معان روحية وإشارات رمزية سامية.
كانت هناك أنواع من القرابين، أربعة منها دموية (حيوانات أو طيور) وواحدة طعامية (نباتية) أى مما ليس به روح حيوانية وتتضمن الأخيرة أيضاً التقدمة الشرابية (السكيب) والذبائح الدموية الأربع هى :
(أ) ذبيحة المحرقة.
(ب) ذبيحة السلامة.
(جـ) ذبيحة الخطية.
(د) ذبيحة الاثم.
والكلام فى هذا الأصحاح عن ذبيحة المحرقة وكانت تقدم من البقر أو من الغنم أو من الطيور. كان كل إنسان يقدم ذبيحة المحرقة على قدر طاقته، إن لم يتمكن من تقديم عجل من البقر كان يقدم ذبيحة من الغنم وإن لم يستطع ذلك كان يقدمها من الطيور. وفى الأعداد من (1-9) حديث عن ذبيحة المحرقة من البقر، من ناحية اختيار الذبيحة، ومن ناحية طقس تقريبها إلى الله.
3  إن كان قربانه محرقة من البقر فذكرا صحيحا يقربه. إلى باب خيمة الاجتماع يقدمه للرضا عنه أمام الرب .
دعى هذا النوع من الذبائح (محرقات) أو (وقودا) لأنها كانت تحرق كلها على المذبح باستثناء الجلد ومحتويات الأمعاء، ولم يكن لأحد أن يأكل منها شيئا. والكلمة العبرية التى تعنى (محرقة) هى كلمة (عولاه) وتعنى (الصعيدة) أى الشئ الذى يصعد، أو يرتفع ويعلو، ولعلها دعيت هكذا لأنها تُرفَع كلها على المذبح من جهة، ولأنها بمعنى أوضح تصعد إلى الله فى البخار والدخان المتصاعدين من لحم الذبيحة كرائحة بخور زكية. فذبيحة المحرقة (صعيدة) مباركة يسر بها الله، فقد استعمل الفعل (أصعد) بتصريفاته المختلفة مع المحرقات فى مواضع كثيرة من الكتاب مثل (تك20:8، تث14:12، مز19:51، إر18:33…). وفى بعض المواضع الشعرية استعمل للمحرقة الكلمة العبرية (كليل) التى تعنى حرفيا (الوقود) أى التقدمة التى تحرق تماما (تث10:33، مز19:51). وقد ذكرت المحرقات فى أكثر من موضع من سفر اللاويين منها (ص5،6،16…..).
والمحرقات بعضها كان عاما يقدم عن الشعب كله مثل المحرقات اليومية، بما فيها محرقتا يوم السبت العادية والإضافية، ومحرقات الأعياد بما فيها محرقة يوم الكفارة، ومحرقات رؤوس الشهور، والمحرقات التى كان يقدمها هرون عن الشعب غير ذلك (لا8،9،16،23…..) وبعض المحرقات كان خاصا مثل المحرقات التى قدمت فى مسح هرون وبنيه، والتى كانوا يقدمونها عن أنفسهم فى ظروف مختلفة، والمحرقات التى كان يقدمها الشخص الذى يقع فى أخطاء خاصة، والتى كان يقدمها الأبرص عندما يطهر، أو التى يقدمها ذوو السيل من الرجال أو النساء إلى غير ذلك (ص1:5-7،18:8،ص15…..). ونلاحظ أن المحرقات التى ذكرت كانت إجبارية، وكانت هناك محرقات تطوعية اختيارية عامة وفردية أيضاً، كالمحرقات التى يتعهد بها بعض الأشخاص كنذور أو نافلة (ص18:22،ص27،عد3:15)، أو المحرقات التى كانت تقدم للشكر فى ظروف الفرح والنجاح (لا29:22)، ومن هذا النوع المحرقات التى أصعدها داود عند نقل تابوت العهد إلى مدينة صهيون (2صم17:6)، والتى أصعدها سليمان عند تدشين الهيكل (1مل64:8).
(إن كان قربانه محرقة من البقر) كان يقدم عجول البقر الاغنياء والمقتدرون من الشعب.
(فذكرا صحيحا يقربه) كانت الذكور من حيوانات الذبائح تفضل على الإناث، وربما كان لفداء الله أولاد العبرانيين من الموت عامل فى ذلك، وربما دبر الله أن يقلل الذبائح من الإناث لحفظ النوع من جهة ولأنهم كانوا يستفيدون بلبنها من جهة أخرى، وقد كان فى تقديم الذكور رمز إلى الرب يسوع أيضاً. وفى بعض الأحيان سمح الله بتقديم الإناث. وكونه (صحيحا) أى سليما وبلا عيب لأنها كانت تشير إلى ذبيحة المسيح الكاملة، ولأنه من الواجب أن تكون تقدمتنا للرب قيمة وثمينة. وقد قدم هابيل للرب من أجود غنمه (تك4:4)، وكان كهنة المصريين يفحصون الحيوانات المقدمة ذبائح فحصا جيدا، والحيوان اللائق كانوا يعطونه شهادة مختومة بخاتم الكاهن تثبت فى قرنه بالشمع.
