التاريخ الكنسي لسوزومين – الكتاب الثاني – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”التاريخ الكنسي لسوزومين – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس” field=name]

الكتاب الثانى: الفصل الأول

(اكتشاف الصليب المُحيِى والمسامير المقدسة)

 
(2/1/1) عندما انتهت أعمال نيقية كما ذُكِر عاليه، عاد الكهنة إلى أوطانهم. وابتهج الامبراطور للغاية بعودة الاتحاد فى الرأى إلى الكنيسة الجامعة، فرغب فى التعبير عن امتنانه، بالنيابة عن نفسه وعن أبنائه، وعن الامبراطورية، إلى الله الذى ألهم الأساقفة وحدانية الرأى وذلك بإقامة بيت للصلاة فى أورشليم بالقرب من المكان الذى يُدعَى الجلجثة. فرحلت هيلانه Helena الأم، فى نفس هذا الوقت، إلى المدينة لرفع صلاة هناك وزيارة المواضع المقدسة. وقد جعلتها غيرتها للمسيحية تهتم بالكشف عن الخشبة التى شكلت الصليب الممجد.
(2/1/2) ولكن لم يكن الكشف عن هذا الأثر أو عن قبر الرب، بالأمر الهيّن. لأن الوثنيين الذين اضطهدوا الكنيسة فى الأزمنة السابقة، والذين لجأوا فى بداية انتشار المسيحية إلى كل حيلة لمحوها، قد اخفوا تلك البقعة تحت كوم ضخم من التراب ورفعوا ما كان قبلا منخفضا، كما يظهر الآن. ولكى يخفوها على نحو أكثر، زينوا الموقع كله ورصفوه بالحجارة. وشيَّدوا أيضا معبدا لأفروديت وأقاموا تمثالا صغيرا لكى يبدو مَن يريد السجود للمسيح أنه يركع لأفروديت. وبذلك تُنسَى مع مرور الزمن، العلة الحقيقية لتقديم العبادة فى ذلك المكان، وأنهم كمسيحيين لن يجرأوا على التردد على هذا الموقع بدون خوف أو أن يشيروا به للآخرين. وصار المعبد والتمثال محل توقير شديد من قِبل الوثنيين.
(2/1/3) وبإختصار، أُكتُشِف المكان مع ذلك وأمكن صيانته بحماس. وقد ذكر البعض أن الحقائق الخاصة به قد أُعلِنت أولا من عبرانى سكن فى الشرق، وقد استقى معلوماته من مستندات وصلته من ميراث عائلى. ولكن ما هو أكثر اتساقا كما يبدو مع الحقيقة هو افتراض أن الله قد كشف الحقيقة بواسطة علامات واحلام، لأنه لا اظن أن المعلومات البشرية تكون مطلوبة عندما يفكر الله فى إعلانه الأمر.
(2/1/4) وبأمر من الامبراطور تم التنقيب فى المكان بعمق، وأُكتُشِفت المغارة التى قام منها الرب من بين الأموات. وعلى مسافة ليست بعيدة عنها عُثِر على ثلاثة صلبان، وعلى قطعة من خشب أخرى منفصلة منقوش عليها بحروف بيضاء عبرية ويونانية ولاتينية الكلمات التالية: يسوع الناصرى ملك اليهود. وهذه الكلمات كما تسجل الأناجيل المقدسة قد عُلِقَت بأمر من بيلاطس حاكم اليهودية فوق رأس يسوع. ومن ثمة ثارت صعوبة فرز الصليب المقدس عن الآخرين لأن القطعة المنقوشة نُزِعت منه وأُلقِيت بعيدا. والصليب ذاته طرح جانبا مع الآخرين بدون تمييز عندما أُنزِلت أجساد المصلوبين. لأنه طبقا للتاريخ وجد الجنود يسوع قد مات على الصليب فأنزلوه وسلموه للدفن، بينما لكى يعجّلوا بموت اللصيَن اللذين صُلِبا على جانبى يسوع، كسروا ساقيهما ثم قلعوا الصلبان وطرحوها بعيدا عن الطريق، ولم يكن يعنيهم أن يدَعوا الصلبان فى مكانها الأول لأن الوقت كان متأخرا، وبما أن الرجال كانوا قد ماتوا، لم يفكروا أن يبقوا لحظة لمعاينة الصلبان. وكان لابد من معلومات إلهية أكثر يتزود بها الانسان لمعرفة كيفية تمييز الصليب المقدس عن الآخرين.
(2/1/5) وهذا الإعلان تم كما يلى:
كانت هناك سيدة شريفة فى أورشليم تعانى من مرض خطير جدا لا شفاء له، فاصطحبها مكاريوس اسقف اورشليم على محفة، مع أم الإمبراطور ومرافقيها. وبعد الصلاة اشار مكاريوس إلى المشاهدين، أن الصليب المقدس سيكون ذاك الذى عندما يوضع عليها يزول منها المرض. فقدَّمها بدوره إلى كل مِن الصلبان. ولكن عندما وُضِع الاثنان عليها كان الأمر يبدو سخيفا لأنها كانت على أبواب الموت. ووُضِع الثالث بدوره عليها، ففتحت عينيها فجأة واستردت قوتها وقفزت فى الحال من فراشها. وقد قيل أن ميتا قد استرد الحياة بنفس الطريقة. وبهذا أمكن تمييز الصليب المُكرَّم.
(2/1/6) ووُضِع الجزء الأكبر منه داخل صندوق من الفضة مازال محفوظا فى أورشليم. وأرسلت الإمبراطورة جزءً منه إلى ابنها قنسطنطين مع المسامير التى سُمِّر بها جسد المسيح. ويُروَى عن ذلك أن الإمبراطور كان لديه غطاء رأس وأجراس لحصانه طبقا لنبوة زكريا الذى أشار إلى هذه الفترة عندما قال: أنه سيكون اجراس للخيول قُدسٌ للرب ضابط الكل([1]). هذه الأمور فى الحقيقة قد عرفها سابقا الأنبياء المقدسين وتنبأوا بها. وبإختصار عندما بدا لله أنه يجب اظهارها تأيدت بالعجائب.
(2/1/7) ولا يبدو ذلك مدهشا عندما نتذكر أنه حتى من بين الوثنيين اعترفت سيبل  Sibyl وتنبأت أن ذلك سيكون.[ حيث جاء بها ما يلى]: آه، ايتها الشجرة المُكرَّمة بالأكثر التى عُلِّق عليها ربنا، إن مقاومنا الغيور لن يقدر أن يُنكِر صدق هذه الحقيقة.
ومن ثمة من الثابت أن اعلانا سابقا قد حدث عن خشبة الصليب والإكرام التى تلاقيه.
(2/1/8) لقد روينا الأحداث عاليه بإختصار كما تسلمناها من أناس دقيقين للغاية، قد تلقوا المعلومات بالتسليم ابنا عن أبٍ، وأخرى مسجلة كتابة لمنفعة الأجيال([2]).

الكتاب الثانى: الفصل الثانى

(بشأن هيلانه أم الإمبراطور وزيارتها لأورشليم، وبنائها لهيكل هناك، وأعمالها التقوية الأخرى، ووفاتها)

(2/2/1) وفى نفس الفترة عزم الإمبراطور على إقامة هيكل تكريما للرب، فأمر الحُكام أن يتم العمل بأقصى ما يمكن من العظمة والتكلفة. فأقامت أمه هيلانه([3])، هيكلين: واحد فى بيت لحم بالقرب من المغارة التى وُلِد فيها المسيح، والثانى على منحدرات جبل الزيتون حيث أُخِذ من هناك إلى السماء.
(2/2/2) وتُظهِر أعمال كثيرة تقواها وتدينها من بينها ما يلى، والتى لا تقل اعتبارا، أنه اثناء اقامتها فى اورشليم، يُروَى أنها جمعت العذارى القديسات([4]) فى وليمة وقامت بخدمة العشاء وتقديم الطعام لهن، وسكبت المياه على أياديهن، وانجاز خدمات أخرى مماثلة معتادة لأولئك الذين ينتظرون ضيوفا. وعندما زارت مدن الشرق، مَنحَت هبات مناسبة للكنائس فى كل مدينة، وأغنت أولئك الذين جُرِّدوا من ممتلكاتهم، وزودت الفقراء بالضروريات بوفرة، وردت الحرية لأولئك الذين سُجِنوا طويلا، أو حُكِم عليهم بالنفى أو العمل فى المناجم. ويبدو لى أن هناك أعمالا مقدسة كثيرة تستحق المجازاة.
(2/2/3) وفى الحقيقة حتى فى هذه الحياة، قد ارتفعت إلى ذروة العظمة والفخامة، فقد دُعِيَت أوجاسطا([5]) Augusta. وطُبِعت صُورتها على العملات الذهبية، ووَهَب لها ابنها سلطة على الخزانة الإمبراطورية لتُعطِى حسبما تراه.
(2/2/4) وكانت وفاتها أيضا مجيدة إذ أنها عندما غادرت هذه الحياة عن عمر الثمانين، وتركت ابنها واحفادها (قياصرة مثلها) سادة العالم الرومانى. واذا كانت هناك أية ميزة لهذه الشهرة فإن النسيان لم يخفِها بوفاتها، وكانت الحياة الاتية عربون ذكراها الدائمة إذ دُعِيَت مدينتان بإسمها واحدة فى بثينيا، والأخرى فى فلسطين. هكذا كان تاريخ هيلانه.

الكتاب الثانى: الفصل الثالث

(هياكل تُبنَى بواسطة قنسطنطين الكبير. تأسيس مدينة بإسمه، وكنيسة رئيس الجنود ميخائيل فى سوثينيوم، والمعجزات التى جرت هناك).

(2/3/1) وكان الإمبراطور مصمما دائما على تقدم الديانة، فشيَّد لله أفخم المعابد فى كل مكان وبصفة خاصة فى المتروبوليات([6]) مثل نيقوميديا([7]) Nicomedia فى بثينية Bithynia، وأنطاكية على نهر أورنتس([8]) Orontes، وبيزنطة. وقد حسَّن الأخيرة بشدة وجعلها معادلة لروما فى القوة وفى السلطة لأنه بعدما سوَّى شؤون الإمبراطورية حسبْ ذهنه، وعالج الشؤن الخارجية بالحروب والمعاهدات، عزم على تأسيس مدينة تُدعَى بإسمه وتكون معادلة فى الكرامة لروما. وبهذا العزم لجأ إلى هضبة عند سفح تروى([9]) Troy بالقرب من هليسبونت([10]) Hellespont فوق مقبرة أجاكسAjax  حيث قيل أنها كانت المحطة البحرية للآخائيين Achaians، ومحلة لخيامهم عند محاصرتهم لطروادة. وهنا وضع خطة مدينة كبيرة وجميلة وبنى بوابات على بقعة مرتفعة من الأرض ما زالت تُشاهَد([11]) من البحر لأولئك البحارة [المارين] بها.
(2/3/2) ولكنه بينما هو يتقدم هكذا، ظهر له الله ليلا وأمره أن يختار موضعا آخر، فوصل مُقادا بيد الله إلى بيزنطة فى تراقيا([12]) Thrace وراء خلقيدون([13]) فى بيثنية([14]) bithynia، وهنا رغب فى بناء مدينته وأن يجعلها جديرة بإسم قنسطنطين. وطاعة لكلام الله، وسَّع لذلك المدينة التى كانت تُدعَى سابقا بيزنطة([15]) وأحاطها بأسوار عالية، وأقام بها أيضا منازل فخمة فى الأقاليم جنوبا. وإذ كان يعى أن السكان السابقين غير كافين لمدينة عظيمة كهذه، فقد أسكن فيها أناسا ذوى رتب بعائلاتهم من روما القديمة ومن الأقطار الأخرى. وفرض ضرائب لتغطية نفقات البناء وتزيين المدينة، وتزويد سكانها بالطعام، وإمداد المدينة بكافة المستلزمات الأخرى. وقد زينها بملاعب فسيحة لسباق الخيل hippodrome، وبالينابيع والأروقة، والمبانى الأخرى. ودعاها القنسطنطينية، روما الجديدة، وجعلها العاصمة الإمبراطورية لكل سكان الشمال والجنوب والشرق وشواطىء البحر المتوسط من مدن استر([16])Ister وابيدامنوس  Epidamnus وخليج ايجة  Ionian إلى القيراون([17])  Cyreneوذلك الجزء من ليبيا المدعو بوريوم Borium([18]). وشيَّد مجلسا آخر، دعوه سينات senate، ورسم أياما مكرَّمة وأيام احتفال مثل تلك المعتادة للرومان الآخرين، ولم يخفق فى أن يجعل المدينة التى تحمل اسمه، معادلة فى كل شىء لروما فى ايطاليا، ولا خابت رغباته، لأنه بمعونة الله قد صارت عظيمة فى السكان والثروة.
(2/3/3) واننى لا أعرف سببا لهذا التضخم غير العادى خلاف تقوى الذين شيدوها والذين سكنوها وشفقتهم وكرمهم للفقراء. إن الغيرة التى اظهروها للإيمان المسيحى كانت عظيمة جدا لدرجة أن كثيرين من السكان اليهود ومعظم اليونانيين قد اهتدوا. ولما كانت هذه المدينة قد صارت عاصمة الإمبراطورية خلال فترة الإزدهار الدينى، لذا لم تتدنس بمذابح ومعابد يونانية ولا بالذبائح. وعلى الرغم من أن يوليانوس([19])Julian قد سمح بدخول الوثنية لفسحة قصيرة من الزمن، إلا أنها سرعان ما انقرضت بعد ذلك.
(2/3/4) ثم شرَّف قنسطنطين هذه المدينة الوليدة للمسيح التى دعاها بإسمه أكثر من ذلك بتشييد بيوت صلاة فخمة وعديدة. وقد آزرتْ أيضا الألوهية روح الإمبراطور بإعلانات إلهية اقنعت الناس أن بيوت الصلاة فى هذه المدينة مُقدَّسة ومُخلِّصة. فحسب الرأى العام للمواطنين والأجانب كانت أكثر الكنائس جديرة بالاعتبار تلك التى بُنيت فى الموضع الذى كان يُدعَى سابقا هستيا Hestiæ. فهذا المكان الذى يُدعَى الآن ميخائليوم Michaelium، يقع إلى اليمين لأولئك الذين يُبحِرون من بونطس Pontus إلى القنسطنطينية وعلى مسافة خمسة وثلاثين استاديا([20]) stadia من المدينة الأخيرة بحرا. ولكنك إذا اتخذت دائرة الميناء فإن الرحلة عندئذ تستغرق سبعين استاديا فصاعدا.
(2/3/5) وقد حصل هذا المكان على الاسم الذى يحمله الآن لأنه يُعتقَد أن ميخائيل رئيس الملائكة قد ظهر ذات مرة هناك. وأنا أيضا أوكد أن هذا حقيقىٌ لأننى أنا نفسى تلقيتُ منافعا عظيمة وخبرة أعمال معاونة حقيقية، إلى جانب أدلة أخرى كثيرة تثبت أن البعض الذين سقطوا فى أخطار لا يمكن تجنبها أو انتكاسات مخيفة، وآخرون فى أمراض وآلام غير معروفة، وصَلَّوا هناك إلى الله، وجدوا تغيرا فى قدَرِهم.
(2/3/6) وإننى لفى حيرة إن كنتُ أعطى تفصيلا للظروف والأشخاص أم لا. ولكننى لا استطيع أن احذف حالة اكويلينوس Aquilinus الذى يُقيم فى الوقت الحالى معنا، وهو محام فى نفس بلاط العدالة الذى ننتمى إليه. اننى سأروى ما سمعته منه بخصوص هذا الحدث وما رأيته.
(2/3/7) فعندما هوجم بحمى شديدة انبعثت من المرارة الصفراء، اعطاه الأطباء شرابا غريبا كدواء فتقيأه وبفعل القىء انتشرت الصفراء على نحو غيَّرت محياه إلى اللون الأصفر. واضطر إلى أن يتقيأ كل طعامه وشرابه. وظل على هذه الحالة مدة طويلة. ولما كان غذاءه لا يبقى فيه فقد فشلت مهارة الأطباء فى [تخفيف] المعاناة. وإذ صار بين الحياة والموت أمر خادمه بأن يحمله إلى بيت الصلاة، إذ تأكد بشدة أنه هناك إما أن يموت وإما أن يتحرر من هذا المرض. وبينما كان هناك، ظهرت له قوة إلهية ليلا وأمرته أن يغمس قدمه فى مربى من العسل والنبيذ والفلفل. ففعل الرجل كذلك، فتحرر من شكواه، على الرغم من أن الوصفة كانت ضد القواعد المهنية للأطباء حيث أن مخلوطا من أشياء شديدة الحرارة كهذه هو ضد مرض الصفراء([21]).
(2/3/8) وقد سمعتُ أيضا أن بروبيانوس  Probianusأحد أطباء القصر كان يشكو بشدة من مرض فى القَدم قد نال بالمثل الخلاص من مرضه فى هذا الموضع، وحُسِب مستحقا أن يعاين رؤية إلهية عجيبة. فقد كان يلتصق فيما سبق بخرافات وثنية، ولكنه صار فيما بعد مسيحيا. وبينما كان يُسلِّم على نحو أو آخر ببقية عقائدنا، إلاَّ أنه لم يستطع أن يفهم كيف أنه بالصليب المقدس تم خلاص الجميع. وبينما كان ذهنه فى شك من جهة هذا الموضوع، إذا بعلامة الصليب الموضوع فوق المذبح بهذه الكنيسة تكشف له فى رؤية إلهية، وسمع صوتا بوضوح يعلن أنه عندما صُلِب المسيح على الصليب فإن إحتياجات الجنس البشرى أو الأفراد أيا كانت لا يمكن أن تفى بها خدمة ملائكة أو رجال أبرار وصالحين، لأنه ليست هناك قوة يمكنها أن تقوِّم بعيدا عن الصليب المكرَّم([22]).
(2/3/9) لقد سجلتُ فقط بضعة أحداث أعرف أنها قد حدثت فى هذا المعبد لأنه ليس هناك وقت لأرويها كلها.

الكتاب الثانى: الفصل الرابع

 (قنسطنطين وبلوطة ممرا)

(2/4/1) إننى اعتبر أنه من الضرورى أن أروى بالتفصيل اجراءات قنسطنطين بالنسبة لما يُدعَى بلوطة ممرا Mamre. فهذا المكان يُدعَى الآن تربنثوس Terebinthus وهو على مسافة حوالى خمسة عشر استاديا من حبرون([23]) Hebron التى تقع إلى الجنوب من أورشليم على مسافة 250 استاديا. فلقد قيل أنه هنا قد ظهر ابن الله لإبراهيم، مع ملاكين قد أرسلهما ضد سدوم وأعلن له ولادة ابنه.
(2/4/2) وهنا يجتمع سنويا، كل سكان البلد والأقاليم التى حول فلسطين، والفينيقيون والعرب، خلال موسم الصيف لإحتفال شهير. وكذلك يقيم هناك كثيرون آخرون، مشترون وبائعون لحساب شؤونهم.
(2/4/3) وفى الحقيقة هذا الاحتفال يتكرر بإجتهاد من قِبل جميع الأمم: اليهود لأنهم يفتخرون بأنهم من نسل أب الآباء ابراهيم. والوثنيون لأن الملائكة ظهروا هنا للبشر. والمسيحيون لأن مخلّص جنس البشر الذى وُلِد من عذراء فيما بعد قد أظهر ذاته لرجل تقى. وهذا المكان قد كُرَّم أكثر من ذلك لأنه مناسب للتداريب الدينية. فهنا يُصلى البعض الى رب الكل، ويدعو آخرون الملائكة ويسكبون نبيذا ويحرقون بخورا أو يقدمون ثورا، أو ذكر ماعز، أو خروفا، أو ديكا. وكل واحد يُقدِّم بعض منتجات عمله الجيدة، وبعد حصاد بعناية خلال كل العام، يُقدّمها حسب وعده كمادة للعيد، عن نفسه وعن تابعيه.
(2/4/4) وسواء أكان بسبب كرامة المكان أو خوفا من السخط الإلهى، فإن جميعهم يُحجِمون عن معاشرة زوجاتهم على الرغم من أنهن خلال هذا العيد يكونون أكثر جمالا وتزينا عن المعتاد. غير أنهن إذا حدث وظهرن واشتركن فى الموكب العام لا يسلكن على الاطلاق بخلاعة ولا يتصرفن بنجاسة فى أى شىء آخر، على الرغم من أن الخيام تكون متلاصقة لبعضها البعض، ويرقدون جميعا معا.
(2/4/5) والمكان بلد مفتوح وبلا منازل وصالح للزراعة، فيما عدا المبانى حول بلوطة ابراهيم القديمة والبئر الذى أعده. ولا يستقى أحد من البئر خلال العيد، لأنه حسب العادة الوثنية يضع البعض مصابيح موقدة بالقرب منه، والبعض يسكب نبيذا أو يطرح كعكا أو عملات معدنية، أو مرا أو بخورا. ومن ثمة فإننى أفترض أن المياه تكون بلا نفعٍ نتيجة للخليط الملقى فيها. ولما كانت هذه العادات تتم بواسطة الوثنيين بالمنوال السابق ذكره، وكانت حماة قنسطنطين حاضرة للصلاة هناك، فقد أعلَمت الإمبراطور بما يحدث.
(2/4/6) وعندما تَلَّقى هذه المعلومات وبخ أساقفة فلسطين بشدة لأنهم أهملوا واجباتهم وسمحوا لمكان مقدس أن يتدنس بذبائح وتقدمات نجسة، وعبَّر عن احساسه التقوى فى رسالة كتبها إلى مكاريوس اسقف اورشليم ويوسبيوس بامفيلوس([24]) وإلى اساقفة فلسطين. وأمر هؤلاء الاساقفة بعقد مؤتمر من اساقفة الفينيقيين بشأن هذا الموضوع، واصدار التوجيهات لإزالة المعبد من أساساته الذى كان قد شُيِّد سابقا، وتدمير التماثيل المنحوتة بالنار وإقامة كنيسة جديرة بمكان قديم ومقدس كهذا. وأخيرا أمر الإمبراطور بألا تُقدَّم ذبائح وتقدمات([25]) فى هذا المكان، ولكن يُكرَّس بالتمام لعبادة الله حصريا بحسب شريعة الكنيسة، وأن أية محاولة لاسترداد الطقوس القديمة([26]) فإن الاساقفة سيكونون مجرمين وسيخضعون لأشد العقوبات. واضطر الحُكام والكهنة إلى تنفيذ رسالة الإمبراطور.