ويستنتج بعض المفسرين أن كهنة اليهود كانوا يفعلون ذلك أيضاً من قول السيد المسيح (أعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى للحياة الأبدية الذى يعطيكم ابن الانسان هذا الله الآب قد ختمه (يو27:6) أى اعتمده كما كانت الذبائح تعتمد. وقد ذكر الرب بعض العيوب التى ترفض من أجلها الذبيحة فى (ص22:22-24). وفيما بعد عندما كان بنو اسرائيل يقدمون ذبائح بها عيوب وبخ الرب كهنتهم على ذلك بقوله (أيها الكهنة المحتقرون اسمى، وتقولون بما احتقرنا اسمك؟ تقربون خبزا نجسا على مذبحى، وتقولون بما نجسناك؟ بقولكم إن مائدة الرب محتقرة. وإن قربتم الأعمى ذبيحة أفليس ذلك شرا؟ وإن قربتم الأعرج والسقيم أفليس ذلك شرا؟ قربه لواليك، أفيرضى عليك أو يرفع وجهك؟ قال رب الجنود) (ملا6:1-8).
(إلى باب خيمة الاجتماع يقدمه) كان تقديم الذبيحة يقتضى خمس خطوات :
1- تقديمها إلى باب خيمة الاجتماع، أى إحضار صاحب الذبيحة ذبيحته بنفسه إلى الرب.
2- وضع اليد على الذبيحة.
3- الذبح والإعداد.
4- رش الدم.
5- إحراق الذبيحة بعضها أو كلها على المذبح حسب نوع الذبيحة.
وإحضار صاحب الذبيحة ذبيحته ليقدمها إلى باب الخيمة بنفسه دليل على أنه راض بهذا العمل، واعتراف بأنه مذنب ومستحق العقاب ومحتاج لأن تقدم من أجله هذه الذبائح. وتقديمها إلى (باب خيمة الاجتماع) أى عند مذبح المحرقة النحاسى المواجه للباب الخارجى لدار الخيمة ولباب خيمة الاجتماع أيضاً (خر6:40). ومعنى ذلك أن مقدم الذبيحة يلتجئ إلى الرب، ويقدم إليه ذبائحه، ويبسط أمامه ضعفاته وحاجاته. وما أجمل بالمؤمن أن يتقدم دائما إلى عرش النعمة، والى بيت الرب، لكى يثبت الله أشواقه ويقدم لجلاله الإكرام، ويلتمس منه حاجاته الروحية والجسدية.
(للرضا عنه) أى لكى ينال رضوان الله، فتقبل ذبيحته ويكفر عن خطاياه. وتقديم الذبيحة بلا عيب، وإحضارها أمام الرب، مما يستدر مراحم الله، فيقبل الذبيحة من يد مقدمها، علامة على مسرته به ورضاه عنه.
(الى باب خيمة الاجتماع يقدمه للرضا عنه أمام الرب) : جاءت هذه العبارة فى بعض الترجمات الانجليزية هكذا : (ويقدمها إلى باب خيمة الاجتماع برضاه ومحض إرادته). والترجمة الأولى أرجح.
4  ويضع يده على رأس المحرقة فيرضى عليه للتكفير عنه.
كان على صاحب المحرقة أن يضع يده على رأس الذبيحة فيرضى الله عنه ويقبل ذبيحته لتكون كفارة عنه. والكفارة فى الأصل الغطاء، والمقصود أن خطاياه تستر وتغفر.
ووضع اليد له معان وأغراض سامية منها :
( أ ) إفراز الذبيحة وتكريسها للرب.
(ب) أن صاحب الذبيحة يقبل أن يكون الحيوان المقدم نائبا عنه، لتنتقل خطاياه إليه ويحملها عنه.
(ج) وبالتالى يصبح وإياه واحدا.
(د ) اعتراف صاحب الذبيحة بأنه مستحق الموت لخطاياه وتعدياته، وتوسله إلى الله بأن يجعل حياة الحيوان البرئ فداء عن حياته الخاطئة. ولذلك كان فى الغالب فى وضع يده يعترف بخطاياه ويصلى إلى الله لكى يقبل ذبيحته وينقل إليها خطاياه.
(هـ) كما أن فى عمله إيمانا كاملا بفاعلية الدم فى التكفير.