الكتاب الثانى: الفصل الخامس

(قنسطنطين يُدمر الاماكن المخصصة للأوثان، ويحُث الشعب على المسيحية)

(2/5/1) ولما كانت أمم كثيرة ومدن كثيرة فى سائر العالم الخاضع له قد احتفظت بمشاعر خوف وتكريم نحو اصنامهم الباطلة، والتى قادتهم إلى الازدراء بعقائد المسيحية، والاهتمام بعاداتهم القديمة وسلوكيات وأعياد آبائهم، فقد تبين للامبراطور ضرورة أن يُعلِم الحُكام بقمع طقوس عباداتهم الخرافية. وظن أن ذلك سيكون سهلا إن هو ازدرى بمعابدهم والأصنام التى فيها.
(2/5/2) ولكى ما يُنفذ هذا المشروع لم يلجأ إلى الوسائل الحربية، وإنما جال رجال القصر المسيحيين من مدينة إلى مدينة حاملين رسائل من الإمبراطور، وحثوا الشعب على أن يُقلِعوا عن ذلك الخوف، وأنه إذا رفضوا هذه المراسيم فإنهم هم وأولادهم وزوجاتهم سيتعرضون للشر. فأَحضَر المنحرفون والكهنة [الوثنيون]، إذ [صاروا] غير مدعومين من الجمهور، كنوزهم الثمينة وأصنامهم التى تُدعى “ديوبيت” diobet. وبواسطة هؤلاء السَدنة، سُحِبت الهبات من المزارات ومن المخابىء الخفية فى المعابد. وصارت المواقع التى كانت سابقا لا يمكن الوصول إليها والمعروفة فقط للكهنة، سهلة الوصول إليها ومعروفة لكل مَن يرغب دخولها. وتطهرت بالنار التماثيل التى شُيِّدت من المعادن النفيسة أو أية مادة أخرى قيّمة وصارت مِلكية عامة. و حُمِلَت التماثيل النحاسية التى نُقِشَت بمهارة، إلى المدينة([27]) بإسم الإمبراطور، ووُضِعت هنا كمواد زينة، حيث ما زالت تُشَاهَد فى الأماكن العامة، كما فى الشوارع، والملاعب والقصُور. ومن بينها تمثال أبوللو الذى كان فى معبد بيثونس Pythoness للفينيقيين، وبالمِثل تمثال موسى من هليكون Helicon، والحوامل الثلاثية tripods من دلفوس Delphos، والحوض  Panالمكرَّم جدا الذى كانت المدن البوسونية Pausanias والليكوميدية Lacedæmonian واليونانية تُوقره بعد الحرب ضد الميديين  Medes.
(2/5/3) أما بالنسبة للمعابد فالبعض قُلِعت أبوابه، والآخر نُزِعت أسقفه والآخر أٌهمِل وتُرِك للسقوط فى الخراب والدمار أما معبد اسكلبيوس Æsculapius فى مدينة ايجة Ægis بكيليكيا Cilicia ومعبد فينوس  Venusفى آفاسا Aphaca بالقرب من لبنان ونهر آدونيسAdonis  فقد دُمِرا بالكامل. وكِلا المعبدين كانا مُكرَّمين بشدة من قِبل القدماء، فقد كان أهل ايجة يقولون أن المرضى منهم كانوا يُشفوَن من أمراضهم، لأن الشيطان كان يظهر ليلا ويشفيهم. وفى آفاسا كان يُعتقَد أنه بصلاة معينة فى يوم معين تنزل نار مثل نجم من قمة لبنان وتغرق فى النهر المجاور، ويؤكدون أن هذه هى اورانيا Urania، لأنهم يدعون افروديت بهذا الاسم.
(2/5/4) وقد نجحت مجهودات الإمبراطور لأقصى توقعاته، لأنه بالاستيلاء على مواد تبجيلهم طُرِح خوفهم الجسدى، وذُرَّ كالرفش وانقاد الشعب إلى الازدراء بما كانوا يبجلوه سابقا وإلى لوم وجهات نظر أسلافهم الخاطئة.
(2/5/5) وآخرون من باب الحسد للشرف الذى كان يحظى به المسيحيون من الإمبراطور، رأى البعض أنه من الضرورى أن يُقلدوا أعمال الحاكم، وآخرون كرَّسوا أنفسهم لفحص المسيحيين فرأوا بواسطة العلامات والأحلام أو بالمحاورات مع الاساقفة والرهبان، أنه من الأفضل أن يصيروا مسيحيين.
(2/5/6) ومن هذه الفترة هجرت الأمم والمواطنون تلقائيا معتقداتهم السابقة. وتحول فى ذلك الوقت ميناء غزة الذى يُدعى مايوما Majuma والذى كانت تُجرَى فيه احتفالات خرافية قديمة، بكل سكانه إلى المسيحية. ولكى يكافأهم الإمبراطور على تقواهم حسَبَهم أهلا لأقصى تكريم فجعل المكان مدينة، وهى حالة لم يتمتع بها أحد من قبلهم، ودعاها قنسطنطيا Constantia. وبهذا كرَّم الموقع بسبب تقواهم إذ وهبه اسم أعز ابنائه. وبنفس الطريقة القسطنطينة أيضا فى فينيقية من المعروف أنها نالت اسمها من الإمبراطور. لكن ليس من المناسب أن نسجل كل حالة من هذا النوع لأن مدنا كثيرة أخرى قد تحولت فى ذلك الوقت إلى الدين تلقائيا وبدون أى أمر من الإمبراطور، ودُمِرَّت المعابد والتماثيل وشُيِدَّت بيوت صلاة.

الكتاب الثانى: الفصل السادس

(سبب انتشار اسم المسيح فى سائر أرجاء العالم فى عهد قنسطنطين)

(2/6/1) وانتشرت الكنيسة بهذا النحو فى سائر أرجاء العالم الرومانى ودخل الدين حتى بين البرابرة أنفسهم. واعتنقت القبائل التى على ضفتى نهر الراين المسيحية، وبالمثل الكلت والغاليون([28]) الذين كانوا يقطنون النواحى القاصية على شاطىء المحيط. وأيضا القوط وتلك القبائل المجاورة لهم والتى كانت تقطن سابقا على شاطىء الدانوب([29]) قد اشتركت فى الايمان المسيحى وتحولت إلى ألطف واكثر عقلانية.
(2/6/2) وتقريبا معظم البرابرة اعتنقوا العقيدة المسيحية فى زمن الحرب بين الرومان والقبائل الأجنبية فى حكم جالينوس والأباطرة الذين تلوه. لأنه عندما انتقل خليط من الأمم لا يُعبَّر عنه من تراقيا إلى أسيا وما حولها، وفعل البرابرة نفس الشىء وأتوا إلى جوار الرومان، فإن كثيرين من كهنة المسيح الذين كانوا قد أُسِروا عاشوا بين هذه القبائل. وأثناء اقامتهم معهم، شفوا المرضى، وأخرجوا شياطين ممن كانت عليهم، بإسم المسيح فقط ودعائهم بإبن الله، وأكثر من ذلك عاشوا حياة بلا لوم، فأثاروا بفضائلهم غيرتهم. واندهش البرابرة من السلوك والأعمال العجيبة لهؤلاء الرجال، وفكَّروا أنه من الفطنة لهم ومدعاة لسرور الآلهة أن يُحاكوا هؤلاء الرجال الذين رأوا أنهم أفضل منهم، وأن يُقدِّموا مثلهم الإكرام لله. وعندما أخبرهم المُعلِمون بما يجب أن يفعلوه قبِلوا ما عرضوه عليهم وتعلموا وتعمدوا وانضموا بعد ذلك إلى الكنائس.

الكتاب الثانى: الفصل السابع

(كيف قبل الايبريون الايمان بالمسيح)

(2/7/1) وقد قيل أنه فى هذا العهد اعترف الايبريون([30]) Iberians بالمسيح وكانوا أمة بربرية كبيرة وميالة للحرب. وكانوا يسكنون فيما وراء ارمينيا. وذلك أن امرأة مسيحية كانت قد سُبيَت، قد حثتهم على رذل ديانة آبائهم. وكانت تقية وأمينة جدا ولم تتخل قط عن واجبات نظامها الدينى المعتاد وهى بين الأجانب من صوم وصلاة ليلا ونهارا وتسبيح لله يبهجها. واستعلم البرابرة عن دوافع مثابرتها فأجابتهم ببساطة أن ذلك ضرورى لعبادة ابن الله بهذه الطريقة. ولكن اسمه واسلوب عبادته بدا غريبا لهم.
(2/7/2) وحدث أن مرض ولدٌ ما من هذا البلد وكانت أمه تحمله من بيت إلى بيت بحسب عادة الايبريين، لعلها تجد مَن يقدر أن يشفيه من المرض وأن يعافيه من المعاناة. ولمَّا لم يقدر أى أحدٍ على شفائه، أحضرت الصبى إلى الأسيرة، فقالت لها بالنسبة للعلاج فليس لدىَّ معرفة ولا خبرة، ولا أُلّم بطريقة الدهن بالمراهم واللصقات، ولكننى كإمرأة فأنا أومن أن المسيح الذى أنا أعبده، الإله الحق والعظيم، قادرٌ أن يُخلِّص ابنك. وصلَّت فى الحال من أجله وحررَّته من المرض على الرغم من أنه كان من المعتقد أنه على شفا الموت.
(2/7/3) وبعد ذلك بقليل أُصيبت زوجة الحاكم بمرض غير قابل للشفاء وأوشكت على الموت، ولكنها أُنقِذت هى أيضا بنفس الطريقة. وهكذا علَّمت الأسيرة معرفة المسيح عن طريق تقديمه كشافى للأمراض، وكرب لحياة الامبراطورية ولجميع الأشياء.
(2/7/4) واقتنعت زوجة الحاكم بخبرتها الذاتية وصدَّقت كلام الأسيرة واعتنقت الديانة المسيحية وكرَّمت المرأة. واندهش الملك من سرعة الشفاء، فاستعلم من زوجته عن السبب وأمر أن تكافىء الأسيرة بالهبات. فقالت الزوجة الهبات بالنسبة لها ضئيلة جدا مهما كانت قيمتها، فهى تُقدِّم اقصى خدماتها لإلهها فقط. لذلك إن أردنا أن نكافأها أو رغبنا فى عمل ما هو صواب وآمِن، فلنعبد نحن أيضا الله الذى هو ضابط الكل ومُخلِّص، والذى بإرادته يُعطى الدوام للملوك، ويطرح الأعزاء ويجعل الأجلاء أدنياء، ويُنقذ الذين فى شدة. واستمرت الملكة تحاججه بهذا الأسلوب وأيضا تحترم دين آبائه.
(2/7/5) وبعد ذلك بقليل ذهب هو وحاشيته إلى الغابة فى رحلة صيد، وفجأة ثارت سحب كثيفة وهواء ثقيل شتتهم على نحو أخفى الناس والسماء وحل ظلام دامس وليل بهيم على الغابة. ولمَّا كان كل واحدٍ من الصيادين قد اهتم بنجاة نفسه فقد تناثروا فى اتجاهات مختلفة. وبينما كان الملك يجول منفردا على هذا النحو فكَّر فى المسيح كما يفعل الناس فى أوقات الخطر. فعزم على أنه إذا أنقذه من هذا الطارىء الحالى فإنه سيسير فى طريق الله ويعبده. وفى نفس الوقت الذى ثار فى ذهنه هذا الفكر انقشع الظلام وصار الهواء ساكنا وتغلغلت أشعة الشمس الغابة وخرج الملك بآمان.
(2/7/6) وأعلَم زوجته بما حدث له، واستدعى الأسيرة وأمرها أن تُعلِّمه بأى طريقة يعبد المسيح. وعندما أعطته كل ما يمكن لإمرأة أن تقوله وتفعله، استدعى كل تابعيه وأعلن لهم جهارا المراحم الإلهية التى تعطف بها عليه وعلى زوجته. وعلى الرغم من أنه لم يكن قد اعتمد بعد، أعلن لشعبه عقائد المسيح، وحثهم على اعتناق المسيحية. وإذ اقتنع الرجال بما قدَّمه الملك، والنساء بالملكة والأسيرة، شيدوا بأقصى حماس كنيسة بسرعة وبرضاء عام من كل الأمة.
وعندما كملت الجدران الخارجية أُحضِرَت الآلات لنصب الأعمدة وتثبيتها فى قواعدها. ويُروَى أنه بعد تنصيب العموديَن الأول والثانى جيدا بهذه الوسائل، وُجِدت صعوبة شديدة فى تنصيب الثالث وتثبيته فى قاعدته وذهبت القوة البدنية والفنية أدراج الرياح على الرغم من أن كثيرين كانوا حاضرين للمساعدة فى الشد.
(2/7/7) وعندما حلَّ الليل، كانت المرأة الأسيرة ما زالت موجودة بالموقع وظلت هناك طوال الليل تتشفع إلى الله كى يتم تنصيب الأعمدة بسهولة، خاصة وأن الجميع قد رحلوا يائسين من فشلهم لأن العمود كان مرفوعا إلى نصفه فقط وظل واقفا، وكان أحد طرفيه داخل الأساسات حيث من المستحيل تحريكه إلى اسفل. لقد كانت ارادة الله أنه بهذا، كما بالمعجزات السابقة، يتثبت ايمان الايبرييين أكثر بالألوهية.
(2/7/8) ففى الصباح الباكر عندما كانوا حاضرين فى الكنيسة عاينوا مشهدا عجيبا بدا لهم كحلم. فالعمود الذى كان بالأمس غير قابل للتحرك، منصوب اليوم ومرتفع قليلا فوق قاعدته. ونظر جميع الحاضرين إليه وهو ينزلق بهدوء وتلقائية وكان يتكيف كما بآلة فى قاعدته. وتم نصب باقى الأعمدة بسهولة، وأكمل الأيبريون البناء بأقصى حماس.
(2/7/9) وإذ بُنِيَت هكذا الكنيسة بسرعة أرسل الايبريون، بُناء على توصية الأسيرة، سفراء إلى الإمبراطور قنسطنطين يحملون عرضا بالتحالف معه والمعاهدة، ويطلبون إرسال كهنة إلى أمتهم. وعند وصولهم روى السفراء الأحداث التى حدثت وكيف عبدت الأمة كلها المسيح بأقصى عناية. وابتهج امبراطور الرومان بالسفارة، وبعد اجابة كل المطالب، صرف السفراء. وهكذا تلقى الايبريون معرفة المسيح، وهم يعبدونه إلى هذا اليوم بالتدقيق.

الكتاب الثانى: الفصل الثامن

(كيف اعتنق الأرمن والفُرس المسيحية)

(2/8/1) وصارت الديانة المسيحية بالتالى معروفة للقبائل المجاورة وانتشرت بدرجة كبيرة. وكما فهمتُ كان الأرمن أول من اعتنقوا المسيحية، فقد قيل أن تيريداتس Tiridates حاكم الأمة آنذاك قد صار مسيحيا بواسطة آية إلهية عجيبة قد أُجرِيَت فى بيته، فأصدر أوامرا لتابعيه عن طريق منادى بتبنى نفس الدين.
(2/8/2) وأظن أن بداية اهتداء الفُرس Persians كان بسبب علاقاتهم المتداخلة مع الأرمن والأوسرونيين Osroenians لأنه من المحتمل أن تداخلهم مع رجال أتقياء كهؤلاء جعلهم يختبرون فضائلهم.

الكتاب الثانى: الفصل التاسع

(سابور ملك فارس يضطهد المسيحين. استشهاد سيمون اسقف فارس وأوسانينوس الخصى).

(2/9/1) وعندما ازداد عدد المسيحيين بمرور الزمن وبدأوا فى تشييد الكنائس وتعيين كهنة وشمامسة، حنق المجوس عليهم بشدة، وقد كانوا قبيلة يهودية منذ البداية وعبر الأجيال، وكانوا يسلكون كحرس للديانة الفارسية. وقام ضدهم أيضا اليهود الذين كانوا بالطبيعة مقاومين للديانة المسيحية. ولذلك رفعوا إلى سابور([31])Sapor حاكم البلد، شكاوى ضد سيمون Symeon الذى كان آنذاك رئيس اساقفة سلوقية Seleucia واستسيفون Ctesiphon، وهى المدن الملكية لفارس، واتهموه أنه صديق لقيصر الرومان، وأنه يخبره بأمور الفارسيين.
(2/9/2) وصدَّق سابور هذه الاتهامات فأثقل المسيحيين فى البداية بضرائب مُفرطة([32]) على الرغم من أنه كان يُعرَف أنهم فى غالبيتهم كانوا قد تبنوا الفقر الاختيارى، وعهد بالتنفيذ إلى رجال قساة على أمل أنهم تحت ضغط الحاجة وقسوة المُحصلين يضطرون إلى رذل ديانتهم لأن هذا كان هدفه([33]). ومع ذلك، أمر فيما بعد بقتل الكهنة، وقادة عبادة الله بالسيف. فخُرِّبت الكنائس وحُمِلت أوانيها إلى الخزانة وقُبِض على سيمون كخائن للمَلَكية ولديانة الفُرس.
(2/9/3) هكذا دمَّر المجوس بالتعاون مع اليهود بيوت الصلاة. وقُيِّد سيمون بالسلاسل وأُحضِر إلى الملك. وهناك أظهر الرجل شجاعته وتميزه لأنه عندما أمر سابور أن يُقاد إلى التعذيب لم يخف ولا طرح نفسه. فنقم سابور بشدة وسأل لماذا لم يطرح نفسه كما فعل سابقا. فأجاب سيمون: فى السابق لم أُقيَّد من أجل أن أرذِل حق الله، ولذلك لم اعترض على تقديم التحية المعتاد للمَلَكية، ولكن الآن ليس من الملائم لى عمل ذلك لأننى أقف هنا للدفاع عن الألوهية وعن ايماننا.
(2/9/4) وعندما كفّ عن الكلام أمره الملك أن يعبد الشمس ووعده كحافز له أن يُغدِق عليه بالهبات ويُنعِم عليه بالشرف. ولكنه من ناحية أخرى هدده فى حالة عدم الخضوع بدماره هو والمسيحين.
(2/9/5) وعندما وجد المَلك أنه لم يخيفه بالخسة ولم يربحه بالوعود وأنَّ سيمون قد ظل ثابتا، ورفض عبادة الشمس أو أن يخون ديانته، أمر بأن يوضَع فى الأغلال لبعض الوقت متخيلا أنه من المحتمل أن يغيّر رأيه.
(2/9/6) وعندما أُقتِيد سيمون إلى السجن تصادف أن كان اوثازانس Usthazanes وهو خصى عجوز كان مربيا لسابور ومشرِفا على القصر، كان جالسا عند بوابة القصر، فنهض لتقديم واجب الاحترام له. فأنبَّه سيمون بصوت عال ومنعه، وحوَّل نظره عنه وتركه ومضى. لأن الخصى كان قبلا مسيحيا ولكنه استسلم حاليا للسلطة وعبد الشمس.
(2/9/7) وقد أثر هذا السلوك على الخصى حتى أنه بكى بصوت عالٍ وطرح عنه الرداء الأبيض وارتدى رداءً اسود للحداد([34])، وجلس قبالة القصر يصرخ ويولول قائلا: الويل لى لماذا وجب علىَّ أن أعيش منذ أنكرتُ الله، حتى أن سيمون صديقى الأليف سابقا لا يفكر فى الكلام إلىَّ بل ينصرف مُسرِعا مبتعدا عنى.
(2/9/8) وعندما سمع سابور بما قد حدث استدعى الخصى، واستعلم منه عن سبب حزنه، وسأله عما إذا كانت أية مصيبة قد حلَّت بأسرته. فأجاب اوثازانس وقال: أيها الملك ليس هناك شىء حدث لعائلتى ولكننى كنتُ أود أن أقاسى أية بلوى أيا كانت عما حلَّ بى، فلقد كان من الأسهل لى أن أتحملها. فأنا حزين الآن لأننى ما زالتُ حيا وكان ينبغى أن أموت منذ زمن طويل مضى. ولكننى ما زالتُ أرى الشمس التى أعبدها ليس باختيارى ولكن لأرضيك. ولذلك من العدل من جميع النواحى أن أموت لأننى كنتُ خائنا للمسيح ومخادعا لك. وأقسَم عندئذ بخالق السماء والأرض أنه لن يحيد قط عن ايمانه.
(2/9/9) واندهش سابور من هذا التحول العجيب للخصى، وازداد حنقا على المسيحيين، كما لو كانوا قد أجروا هذه الأمور. وظل مبقيا على العجوز مجاهدا بكل قواه، بلطف وبشدة لكى يعيده إلى مشاعره القديمة. ولكنه وجد أن جهوده عديمة الجدوى، وأن اوثازانس مُصرّا على إعلان أنه من الغباء الشديد أن يعبد المخلوق دون الخالق، فإلتهب غيظا وأمر بقطع رأس الخصى بالسيف.
(2/9/10) وعندما تقدَّم المنفذون للقيام بمهمتهم طلب اوثازانس منهم أن ينتظروا قليلا ريثما يوّصل شيئا ما للملك. واستدعى أحد أخصائه من الخصيان وأمره أن يقول لسابور: منذ شبابى وحتى الآن وأنا أخدم بيتك أيها الملك بكل اجتهاد لأبيك ولكَ، ولستُ محتاجا إلى أى شهود لإثبات كلامى فهذه الحقائق راسخة جيدا. فقد خدمتك بسرور فى سائر الأمور وإختلاف الأوقات فهبنى هذه المكافأة حتى لا يتخيل أحد ممن يجهلون هذه الظروف أننى قد أُعدِمتُ بسبب عدم أمانتى للمملكة أو لارتكابى أية جريمة. ولكن ليُعلَن بواسطة منادى ويُنشَر أن اوثازانس قد فقد رأسه ليس بسبب جريمة اقترفها ولكن لكونه مسيحيا ورفض أن يطيع المَلك ويُنكر إلهه.
(2/9/11) وسلَّم الخصى هذه الرسالة لسابور الذى بناء على طلب اوثازانس أمر مناديا أن يُذيع هذه الرغبة متخيلا أن الآخرين سيُحجِمون عن اعتناق المسيحية عندما يتفكرون فى أن الذى قتل مربيه المسن وخادم أهل بيته الموقر سوف لا يرحم بكل تأكيد أى مسيحى آخر.
(2/9/12) ومع ذلك، آمن اوثازانس أنه بقبوله عبادة الشمس برضائه قد سبب الخوف لمسيحيين كثيرين، والآن أيضا بهذا الاعلان الجاد عن سبب معاناته سيتهذب كثيرون عندما يعلمون أنه قد مات من أجل الدين وبذلك يحاكون قدره.

الكتاب الثانى: الفصل العاشر

(قتل سابور للمسيحيين فى بلاد فارس)

(2/10/1) وبهذا النحو انتهت حياة اوثازانس المكرَّمة. وعندما وصل الخبر إلى سيمون فى السجن قدَّم الشكر لله من أجله. وفى اليوم التالى الذى تصادف أن كان اليوم السادس من الاسبوع، والذى كان بالمثل اليوم السابق مباشرة للإحتفال بعيد القيامة، وهو الذكرى السنوية للإٌحتفال بآلام مُخلِّصنا، أصدر الملك أمرا بقطع رأس سيمون، إذ قد أُحضِر من السجن إلى القصر وناقشه سابور بأكثر نبل فى مسألة العقيدة. فأعلن بثبات أنه لن يعبد لا الملك ولا الشمس.
(2/10/2) فأصدر أمرا بقتل مائة سجين آخرين معه فى نفس الوقت. وقد عاين سيمون إعدامهم، ثم قٌتِل هو آخر الكل. وكان من بين هؤلاء الضحايا اساقفة وكهنة واكليريكين من رتب مختلفة. وبينما كانوا مقادين إلى الموت كان رئيس المجوس يوبخهم ويطلب منهم ما إذا كانوا يحافظون على حياتهم بالتأكيد على ديانة المَلك وعبادة الشمس. وإذ لم يخضع أى منهم لهذا الشرط اقتيدوا إلى موضع الإعدام وقام المنفذون بمهمة ذبح هؤلاء الشهداء.
(2/10/3) ووقف سيمون بين هؤلاء العتيدين أن يُذبَحوا، يشجعهم على الثبات محدثا إياهم عن الموت والقيامة والتقوى، مُظهِرا لهم من الأسفار المقدسة أن موتا مثل موتهم إنما هو الحياة الحقيقية؛ بينما الحياة مع إنكار لله من الخوف هو الموت الحقيقى. وقال لهم أيضا أنه حتى إذا لم يذبحهم أىُ أحدٍ فإن الموت سيدركهم لا محالة لأن موتنا عاقبة طبيعية لميلادنا. أما الأمور التى تلى هذه الحياة فهى دائمة ولا تحدث لسائر البشر، ولكنها بمقياس ما يجب أن يُعطَى [عنها] حساب دقيق هنا فى هذه الحياة. فمن صنع احسانا سينال مكافأة أبدية، وسيهرب من العقاب الذى سيحل على مَن فعل العكس. وقال لهم بالمثل أن أعظم  وأسعد الأعمال هو الموت من أجل الله.
(2/10/4) وبينما كان سيمون يشجع مثل هؤلاء الرجال، كان يعرض لهم، كمدبر لأهل بيت، الأسلوب الذى سيصادفوه فى هذا النزال. واستمع إليه كل واحد ومضى بحمية إلى الذبح. وبعد أن نفذ الجلادون الحكم فى المائة، ذُبِح سيمون نفسه([35]) وأبديكالاس وآنانياس كاهنين مسنين من كنيسته واللذين كانا رفقاء سجنه ويعانيان معه.

الكتاب الثانى: الفصل الحادى عشر

(استشهاد بوسيكس مشرف فنانى المَلك)

(2/11/1) وكان بوسيكس Pusices مشرف فنانى المَلك حاضرا هذا الاعدام وإذ لاحظ ارتعاد انانياس  Ananniasمن الاعدادات الضرورية لموته، قال له: أيها الشيخ اغلق عينيك للحظة قصيرة وتشجع لأنك سرعان ما سترى نور المسيح.
(2/11/2) وما أن نطق بهذه الكلمات حتى قُبِض عليه واُقتِيد إلى المَلك، وهناك أعلن جهارا أنه مسيحى وتحدث بكل حرية أمام المَلك عن معتقده وعن الشهيد. فأُدِين بموت غير عادى وأكثر قسوة لأنه لم يكن مسموحا بالحديث إلى المَلك بمثل هذه الجرأة، إذ طعن الجلادون عضلات رقبته على نحو يقلعون به لسانه.
(2/11/3) وبناء على دعوة البعض، قُبِض على ابنته التى كانت قد كرست نفسها لحياة البتولية المقدسة وذُبِحت فى نفس الوقت.
(2/11/4) وفى السنة التالية فى نفس الاحتفال بذكرى آلام المسيح، وبينما كانت الترتيبات تُعَّد للاحتفال بذكرى قيامته من بين الأموات، أصدر سابور مرسوما أكثر قسوة يأمر بقتل جميع مَن يعترف أنه مسيحى فى سائر أرجاء فارس. ويُقال أن عددا أكبر من المسيحيين قد قُتِلوا بالسيف إذ سعى المجوس بإجتهاد فى المدن والقرى بحثا عن أولئك الذين أخفوا انفسهم. وسلَّم كثيرون أنفسهم طواعية لئلا يظهروا بصمتهم أنهم أنكروا المسيح.
(2/11/5) ومن بين المسيحيين الذين قُتِلوا هكذا، كثيرون ممن كانوا بالقصر ومنهم ازادس Azades الخصى الذى كان محبوبا على وجه خاص من الملك. وعند سماع موته غلب الحزن على سابور ووضع حدا لقتل عامة المسيحيين وأمر بقتل مُعلِّمى الدين وحدهم.

الكتاب الثانى: الفصل الثانى عشر

(استشهاد طاربولا أخت سيمون)

(2/12/1) وفى نفس الفترة اعترى المَلكة مرض وكانت طاربولا Tarbula أخت سيمون الاسقف عذراء مقدسة، قد قُبِض عليها هى وخادمتها التى كانت تشاركها نفس نمط الحياة، وأيضا على أخت طاربولا التى رفضت الزواج بعد موت زوجها وتبنت نفس الطريق.
(2/12/2) وكان سبب القبض عليهن، دعوى من اليهود الذين زعموا أنهن قد أضروا الملكة بسحرهما انتقاما لموت سيمون، وصدَّقت الملكة كشخص عليل بسهولة هذه التهمة الكريهة وخاصة أنها كانت مثارة من اليهود إذ كانت تعتنق مفاهيمهم، وتحافظ على الطقوس اليهودية، وكانت لها ثقة كبيرة فى صدقهم وإلتصاقهم بها.
(2/12/3) وقبض المجوس على طاربولا ورفيقاتها وأمروا بإعدامهن وبعد أن رأوا قتلهن، ربطوهن فى قوائم وجعلوا الملكة تجتاز بين هذه القوائم كوسيلة لدرء المرض. وقيل أن طاربولا هذه كانت جميلة ورشيقة القوام، وأن أحد المجوس قد هام بها بشدة فأرسل اليها سرا يعرض عليها المعاشرة ويعدها بالحفاظ عليها وعلى رفيقاتها إن وافقت([36]). ولكنها لم تُصغِ إليه وعاملت المجوسى بإحتقار، وأنبته على شهوته، مفضلة الموت بشجاعة عن خيانة عذراويتها.
(2/12/4) ولما كان مرسوم سابور هذا الذى قد ذكرناه يقضى بعدم قتل المسيحيين بدون تمييز وإنما الكهنة ومُعلِّمى العقيدة، فإن المجوس ورؤساء المجوس اجتازوا بهمة سائر بلاد فارس يسيئون معاملة الاساقفة والكهنة ويبحثون عنهم، وبصفة خاصة فى بلاد اديابين Adiabene وهى جزء من سيادة فارس لأنها كانت مسيحية بالكامل.

الكتاب الثانى: الفصل الثالث عشر

(استشهاد القديس آسبسيماس ورفقائه)

(2/13/1) وفى حوالى هذه الفترة قُبِض على آسبسيماس  Acepsimasالاسقف واكليروس كثيرين. وبعد أن تشاوروا معا، اقنعوا أنفسهم([37]) بإصطياد قائدهم فقط، فأطلقوا الباقين بعد أن جرّدوهم من ممتلكاتهم.
(2/13/2) ومع ذلك تبع جيمس الذى كان أحد الكهنة اسبسيماس طواعية وحصل من المجوس على تصريح بمشاركته فى سجنه. وخدم الشيخ بغيرة، وأنار له قدَره السىء بأقصى ما يمكن وضمد جروحه. وبعد احتجازه ليس بوقت طويل عذبه المجوس بقسوة بسياط خام ليجبروه على عبادة الشمس. ولما أصر على رفضه أعادوه إلى الأغلال, وأودِع اثنان من الكهنة  يدعوان أثالاس  Aithalasوجيمس وشماسان يُدعَوان آبدى إيسوس([38])  Abdiesus,وآزادانس Azadanes السجن بعد جلدهم بأقسى قسوة من قِبل المجوس بسبب معتقداتهم.
(2/13/3) وبعد أن انقضى زمن طويل أبلغ رئيس المجوس المَلك بالحقائق الخاصة بهم ليعاقبوا وإذ حصل من الملك على تصريح بأن يفعل بهم كما يُحِب ما لم يقبلوا عبادة الشمس طواعية، فقد أعلن هذا القرار للسجناء.
(2/13/4) فأجابوا بوضوح تام أنهم لن يخونوا قط المسيح ولن يعبدوا الشمس، فعذبهم بشدة. وثابر اسبسيماس برجولة على اعترافه بإيمانه، إلى أن وضع الموت نهاية لعذاباته. فحمل بعض الأرمن الذين كان الفُرس يحتجزونهم كرهائن جسده سرا ودفنوه. أما السجناء الآخرين، فعلى الرغم من أنهم قد جُلِدوا أقل فقد ظلوا أحياء بمعجزة ولم يغيّروا موقفهم فأعيدوا إلى الأغلال.
(2/13/5) ومن بين هؤلاء أثيلاس الذى مُدِّد أثناء ضربه وقُطِعت ذراعيه من الأكتاف بسخط شديد فحمل ذراعيه كميت وزحف ببطء لدرجة أن الآخرين كانوا يضعون الطعام فى فمه. وفى ظل هذا الحكم أنهت جمهرة لا تحصى من الكهنة والشمامسة والرهبان والعذارى القديسات وآخرون من خدم الكنيسة والذين تخصصوا فى عقيدتها حياتهم بالاستشهاد.
(2/13/6) وفيما يلى أسماء الاساقفة على قدر ما أمكننى من التأكد: بارباسيمس، بولس، جاديابس، سابينوس، ماريس Mareas، موسيوس، جون، هورميسيداس، باباس، جيمس، روماس، ماريس Maares ([39])، آجاس، بوشرس، ابداس، ابدايسوس، ابرامنس، جون، اجديلاس، سابورس، اسحق، دوساس، وقد سُجن الأخير بواسطة الفُرس وأُحضِر من مكان يُدعى زبديوس، ومات فى حوالى هذا الوقت دفاعا عن العقيدة، وماريابيدس الخورى ابسكوبس، وحوالى مائتين وخمسين من كهنته كانوا قد أُسِروا أيضا بواسطة الفُرس، وقد استشهدوا معه.

الكتاب الثانى: الفصل الرابع عشر

(استشهاد الأسقف ميلس ومشيره وستة عشر ألفا من الرجال المتميزين فى عهد سابور)

(2/14/1) وفى حوالى هذه الفترة أُستشهد ميلس Milles. وهذا كان يخدم الفُرس أساسا فى القوات المسلحة لكنه فيما بعد هجر هذه المهنة لكى ما يعتنق هذا النمط من الحياة. وقد رُوِى أنه سيم اسقفا على مدينة فارسية وقاسى شدائد كثيرة واحتمل جراحا وسحلا، وأنه إذ فشلت مجهوداته فى تحويل السكان إلى المسيحية لعن المدينة ورحل.
(2/14/2) وبعد ذلك ليس بوقت طويل قاوم بعض رؤساء المدينة المَلك، فأرسل جيشا بثلاثمائة فيلا ضدهم وخُرِّبت المدينة تماما وحُرِثت أرضها وزُرِعت. وأخذ ميلس معه حافظته فقط التى بها الكتاب المقدس للأناجيل ورحل إلى أورشليم للصلاة، ومن هناك توجه إلى مصر ليعاين الرهبان. أما الأعمال العجيبة وغير العادية التى سمعنا أنه قد تممها هناك فهى مسجلة من السريان الذين كتبوا وصفا لحياته وأعماله.
(2/14/3) ومن جانبى أظن أننى قد قلتُ ما يكفى عنه وعن الشهداء الأخرين الذين عانوا فى بلاد فارس فى عهد المَلك سابور، أذ أنه من العسير أن نروى بالتفصيل كل الظروف الخاصة بهم مثل أسماءهم وبلادهم واسلوب استشهادهم بالكامل، وطرق تعذيبهم التى خضعوا لها لأنها عديدة، لأن مثل هذه الطرق قد أجراها الفُرس بقسوة مفرطة.
(2/14/4) وسأذكر بإختصار عدد الرجال والنساء الذين استشهدوا وتأكدت أسماءهم فى هذه الفترة إذ بلغوا ستة عشر ألفا، بينما الجمهرة الأخرى خلاف هذه الأسماء لا تُحصَى. وفى هذا الصدد إحصاء اسماءهم يكون من العسير بالنسبة للفرس والسوريين ولسكان إديسا الذين بذلوا أقصى إهتمام بهذا الأمر([40]).

الكتاب الثانى: الفصل الخامس عشر

(قنسطنطين يكتب إلى سابور ليكف عن اضطهاد المسيحيين)

(2/15/1) وكان قنسطنطين الإمبراطور الرومانى غاضبا وأساءه سماع المعاناة التى يتعرض لها المسيحيون فى فارس. ورغب بشدة فى مد يد العون لهم، ولكنه لم يعرف بأية وسيلة يتمم ذلك.
(2/15/2) وفى حوالى هذا الوقت أتى سفراء من المَلك الفارسى إلى بلاطه، وبعدما منحهم ما طلبوه رأى أنها فرصة مواتية ليخاطب سابور بشأن المسيحين فى فارس.
(2/15/3) فكتب إليه مقرا أنه سيكون أمرا مرغوبا فيه للغاية وعظيما إن هو تعامل بإنسانية مع أولئك المعجبين بتعاليم المسيحيين الذين تحت سيادته. وقال ليس شىء فى ديانتهم يستوجب التعنيف فهم يرفعون التضرعات بصلوات غير دموية فقط إلى الله الذى يسر لا بسفك الدماء ولكن فقط بنفس نقية مكرَّسة للفضيلة والتقوى لدرجة أن هؤلاء المؤمنين بهذه الأمور يستحقون عليها المديح. وأكد الامبراطور عندئذ لسابور أن الله سيكون كريما معه إن هو عامل المسيحيين بلطف. وقدَّم له مثال فالريان Valerian، وشخصه هو كبرهان على ذلك.
(2/15/4) فهو شخصيا، بالإيمان بالمسيح وبمعونة الوحى الإلهى، جاء من شواطىء المحيط الغربى وأخضع العالم بأسره، وأنهى حروبا كثيرة ضد الأجانب والطغاة ولكنه لم يلجأ قط إلى ذبائح([41]) أو كهانة([42]) بل بعلامة الصليب على مقدمة جيوشه الخاصة والصلاة الخالية من الدم والنجاسة. وكان عهد فالريان عهدَ رخاء طالما أحجم عن اضطهاد الكنيسة، ولكنه فيما بعد عندما اضطهد الكنيسة، أُسلِم للإنتقام الإلهى على يد الفُرس، فأماتوه موتا قاسيا.
(2/15/5) على هذا النحو كتب قنسطنيطن الى سابور حاثا له على حسن التصرف مع هذا الدين إذ أن الامبراطور كان يعتنى بشدة بشؤون المسيحين فى كل اقليم سواء أكان رومانيا أو أجنبيا.