ووضع اليد لايعنى مجرد لمس رأس الحيوان، ولكن الشخص كما يفيد علماء اليهود، كان يضغط بكل قوة بكلتا يديه على رأسه. والكلمة المستعملة هنا لوضع اليد هى التى جاءت فى (عا19:5) بمعنى الاستناد على الحائط. ومعنى ضغطه على رأس الذبيحة أنه يلقى بكل أحماله ومتاعبه وخطاياه عليها، ويثق كل الثقة أن فيها المنفذ الحقيقى لنجاته، وأنها الطريق الوحيد لخلاصه.
5  ويذبح العجل أمام الرب ويقرب بنو هرون الكهنة الدم ويرشون الدم مستديرا على المذبح الذى لدى باب خيمة الاجتماع.
1- كانت الخطوة الثالثة فى الطقس ذبح الذبيحة. وكان يقوم بالذبح مقدم الذبيحة لأنه أتى بها بنفسه ورضى أن يضحيها للرب. وفيما بعد كان اللاويون أو الكهنة يقومون أحياناً بالذبح. وفى (ع11) سنرى أن ذبح الحيوان كان يجرى عند المذبح من ناحية الشمال. وفى أثناء ذبح الحيوان كان الكهنة يستقبلون الدم فى الطشوط المعدة لذلك.
2- والخطوة التالية كانت رش الدم، وكان يتحتم أن يقوم الكهنة أنفسهم بهذا الجزء من الخدمة المقدسة وكان رش الدم من أهم الخطوات، لأن نفس الحيوان (حياته) فى دمه، وقد قدمت الذبيحة لتكون حياتها فداء عن حياة الإنسان. وكان الدم يسكب أولا على الزاوية الشمالية الشرقية ليرش الجانبين الشمالى والشرقى، ومن ثم يتجه الكاهن نحو الزاوية الجنوبية الغربية ويرش الدم لينسكب على الجانبين الجنوبى والغربى، وسكب الدم مستديرا إلى جميع الجهات يشير إلى كمال الذبيحة وكمال عملها.. ولعل طقس رش الدم من الشمال أولا ثم الجنوب إشارة روحية إلى انتقال صاحب الذبيحة من الشمال إلى الجنوب بفاعلية الدم المكفر به عنه أمام الله. والكنيسة المقدسة كثيرا ما تفعل هذا فى بعض طقوس عبادتها إشارة إلى عمل دم المسيح المحرقة الحقيقية الذى به انتقلنا من الشمال إلى اليمين.
قوله (ويقربون بنو هرون الكهنة الدم) يعنى الكهنة الذين هم بنو هرون، لأن كلمة (لكهنة) هنا بدل مطابق من (بنى هرون).
6  ويسلخ المحرقة ويقطعها إلى قطعها.
كان مقدم الذبيحة يسلخ الذبيحة، ثم يقطعها إلى أجزائها الطبيعية بحسب مفاصلها، وربما كان الكاهن هو الذى يقوم بهاتين العمليتين، والرأى الأول أرجح. وكانت تقطع ليسهل إيقادها وكان الجلد من نصيب الكاهن الذى يخدم (ص8:7).
7   ويجعل بنو هرون نارا على المذبح ويرتبون حطبا على النار.
كان الكهنة يضعون النار على المذبح، وهذه النار أصلها من النار التى أرسلها الله لتأكل الذبائح فى تنصيب هرون وبنيه (ص24:9)، وكانت النار لاتطفأ أبداً (ص12:6،13). وكانوا يرتبون (الحطب) على النار لتغذية النار ولكى ترتب عليها قطع الذبيحة. والمقصود (بالحطب) خشب الاشجار التى كانت تشق لاستخدامها فى الوقود (تك3:22). وكان الحطب يجمع تبرعا من الكهنة واللاويين والشعب، واعتبر من القرابين اللازمة للخدمة فى بيت الله (نح34:10،31:13) ويذكر يوسيفوس المؤرخ أن اليهود رتبوا عيدا فى اليوم الرابع عشر من شهر آب فى كل سنة دعوه عيد الحطب، كانوا يجمعون فيه الحطب من أفراد الشعب.
8 ويرتب بنو هرون الكهنة القطع مع الرأس والشحم فوق الحطب الذى على النار التى على المذبح. 9وأما أحشاؤه وأكارعه فيغسلها بماء ويوقد الكاهن الجميع على المذبح محرقة وقود رائحة سرور للرب.
1- كان على بنى هرون (الكهنة) أن يرتبوا قطع المحرقة على الحطب وفى الغالب كانوا يرتبونها بحسب وضعها فى الحيوان الحى لكى تأخذ الذبيحة شكلها الطبيعى، ويفعل الكهنة مثل هذا عندما يقسمون الجسد المقدس فى طقس القداس الالهى، لكى يرسموا أمام المؤمنين صورة ذبيحة المسيح الحقيقية الذى قدم نفسه محرقة عن خلاص العالم.