الكتاب الثانى: الفصل السادس عشر

(عودة يوسيبيوس وثيوجينس اللذين امتنعا عن التصويت فى مجمع نيقية، الي كراسيهما)

(2/16/1) وعقب مجمع نيقية ليس بوقت طويل أُعيد أريوس من منفاه. ولكن بدون الغاء حظر دخوله الاسكندرية. وسنروى فى المكان المناسب كيف جاهد للحصول على تصريح بالعودة الى مصر. واسترد، بعد ذلك ليس بوقت طويل، يوسيبيوس اسقف نيقوميديا، وثيوجنيس Theognis اسقف نيقية ممتلكات كنائسهما بعد خلع امفيون  Amphionوكريستوس  Chrestosاللذين سيما محلهما. وهما مدينان بعودتهما للوثيقة التى قدَّماها للأساقفة والتى تحتوى على نكوصهما كما يلى:
(2/16/2)   [نوكوص يوسيبيوس النيقوميدى، وثيوجنيس]
“على الرغم من أننا قد أُدِنا بدون محاكمة من تقواكم إذ اعتبرنا أنه من المناسب أن نلوذ بالصمت بشأن الحُكم الذى أصدرتموه. فإنه لمَّا كان من السخف أن نظل صامتين مدة أطول، إذ سيُعتبَر صمتنا دليلا على صحة الافتراءات، فإننا نُعلن الآن لكم أننا نحن أيضا نوافق على هذا الايمان. فبعد تمحيص جاد للفكر [الخاص] بكلمة “مساوى فى الجوهر” consubstantial [نُعلِن] أننا مصممون تماما على حفظ السلام، وأننا لم نشايع قط أية هرطقة. ومن أجل إقامة السلام للكنائس مثلما حدث لنا، وعن اقتناع تام منا، واقتناع تام من قِبل أولئك الذين سيقتنعون بواسطتنا فأننا نوّقع على قانون الايمان. ولكننا لم نوّقع على الحرومات لا لأننا نطعن فى قانون الايمان، ولكن لأننا لم نقتنع بالتهم الموَّجهة للمتهم المقدَّمة لنا. فالرسائل التى استلمناها منه والحجج التى قدَّمها فى حضورنا تقنعنا تماما بأنه لم يكن ذلك الشخص. واننا لنرجو أن يقتنع المجمع المقدس بأننا لا نميل الى الاعتراض، ولكننا نتفق معا فى النقاط التى تم تعريفها بدقة من قِبلكم. وبهذه الوثيقة نؤكد موافقتنا. وهذا ليس لأننا نخشى النفى، ولكن لأننا نبغى تحاشى شبهة الهرطقة، لأنكم اذا تنازلتم بقبولنا الآن فى حضرتكم فإنكم ستجدوننا متفقين فى جميع النقاط مثلكم وطائعين لقرارتكم وعندئذ سيكون الأمر جيدا لتقواكم بأن ترحموا ذاك الذى أُتُهِم بهذه النقاط وتعيدوه. وإذ قد أُعيد ذلك الطرف حبا فى العدالة ودافع عن نفسه من التهمة المثارة فإنه من السخف أن نعزز بصمتنا أخبار الافتراء الذى نُشِر ضدنا.
لذا نرجوكم اذن، كما يليق لتقواكم يا أحباء المسيح أن تذكروا الامبراطور المحب لله وتسلموه التماسنا. وتتشاوروا سريعا فيما هو موافق لكم بشأننا”.
وبهذه الوسيلة عاد يوسيبيوس وثيوجنيس، بعد أن غيَّرا من أقوالهما، الى كنائسهما.

الكتاب الثانى : الفصل السابع عشر

(موت الكسندروس اسقف الاسكندرية، واعتلاء اثناسيوس بناء على توصيته لكرسى الاسكندرية)

(2/17/1) وفى نحو هذا الوقت عندما كان الكسندروس اسقف الاسكندرية على وشك الرحيل عن هذه الحياة، ترك اثناسيوس كخليفة له بالاتفاق مع الإرادة الإلهية التى صوتت له. وأنا مقتنع بذلك([43]).
(2/17/2) ويقال أن اثناسيوس قد فكر فى البداية فى تجنب هذه الكرامة بالهروب، ولكنه فيما بعد أذعن بدون ارادته لالكسندروس وقبل الأسقفية. وهذا شهد به ابوليناريوس Apolinarius السوريانى([44]) بالعبارة التالية: وفى كل هذه الأمور ثارت القلاقل من الأنجاس، ولكن آثارها الأولى شعر بها المُعلِّم المُبارَك لهذا الانسان الذى كان مساعدا له كيَدِه وسلك كإبن لأبيه.
(2/17/3) وفيما بعد حاز هذا الرجل القديس على نفس الخبرة لأنه عندما تعين للخلافة الأسقفية أسرع للهرب من الكرامة، ولكنه كُشِف فى مخبأه بمعونة الله الذى سبق وأعلن بإعلان إلهى لسلفه المبارك بأن الخلافة ستحل عليه. لأنه عندما كان الكسندروس على شفا الموت نادى على اثناسيوس الذى كان غائبا آنذاك.
(2/17/4) وكان هناك شخص له نفس الاسم حاضرا، فعندما سمع هذا النداء أجابه. ولكن الكسندروس صمت، لأنه لم يكن الشخص الذى يناديه. فنادى ثانية، ومرة أخرى حضر ذاك الشخص الذى ظل حاضرا. وهكذا كشف عن الشخص الغائب. وعلاوة على ذلك، أعلن المبارَك الكسندروس نبويا “يا اثناسيوس لقد فكرتَ فى الهرب، ولكنك لن تهرب”. ويقصد أن اثناسيوس سيُستَدعى للجهاد. هكذا كانت الرواية التى أوردها ابوليناريوس بخصوص اثناسيوس.
(2/17/5) ويزعم الأريوسيون أنه عقب وفاة الكسندروس اشترك اتباع الاسقف الموقرين واتباع مليتيس فى التناول معا. واتفقوا بقسَم على اختيار مَن يدير شؤون الكنيسة بإمتياز بالانتخاب العام. ولكن الاساقفة السبعة أولئك حنثوا بقسَمهم ورسموا سرا، ضدا لرأى الجميع اثناسيوس وأنه لهذا السبب امتنع كثيرون من الشعب ومن الكهنة المصريين عن الاشتراك فى التناول معه.
(2/17/6) أما أنا، فمن ناحيتى، مقتنعٌ بأن سيامته كانت بتعيين إلهى وأن الزمن كان فى أقصى احتياج لمثل هذا الرجل ليخلُف رئاسة الكهنوت العليا، فقد كان بليغا وذكيا وقادرا على مواجهة المكائد. لقد أظهر أهلية عظيمة لممارسة المهام الكنسية وملائمة للكهنوت، ويمكن القول أنه كان متعلما ذاتيا منذ سنواته المبكرة.
(2/17/7) فقد قيل([45]) أن هذه الحادثة قد وقعت فى شبابه. لقد كانت من عادة الاسكندريين أن يحتفلون بأبهة عظيمة بالذكرى السنوية لأحد اساقفتهم المدعو بطرس الذى استشهد([46]). وكان الكسندروس الذى كان يدير الكنيسة آنذاك مشغولا بإحتفال هذه الذكرى، وبعد أن أنهى العبادة بقى فى الموقع منتظرا بعض الضيوف الذين دعاهم لتناول طعام الافطار معه. وفى هذه الاثناء ألقى ببصره صوب البحر فشاهد بعض الصبية يلعبون على الشاطىء ويسّلون أنفسهم بتقليد الاسقف والاحتفالات الكنسية. وفى البداية اعتبر الهزل براءة وسُّر بمشاهدته، ولكنه عندما لمسوا ما لا يُنطق به، ارتعد واستعلم عن الامر من رئيس الاكليروس، وأَحضر الاولاد معا، وسألهم عن اللعبة التى كانوا يلعبونها وماذا فعلوا وماذا قالوا فى هذه التسلية. وفى البداية أنكروا من الخوف، ولكن عندما هددهم الكسندروس بالتعذيب اعترفوا بأن اثناسيوس كان اسقفهم وقائدهم، وأن أولادا كثيرين لم يكونوا قد عُمِّدوا عمَّدهم. فاستعلم الكسندروس بتدقيق عن الكاهن فى لعبتهم الذى قال أو فعل ذلك وبماذا ردوا أو تعلموا. وعندما وجد أن طقس الكنيسة قد راعوه بالضبط تشاور مع الكهنة الذين كانوا حوله فى هذا الموضوع وقرر أنه ليس من الضرورى إعادة المعمودية لأولئك الذين فى بساطتهم اُعتُبِروا أهلا للنعمة الإلهية. ولذلك قام فقط ببعض المهام القانونية لأولئك المكرَّسين لنوال السرائر. وأخذ اثناسيوس والأولاد الآخرين الذين لعبوا دور الكهنة والشمامسة الى أقربائهم ليربوهم للكنيسة، والله شاهد عليهم وللقيادة التى حاكوها.
(2/17/8) وليس بعد ذلك بوقت طويل، أخذ اثناسيوس كرفيق مائدة وسكرتيرا له. وقد تعلَّم جيدا وأجاد النحو والبلاغة. وعندما بلغ سن الرجولة وقبل أن ينال الاسقفية برهن لأولئك الذين تحاوروا معه على أنه رجل حكمة وفطنة. ولكنه عندما انتقلت إليه الخلافة عقب وفاة الكسندروس تزايد صيته بشدة وسندته فضائله الخاصة، وشهادة الراهب انطونيوس الكبير.
(2/17/9) فقد نزل هذا الراهب عندما طلب حضوره، وزار المدن واصطحبه الى الكنائس واتفق معه فى الرأى الخاص بالألوهية وأظهر صداقة بلا حدود له وتجنب مجتمعات اعدائه ومقاوميه.

الكتاب الثانى: الفصل الثامن عشر

 (الأريوسيون والميليتيون واثناسيوس)

(2/18/1) ومع ذلك تزايدت شهرة اثناسيوس، بصفة خاصة من الاريوسيين والميليتيين، فعلى الرغم من أنهم كانوا يكيدون له إلا أنهم فشلوا فى جعله سجينا.
(2/18/2) ففى البداية كتَب له يوسيبيوس ليقبل اريوس فى شركة التناول، وهدَّد بدون كتابة أن يُسىء معاملته إذا رفض ذلك. ولكن أثناسيوس لم يستسلم لعرضه بل صرَّح بأن مَن ينصح بهرطقة فى الابتداع ضد الحق، وقد أدين من مجمع نيقية يتعين عدم قبوله فى الكنيسة.
(2/18/3) فقدَّم يوسيبيوس التماسا إلى الامبراطور ليتدخل لصالح اريوس ويوصى بعودته. وسأسجل هنا قليلا كيف حدثت كل هذه الأمور.
(2/18/4) فى ذلك الوقت كان هناك نزاع وجلبة بين الاساقفة انفسهم بشأن المعنى الدقيق لمصطلح “مساوٍى فى الجوهر”. فالبعض رأى أن هذا المصطلح لا يمكن قبوله بدون تجديف لأنه يتضمن عدم وجود ابن الله، وأنه يشتمل على خطأ مونتانوس Montanus وسابليوس Sabellius. وفريق، من ناحية أخرى، يدافع عن المصطلح معتبرين مقاوميهم كيونانيين(أو وثنيين)، ويعتبرون تصُورهم يقود إلى تعدد الآلهة. وقاد هذا النزاع يوسيبيوس الملقب بامفيلوس، ويوستاثيوس Eustathius اسقف انطاكية.
(2/18/5) فلقد اعترف كلاهما بأن ابن الله موجود اقنوميا، ولكنهما اختلفا معا كما لو كان قد أساء كل منهما فهم الآخر. فقد اتهم يوستاثيوس يوسيبيوس بتحوير العقائد التى صدَّق عليها مجمع نيقية. بينما أعلن الثانى أنه يصدّق على عقائد نيقية وأنب الثانى على التصاقه ببدعة سابيليوس.

الكتاب الثانى: الفصل التاسع عشر

(مجمع انطاكية)

(2/19/1) وانعقد مجمع فى انطاكية وخلع يوستاثيوس([47]) من كنيسة هذه المدينة، ومن المعتقد على نحو عام أنه قد خٌلِع لمجرد أنه كان مشايعا لإيمان مجمع نيقية، وبسبب أنه قد أتهم يوسبيوس وبولينيس اسقف صُور وباتروفيلس اسقف اسكيثوبوليس Scythopolis (الذى تبنى كهنة الشرق مفاهيمه) بأنهم مشايعون لبدعة اريوس.
(2/19/2) ومع ذلك كانت الحجج التى اوردوها للخلع أنه قد دنس الكهنوت بأعمال غير مقدسة. وقد أثار خلعه انقساما كبيرا فى انطاكية لدرجة أن الشعب كان على وشك امتشاق السلاح، وكانت المدينة كلها فى حالة هياج. وهذا أساء إليه بشدة فى نظر الامبراطور لأنه عندما فهم ما قد حدث وأن شعب الكنيسة قد انقسم الى حزبين، ثار غضبه بشدة ونظر إليه بريبة كفاعل لهذا الهياج.
(2/19/3) ومع ذلك أرسل الامبراطور ضابطا مستنيرا من قصره مخولا بسلطة تامة لتهدئة الجمهور وانهاء القلاقل بدون اللجوء الى العنف أو الاساءة.
(2/19/4) أما أولئك الذين خلعوا يوستاثيوس والذين اجتمعوا فى انطاكية لهذا السبب وهم ظانين أن تصُورهم سيلقى قبولا على نطاق واسع، إذا وضعوا على كنيسة انطاكية شخصا من اصحاب رأيهم يكون معروفا للإمبرطور ويحظى بسمعة فى العِلم والبلاغة وأنهم بذلك يحصلون على طاعة الباقى، فقد ثبتوا نظرهم على يوسيبيوس بامفيلوس لهذا الكرسى. وكتبوا إلى الامبراطور بخصوص هذا الموضوع وسجلوا أن هذه الخطوة ستكون مقبولة بشدة من الشعب. وفى الحقيقة فكَّر فيه كل الكهنة والعلمانيون المعادون ليوستاثيوس.
(2/19/5) ومع ذلك كتب يوسييوس الى الامبراطور رافضا الرتبة، وصدَّق الامبراطور على رفضه وأثنى عليه. لأن هناك قانون كنسى يحظر نقل اسقف من ايبارشية لأخرى. وكتب إلى الشعب ويوسيبيوس لقبول حكمه ودعاه بالسعيد لأنه كان أهلا للأسقفية ليس فقط لمدينة واحدة ولكن للعالم. كذلك كتب الى شعب كنيسة انطاكية بشأن تشتت الفكر وقال لهم أنه لا ينبغى أن يرغبوا فى اساقفة المناطق الأخرى كما لو كانوا يطمعون فى مقتنيات الآخرين، وبالاضافة الى ذلك أرسل رسالة أخرى خاصة الى المجمع يمدح فيها يوسيبيوس كما فى الرسالة إليه لرفضه الاسقفية.
(2/19/6) ولما كان يوفرونيس Euphronius كاهن كبادوكيا وجورج من ارثوسا  Arethusa رجال مشهود لهم بالايمان، فقد أوصى الأساقفة أن يقرروا سيامة واحد منهما أو أى شخص جدير بهذه الكرامة كرئيس لكنيسة انطاكية. وعند استلام هذه الرسالة من الامبراطور سيم يوفرونيوس.
(2/19/7) وقد سمعتُ أن يوستاثيوس قد تحمَّل هذه الاهانة غير العادلة بهدوء مقررا أنه الأفضل وأنه، الى جانب فضائله وصفاته الممتازة، رجل بليغ كما هو ثابت من اعماله الزائعة الصيت بسبب كلماتها المختارة ومذاق التعبير، ورقة العواطف وبلاغة ونعمة الرواية.

الكتاب الثانى : الفصل العشرون

(بشأن مكسيموس الذى خلف مكاريوس فى كرسى اورشليم)

وفى نحو هذا الوقت توفى مرقس الذى خلف سيلفسترس Silvester وشغل الاسقفية لفترة قصيرة وارتقى يوليوس كرسى روما. وخلف مكسيموس مكاريوس فى ايبارشية اورشليم. وقد قيل أن مكاريوس قد سامه اسقفا على كنيسة ديوسبوليس Diospolis. ولكن اعضاء كنيسة اورشليم اصروا على بقائه معهم. ولما كان معترفا ومتميزا فقد أختير مقدما من الشعب للأسقفية عقب وفاة مكاريوس. وقد أدى الخوف من مخالفة الشعب واثارة الشقاق الى انتخاب اسقف آخر لديوسبوليس، وبقى مكسيموس فى أورشليم يمارس المهام الكهنوتية مع مقاريوس. وبعد وفاة الثانى، ترأس تلك الكنيسة. ومع ذلك من المعروف لأولئك الملمين بدقة بهذه الظروف أن مكاريوس اتفق مع الشعب فى رغبتهم بإبقاء مكسيموس، إذ قيل أنه ندم على رسامته وفكر أنه كان من الضرورى الاحتفاظ به ليخلفه لأنه يحتفظ بإيمان صحيح بشأن الله واعترافه الذى كان جليا للشعب. كما أنه خشى أن ينتهز اتباع يوسيبيوس وباتروفيلس الذين تبنوا الاريوسية الفرصة عند وفاته ليفرضوا تعليمهم الخاص فى كرسيه لأنه حتى بينما كان مقاريوس مازال حيا حاولوا إدخال بعض ابتداعاتهم، ولكن إذ انشقوا عنه فقد صمتوا لذلك.

الكتاب الثانى: الفصل الواحد والعشرون

(اتفاق الميليتيين والأريوسيين فى المفاهيم)

(2/21/1) وفى نفس الوقت كان النزاع الذى ثار فى البداية لدى المصريين لم ينقض. فالهرطقة الأريوسية قد أُدينت من مجمع نيقية، ولكن اتباع مليتيوس Melitius قد قُبِلوا فى شركة التناول فى ظل الشروط السابق ذكرها عاليه.
(2/21/2) وعندما عاد الكسندروس الى مصر سلَّم له مليتيوس الكنائس التى كان قد اغتصبها وعاد إلى ليكوس Lycus. وليس بعد ذلك بوقت طويل، عندما شعر بقرب نهايته رشَّح يوحنا، أحد اصدقائه الحميمين، خليفة له وهو ما يخالف مرسوم مجمع نيقية وبذلك انعش الشقاق فى الكنائس.
(2/21/3) وعندما أدرك الأريوسيون أن الميليتيين يُدخِلون بدعا، ضغطوا هم أيضا على الكنائس لأنه كما يحدث غالبا فى هذه القلاقل استحسن البعض لرأى اريوس بينما عارض آخرون سيادة أولئك الذين رسمهم مليتيوس على الكنائس. وقاوم كل مِن الفريقين بعضهما بعضا، ولكن لعلمهم أن جمهور الشعب يتبع كهنة الكنيسة الجامعة، فقد صاروا غيورين وشكلوا تحالفا معا وأظهروا عداوة مشتركة لإكليروس الاسكندرية. لقد كانت معايير هجومهم ودفاعهم كثيرا ما تتم اتفاقا.
(2/21/4) ومع مرور الوقت دُعى الميليتيون اريوسيين فى مصر، على الرغم من أنهم كانوا يثيرون فقط مسألة الرئاسة، بينما كان الأريوسيون يتبنون رأى أريوس فى مسألة الله. وعلى الرغم من أنهم قد رفضوا، فرادى، مفاهيم بعضهما البعض. إلا أنهم راءوا فى وجهات نظرهم لكى يحصلوا على اتفاق مشترك فى عداوتهم. وفى نفس الوقت توقع كل طرف أن يسود بسهولة فيما يرغب.
(2/21/5) ومنذ هذا الوقت قبل المليتيون بعد مناقشة تلك المواضيع المفاهيم الأريوسية وأخذوا بمفاهيم أريوس بشأن الله. وهذا أحيا الجدل الأساسى بشأن أريوس، وأحجم بعض العلمانيين والاكليروس عن التناول مع الآخرين. واضطرم النزاع بشأن عقائد أريوس مرة أخرى فى المدن الأخرى وخاصة بيثينية وهيلسبونت ومدينة القنسطنطينية. وبإختصار، قيل أن يوسيبيوس اسقف نيقوميدية وثيوجنيس اسقف نيقية قد رشيا مسجل العقود الذى عهد الامبراطور إليه بحفظ مستندات مجمع نيقية، لمحو توقيعهما. وبدءَا يُعلّمان جهارا أن الإبن ليس مساويا للآب فى الجوهر.
(2/21/6) واُتهِم يوسيبيوس أمام الامبراطور بهذه الاضطرابات، فأجاب بوقاحة شديدة وهو يمسك طرف ثوبه، وقال إذا مُزِّق هذا الرداء فى حضورى فإننى لا أقدر أن أثبت أن أجزاءه هى من نفس المادة. وحزن الامبراطور بشدة من هذا الجدل إذ كان يعتقد أن مسائل الطبيعة قد سُويت نهائيا فى مجمع نيقية، ولكن على العكس من رجائه رأى أنه قد لوحتهم ثانية. وأسف بالأكثر أن يوسيبيوس وثيوجنيس قد قَبِلا فى شركة التناول بعض الاسكندريين على الرغم من أن المجمع كان قد أوصى بتوبتهم بسبب آرائهم الهرطوقية. وعلى الرغم من أنه هو نفسه([48]) قد وَّقع عليهم عقوبة النفى من أوطانهم بإعتبارهم مثيرين للقلاقل. وقد أكد البعض أنه لهذه الاسباب عاليه، أنْ نفى الامبراطور فى غضبه يوسيبيوس وثيوجينس. ولكن كما سجلت، قد استقيت معلوماتى من اولئك الذين كانوا ملمين بدقة الأحداث.

الكتاب الثانى: الفصل الثانى والعشرون

(حيل الاريوسيين والمليتيين ضد أثناسيوس)

(2/22/1) وحلت الافتراءات المتعددة على اثناسيوس والتى سببتها حرية الكلام ليوسبيوس وثيوجنيس وتأثير الامبراطور، وسعيهما الى إعادة آريوس الذى كانت تربطهما به علاقة صداقة، إلى الاسكندرية، وفى نفس الوقت طرد مَن يعترض عليه من الكنيسة. فقد اتهماه([49]) امام الامبراطور بأنه سبب الشقاق والمتاعب التى طوحت بالكنيسة واستبعاد أولئك الذين يرغبون فى الانضمام الى الكنيسة، وزعموا أن الكراهية ستعود ما لم يُستَبعد هو وحده.
(2/22/2) وقد تأيدت الاتهامات ضده بتعضديد من اساقفة واكليروس كثيرين كانوا مع يوحنا([50])، وكانت لهم صلة بالامبراطور، وتظاهروا بالأرثوذكسية، ونعتوا اثناسيوس والاساقفة الذين من حزبه بأنهم سفاكى دماء، وحانثين بالعهود وأنهم يجرحون ويحرقون الكنائس.
(2/22/3) ولكن عندما أظهر اثناسيوس للإمبراطور عدم شرعية سيامة مشايعى يوحنا وابتداعاتهم ضد مراسيم مجمع نيقية وعدم صحة إيمانهم، والاهانات المُوجهة ضد أولئك الذين يتمسكون بالعقائد الصحيحة، كان قنسطنطين فى حيرة فيمن يُصدق، حيث كانت هناك مزاعم متبادلة، واثيرت اتهامات عدة من كل من الطرفين.
(2/22/4) ولمَّا كان مهتما بشدة بإسترداد وحدة الفكر للشعب فقد كتب إلى اثناسيوس أنه لا يجب أن يُطرَّد أحدٌ خارجا. وأنه اذا رفض ذلك أخيرا فإنه سيُرسِل مَن يطرده من الاسكندرية بغض النظر عن العواقب. وإذا أراد أى أحدٍ أن يرى خطاب الامبراطور، فإنه سيجد هنا الجزء الخاص بهذه الرواية:
(2/22/5) “أنت الآن مُلِّم برغبتى وهى أن كل مَن يُريد دخول([51]) الكنيسة، عليك أن تُزيل من أمامه كل عقبة، لأننى إن سمعتُ أن أيًا مِمَن يريد أن ينضم الى الكنيسة قد مُنِع وتعوّق من قِبلك، فإننى سأُرسِل ضابطا فى الحال لطردك بناء على أمرى لينقلك إلى مكان آخر”.
(2/22/6) ومع ذلك كتب أثناسيوس إلى الامبراطور ليقنعه أن الأريوسيين لا ينبغى قبولهم فى شركة التناول فى الكنيسة الجامعة.
(2/22/7) وإذ أدرك يوسيبيوس أن خطته لن تفلح بينما اثناسيوس يجاهد ضدها، صمم على اتخاذ أية وسيلة للتخلص منه. وإذ لم يَجِد أية ذريعة لتحقيق قصده هذا، وعد الميليتيين بالتأثير على الامبراطور ومَن فى السلطة إن هم أحضروا له تهمة ضد أثناسيوس.
(2/22/8) وبناء علي ذلك، زعموا أنه فرض على المصريين ضريبة على الجلاليب الكتان، وأن هذه الضريبة قد حُصِّلت من المُتَّهِمِين. وفى الحال، أثبت آبيس ومقاريوس الكاهنان بكنيسة أثناسيوس اللذان تصادف وجودهما بالبلاط آنذاك أنها تهمة باطلة.
(2/22/9) وعندما اُستُدعى أثناسيوس للدفاع عن هذه التهمة، أُتُهم بالأكثر بأنه تآمر ضد الامبراطور إذ قد أرسل صندوقا من الذهب إلى شخص يُدعى فليمون. وإذ استنتج الامبراطور افتراء الشاكين، أعاد أثناسيوس إلى وطنه وكَتَب إلى شعب الأسكندرية أن اسقفهم يمتلك ايمانا سليما عظيما واتضاعا كبيرا لدرجة أنه مسرور جدا أن إلتقى به وتعرَّف عليه كرجل لله. وإذ كان الحسد هو العلة الوحيدة للمدعين عليه، فقد أظهر هو أفضلية عن المشتكين منه.
(2/22/10) وعندما سمع أن الأريوسيين والمليتيين المنشقين يثيرون الشقاقات فى مصر حث الامبراطور فى نفس الرسالة الجمهور أن ينظروا إلى الله وأن يحترزوا لوصاياه، وأن يسلكوا حسنا بعضهم نحو بعض ليقاوموا بكل قوتهم كل المكائد ضد وحدانية الفكر.
هكذا كَتَب الامبراطور إلى الشعب مشجعا لهم على وحدانية الفكر، ومجاهدا لمنع انقسام الكنيسة.

الكتاب الثانى: الفصل الثالث والعشرون

(الافتراء على أثناسيوس ويد ارسينيوس)

(2/23/1) وإذ فشل المليتيون فى محاولتهم الأولى اتفقوا سرا على اتهام آخر. فمن ناحية اتهموه بكسر كأس مقدسة، ومن ناحية أخرى اتهموه بأنه قتل شخصا يُدعى ارسينيوس وقَطَع ذراعه واحتفظ بها لأغراض سحرية. وقيل أن ارسينيوس هذا كان احد الاكليروس، وإذ كان قد ارتكب بعض الجرائم هرب إلى مكان يختبىء فيه خوفا من القبض عليه ومعاقبته من الاسقف.
(2/23/2) وكرَّس أعداء أثناسيوس أقصى هجوم عليه لهذا الغرض. فبحثوا عن ارسينيوس بأقصى اجتهاد حتى وجدوه وأظهروا له رقة متناهية ووعدوه بضمان الأمن وحُسن المعاملة له وأرسلوه سرا إلى باترينس Patrines، كاهن بدير، وكان أحد المُخلِصين لهم وله نفس مقاصدهم. وبعد أن اخفوه هكذا بكل عناية، نشروا خبرا عنه فى الاسواق العامة، وفى كل مكان أنه قد قُتِل من أثناسيوس. كما رشوا راهبا يُدعى يوحنا ليُعضّد التُهمة.
(2/23/3) وعندما انتشر هذا الخبر الشرير على نطاق واسع ووصل إلى آذان الامبراطور، أدرك أثناسيوس أنه من الصعب الدفاع عن اتهامه هذا أمام قضاة قد سبق لأذهانهم الأخذ بهذه الاشاعة الزائفة فاعتزل فى مكان لدى مشايعيه القريبين له وبذل كل ما فى وسعه لمنع انطماس الحقيقة بهجومهم هذا. ولكن الجمهور لم يستطع أن يقتنع بسبب عدم ظهور ارسينيوس.
(2/23/4) وإذ فكر أثناسيوس فى أن الشك فيه لن يزول ما لم يظهر أن ارسينيوس المزعوم موته مازال حيا، فقد أرسل شماسا موثوقا فيه للغاية للبحث عنه. فذهب الشماس إلى طيبة، وعلِم من تصريح بعض الرهبان أين يقيم. وعندما جاء إلى باترينس Patrines مع مَن كان يُخفيه، وجد أن ارسينيوس ليس هناك لأنه عندما عُرِف وصول الشماس، نُقِل إلى مصر السفلى. فقبض الشماس على باترينس وأرسله إلى الأسكندرية، وأيضا على الياس أحد مساعديه الذى قيل أنه كان الشخص الذى نقل ارسينيوس إلى مكان آخر، وأسلمهما معا إلى قائد القوات المصرية.
(2/23/5) واعترفا بأن ارسينيوس ما زال حيا وأنه كان مخفيا فى منزلهما، وأنه يعيش الآن فى مصر. واهتم أثناسيوس بأن تُنقَل هذه الأخبار إلى قنسطنطين.
(2/23/6) فكتب الإمبراطور إليه ثانية يطلب منه أن يهتم بواجباته الكهنوتية وحفظ الديانة بين الشعب وألاَّ ينزعج من دسائس المليتيين. فمن الثابت أن الحسد وحده هو علة المكائد التى يجرونها ضده واضطرابات الكنائس. وأضاف الامبراطور أنه لن يسمح فى المستقبل بمثل هذه الأخبار وأنه ما لم يحفظ المفترون السلام، فإنه سيُخضِعهم لأقسى قوانين الدولة، وأن تأخذ العدالة مجراها. إذ أنهم لم يفتروا فقط ضد برىء بل انتهكوا أيضا قداسة وتقوى الكنيسة. هكذا كان فحوى رسالة الامبراطور إلى أثناسيوس([52]). وأمر، علاوة على ذلك، بقرائتها جهارا أمام العامة لكى ما يُلِّم الجميع بمقاصده.([53])
(2/23/7) وإذ علِم المليتيون بهذه الأمور هدأوا لبعض الوقت لأنهم أخذوا تهديد الحاكم بقلق. وتمتعت الكنائس بسلام عميق فى سائر أرجاء مصر، وأُدِيرت برئاسة هذا الكاهن العظيم، وتزايدت من يوم إلى يوم فى العدد بإهتداء جماهير الوثنيين والهراطقة الآخرين.

الكتاب الثانى: الفصل الرابع والعشرون

(قبول بعض الأمم الهندية للمسيحية)

(2/24/1) وقد سمعنا أنه فى ذلك الوقت اعتنقت بعض الأمم القاصية، والتى تُدعَى الهندية([54]) ممن لم يكن معروفا لديهم كرازة برثلماوس Bartholomew، عقيدتنا بواسطة فرومنتيوس Frumentius الذى صار قسا ومُعلِّما للعلوم المقدسة لهم.
(2/24/2) ولكن لكى ما تعرف حتى من باب الإعجاب أن عقيدة المسيحيين ينبغى أن تُقبَل كنظام ليس من انسان كما تبدو، بل أنها نسيج من المعجزات لدى البعض، فإنه من الضرورى أن نروى سبب سيامة فرومنتيوس Frumentius. لقد كانت كما يلى:
(2/24/3) كان كثيرون من الفلاسفة المشهورين بين اليونان يرتادون المدن والأقاليم المجهولة. فأفلاطون، صديق سقراط([55])، قد أقام لبعض الوقت فى مصر ليُلِّم بنفسه بعاداتهم وسلوكياتهم. وأبحر أيضا إلى صقلية Sicily لمشاهدة منظر فوهة البركان، حيث يندلع تلقائيا مجرى من النار، كما من ينبوع، ويندفع غالبا كنهر ملتهما المناطق المجاورة لدرجة أن حقولا كثيرة تبدو محروقة، ولا يمكن حرثها أو زراعتها بأشجار تماما مثلما يروُون عن سدوم. وبالمثل، اهتم امبيدوكليس Empedocles، وهو رجل مشهور جدا لدى اليونان لفلسفته والذى كان يُعبّر عن معرفته بأبيات بطولية، بفحص هذا الانفجار النارى من فوهة البركان. لذا قفز فى هذه النار وهلك، إما لأنه [رأى] أن موتا مثل هذا سيكون، حسبما ظن، أفضل؛ وإما بأكثر وضوح لأنه رغب فى إنهاء حياته بهذا النحو. وارتاد ديموقريتس Democritus الذى من سوس  Coös مدنَا كثيرة وأمما، وقال عن نفسه أنه قضى ثمانين سنة من عمره فى الأسفار خلال البلاد الأجنبية. والى جانب هؤلاء الفلاسفة، كرَّس الآلاف من حكماء اليونان انفسهم، قديما وحديثا، للسفر.
(2/24/4) ومحاكاة لهم سافر ميروبيوس Meropius، فيلسوف من صُور([56]) بفينيقية، إلى الهند. ويقولون أنه اصطحب معه شابان يُدعَوَان فرومنتيوس واديسيوس  Edesiusوكانا من أقربائه، ويعلَّمهما البلاغة والعلوم بطلاقة.
(2/24/5) وعندما ارتاد الهند([57]) حسبما أمكن شرع فى العودة إلى الوطن، وركب مركبا كانت متجهة إلى مصر([58]). وحدث أن المركب بسبب الحاجة إلى ماء، أو بسبب ضرورة ما أخرى، أن اضطرت إلى التوقف عند ميناء([59]) ما، فإندفع الهنود([60]) إليها وقتلوا كل مَن فيها ومن ضمنهم ميروبيوس.
(2/24/6) ولكنهم ابقوا على الشابين إذ اشفقوا على شبابهما. وكسروا تحالفهم مع الرومان وسلَّموا الشابين للملك([61]). فعين الأصغر ساقيا له، أما الأكبر وهو فرومنتيوس فقد أقامه على البيت وجعله مديرا لخزانته لأنه أدرك أنه ذكى وقادرٌ على ادارة الأعمال.
(2/24/7) وخدم هذان الشابان المَلك بأمانة واهتمام لسنوات طويلة، وعندما شعر بقرب نهايته وكانت زوجته وابنه احياء، كافأ حُسن خدمتهما بعتقهما وسمح لهما بالذهاب إلى أى مكان يرغبان فيه.
(2/24/8) وكانا مهتمان بالعودة إلى صُور حيث كان اقرباؤهما يقيمون، ولكن إذ كان إبن الملك صغيرا، لذا رجتهما أمه فى أن يبقيا بعض الوقت للقيام بالشؤن العامة إلى أن يبلغ ابنها سن الرجولة. فقبلا رجاءها وباشرا شؤن المملكة وحُكم الهند.
(2/24/9) واستعلم فرومنتيوس بإلهام إلهى، وبالطبع لأن الله حركه تلقائيا، عما إذا كان هناك مسيحيون فى الهند أو رومانيون بين التجار الذين ابحروا إلى هناك([62]). وعندما نجح فى العثور على موضوع طلبه، جمعهم فى حضرته وعاملهم بحب ومودة، ودعاهم للصلاة وكان الاجتماع يتم حسب العادة الرومانية. ثم شيَّد لهم بيت صلاة وشجعهم على تكريم الله بإستمرار.
(2/24/10) وعندما بلغ ابن الملك سن الرجولة التمس فرومنتيوس واديسيوس منه ومن الملكة الإذن بالعودة. واستطاعا اقناعهما، ليس بدون صعوبة.
(2/24/11) وعندما افترقا كأصدقاء عادا كرعايا رومان. فذهب اديسيوس إلى أقربائه بصُور، وسرعان ما نال بعد تقدمه رتبة الكهنوت.
(2/24/12) وأما فرومنتيوس فقد توجه، بدلا من العودة إلى فينيقية، إلى الأسكندرية حيث كانت الغيرة الدينية والتقوى الحارة تتأججان فيه، فتشاور مع أثناسيوس رأس كنيسة الأسكندرية، واصفا له حالة شؤون الهند([63]) وضرورة تعيين اسقف للمسيحيين المقيمين فى ذلك البلد، فجمع أثناسيوس الكهنة الوطنيون وتشاور([64]) معهم فى الأمر. ورسم فرومنتيوس اسقفا على الهند اذ كان مؤهلا على نحو متميز ومناسب لمهمة كهذه لخدمة مَن كانوا أول مَن يُعلِن لهم اسم المسيح وأن يكون شريكا فى حصاد العقيدة التى بذر بذورها.
(2/24/13) ولذلك عاد فرومنتيوس إلى الهند ثانية وقيل أنه قد قام بالمهام الكهنوتية على نحو مثير لدرجة أنه صار موضع اعجاب على نحو عام وكُرِّم ليس أقل من رسول. وكرَّمه الله بشدة ومَكَّنه من انجاز شفاء عجيب واجراء آيات وعجائب. وهكذا كان أصل الكهنوت الهندى([65]).

الكتاب الثانى: الفصل الخامس والعشرون

(مجمع صُور والخلع غير الشرعى لأثناسيوس)

(2/25/1) إن مكائد اعداء أثناسيوس قد اوقعته فى متاعب جديدة وأثارت كراهية الامبراطور ضده، وضمت مفترين عديدين.
(2/25/2) وإذ تعب الامبراطور من إلحاحهم، دعا إلى مجمع فى قيصرية فلسطين، ودعا أثناسيوس للحضور إلى هناك. ولكنه رفض الحضور خشية منه من حِيل يوسيبيوس اسقف تلك المدينة، ويوسيبيوس اسقف نيقوميديا وحزبهما. وأصر رغم الضغط عليه لمدة ثلاثين شهرا على رفضه. ومع ذلك أُجبِر فى نهاية هذه الفترة على الذهاب إلى صُور حيث كان عدد كبير من اساقفة الشرق مجتمعين والذين أمروه بالدفاع ضد التهم الموجهة إليه.
(2/25/3) وكان من حزب يوحنا([66]) كالينيكوس  Callinicusالاسقف وشخص ما يُدعى اسخورياس Ischurias قد اتهمه بكسر كأس السرائر وقلب الكرسى الاسقفى، وأنه السبب فى وضعه([67]) فى القيود على الرغم من أنه كان كاهنا وذلك بتهمة زائفة لدى هيجنوس Hyginus حاكم مصر، بأنه ألقى حجارة على تمثال الامبراطور مما تسبب فى إلقائه فى السجن. وعن خلع كالينكوس اسقف الكنيسة الجامعة فى بليزيوم وادعائه أنه سيستبعده من الشركة ما لم يلغ شكوكه بشأن الكأس المكسورة، وعن اسناد كنيسة بليزيوم إلى مرقس وهو كاهن مخلوع ووضع كالينكوس تحت الحراسة العسكرية وتعريضه للتعذيب. وكان من حزب يوحنا اوبلس وباخوميوس واسحق واخيلاس وهرمان الاساقفة. وهؤلاء اتهموه بالضرب وجميعهم اتفقوا على أنه قد حصل على كرامة الاسقفية برشوة أفراد معينين، بينما المنصوص عليه أنه لا يحصل أحد على السيامة، ما لم يستطع أن يثبت براءته من أية تهمة أو جريمة. وأكثر من ذلك، زعموا أنهم وقد انخدعوا فيه، لذلك انفصلوا عن التناول معه ومن ثمة عاملهم بوحشية، وألقاهم فى السجن.
(2/25/4) وأُثيرت مرة أخرى مسألة ارسينيوس. ومثلما يحدث بصفة عامة فى مثل هذه الأحوال اشترك فى المكائد كثيرون ممن كانوا يُعتبَرون أصدقاء له وتحولوا إلى مدعين ضده. وقُرِأ عندئذ مستند يحتوى على شكوى من جمهور الاسكندرية يعلنون فيه أنهم سيمتنعون عن حضور الكنيسة بسببه.
(2/25/5) وإذ أُجبِر أثناسيوس على تبرئة نفسه، حضر أمام كرسى القضاء عدة مرات ودحض بنجاح بعض المزاعم، وطلب تأجيل البعض الآخر لاستكمال الفحص([68])، ولكنه كان متحيرا للغاية عندما فكر فى الاسلوب الذى تأثر به قضاته وبعدد الشهود المنتمين إلى حزب اريوس ومليتيوس، الذين ظهروا ضده وتغاضيهم ازاء المدعين عليه، رغم أنه دحض مزاعمهم ([69])، وخاصة بالنسبة لفرية ارسينيوس الذى زعموا أنه قد قَطع ذراعه لاستخدامها فى اعمال سحرية. وأيضا بالنسبة للفرية الخاصة بالمرأة التى قيل أنه قد دنس طهارتها مقابل هبات معينة، وافسدها ليلا على الرغم من عدم ارادتها. فكلتا الفريتين، قد دحضتا، وثبت سخافتهما وبطلانها التام.
(2/25/6) فعندما أُحضِرت هذه الانثى أمام الاساقفة اقترب تيموثاوس أحد كهنة الأسكندرية من فريق أثناسيوس، منها طبقا لخطة فكَّر فيها سرا، وقال لها: يا إمرأة هل حقا اغتصبتك عنوة ؟. فأجابته، أجل، ألم تفعل ذلك؟. ثم ذكرت المكان والظروف التى أُجبِرت فيها على ذلك. وبالمثل قاد ارسينيوس إلى وسطهم وأراهم يديه الاثنتين وقال للقضاة أن يستعلموا مِن المدعين عن الذراع التى عرضوها لمن تكون. فقد حدث أن ارسينيوس إما أنه قد تحرك بدافع إلهى أو كما قيل قد أخفاه حزب أثناسيوس عندما ظهر الخطر على هذا الاسقف وتم تهريبه ليلا ووصل إلى صُور قبل المحاكمة بيوم واحد.
(2/25/7) وبإختصار، سقطت هذه الدعاوى ولم تعد هناك ضرورة لدفاع، ولم تذكر الاولى فى المداولة. واننى أظن بأكثر احتمال أن كل الأمور كانت تعتبر سخيفة للإدراج. وبالنسبة للثانية جاهد المفترون فى تبرئة أنفسهم بالقول أن أسقفا تحت اشراف أثناسيوس يدعى بلسيان Plusian قد أحرق منزل ارسينيوس بناء على أمر رئيسه وربطه بعمود وشوهه بالسياط ثم قيَّده فى زنزانة. وقرروا علاوة على ذلك أن ارسينيوس قد هرب من الزنزانة من خلال نافذة، وبينما هو يفكر فى البقاء قليلا فى مخبأه حتى لا يظهر افترضوا أنه قد مات كمعترف، ولذا وصل خبره هكذا إلى اساقفة حزب يوحنا. ومن ثمة سعوا بالنيابة عنه إلى رفع الدعوى لدى الماجستريت.
(2/25/8) وعندما تمعن اثناسيوس فى هذه الأمور، أدرك تماما أن أعداءه يخططون لإهلاكه سرا. وبعد عدة جلسات، عندما غُصّ المجلس بالفوضى والهرج وكان المشتكون وجمهور من الاشخاص يصرخون بصوت عال أن أثناسيوس يلزم خلعه كساحر وسافل ولأنه غير مستحق بتاتا للكهنوت، فإن الضباط الذين كان الامبراطور قد عينهم لحفظ النظام أجبروا المُدعَّى عليه على مغادرة قاعة المحكمة سرا لأنهم قد خشيوا أن يقتلوه مثلما يحدث ذلك عادة فى أوقات اندلاع الفوضى. وإذ وجد أنه لا يستطيع البقاء فى صُور بدون هلاك حياته وأنه ليس هناك مجال للحصول على العدالة مقابل المشتكين الغفيرين ضده من قضاة هم أنفسهم متحاملين عليه، هرب إلى القنسطنطينية.
(2/25/9) وأدانه المجمع غيابيا وخلعه من الاسقفية وحظر اقامته فى الأسكندرية لئلا، كما قالوا، يكون مثيرا للقلاقل والانشقاقات. وتم رد يوحنا وأنصاره إلى الشركة بإعتبارهم عانوا من الخطأ بلا عدل، وعاد كل منهم إلى رتبته الإكليريكية.
(2/25/10) ورفع الاساقفة بيانا بإجراءاتهم إلى الامبراطور، وكتبوا إلى اساقفة سائر الأماكن مخبرين اياهم بعدم قبول أثناسيوس فى شركتهم وعدم الكتابة إليه أو تلقى رسائل منه بإعتباره شخص ارتكب الجرائم التى ناقشوها. أما بخصوص هروبه فهذا يدل على أنه مذنبٌ بالدعاوى التى لم يبحثوها. كذلك أعلنوا فى هذا المرسوم أنهم قد اضطروا إلى توقيع هذا الحُكم عليه لأنه عندما أمر الامبراطور فى السنة الماضية بعقد مجمع فى قيصرية لم يذعن لأمر الامبراطور وترك اساقفة الشرق ينتظرونه وضرب بتعليمات الحاكم عرض الحائط. وزعموا أيضا أنه عندما انعقد مجمع صُور، توجه إلى المدينة بحشد كبير بقصد اثارة القلاقل والفوضى فى المجمع، وأنه رفض أحيانا الرد على التهم المثارة ضده وأحيانا أهان الأساقفة كلٌ على حدة، عندما اجتمع بهم. ولم يكن مطيعا فى أحيان أخرى، واعتبر آخرين غير جديرين بالحُكم. كما أعلنوا فى نفس الرسالة بأنه مذنب بكسر كأس سرائرية، وأن هذه الواقعة شهد عليها ثيوجينس اسقف نيقية، وماريس اسقف خلقيدونية، وثيودور اسقف هيراكليا، وفالنتينوس واورساكيوس، ومقدونيوس الذى أُرسِل إلى قرية فى مصر حيث قيل أن الكأس قد كُسِر فيها للتأكد من الحقيقة.
(2/25/11) وهكذا فصَّل الأساقفة كل من المزاعم ضد أثناسيوس على التوالى بنفس الأسلوب الذى يفعله السوفسطائيون عندما يرغبون فى تعليل افتراءاتهم.([70])
(2/25/12) ومع ذلك أدرك كثيرون من الكهنة الذين كانوا حاضرين المجمع عدم عدالة الاتهامات. فقد رُوِى أن آبا بافنوتيوس المعترف والذى كان حاضرا فى هذا المجمع نهض وأمسك يد مكسيموس اسقف اورشليم ليخرجه، كما لو كان المعترفون الذين نُزِعت أعينهم بسبب ايمانهم، ينبغى ألا يشاركوا فى مجمع الأشرار.