2- وكان الكاهن يضع الشحم ليوقد مع الذبيحة.
3- وكانت الأكارع والأحشاء تُغسَل قبل أن توضع على المذبح، ويقصد بالأحشاء الأمعاء والأعضاء الداخلية كالكبد والقلب والكليتين وغيرها، وغسلها أمر تستلزمه مكانة الذبيحة، كما أنه يشير إلى طهارة الذبيحة ونقاوة العبادة. وكانوا يغسلون هذه الأجزاء ثلاث مرات ليتأكدوا من نظافتها.
4- وتقديم المحرقة كلها يشير إلى تقديم الإنسان ذاته تماما والتكريس الكلى للرب، وتقديم الرأس إشارة إلى تكريس الحواس والذاكرة والعقل للرب، وغسل الأحشاء وتقديمها يشير إلى تطهير القلب وتكريس الإنسان الباطن، كما أن غسل الأكارع يشير إلى تطهير السيرة والسلوك.
5- مما هو جدير بالذكر أن الوحى قد استخدم اللفظة العبرية (شرفاه) للتعبير عن الإحراق العادى مثل شى الطوب فى (تك3:11) وإحراق الرب لناداب وأبيهو ابنى هرون فى (لا6:10)، بينما استخدم اللفظ (قطير) للتعبير عن إيقاد ذبيحة المحرقة، وهى نفس اللفظة التى تعبر عن إيقاد البخور كما فى (خر1:30، تث10:33) مما يدل على أن المحرقات كانت ترفع إلى الرب لتصعد إلى جلاله كرائحة بخور زكية.
(رائحة سرور للرب) تكررت هذه العبارة كثيرا فى موضوع المحرقة، ولم تذكر فى باقى الذبائح لأن الذبائح الأخرى لم تكن إلا للتكفير فقط.
10 وإن كان قربانه من الغنم. الضأن أو المعز. محرقة فذكرا صحيحا يقربه.
كان يجوز تقديم بعض المحرقات من الغنم، من الضأن أو الماعز، على أن تكون المحرقة ذكرا صحيحا كما هو الحال فى المحرقات من البقر (ع3). وفيما بعد كانت محرقات الغنم من الضأن فقط، زيادة فى إكرام الرب.
11 ويذبحه على جانب المذبح إلى الشمال أمام الرب. ويرش بنو هرون الكهنة دمه على المذبح مستديرا.
1- كانت الذبائح تذبح فى الجهة الشمالية (البحرية) من المذبح، أى على يمين الداخل إلى الخيمة لأن المدخل كان من الشرق (خر13:27-16). والحكم من ذبح المحرقات على الجانب الشمالى:
(أ) أنها الجهة الأكثر اتساعا حيث أن الجهة الشرقية كان بها مدخل الدار الخارجية ومكان الرماد وربما النار المحفوظة (ع16)، والجهة الغربية كان بها المرحضة ثم خيمة الاجتماع نفسها، والجهة القبلية (الجنوبية) كان بها السطح المائل الذى يصعد به إلى المذبح.
(ب) ويعلل المفسرون ذلك أيضاً تعليلا روحيا بأن جهة الشمال مكان هبوب الرياح اللطيفة، ومكان الظل وفى هذا إشارة إلى أن الذبائح فيها ارضاء لله وإطفاء وتلطيف لحمو غضبه من جهة، كما أن فيها شيئا من الترفيه عن الحيوان المذبوح وتخفيفا لآلام الذبح.
(جـ) ومن الناحية الرمزية قد يشير هذا إلى موضع الجلجثة الذى صلب عليه ربنا يسوع المسيح ويرجح المؤرخون أنه كان يقع شمالى أورشليم.
2- بعد ذبح الحيوان كان الكهنة يرشون الدم على المذبح (مستديرا) أى حوله كما مر ذلك فى محرقة البقر (ع5).
12 ويقطعه إلى قطع مع رأسه وشحمه ويرتبهن الكاهن فوق الحطب الذى على النار التى على المذبح. 13 وأما الاحشاء والاكارع فيغسلها بماء ويقرب الكاهن الجميع ويوقد على المذبح. إنه محرقة وقود رائحة سرور للرب.
مر شرح ذلك فى طقس ذبيحة المحرقة من البقر (ع6-9). وكان الجلد من نصيب الكاهن الخديم كما مر بنا.
14 وإن كان قربانه للرب من الطير محرقة يقرب قربانه من اليمام أو من أفراخ الحمام.