الكتاب الثانى: الفصل السادس والعشرون

(تشييد هيكل قنسطنطين الكبير فى الجلجثة وتكريسه)

(2/26/1) وقد كمل بناء الهيكل المدعو “المارتيريوم” الكبير الذى شُيَّد فى موقع الجمجمة بأورشليم فى حوالى السنة الثالثة عشر([71]) من حكم قنسطنطين، فجاء ماريانوس الموظف الرسمى الذى كان كاتب الامبراطور إلى صُور وسلَّم رسالة من الامبراطور إلى المجمع يأمرهم فيها بالتوجه بسرعة إلى اورشليم ليكرسوا الهيكل.
(2/26/2) وعلى الرغم من أن ذلك كان مُحدَّدا سلفا إلا أن الامبراطور رأى أنه من الضرورى أن يتطهر الأساقفة المجتمعون فى صُور من الشقاق والحزن قبل أن يتوجهوا إلى اورشليم لتكريس الهيكل بعد تسوية الأمور بينهم. لانه من اللائق للكهنة أن يكونوا بوحدانية الفكر فى احتفال كهذا، ولذلك عندما وصل الاساقفة إلى اورشليم كُرِّس الهيكل.
وأرسل الامبراطور هبات وزخارف عديدة ما زالت محفوظة فى المبنى المقدس. وكانت قيمتها وعظمتها إلى الحد الذى تثير دهشة كل مَن يراها. ومنذ ذلك الوقت يتم الاحتفال سنويا بتذكار يوم التكريس بإبتهاج عظيم من قِبل كنيسة اورشليم ويستمر الاحتفال ثمانية أيام ويستهل بالعماد، ويتجمع الشعب من سائر الأماكن تحت الشمس، خلال هذا الاحتفال ويزورون الأماكن المقدسة.

الكتاب الثانى: الفصل السابع والعشرون

(الكاهن الذى أغوى قنسطنطين بإعادة أريوس ويوزيوس)

(2/27/1) وانتهز الاساقفة الذين تبنوا مفاهيم أريوس هذه الفرصة لإعادته هو ويوزيوس([72]) Euzoïus إلى شركة التناول، وذلك بالسعى الحثيث إلى عقد مجمع فى مدينة اورشليم. ونفذوا رغبتهم على النحو التالى:
(2/27/2) كان هناك كاهن ما معجَبا بدرجة كبيرة بالمفاهيم الأريوسية وعلى صلة وثيقة بأخت الامبراطور. وفى البداية أخفى مشاعره، ولكن مع تكرار زيارته صار أكثر ألفة مع قنسطنطيا، فهذا هو اسم أخت الامبراطور قنسطنطين، فتشجع وصرَّح لها بأن اريوس قد نُفِىَّ من بلده ظلما، وطُرِح من الكنيسة بسبب غيرة وعداوة شخصية من الكسندروس اسقف كنيسة الاسكندرية. وقال أن هذه الغيرة كانت بسبب التكريم الذى أظهره الشعب له.
(2/27/3) وصدَّقت قنسطنطيا هذا العرض واعتبرته حقيقيا، ولكنها لم تتخذ أية خطوات فى حياتها لنقض مرسوم نيقية. وإذ تعرضت لمرض هددها بنهاية حياتها، توسلت لأخيها الذى جاء لزيارتها أن يهبها هذا المطلب كآخر معروف يسديه لها وهو أن يقبل هذا الكاهن المذكر عاليه الوثيق الصلة ويرتكن اليه كرجل ملِّم بالعقائد الصحيحة عن الألوهية. واضافت: من جانبى أنا على وشك الموت ولم أعد أهتم بهذه الحياة بيد أن الشعور الوحيد الذى اشعر به الان يثور من خوفى ان تتعرض لغضب الله وتعانى من أية ضرر أو تفقد امبراطوريتك لأنك حكمت على اشخاص بريئين وصالحين بعقوبة دائمة خطأً.
(2/27/4) ومنذ ذلك الوقت استقبل الامبراطور الكاهن، وبعد أن سمح له بالكلام معه بحرية فى ذات الموضوعات التى أوصته أخته عليها، رأى من المناسب عرض موضوع اريوس للبحث من جديد. ومن الممكن أن يكون الامبراطور قد تأثر فى اتخاذه لهذا القرار إما بالاعتقاد فى معقولية الهجوم، وإما مرضاة لرغبة أخته.
(2/27/5) ولم يمض وقت طويل حتى استدعى أريوس من منفاه وطلب منه أن يعرض كتابة ايمانه بشأن الألوهية. فتجنب اريوس استخدام مصطلحات جديدة كان قد ابتدعها سابقا، وعرض تفسيرا آخر بمصطلحات بسيطة معترف بها من الاسفار المقدسة، وأعلن بقسَم أنه يتمسك بالمعتقدات التى يسجلها فى هذه العريضة وأنه يتمسك بكل هذه العبارات ex animo وليس لديه أى فكر آخر سوى هذه. وكانت كما يلى:
من أريوس ويوزيوس الكاهنيَن إلى امبراطورنا الأتقى والمحبوب جدا لدى الله، قنسطنطين. بناء على أمركم ياسيادة الامبراطور حبيب الله، والتقى، نقدِّم هنا كتابة اقرار ايماننا ونحن نُظهِر أمام الله أننا وكل الموقعين معنا أننا نؤمن بما هو مسجل هنا. نحن نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل. وبإبنه الرب يسوع المسيح المولود منه قبل كل الدهور، الله الكلمة، به كان كل شىء مما فى السماء أو على الأرض. أتى وتجسد وتألم وقام ثانية، وصعد إلى السموات، ومن هناك سيأتى ثانية ليدين الأحياء والأموات. ونؤمن بالروح القدس. وبقيامة الأجساد والحياة الآتية، وبملكوت السموات. وبكنيسة الله الواحدة الجامعة المؤسسة على الأرض.
وقد تلقينا هذا الايمان من الأناجيل المقدسة التى قال الرب فيها لتلاميذه “اذهبوا وعلّموا جميع الأمم. وعمدوهم بإسم الآب والإبن والروح القدس”([73]). فإذا لم نؤمن بهذا ولم نتلق العقائد الخاصة بالآب والإبن والروح القدس كما تعلمناها من الكنيسة الجامعة والأسفار المقدسة كما نؤمن فى كل نقطة، فليكن الله ديان لنا الآن وفى اليوم الذى سيأتى فيه.
لذلك نناشد تقواكم ايها الامبراطور المحبوب بالأكثر من الله بما أننا معدودين ضمن اعضاء الاكليروس ولنا ايمان وفكر الكنيسة والاسفار المقدسة أن نصطلح جهارا مع أمنا الكنيسة بواسطة تقواكم السلامية حتى ما تكف المسائل والمنازعات عديمة الجدوى ونعيش نحن والكنيسة معا فى سلام، ونشترك كلنا فى الصلوات المعتادة لامبراطوريتكم التقية السلامية ولكل عائلتك.
(2/27/6) ولقد اعتبر كثيرون هذا الإعلان للإيمان تأليف محنك، إذ يحمل مظهر اختلاف التعبير([74])، بينما هو فى الحقيقة يدعم مذهب اريوس. فالمصطلحات التى صيغت بها هذه الرسالة غامضة وتحتمل تفسيرات متباينة.
(2/27/7) وظن الامبراطور أن اريوس ويوزيوس لهما نفس ايمان اساقفة نيقية وابتهج بهذا الأمر. ومع ذلك، لم يحاول ارجاعهما إلى شركة التناول بدون موافقة ورضاء أولئك الذين حسب قانون الكنيسة هم معلموا هذه الأمور.
(2/27/8) لذلك أرسلهما إلى الاساقفة الذين كانوا مجتمعين عندئذ فى اورشليم وكتب إليهم يرغِّبهم فى فحص اعلان الايمان هذا الذى قدَّمه اريوس ويوزيوس. وهكذا حثَّ المجمع على تبين ما إذا كانت عقيدتهما ارثوذكسية أم لا، وهل غيرة أعدائهما هى السبب الوحيد لإدانتهما أم لا، أم أن الذين لاموهما قد أدانوهما بلا سبب، أم أنهما قد غيَّرا رأيهما وهل القرار البشرى يدعمهما فى أىٍ من الحالات.
(2/27/9) وانتهز أولئك الذين كانوا منشغلين بهذا المطلب منذ زمن طويل هذه الفرصة تحت ستار رسالة الامبراطور هذه، وقبلوه فى شركتهم. وكتبوا فى الحال إلى الامبراطور نفسه وإلى كنيسة الأسكندرية، وإلى أساقفة وكهنة مصر وطيبة([75])وليبيا يحضونهم على قبول اريوس ويوزيوس فى شركة التناول حيث أن الامبراطور يشهد بصحة ايمانهما([76]) فى رسالة من رسائله، وتأيد حكم الامبراطور بصوت المجمع.
تلك كانت الموضوعات التى ناقشوها بحماس فى مجمع أورشليم([77]).

الكتاب الثانى: الفصل الثامن والعشرون

(خطاب الامبراطور إلى مجمع صُور، ونفى أثناسيوس بواسطة دسائس الحزب الأريوسى)

(2/28/1) وتوجه أثناسيوس عقب فراره من صُور، إلى القنسطنطينية. وعندما جاء إلى الامبراطور قنسطنطين، شكا له ما قد قاساه فى حضرة الاساقفة الذين أدانوه ورجاه أن يُخضع مرسوم صُور للفحص أمام الامبراطور.
(2/28/2) فرأى أن هذا المطلب معقول، فكتب إلى الاساقفة المجتمعين فى صُور ما يلى:
“اننى لا أعرف سبب الفوضى والاضطراب فى مجمعكم، ولكنه يبدو من عدم النظام المزعج أن القوانين التى سُنَّت لم تكن متسقة مع الحقيقة، وأن هياجكم الدائم بين بعضكم بعضا من الثابت أنه قد منعكم من التفكير فيما يسر الله. ولكنه سيكون من العناية الالهية أن تنبذوا الشر الناجم عن هذه المنازعات وأن تُعلنوا لنا بوضوح ما إذا كنتم لم تنقادوا فى احكامكم بدوافع حسد أو صداقة شخصية، لذلك آمركم بأن تحضروا جميعا إلىَّ بدون تأخير حتى يمكننا تلقى بيانا دقيقا بمعاملاتكم.
وسأشرح لكم سبب كتابتى هذه بهذا الاسلوب، وستعرفون مما يلى لماذا جمعتكم أمامى بواسطة هذا المستند. بينما كنتُ عائدا إلى المدينة التى تحمل اسمى، والتى اعتبرها بلدى الخاص، صادفنى وأنا امتطى ظهر حصانى اثناسيوس الاسقف مع لفيف من الأفراد فى عرض الطريق على نحو غير متوقع لدرجة اننى اندهشتُ للغاية عندما شاهدته. إن الله الذى يرى كل شىء شاهدٌ على أننى لم أعرف فى البداية مَن يكون، ولكنَّ بعضا من مرافقىّ أكدوا لى هذه النقطة واعطونى معلومات ضرورية عن الظلم الذى عانى منه. ومع ذلك لم امنحه فرصة المقابلة. غير أنه ثابر على طلب جلسة استماع على الرغم من رفضى لطلبه وكنتُ على وشك اصدار الأمر بطرده من حضرتى.
إلا أنه قال لى بشجاعة أنه لا يسأل معروفا آخر سوى أن استدعيكم إلى هنا لكى ما يشكو فى حضرتكم من الظلم الذى قاساه. وهو مطلب رأيتُه، معقولا وآنيا. لذا وجدتُ أنه من المناسب أن اكتب اليكم على هذا النحو وأن أأمر كل المجتمعين فى مجمع صُور بالإسراع إلى بلاطنا، حتى تعرضون بأعمالكم صفاء وصلابة قراراتكم أمامى أنا الذى تعترفون بأنى خادم حقيقى لله. فبغيرتى فى خدمته تثبَّت السلام فى كل مكان فى العالم وتم التسبيح بإسم الله بين البرابرة الذين كانوا إلى هذه الساعة يجهلون الحق، ومن الثابت أن كل مَن يجهل الحق لا يعرف الله ناهيكم عن أن البرابرة كما هو مسجل عاليه من خلال خدمتى قد تعلَّموا كيف يعرفون الحق وعبادة الله إذ ادركوا أن حمايته حالة علىَّ فى كل مكان وفى كل زمان وهم يبجلون الله بأكثر عمق خوفا من سطوتى. ولكننا نحن الذين يتعين علينا أن نُعلن سرائر الاحتمال (ولن أقول المحافظة عليها) ينبغى ألا نفعل أى شىء يؤدى إلى الكراهية أو الشقاق أو لنقل صراحة، إلى هلاك الجنس البشرى.
فتعالوا اذن إلى حضرتى كما قد قلتُ لكم، وتأكدوا أننى سأفعل كل شىء فى سلطتى للحفاظ على كل ما يخص شريعة الله المعصومة على نحو لا يمكن أن يسمح بأى خطأ أو عدم ارثوذكسية بينما يتخفى أولئك الأعداء للشريعة فى الاسم المقدس ويسعون إلى ادراج تجاديف متنوعة ومختلفة قد تم رذلها جهارا وسحقها تماما وتجاوزها بالتمام”.
(2/28/3) وقد أثارت هذه الرسالة خوفا لدى بعض الاساقفة لدرجة أنهم رحلوا قافلين إلى أوطانهم. ولكن يوسيبيوس اسقف نيقوميديا وحزبه ذهبوا إلى الامبراطور، وأعلموه أن القوانين التى سنها مجمع صُور ضد أثناسيوس مبنية على العدالة. واصطحبوا معهم كشهود ثيوجينس وماريس وفالنس واورساكيوس الذين اقروا أنه كسر كأسا سرائريا. وبعد تلاوة افتراءات أخرى كثيرة تغلبوا بإتهاماتهم.
(2/28/4) فما كان من الامبراطور، إما اقتناعا منه بصحة ادعائاتهم([78])، وإما تخيلا منه أنه بإستبعاد أثناسيوس سيُعيد السلام بين الاساقفة([79])، أن نفاه إلى تريف فى غرب الغال([80])، ولذا أُرسِل إلى هناك.([81])

الكتاب الثانى: الفصل التاسع والعشرون

(الكسندروس اسقف القنسطنطينية، يرفض قبول اريوس فى الشركة)

(2/29/1) وبعد مجمع أورشليم، توجه اريوس إلى مصر، وإذ لم يستطع أن يحصل على تصريح بالاشتراك فى التناول مع كنيسة الاسكندرية، عاد إلى القنسطنطينية حيث كان يجتمع فى هذه المدينة بمكر مع كل الذين تبنوا مفاهيمه وأولئك المناصرين ليوسيبيوس اسقف نيقوميديا بغرض عقد مجمع.
(2/29/2) ولذا بذل الكسندروس الذى كان يرأس كرسى القنسطنطينية كل جهده لفض هذا الاجتماع. وإذ ضاعت كل جهوده هباء رفض علانية كل عهود مع اريوس مؤكدا أنه ليس من العدل ولا من قوانين الكنيسة ابطال تصويت أولئك الاساقفة الذين اجتمعوا من كل مكان تحت الشمس تقريبا فى نيقية.
(2/29/3) وعندما ادرك حزب يوسيبيوس أن حُججهم لم تؤثر على الكسندروس لجأوا إلى التهديد بعزله من الكنيسة وتعيين آخر محله يكون مستعدا للشركة مع آريوس، وحددوا يوما معينا لذلك. وانتظر حزب يوسيبيوس ذلك اليوم الذى حددوه لتنفيذ خبثهم. وصلى الكسندروس من أجل منع تحقق كلام يوسيبيوس عمليا. وقد نجم خوفه بصفة رئيسية من حقيقة أن الامبراطور كان مستسلما [لهم].
(2/29/4) وفى اليوم السابق لليوم الذى حددوه طرح نفسه أمام المذبح واستمر طوال الليل فى الصلاة إلى الله لكى يمنع أعداءه من تنفيذ خطتهم ضده. وأخيرا، أصاب اريوس فى وقت العصر فجأة ألما فى معدته اضطره إلى الذهاب إلى مرحاض عام لقضاء الطبيعة. ومر وقت طويل ولم يخرج. فدخل بعض الرجال الذين كانوا ينتظرونه فى الخارج، فوجدوه ميتا وهو ما زال جالسا على المقعد.
(2/29/5) وعندما صار هذا الموت معلوما، لم ينظر كل الناس إلى هذه الواقعة  من ذات الجانب. فقد اعتقد البعض أنه مات فى نفس الساعة التى ألمَّ به مرض القلب فجأة، بينما رأى آخرون أنه كان يعانى من سِقم بسبب فرحته بحقيقة أن الأمر يجرى حسب ما فى ذهنه. بينما تصُور فريق ثالث أن هذا الموت على هذا النحو هو كأس القضاء عليه بسبب بدعته. أما الذين تبنوا مفاهيمه فيرون أن موته كان بفنون سحرية.
(2/29/6) ولن يكون خارجا عن الموضوع أن نقتبس هنا ما قد سجله اثناسيوس اسقف الأسكندرية عن هذا الموضوع. فها هى روايته:

الكتاب الثانى: الفصل  الثلاثون

(رواية اثناسيوس الكبير عن موت اريوس)

(2/30/1) “واذ قد اجتمع اريوس صاحب الهرطقة وشريكه يوسيبيوس أمام الطوباوى قنسطنطين اوجستوس([82]) بُناء على التماس حزب يوسيبيوس راغبين فى تقديم توضيح مكتوب بإيمانهما، فقد حررَّا ([83]) هذا المستند بحيلة كبيرة، وكمثل الشيطان اخفيا مزاعمهما الكافرة فى عبارات الكتاب المقدس البسيطة. وقال له الطوباوى قنسطنطين “اذا لم يكن هناك أمر ما آخر فى ذهنك غير ذلك، فاشهد للحق لأنك اذا حلفت زورا فإن الله سيعاقبك”.  فأقسم الرجل البائس بأنه لا يتمسك ولا يؤمن بمفاهيم خلاف ما هو مسجل الآن فى هذه الوثيقة حتى لو كان قد أكد عكس ذلك. وبمجرد أن خرج من لدنه، افتقدته الدينونة إذ انفجر فى الوسط. فالموت بالنسبة لجميع الناس بصفة عامة  هو نهاية الحياة، ولا يجب أن نلوم إنسانا حتى لو كان عدوا لأنه مات، لأنه ليس من المؤكد لنا ما إذا كنا سنعيش حتى المساء أم لا، بيد أن موت اريوس كان فريدا على نحو يسترعى الملاحظة. فقد هدَّد حزب يوسيبيوس بإعادة أريوس إلى الكنيسة، وعارض الكسندروس أسقف القنسطنطينية عزمهم. لقد وضع أريوس ثقته فى قوة وخبث يوسيبيوس، لأنه كان يوم سبت، وكان يتوقع أنه فى اليوم التالى سيُعاد قبوله. واشتد الجدل، وكان حزب يوسيبيوس هم الأعلى صوتا فى مكرهم، بينما لجأ الكسندروس إلى الصلاة. فكان أن أظهر الله الديان نفسه ضد الأثيم. فقبل غروب الشمس بوقت قليل، أجبرت ضرورة الطبيعة اريوس على اللجوء إلى مكان مخصص لهذا الطارىء وهناك فقد كلٌ من عودته إلى شركة التناول وحياته. واندهش قنسطنطين المبارك عندما سمع بهذه الواقعة واعتبرها برهانا على الحنث بالقسم. وصار من الثابت لكل أحدٍ أن مكر يوسيبيوس كان عقيما تماما، وأن توقعات اريوس كانت هباءً. وصار من الواضح أيضا أن جنون اريوس لا يمكن أن يكون فى معية المخلِّص لا هنا ولا فى كنيسة الابكار. أليس من المدهش اذن أن يوجد بعض الناس الذين مازالوا يحاولون تبرير ذاك الذى أدانه الله ويدافعون عن هرطقة برهن الله أنها غير مستحقة بإتبَّاعِها وذلك بعدم السماح لمبتدعها بدخول الكنيسة؟!!.”.
(2/30/2) ها قد اخبرنا بوضوح طريقة موت اريوس. وقد قيل أن الناس قد ظلوا لأمد طويل يتحاشون استخدام هذا المرحاض الذى مات فيه اريوس، وكان أولئك الذين يضطرون بفعل الطبيعة إلى أن يلجأوا إلى هذا المكان العام، كانوا مثلما هو الحال مع أى جبان، يتحدثون مع بعضهم البعض عندما يدخلونه ليتجنبوا ذلك المقعد.
(2/30/3) وسرعان ما هُجِر هذا المكان، فيما بعد لأن اريوس نال هناك جزاء كفره. وفى وقت لاحق، اشترى ثرىٌ مقتدر كان يتبنى عقيدة اريوس هذا المكان وشيَّد عليه منزلا حتى ما تتوارى الواقعة من الأذهان ولا يكون هناك تذكار خالد لموت اريوس.

الكتاب الثانى: الفصل  الواحد والثلاثون

(استمرار النزاع الاريوسى)

(2/31/1) ولم يُنه موت اريوس النزاع العقائدى الذى تسبب فيه. فأولئك الذين تبنوا مفاهيمه ظلوا يدبرون المكائد ضد الذين عارضوه.
(2/31/2) واحتج شعب الأسكندرية على نفى أثناسيوس وقدموا التماسات بعودته، وكتب انطونيوس الراهب المشهور الى الامبراطور مرارا يرجوه ألا يُصغى إلى مزاعم المليتيين بل يرذل اتهاماتهم بإعتبارها افتراءات.
(2/31/3) غير أن الامبراطور لم يكن مقتنعا بهذه الحُجج، وكتب إلى الأسكندريين يتهمهم بالغباء والسلوك بشغب. وأمر الكهنة والعذارى([84])، أن يلزموا الهدوء واعلن انه لن يغير رأيه ولن يُعيد أثناسيوس الذى قال عنه أنه مثير للشقاق وأنه قد أدين بعدل بحُكم من الكنيسة. ورد على انطونيوس بأنه يجب عليه ألاَّ ينقض مرسوم المجمع([85])لانه كما يقول حتى إذا كانت هناك قلة من الاساقفة كانوا يعانون من سوء النية أو الرغبة فى ظلم الآخرين، فإنه من العسير تصديق أن اساقفة ممتازين وفطناء كثيرين قد خضعوا لدوافع مثل هذه([86]). وأضاف أن أثناسيوس كان عنيدا ومستهزءً وعلة الشقاق والخصام. واتهمه اعداء أثناسيوس بالأكثر بهذه التهم لعِلمهم أن الامبراطور يمقتها على وجه الخصوص.
(2/31/4) وعندما وجد الامبراطور أن الكنيسة قد انشقت إلى فريقين واحد يؤيد أثناسيوس والآخر يؤيد يوحنا انتقل بالسخط ونفى يوحنا نفسه. ويوحنا هذا هو الذى تلى ميليتيوس وتم رده هو ومَن تبنوا نفس المفاهيم إلى شركة التناول والقيام بالوظائف الاكليريكية من قِبل مجمع صُور. وكان نفيه ضد رغبات اعداء أثناسيوس ولكن هذا ما حدث. ولم تفِد مراسيم مجمع صُور يوحنا إذ كان الامبراطور يُجيب على كل توسل أو التماس من أى نوع يخص شخص يشك فيه بأنه يدفع الشعب المسيحى إلى الخصام والشقاق.

الكتاب الثانى: الفصل  الثانى والثلاثون

(قنسطنطين يسن قانونا ضد كل الهراطقة ويحظر على الشعب الحصول على كنائس فى أى مكان خلاف الكنيسة الجامعة)

(2/32/1) وعلى الرغم من أن عقيدة اريوس قد لاقت تأييدا من قِبل كثيرين فى الجدال، فإنهم لم يُشكلوا حزبا لهم يمكن أن ينطبق عليه نعت اريوسيين كنعت مميز، ويجتمعون معا ككنيسة ويتناولون معا، فيما عدا النوفاتيين وأولئك المدعوين فريجيين والفالنتنيين والماركونيين والبولونيين وقلة أخرى من المشايعين للهرطقات المعروفة([87]).
(2/32/2) ومع ذلك سن الامبراطور قانونا يقضى بإزالة بيوت الصلاة الخاصة بهم وأن عليهم الاجتماع فى الكنائس وعدم اقامة كنائس فى بيوتهم الخاصة أو فى الاماكن العامة. واعتبر أن من الافضل الشركة فى الكنيسة الجامعة، ونصحهم بأن يجتمعوا داخل جدرانها.
(2/32/3) وبواسطة هذا القانون اختفت حسبما اعتقد كل الهرطقات تقريبا. ففى خلال العهود السابقة للإمبراطور كان جميع مَن يعبدون المسيح على اختلاف وجهات نظرهم فيما بينهم، يلقون نفس المعاملة من الوثنيين، وكانوا يُضطهَدون بقسوة بالتساوى. وقد جعلتهم هذه البلايا المشتركة التى يتعرضون لها لا ينشغلوا بفحص الاختلافات في وجهات النظر الموجودة بينهم، لذلك كان من السهل لأعضاء كل حزب أن يشكلوا كنيسة لأنفسهم دون ازعاج.
(2/32/4) ولكن بعد هذا القانون لم يعد من الممكن أن يجتمعوا فى الأماكن العامة لأن ذلك كان محظورا، ولا كانوا يقدرون أن يجتمعوا سرِّا لأنهم كانوا مراقبين من الاساقفة والاكليروس فى مدنهم. ومن ثمة أُقتِيد عدد كبير من هذه الطوائف خوفا من العواقب إلى الانضمام للكنيسة الجامعة. ولم يستطع أولئك الذين تشبثوا بمفاهيمهم الخاصة أن يخلفوا لهم تلاميذ عند موتهم ليحملوا هرطقتهم لأنهم لم يقدروا أن يجتمعوا معا فى نفس المكان، ولا كانوا قادرين أن يُعلِّموا سرا مَن كان لهم ذات مفاهيمهم.
(2/32/5) وبسبب سخافة التعاليم الهرطوقية أو الجهل التام لأولئك الذين يعلّمونها وينصحون بها، كان عدد الأتباع فى كل من هذه الرطقات قليلين جدا منذ البداية.
(2/32/6) بيد أن النوفاتيين وحدهم كان لهم قادة جيدون، وحافظوا على نفس التعليم الخاص بالألوهية والكنيسة الجامعة ولذا كان عددهم كبيرا منذ البداية وظلوا كذلك غير متأثرين كثيرا بهذا القانون. وأظن أن الامبراطور قد تساهل بإرادته معهم، لأنه أراد فقط أن يُرعِب اتباعه دون أن يقصد اضطهادهم([88]). وكان اكسيوس Acesius الذى كان اسقف هذه الهرطقة فى القنسطنطينية يحظى بتقدير كبير بسبب حياته التقية. ومن المحتمل أنه لهذا السبب تمتعت الكنيسة التى يرأسها بالحماية.
(2/32/7) وعانى الفريجيون والهراطقة الآخرون من نفس المعاملة فى سائر المقاطعات الرومانية، ما عدا فريجية والأقاليم المجاورة لأنهم كانوا يوجدون فيها منذ ايام مونتانوس بأعداد كبيرة وحتى الآن.
(2/32/8) وفى حوالى نفس الفترة، بدأت احزاب يوسيبيوس اسقف نيقوميديا، وثيوجينس اسقف نيقية فى تسجيل ابتداعاتهم بشأن الاعتراف الوارد فى مجمع نيقية كتابة. انهم لم يجرؤوا على [اعلان] معارضتهم بوضوح للتأكيد([89]) بأن “الابن مساوىٍ للآب فى الجوهر” لأن هذا التأكيد كان معتمدا من الامبراطور، ولكنهم اصدروا وثيقة اخرى، ونسبوها إلى الاسقافة الشرقيين [يقولون فيها] انهم قد قبلوا الاصطلاح النيقاوى بتفسيرات شفاهية. وبهذا الاعلان والتفكير فيه، انتعش من جديد الجدل الذى كان يُعتقَد أنه قد وُضِع جانبا.!!

الكتاب الثانى: الفصل الثالث والثلاثون

(هرطقة مارسيللوس اسقف انقيرا، وخلعه)

(2/33/1) وفى نفس هذه الفترة، عُزِل مارسيللوس  Marcellusاسقف أنقيرا Ancyra بغلاطية، ونُبِذ من الكنيسة بواسطة الاساقفة المجتمعين بالقنسطنطينية لأنه ادخل بعض التعاليم الجديدة والتى علَّم بها أن وجود ابن الله قد بدأ بولادته من مريم، وأن لمُلكه انقضاء. وأكثر من ذلك حرَّر كتابا يعرض فيه آراءه.
(2/33/2) فإنزعج باسيليوس([90]) وهو رجل بليغ جدا ومتعلم، مع اساقفة ايبارشية غلاطية، فكتبوا إلى اساقفة الاقاليم المجاورة لكى يجمعوا نسخ كتاب مارسيللوس ويحرقوها وأن يردوا كل مَن يكون قد تبنى مفاهيمه([91])، وسجلوا أن العمل كان ضخما إلى الحد الذى لا يسمح بمعالجته كله فى رسالتهم، ولكنهم أدرجوا بعض الاقتباسات من فقراته لكى يبرهنوا على أن التعاليم التى أدانوها كانت واردة بهذا العمل.
(2/33/3) ومع ذلك زعم بعض الأشخاص أن مارسيللوس قد عرض فقط بعض الأسئلة التى اساء انصار يوسيبيوس تفسيرها، وقدَّموها للامبراطور على أنها اعترافات. وكان يوسييوس وحزبه حانقا بشدة على مارسيللوس لأنه لم يكن راضيا بالتعاريف الموضوعة فى مجمع فينيقية، ولا بالترتيبات التى أتُخِذَت فى صالح اريوس فى اورشليم، ورفض أيضا حضور تكريس المارتيريوم الكبير لكى يتجنب التناول معهم. وقد ركزوا بشدة على هذا الظرف الأخير فى رسالتهم إلى الامبراطور وابرزوه كتهمة زاعمين أنها إهانة لشخصه ألا يحضر تكريس الهيكل الذى شيده فى اورشليم.
(2/33/4) وكان الدافع لمارسيللوس  Marcellusعلى كتابة عمله هذا هو أن آستيريوس Asterius الذى كان حكيما ومواطنا كبادوكيا كان قد كتب مقالة دفاعا عن التعاليم الاريوسية وقرأها فى عدة مدن، وللاساقفة بالمثل، وفى المجامع العديدة التى حضرها. فأراد مارسيللوس أن يدحض حججه. وبينما هو منشغل بهذا، سقط بقصد أو بدون قصد فى تعاليم بولس الذى من ساموسطا Samosata. ومع ذلك، عاد فتراجع فى رسالة رعوية فى مجمع ساردس مبرهنا أنه لم يقصد هذه المفاهيم.

الكتاب الثانى: الفصل الرابع والثلاثون

(وفاة قنسطنطين بعد عماده، ودفنه بهيكل الرسل القديسين)

(2/34/1) وكان الامبراطور قد قسَّم بالفعل الامبراطورية بين ابنائه والذين كانوا يُنعَتون بالقياصرة. فأعطى الأقاليم الغربية لقنسطنطين([92]) وقنسطانس، والأقاليم الشرقية لقونسطانتيوس. وإذ شعر بتوعك المزاج، التمس أن ينال نعمة الحميم فتوجه لهذا الغرض إلى مدينة هيللينوبولس ببثينية. ومع ذلك، ازداد المرض عليه فذهب إلى نيقوميديا وهناك نال المعمودية المقدسة فى إحدى ضواحى المدينة. وبعد الاحتفال شعر بإبتهاج وشكر الله.
(2/34/2) وعندئذ أكد تقسيم الامبراطورية بين ابنائه طبقا لتقسيمه السابق، واسبغ مزايا معينة على روما القديمة وعلى المدينة التى دُعِيت بإسمه. ووضع وصيته بين يدى ذلك الكاهن الذى كان مشايعا دائما لاريوس، والذى اوصته عليه أخته قنسطانتيا فى أواخر حياتها بأنه رجل ذو حياة فاضلة، وأمره بقسَمٍ أن يسلمها لقنسطانتيوس عند عودته، لأنه لم يكن معه عند وفاته لا قنسطانتيوس ولا غيره من القياصرة.
(2/34/3) وبعد الانتهاء من هذه الترتيبات لم يعش قنسطنطين سوى أيامٍ قليلة، وتوفى عن عمر خمسة وستين سنة، فى السنة الواحدة والثلاثين من حكمه.
(2/34/4) لقد كان حاميا قويا للديانة المسيحية، وأول الاباطرة الغيورين على الكنيسة واسبغ عليها المزايا العديدة. وكان الأكثر نجاحا بين سائر الاباطرة فى كل انجازاته لأنه كما اعتقدُ لم يقم بأى إجراء بدون [مشورة] الله. لقد انتصر فى حروبه ضد القوط والساراميين، وفى الحقيقة فى سائر عملياته الحربية. وغيَّر شكل الحُكم طبقا لرأيه بكل سهولة حتى أنه أنشأ سينات  senateآخر، ومدينة امبراطورية أخرى اسبغ عليها اسمه، وقضى على الديانة الوثنية فى زمن قصير([93]) على الرغم من أنها سادت لعصُور طويلة بين الامراء والشعب.
(2/34/5) وبعد وفاته وُضِع جثمانه فى تابوت من الذهب ونُقِل إلى القنسطنطينية ووُضع فى ساحة معينة من القصر الذى راعى أولئك الذين فيه نفس المراسيم والتكريم الذى كانوا يقدمونه له فى حياته.
(2/34/6) وعندما سمع قنسطانتيوس بوفاة ابيه، وكان آنذاك فى الشرق اسرع إلى القنسطنطينية ونقل الرفات المَلكية بأقصى تعظيم وأودعها فى المقبرة التى كانت قد شُيِّدت بأمر المتوفى فى كنيسة الرسل.
ومنذ تلك الفترة، جرت العادة على دفن الاباطرة فى نفس مكان الدفن.
وهنا كان الاساقفة بالمثل يدفنون لأن الكرامة الكهنوتية ليست فقط تعادل كرامة السلطة الامبراطورية، ولكن فى المواضع المقدسة تأخذ الأولوية.
[1] – زك20:14
[2] – يوضح سوزمينوس هنا أن من ضمن مصادره، “التقليد” الصحيح السند، والسجلات المدونة سلفا.
[3] – أو هيلينا، كما لفظها البعض.
[4] –  من الواضح أنه فى القرون الأولى كان يُطلَّق على المتبتلات أو المكرسات أو الراهبات إسم “العذارى”. فنسمع عن القديس انطونيوس أنه قد أودع أخته “بيت” [أى دير، بالمعنى الحالى] للعذارى. وأن القديس آمون أودع زوجته لدى “العذارى”.. وهكذا.
[5] – ويلفظها البعض أيضا أوغسطا.
[6] – أى المدن الكبيرة.
[7] – مدينة إزميت الآن بتركيا.
[8] – العاصى الآن.
[9] – “تُرُوى” هى المعروفة بالعربية بمدينة طروادة. وقد اكتشفت بعثة المانية أطلالها حديثا، وكانت تقع فى جنوب غرب اناتوليا بتركيا حاليا وفى شمال غرب الدردنيل (الذى كان يُعرف بإسم هيلسبونت).
[10] – هيلسبونت مضيق بحرى يربط بحر إيجة ببحر مرمرة، ويفصل المضيق ما بين شاطئ آسيا الصغرى وشبه جزيرة جاليبولي في الجانب الأوروبى، وهما من الأراضي التركية. ويُعرف حاليا بالدردنيل. وكان هذا المضيق مسرحا لمعركتين حربيتين أولاهما بين قنسطنطين وابنه الأكبر سنة 324م.
[11] – أى فى زمن سوزمينوس.
[12] – ويكتبها البعض أيضا، “تيراس”. وهي منطقة تاريخية وجغرافية في جنوب شرق البلقان تضم شمال شرق اليونان وجنوب بلغاريا وتركيا الأوروبية. وتطل تراقيا على ثلاث بحار: البحر الأسود، وبحر إيجة، وبحر مرمرة، وهناك تداخل في حدود تراقيا التاريخية وحدود مقدونيا التاريخية.
[13] – ترِد فى الكتابات العربية المصرية بالشكل “خلقيدونية”، و”خلقيدونيا”. كما ترد فى مواقع البحث أيضا بالشكل خلقدون. كما تنوع لفظها أيضا فى اللغة الانجليزية (أنظر مواقع البحث تحت كلمة خلقدون) وهى الآن ضاحية من مدينة اسطامبول بإسم (قاضى كوي) Kadıköy
[14] – بيثينيا هي منطقة قديمة في شمال غرب آسيا الصغرى، تجاور بحر مرمرة والبسفور والبحر الأسود.
[15] – بيزنطة، أو بيزنطية، أو بيزنطا، بالانجليزية Byzantium. هي مدينة إغريقية قديمة كانت تقع علي مضيق البوسفور بتركيا. أُسسها بيزاس ابن نيسوس ملك ميغارا عام 658 ق.م.، فدُعِيَّت بإسمه. وفي عام 335م جعلها الإمبراطور قنسطنطين عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية، فأصبح يُطلَق عليها القنسطنطينية. وعندما غزا العثمانيون هذه البلاد أطلقوا عليها (إسلام بول). ثم دُعِيَت الآستانة. وحاليا تُعرف بإسم إسطنبول أو اسطمبول.
[16] – وتكتب أيضا فى الكتب العربية القديمة “اسطر”. وهو نهر الداونب حاليا.
[17] – أو قورين، أو قوريني، أو قورينا. هى مدينة تاريخية قديمة يونانية ورومانية بالقرب من المدينة الحالية “الشحات” في الجبل الأخضر بأقصى شمال شرق ليبيا، وتبعد عن مدينة البيضاء بحوالي عشرة كيلومترات.
[18] – “بوريوم” هى المدينة المندثرة “البوريقة” بالقرب من “بنغازى” الحالية بليبيا.
[19] – أو جوليان أو يوليان.
[20] – استاديا، معربة لفظا للكلمة الانجليزية  stadeعن اللاتينية  stadiumعن اليونانيةstadion ، هى أساسا وحدة قياس اغريقية قديمة للمسافات، وعرَّفها هيرودوت بأنها تساوى 600 قَدم. ولما كانت هناك أطوال مختلفة للقَدم تبعا للدول، فإن طولها بالضبط قد اختلف أيضا على الصعيد المكانى تبعا للدول، وعلى الصعيد الزمنى من حقبة لأخرى للبلد الواحد . أنظر عن ذلك :
Gulbekian, Edward (1987). “The Origin and Value of the Stadion Unit used by Eratosthenes in the Third Century BC”. Archive for History of Exact Sciences 37: 359–363
[21] – طبعا ذلك لحكمة إلهية حتى لا يُنسَب الشفاء إلى المادة المستخدمة لإظهار الفعل الإلهى.
[22] – انظر عن ذلك “صلاة الصلح” بالقداس الغريغورى، للكنيسة القبطية، “لا ملاك ولا رئيس ملائكة إتمنته على خلاص جنس البشر…”.
[23] – هى مدينة الخليل الآن بالضفة الغربية.
[24] – اسقف قيصرية، وهو كما قلنا سابقا شبه اريوسى.
[25] – وثنية من الوثنيين.
[26] – التى للوثنيين.
[27]  – “إلى المدينة” بالطبع من السهل تصور المقصود بهذه العبارة، وهو “إلى العاصمة”. والطريف أن كلمة “اسطمبولى” الدارجة فى الخطاب الشعبى الشرقى، تعنى “نحو المدينة” أو “إلى المدينة”.
[28] – أى الفرنسيون.
[29] – يمكننا أن نتصور هذه الشعوب عندما نعرف مسار نهر الدانوب. فهو أطول أنهار الإتحاد الأوروبي. ويعبر أو يحاذي عشرة دول أوروبية. وينبع من الغابة السوداء في ألمانيا ويصب في البحر الأسود مُكَوّناً دلتا تشترك فيها ثلاث دول هي رومانيا ومولدافيا وأوكرانيا.
[30] – نلاحظ هنا أن سوزمينوس يحدد هذا الجنس بأنه يعيش (فيما وراء أرمينيا). وهذا صحيح حيث هناك أجناس ايبيرية نزحت الى القسم الشرقى خلال القرون السابقة للميلاد وشكلت القبائل التى اطلق عليها المؤرخون اليونان والرومان القدامى الايبريين الشرقيين، أو القوقازيين. وهم خلاف سكان شبه جزيرة أَيْبِيرِيَا التى هى دول جنوب غرب أوربا حاليا.
[31] – ويُكتب فى الكتب العربية القديمة أيضا بالشكل “شابور” وهو بن هرمز بن نرسى، ويلقب بذى الأكتاف لدى المؤرخين العرب. وهو سابور الثانى الذى حكم بلاد فارس (ايران الحالية) فى الفترة 309- 379م.
[32] – من التاريخ المدنى نعلم أن هذا المرسوم بفرض ضرائب ثقيلة على المسيحيين صدر حوالى سنة 344م.
[33] – تكرر هذا الاسلوب فى ازمنة أخرى، مثلما فعل بعض الحكام العرب مع قبط مصر، أنظر تعليق عبد العزيز جمال الدين فى مقدمته على تاريخ البطاركة المنسوب لساويرس بن المقفع، نشر مكتبة مدبولى، ص19.
[34] – واضح اذن من اشارة سوزمينوس هذه أن اللون الأسود كان على الأقل منذ زمن سوزمينوس هو لون الحداد فى الشرق.
[35]– تعيد الكنيسة القبطية بتذكار استشهاده فى اليوم التاسع عشر من شهر برمودة القبطى وتسميه (سمعان الأرمنى اسقف بلاد فارس الذى استشهد ومعه 149 آخرون فى زمن سابور بن هرمز ملك فارس). وهو مذكور أيضا فى سجلات شهداء الكنيسة اليونانية والكنيسة الرومانية. ويحتفلون بتذكاره فى الغرب يوم 23 ابريل. ويرى البعض أن استشهاده كان حوالى سنة 344م.
[36] – هذا يردد أصداء قصة “سوسنة العفيفة” المذكورة فى العهد القديم.
[37] – أى المجوس.
[38] – نلاحظ هنا تأثير سريانى فى الاسم، أو ربما أن صاحبه سريانى بالفعل، فالإسم يعنى “عبد ايسوس” أى عبد المسيح بالعربية.
[39] – واضح أنه آخر، وليس مكررا.
[40] – ولكن بالطبع اسماءهم منقوشة فى سفر الحياة أمام العرش الالهى.
[41] – يقصد الذبائح الدموية.
[42] – وثنية.
[43] – أى أن سوزمينوس مُقتنعٌ بأن اعتلاء أثناسيوس الرسولى لكرسى الاسكندرية كان بإرادة إلهية. أنظر (2/17/6) بعده.
[44] – واضح هنا تميز سوزمينوس، بوصفه مُلم باللغة السريانية، بمصادره السريانية عن سقراتيس. مما يجعل كلاهما يُثريان معا التاريخ الكنسى.
[45] – نلاحظ أن كلمة ” قيل”، هنا قد يُفهم منها أنه يسجل كلاما سماعيا، لكنها فى الواقع ليست كذلك كما أشرنا فى مقدمتنا فهذه الرواية وردت فى تاريخ روفينوس الذى سجله كملحق لكتاب يوسيبيوس القيصرى.
[46] – يقصد البابا الأسكندرى بطرس الـسابع عشر فى العدد.
[47] – يقول الاب متى المسكين، فى كتابه “القديس أثناسيوس …” (ص57 ، 58) أن هذا المجمع قد دبَّر له اسقف نيقوميديا الاريوسى عن قصد ليُطيح بأحد أنصار مجمع نيقية الأوفياء، وذلك عن طريق تلفيق تهم معينة بعيدة عن العقيدة وإنما تمس الذات المَلكية. وحقق ما يريد سنة330م وظل فى منفاه حتى توفى سنة 358م. ولكن الشعب الانطاكى لم يقبل بديلا عنه طوال حياته، وظل كذلك لمدة طويلة بعد وفاته.
[48] – أى الامبراطور.
[49] – أى قد اتهم يوسيبيوس النيقوميدى وثيوجنيس، البابا أثناسيوس الرسولى.
[50] – الأسقف الميليتى الذى رسمه المليتيون بعد وفاة مليتيوس إمعانا فى ترسيخ الشقاق فى الكنيسة المصرية.
[51] – يقصد كل مَن يريد الإنضمام الى الكنيسة.
[52] – وهو الأمر الذى لم يف به كما سنرى.
[53] – السياسة هى السياسة فى كل زمان ومكان، فتبا لها. فبينما نقرأ هذا الكلام من قنسطنطين ونعجب به على إدراكه للإفتراءات وإنحيازه للحق وللعدالة دفاعا عن البرىء كما قال، وعن سلام الكنيسة، سنرى بعد قليل كأس المر الذى أذاقه لأثناسيوس هو وإبنه قنستانتيوس من بعده، ومع ذلك ينعته كاتب سيرته بالسنكسار القبطى “بالقديس”!!، وتُلّقبه الابصلمودية السنوية “بالبار”!!، ورغم أنه مُعمَّد من اسقف أريوسى، فى رأى أغلب الباحثين حتى الآن.
[54] – “الهندية” هكذا وردت فى النص الانجليزى لدى سوزمينوس وكذلك سقراتيس وثيودريت. وفى الواقع، اعتمد هؤلاء جميعا بصفة رئيسية على عمل روفينوس الاكويللى التاريخى، الذى قام بترجمة كتاب يوسيبيوس القيصرى “تاريخ الكنيسة” إلى اللاتينية بتصرف كبير كما ذكر، وأضاف إلى هذه الترجمة كتابيَن من عنده ليروى تاريخ الكنيسة من حيث انتهى يوسيبيوس إلى أيامه هو. وهذا الفصل لدى سوزمينوس وسقراتيس ومَن بعدهما من المؤرخين، يعتمد هنا على رواية روفينوس مع تغيير طفيف فى بعض التفاصيل. المهم بالرجوع الى روفينوس تبين لى أنه قد استخدم بالفعل كلمة “هند”. ويُعلق Michael whitby فى ترجمته لعمل روفينوس أنه استخدم عبارتىَّ India citerior & India ulterior  وترجمهما إلى( & further India  hither India). ثم قال أن روفينوس كان يقصد  بلاد ساحل البحر الاحمر حاليا، وأن المملكة التى يشير إليها هى مملكة أكسوم التى هى حاليا أثيوبيا. وبذلك اتفق النص هنا مع الترجمات القبطية القديمة التى تربط فرومنتيوس بالحبشة. ويمكننا بالتالى فهم السياق التاريخى الوارد فى هذا الفقرة، بيسر.
[55] – الفيلسوف اليونانى القديم، وليس المؤرخ القسطنطينى فى القرن الخامس الميلادى السابق الذكر والذى كتبناه بالشكل سقراتيس تمييزا له عنه.
[56] – هى صُور بدولة لبنان حاليا.
[57] – أى ( البلاد الداخلية للبحر الاحمر) كما قلنا فى هامش سابق.
[58] – يمكننا أن نتصور هنا خط الرحلة من صور الى “الهند” هذه بأنها كانت برا من صور الى ميناء ما على خليج السويس الحالى، ثم مركبا من هناك إلى الجهة التى ينوى الذهاب إليها. ومن هنا قال أنه ركب مركبا  “إلى مصر”.
[59] – لم يزودنا روفينوس بإسم هذا الميناء رغم أنه استقى القصة من اديسيوس كما قال، وكذلك لم يذكر سقراتيس ولا سوزمينوس أى شىء وهما أقرب زمنيا إلى هذه البلاد، ولا حاول أحدهما تحقيق الرواية جغرافيا، غير أننا يمكننا أن نخمن أنه كان فى مكان ما على الساحل الشرقى للقرن الأفريقى، فكل الدلائل تشير الى أن المملكة المشار إليها هى مملكة اكسوم القديمة (أى اثيوبيا اليوم).
[60] – فى الواقع ظل تسمية سكان المناطق الداخلية لإفريقيا فى الكتابات الغربية حتى العصور الوسطى هى الهنود. على غرار الهنود الشرقيين، والهنود الحمر فى قارة امريكا.
[61] – أى إلى ملك أكسوم. ومن التاريخ الإثيوبى نعلم أنه كان على الأرجح ابرهة الأول أو إيزانا. ويذكر لوريمر فى كتابه “تاريخ الكنيسة”، ص26، نشر دار الثقافة، أنه توجد بالفعل نقوش على أحجار يرجع تاريخها إلى عصر الملك ايزانا (325-350م) تشير إلى تحوله إلى المسيحية. كذلك وصلتنا عملات أثرية ترجع إلى ذات الفترة عليها بالفعل علامة الصليب. ويرى أن هذا الملك هو الطفل الذى ساعده فرومنتيوس فى الحكم.
[62] – بالفعل تحدثنا التواريخ المبكرة عن علاقات تجارية نشطة بين مملكة اكسوم والاقطار الرومانية عبر الموانىء المصرية وأنها ظلت كذلك الى القرن العاشر الميلادى. أنظر تاريخ المسيحية الشرقية لعزيز سوريال عطية، ترجمة اسحق عبيد، المجلس الأعلى للثقافة، 2005م، ف8. وكذلك، يوسيبيوس القيصرى، “حياة قنسطنطين”، 1:7:4.
[63] – أى واصفا له حالة شؤون الحبشة (التى هى مملكة أكسوم آنذاك، واثيوبيا حاليا).
[64] – لاحظ هذه الكلمة، التى تقدم لنا درسا من وراء الدهور.
[65] – أى “وهكذا كان أصل الكهنوت الاثيوبى”. واضح أن سوزمينوس وسقراتيس لا ينقل من المصدر الذى يعتمد عليه نقلا مباشرا، ولكنه يصوغ ما قد قرأه بأسلوبه الخاص. فالقصة وردت لأول مرة لدى روفينوس الاكويللى (صاحب هستوريا مونوخورم باللاتينية، انظر التاريخ الرهبانى، للمعرب) الذى يقول أنه قد سمعها من فم اديسيوس مباشرة. وهى مذكورة لديه بحوار شيق، بين البابا اثناسيوس الرسولى وفرومنتيوس فى كتابه “ت.ك.”،9:10. وقد نقل عنه هذا الحدث، كاتب تاريخ البطاركة فى حياة البابا اثناسيوس. أما عن كرازة فرمونتيوس فى الحبشة، فهى معترف بها فى سائر الكراسى الرسولية التى تعتبر فرومنتيوس مبشر الحبشة، وقديس تحتفل بتذكاره الكنيسة الكاثوليكية فى الغرب يوم 27 أكتوبر، والكنيسة القبطية يوم 28 ديسمبر، وبالطبع الحبشة فى أول أغسطس. وتدعوه الكنيسة الحبشية “أبونا” وهو لقب لا يعادل نفس الكلمة لدى الاقباط، وإنما يُطلَق فى الحبشة على الاسقف أو البطريرك، كما تدعوه “آبا سلامة ” أى “أبو السلام” وأيضا بلغتهم “Kesate birhan ” أى “مُعلِن النور” أو “كاشف النور”. والواقع أن هذا اللقب الأخير قد أطلقت قبيلة اوكمبانى فى كينيا مثيلا له على الأب سيرابيون المقارى الذى كان أول مَن خدم هذه القبيلة فى سبعينات القرن العشرين، حيث سمَّته “فاذر موتيسـو” وكلمة “موتيسو” بلغتهم تعنى “فج النور” أى ما يقابل بلغتنا “الفجر”. أى “أبو الفجر”. وقد تشرَّف المعرب بالإشتراك معه فى وقت لاحق فى خدمة هذه القبيلة لبعض الوقت. وقد صار الآن فى العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين الميلادى، من أبنائها، كهنة مباركين يخدمون رفقائهم، وراهبة أيضا بأحد أديرة الراهبات بمصر.
[66] – الذى عينه مليتيوس خليفة له.
[67] – اى اسخاريوس.
[68] – لاحظ أثر مهنة المحاماة التى كان يمارسها سوزمينوس على أسلوبه التاريخى، من كلمات مثل “دحض”، و”طلب تأجيل” و”استكمال الفحص”..الخ.
[69] – يقصد أن القضاة لم يوّقعوا القصاص القانونى عليهم سواء لإدعائهم بتهم لا أساس لها، أو على الشهود لشهادتهم شهادة زور.
[70] – لاحظ هنا خبرة سوزمينوس كمحامى.
[71] – استخدم سوزمينوس هنا، مثل سقراتيس، تاريخا date بدا مفهوما فى أيامهما، ولكن يتفاوت تقديره الآن من كاتب لآخر، وذلك لإختلاف نظم التقويم الحالية( وهذه محل دراسة خاصة بها، خارج سياقنا الآن). على أية حال يذهب الأب متى المسكين فى كتابه “القديس أثناسيوس” أن مجمع التدشين هذا كان فى حوالى سنة 341م.
[72] – أو اوزيوس.
[73] – مت 19:28.
[74] – عما كان يقوله سلفا، وبسببه حُكِم عليه من مجمع نيقية.
[75] – “مصر وطيبة” تعبيرٌ فى الكتابات القديمة يقابل اليوم “وجه بحرى، ووجه قبلى” أو “مصر السفلى” و”مصر العليا”(الصعيد). أنظر “التاريخ الرهبانى فى القرن الرابع الميلادى” للمترجم، نشر دار باناريون.
[76] – لاحظ هنا أسلوب الترهيب، وأن الذى يستخدمه رجال الاكليروس الأعلى(حسب الظاهر). فهل السلطة الزمنية المدنية هى التى تملك تقرير “صحة العقيدة” من عدمها، أم أن ذلك من اختصاص “السلطة الدينية العليا”. ولكن بالطبع بما أنهم اريوسيين كان لابد من أن يبحثوا عن “سيف الحاكم” لدعم هواهم عملا بالقول العربى “الحاكم يُذِع بالسيف ما لا يذاع بالوعظ”.
[77] – حسب آميدون، انعقد فى حوالى سنة 335م.
[78]– فهو كبشرى كان بالتأكيد يردد، ما يقوله أى فرد الآن فى أى موقف لا يعرف حقيقته اذا كان سليم الطوية، أو يتبنى آراء الطرف المُدعِى “معقول كل هؤلاء الناس على خطأ وأنتَ وحدك فقط الذى على صواب”. وكثيرا ما سمعتُ هذه المقولة بنفسى من كثيرين فى دفاعهم عن موقف ما شرير، فى تجاهل تام لحقيقة “شهود الزور” وسهولة شراء الضمائر بالمال.
[79]– وأيضا هذه إحدى وسائل الادارة، فى أى مجال، التى تعتمد على استبعاد شخص ما من موقع معين أو دائرة معينة مع اليقين التام ببرائته من أجل تجنب شرور الطرف الآخر الأكثر شرا. مُسلِّمين أمر البرىء لله، أو متكلين على أن الله سيعينه ويقويه فى محنته.
[80]– الغال هى فرنسا حاليا، اما “تريف” فهى حاليا مدينة فى جنوب غرب ألمانيا ضمن مقاطعة “راينلاند- بفالز”.
[81]– وهذا هو النفى الأول لأثناسيوس. ويقدره المسكين بحوالى 335- 337م.
[82] – لاحظ نعت أثناسيوس لقنسطنطين “بالطوباوى” رغم انحيازه للأريوسيين ونفيه له.
[83] – أى اريوس.
[84] – كان لقب العذارى فى ذلك الوقت يعنى المُكرسَات للخدمة الكنسية (أى الشماسات) كما فى حالة العذراء التى اخفت البابا أثناسيوس، أو الراهبات كما فى حالة آبا آمون النتريتى عندما أودع زوجته فى بيت للعذارى (أى دير، بالمفهوم الحالى) على سبيل المثال لا الحصر. أنظر: “التاريخ الرهبانى…” سابق الذكر.
[85] – يقصد هنا مجمع صُور الاريوسى الميليتى الذى عُقِد اساسا لنفى أثناسيوس، وكما نقول بالتعبير القانونى اليوم اصدر الحُكم قبل المداولة.
[86] –  أنظر هامشنا رقم 201.
[87]– عن هذه الهرطقات وغيرها أنظر ورقتنا البدع والهرطقات منذ القرن الميلادى الأول وحتى اليوم.
[88] – أرى أن المقصود هنا أن الامبراطور قد أراد أن يُرعِب فقط أتباع الرطقات وليس اضطهادهم. وهذه – فى نظرى – كانت سياسة حكيمة منه، عكس مَن خلفوه الذين اضطهدوا عن عمد وبوحشية واساليب دموية الكنيسة غير الخلقيدونية كما سنرى حالا.
[89] – الصادر من مجمع نيقية.
[90] – باسيليوس الكبير صاحب القداس الشهير بإسمه فى الكنيسة القبطية.
[91] – إلى عقيدة الكنيسة الجامعة.
[92] – الاصغر.
[93] – تاريخيا عادت وبأكثر شراسة فى عهد يوليانوس (ليس المرتد كما يُنعَت فى كتب التاريخ، إذ لم يكن مسيحيا قط كما سنرى من عرض سوزمينوس هنا لاحقا) وإنما الخدّاع، والذى دام حُكمه مدة حوالى أربع سنوات.

Leave a Comment