1- إن الرب الذى يقبل محرقات الأغنياء والمقتدرين من البقر ومن الغنم، يقبل أيضاً محرقات الفقراء من الطير رائحة سرور أمام جلاله (ع17)، ومن العجيب أن الوحى قال فى الحالتين الأوليين: (إن كان قربانه محرقة من البقر ع3) و(إن كان قربانه من الغنم ع10)، بينما أضاف اسم الجلالة (الرب) فى محرقة الطير حيث يقول (إن كان قربانه للرب من الطير)، لكى يؤكد أن الذبائح إن كانت كبيرة أو صغيرة هى للرب، ومقبولة منه، لأن الله لاينظر إلى الوجوه وإنما إلى قلوب عبيده.
2 – كانت المحرقات من الطير إما من اليمام أو من أفراخ الحمام، ويرى المفسرون أنه ذكر اليمام إطلاقا سواء كان صغيراً أو كبيراً لأن لحمه مستساغ فى كلتا الحالتين، أما محرقة الحمام فكان من الواجب أن تكون من الأفراخ، لأن لحم الحمام الكبير يأخذ وقتا فى النضج، وغير مستساغ فى الأكل. والله دائما يحب أن نكرمه بأعز ما لدينا.
3 – وتقدمة الطيور كانت قديمة العهد فقد قدم نوح من البهائم والطيور ذبائح للرب(تك8: 20).
وفى عهد الله مع أبينا ابراهيم أمره بأن يقدم عجلة ثلاثية وعنزة ثلاثية وكبشا ثلاثيا ويمامة وحمامة (تك15: 9).
4 – ولكى يكون المسيح خاضعا بإرادته لأعمال الناموس الموسوى ليعتقنا من رباطاته ويعطينا ناموس الحياة، وبالنسبة لفقر السيدة العذراء البتول وفقر القديس يوسف النجار، ولاختيار الرب يسوع الفقر الاختيارى فى تجسده العجيب لكى يرفع رؤوس الفقراء، ولكى يكون مجربا مثلنا فى كل شئ وبلا خطية، ولكى فيما هو مجرب يقدر أن يعين المجربين، قدمت أمه ذبيحة زوج يمام أو فرخى حمام(لو2: 24).
5 – ولعل الرب قد اختار الحمام واليمام لأنها كانت متوفرة، ورخيصة الثمن، وفى متناول أى إنسان أن ينالها، فضلا على الفضائل الكثيرة التى كانت لكل منها. فالحمام معروف بالنظافة والنقاوة والوداعة والبراءة، وقد حملت الحمامة أوراق الزيتون إلى نوح فى الفلك، وهى فى عملها تشير إلى الإنسان الخادم الذى يؤدى رسالته، كما أنها تشير إلى السلام (تك8: 11)، وقد حل الروح القدس على الرب فى شبه حمامة (مت3: 16)، وقد شبهت عروس النشيد التى ترمز إلى الكنيسة والى نفس كل مؤمن بالحمامة (نش2: 14، 5: 2، 6: 9)، وشبهت عيناها الوديعتان البسيطتان بحمامتين (نش1: 15)، وشُبِه المؤمنون فى نقاوتهم وفى رخائهم وطمأنينتهم بالرب وفى جمال حياتهم (بأجنحة حمامة مغشاة بفضة وريشها بصفرة الذهب مز 68: 13) ويشير الوحى فى ذلك إلى نوع من أثمن أنواع الحمام أجنحته بلون الذهب أو إلى الحمام الأبيض عامة عندما تشرق أشعة الشمس على ريشه فيبدو جميلا بلون الذهب والفضة، وقد أوصى الرب المؤمنين أن يكونوا فى وسط العالم الشرير (حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام مت10: 16).
أما اليمام فمعروف أيضاً بالوداعة، لذلك شبه داود ذاته إزاء وحشية وشراسة أعدائه باليمامة(مز74: 19)، واليمام الرحال يعرف أوقاته وقد وبخ الرب به الشعب الاسرائيلى الذى كان لا يفهم قضاء الرب(إر8: 7)، وهو بذلك يذكر الإنسان باليقظة والمعرفة والسهر والاستعداد الدائم. ومجئ اليمام يعلن حلول فصل الربيع وانتهاء الشتاء (نش2: 12) وهو بذلك من الناحية الطبيعية يشير إلى الخير والخضرة، ومن الناحية الروحية يشير إلى النمو والجمال والانتعاش الروحى والعمل لمجد الرب.
15 يقدمه الكاهن إلى المذبح ويجز رأسه ويوقد على المذبح ويعصر دمه على حائط المذبح. 16 وينزع حوصلته بفرثها ويطرحها إلى جانب المذبح شرقا إلى مكان الرماد. 17 ويشقه بين جناحيه لا يفصله ويوقده الكاهن على المذبح فوق الحطب الذى على النار.إنه محرقة وقود رائحة سرور للرب.
كان الكاهن يقوم بنفسه بكل الأعمال الخاصة بمحرقة الطير بالنسبة لصغر الذبيحة من جهة ومن جهة أخرى لكى يشجع الفقراء ويرفع من معنوياتهم، ثم لكى يتعلم الكهنة أن يولوا الفقراء كل عنايتهم، ويخدموهم كما يخدمون الأغنياء، ولا يستهينوا بتقدماتهم مهما كانت ضئيلة، ولقد امتدح الرب فلسى الأرملة اللذين قدمتهما من أعوازها أكثر من عطايا الأغنياء الذين قدموا من فضلاتهم (مر12: 41-44) والكنيسة المقدسة تذكر أمام الرب جميع التقدمات والقرابين، وتذكر الذين يقدمونها، أصحاب الكثير وأصحاب القليل، وحتى الذين يريدون أن يقدموا للرب وليس لهم. وما أجمل ما نقوله فى أوشية (صلاة) القرابين فى هذا الصدد (اذكر يارب صعائد وقرابين وشكر الذين قربوا كرامة لاسمك القدوس… اقبلها اليك على مذبحك الناطق السمائى رائحة بخور تدخل إلى عظمتك التى فى السموات… وكما قبلت إليك قرابين هابيل الصديق وذبيحة أبينا ابراهيم وفلسى الأرملة. هكذا أيضا نذور عبيدك اقبلها إليك، أصحاب الكثير وأصحاب القليل، الخفيات والظاهرات، والذين يريدون أن يقدموا لك وليس لهم، والذين قدموا لك فى هذا اليوم هذه القرابين، أعطهم ما لا يفسد عوضا عما يفسد، السمائيات عوض الأرضيات، والأبديات عوض الفانيات، بيوتهم ومخازنهم املأها من كل الخيرات، أحطهم بقوة ملائكتك ورؤساء ملائكتك الأطهار، وكما ذكروا اسمك القدوس على الأرض اذكرهم أيضاً يارب فى ملكوتك، وفى الدهر الآتى لا تتركهم عنك).
2 – كانت خطوات تقديم الطير كالآتى:
أ  – (يقدمه الكاهن إلى المذبح) لأن كل التقدمات كانت تقدم إلى الرب، وكانت العمليات تجرى فوق المذبح حتى لا يضيع شئ من دم الطير بالنسبه لقلة مقدار الدم.
ب – (ويجز رأسه) بظفر أصبعه وليس بالسكين، وفى الغالب كان يفصل الرأس ويوقدها على المذبح، ولذلك فقوله (ويوقد على المذبح) ترجمت أيضاً فى بعض الترجمات (ويوقدها على المذبح). والفريسيون الذين يرون أن الرأس كانت لا تفصل من الطير يفسرون العبارة بأن المقصود بأن الكاهن يستعد لإجراء عمليات إيقاد المحرقة على المذبح، ولعل الرأى الأول أرجح.
ج – (ويعصر دمه على المذبح) فكان لا يستقبل فى الأوعية بل كان يعصر مباشرة على المذبح لقلة مقداره.
د – كان الكاهن بعد ذلك ينزع الحوصلة بفرثها أى بقايا الطعام التى بها، ويلقيها شرقى المذبح فى موضع الرماد كما مر ذلك فى شرح (ع11). وقد ترجمت كلمة (فرثها) أيضاً إلى (ريشها). وقد كان الكاهن فى الواقع ينزع الحوصلة ببقاياها، كما ينزع ريش الطير ويلقيه بالجميع شرقى المذبح. والمقصود (بالرماد) هنا البقايا المتخلفة من النار التى كانت ترفع من على المذبح.
هـ – كان الكاهن بعد ذلك يشق جسم الطير طولا من بين جناحيه إلى قسمين دون أن يفصلهما.
و  – ومن ثم كان يوقده على النار ليصعد دخانه وبخاره إلى الرب رائحة زكية.
أولا – كانت المحرقة ترمز إلى الرب يسوع من عدة نواح، ومن جهة الاعتبارات الآتية:
1 – نوعها :
أ  – فقد كانت محرقة تحرق كلها، حتى الأحشاء والأكارع والرأس، وكان هذا رمزاً إلى تكريس المسيح ذاته كلها، ومحبته كلها، محبته الإلهية، وروحه، وجسده، وأحشائه التى تعنى قلبه وعواطفه ، وفكره وسلوكه وسيره وعمله وتدبيره، تكريس كل هذا لإرادة الآب ولفداء البشر، ففى عمل الفداء الذى عمله على الصليب بل وفى كل خطوات حياته المقدسة على الأرض أعلن طاعته الكاملة لأبيه، وموافقة إرادته لإرادة الآب، فقد قال للسيدة العذراء والقديس يوسف النجار فى صباه: “ألم تعلما أنه ينبغى أن أكون فيما لأبى”(لو2: 49). وقال لتلاميذه “أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم… طعامى أن أعمل مشيئة الذى أرسلنى وأتمم عمله يو4: 32-34)، وأعلن أمام الشعب: (لأنى قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئة الذى أرسلنى (يو6: 38)، و(ينبغى أن أعمل أعمال الذى أرسلنى ما دام نهار، يأتى ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل”(يو9: 4)، وحتى فى صلاته فى البستان كان يقول (يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت”(مت26: 39)، وليس معنى كل هذا أن الابن كانت له إرادة غير إرادة الآب، ولكن معناه وحدة إرادتهما ومشيئتهما، وأن الابن فى تجسده، وحتى فى موته لم تكن له إرادة مغايرة لإرادة الآب.
ولقد كانت الطاعة والتكريس لتنفيذ مقاصد الله حتى الموت، وقد قال له المجد لتلميذه بطرس “اجعل سيفك فى الغمد، الكأس التى أعطانى الآب ألا أشربها؟”(يو18: 11)، وقد قال الرسول فى هذا “الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله، لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا فى شبه الناس، وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب” (فى2: 6-8). وكانت طاعة المسيح للآب موضوعا تنبأ عنه الأنبياء حيث يقول المرنم: “بذبيحة وتقدمة لم تسر. أذنى فتحت. وذبيحة خطية لم تطلب حينئذ قلت هأنذا جئت بدرج الكتاب مكتوب عنى أن أفعل مشيئتك يا إلهى سررت، وشريعتك فى وسط أحشائى”(مز40: 6-8) وقد علق الرسول على هذه النبوة معلنا أنها تشير إلى طاعة المسيح وتقديم ذاته لفداء البشر(عب10: 5).
ب – وبذل المحرقة بإحراقها على النار، كان يشير إلى بذل المسيح ذاته إلى التمام حتى قال عن نفسه “أنا هو الراعى الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف”(يو10: 11)، كما يذكرنا هذا أيضا بنار الغضب الإلهى التى جازها نيابة عن البشر، وإلى الآلام الشديدة التى احتملها لأجلهم.
ج – والمحرقة كانت (وقود رائحة سرور ورضى). وقد كان عمل المسيح العظيم، موضوع سرور متعدد النواحى، كان موضوع سرور الآب بطاعة الابن، وبفداء البشر وخلاصهم، كما كان موضوع سرور الابن بعمله الذى به أطاع الآب، وحقق محبة الله للإنسان، وسروره أيضاً بالخلاص العجيب الذى ناله الإنسان الذى كان من قبل تعسا مسكينا.
لقد سر الآب بعمل الابن، وقد أعلن ذلك بقوله تعالى من السماء فى حادث العماد، وفى حادث التجلى “هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت”(مت3: 17، 17: 5) وقد علق الرسول على مسرة الآب  قائلا: “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذى باركنا بكل بركة روحية فى السماويات فى المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه فى المحبة، إذ سبق فعيننا للتبنى بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته(أف1: 3-5).
وقد سر الابن بعمله لأنه قدم ذاته طائعا مختارا راضيا، ليس عن اضطرار، بل برضاه ومحبته ومسرته حتى لقد قال له المجد “ليس أحد يأخذها منى. بل أضعها أنا من ذاتى، لي سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها أيضا”(يو10: 17-18)، وقد أعلن الرسول هذه الحقيقة بقوله: (ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذى من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينا بالخزى فجلس فى يمين عرش الله”(عب12: 3).ولقد ذكر الرسول أيضا أن ذبيجة المسيح كانت بالفعل قربانا مقدسا قبله العدل الالهى كرائحة بخور زكية حيث يقول صريحا “واسلكوا فى المحبة كما أحبنا المسيح أيضا وأسلم نفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة” (اف5: 2).
وإذ سر الآب بطاعة ابنه وبعمله الكفارى، سر بالبشر أيضا، وقبلهم فى أحشائه لأجل ابنه الحبيب، بل أصبح لنا دالة لدى الآب، وقدوم إلى الله فى ابنه الذى أصبح نائبا عنا، وكلما أخطأنا لا نلجأ إلى تقديم الذبائح الدموية كما كان اليهود يفعلون، وإنما نعترف بخطايانا ونتوب عنها، ولنا ثقة تامة فى مفعولية دم المسيح، وفى حبيبنا الذى مات لأجلنا، بل نستطيع أن نحتج بموته عنا الذى به نلنا ونالت جميع شعوب الأرض “قدوما فى روح واحد إلى الآب” (اف2: 18).
د –  ولقد كانت المحرقة فى نفس الوقت “للرضى والتكفير”(ع3،4). وموت المسيح الذى قبله بسرور وبتمام الطاعة، كان فيه رضى الله على الذبيحة نفسها، وعلى البشر الذين ذبحت لأجلهم، وتكفير لخطاياهم وسيئاتهم.
2 – اختيار المحرقة:
كانت المحرقة تقدم من البقر أو الغنم، على أن تكون (ذكرا صحيحا)، وفى هذا رمز إلى الرب يسوع البار وحده، حمل الله الذى يرفع خطية العالم (يو1: 29)، والذى انفصل عن الخطاة (عب7: 26) أى امتاز عنهم ببره، والذى قيل عنه إنه “حمل بلا عيب ولا دنس”(1بط1: 19). ولقد كان كذلك فى الحمام واليمام اللذين رضى الله بهما ليكونا محرقة من أيدى الفقراء رمزا صادقا لبراءة المسيح ووداعته ونقاوة حياته.

3 – طقس تقديم المحرقة :

( أ ) إن تقديم صاحب المحرقة ذبيحته أمام بيت الرب للرضى عنه يشير إلى التدبير الأزلى لكلمة الله الحى فى تقديمه ذاته ذبيحة ورضى الآب بهذا التدبير الفائق.
(ب)    ووضع صاحب المحرقة يده عليها ليصبح وإياها واحدا ولتكون نائبة عنه، رمز جميل لاتحادنا فى المسيح بموته إذ هو صار لنا ونحن صرنا له ليحق بنا أن نتغنى مبتهجين: “أنا لحبيبى وحبيبى لى”(نش6: 3)، وفى هذا يتحقق قول القديس يوحنا الرسول “ونحن فى الحق فى ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية” (1يو5: 20).
(ج )   وفى ذبح الذبيحة صورة لموت ابن الله.
( د )   وفى سلخها وغسل بعض أجزائها صورة لإعلانه ذاته للبشر فى تجسده ولوضوح تدبيراته الإلهية لخلاص البشر وظهور السر الذى كان مكتوما فى الأزمنة الأزلية (رو16: 25)، وإعلان عن كشف أسراره لمحبيه الذين أعطوا أن يعرفوا أسرار ملكوت السموات (مت13: 11) وإلى نقاوة قلبه وأحشائه وحياته.
(هـ )   كما أن رش دم الذبائح يذكرنا بدم المخلص الصالح الذى سفك وبه نلنا الفداء وقد أصبح من مميزات عهد النعمة. وإليه يشير بولس الرسول قائلا “وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل” (عب12: 24)، كما يوضح بطرس الرسول أننا صرنا مختارين “بمقتضى علم الله الآب السابق فى تقديس الروح للطاعة ورش دم يسوع المسيح”(1بط1: 2).
ثانيا – وكما أن للمحرقات إشاراتها الرمزية فإن فيها أيضاً تعاليم روحية يجب على المؤمنين ألا يغفلوا عنها:
( أ ) فالمحرقة تذكر المؤمن بأن يكرس ذاته لله تكريسا تاما، يكرس روحه ونفسه وفكره وقلبه وجسده وحياته كلها لمجد الله، الرب قد بذل ذاته لأجلنا، واشترانا بحياته الغالية، فليس أقل من أن نحيا لمجده، لقد أطاع لأجل محبته لنا حتى الموت موت الصليب، ومن اللائق أن نحيا له حياة الطاعة والإذعان، قال الكتاب المقدس “قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله”(1كو6: 20) “و هو مات لأجل الجميع كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذى مات لأجلهم وقام” (2كو5: 15).
(ب)    إن المؤمن الذى يشعر بجلال عمل المسيح يجب أن يقدم ذاته ذبيحة على مذبح محبته. علينا أن نصلب الجسد مع الأهواء ونحفظ أنفسنا أطهارا، ولنبذل حياتنا فى رضاه وفى طاعته، وفى عبادته، “فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة، مرضية عند الله عبادتكم العقلية”(رو12: 1).
(ج) والرب فى محبته يقبل طاعتنا ومحبتنا وحياتنا النافعة الخادمة المثمرة، وأجسادنا الطاهرة المصلوبة عن أهوائها، ويقبل أيضاً خدماتنا وعطايانا السخية، يقبل هذه جميعها كمحرقات مقدسة “نسيم رائحة طيبة، ذبيحة مقبولة مرضية عند الله”(فى4: 18).

Leave a Comment