تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الثاني – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

  فى هذا الأصحاح :

(1) وصية داود الأخيرة لسليمان (ع1- 9).
(2) موت داود وقيام مملكة سليمان (ع10- 12).
(3) طلبة أدونيا وتصرف سليمان إزاءه (ع13- 25).
(4) تصرف سليمان إزاء أبياثار (ع26، 27).
(5) تصرفه إزاء يوآب (ع28 – 34).
(6) إقامة بناياهو قائداً للجيش وصادوق رئيساً للكهنة (ع 35).
(7) تصرف سليمان إزاء شمعى (ع36 – 46).

1 – وصية داود الاخيرة لسليمان (1 :9)

1 – ولما قربت أيام وفاة داود أوصى سليمان ابنه قائلاً :
شعر داود أن الموت أصبح قريباً منه، وأراد أن يزود ابنه سليمان ببعض النصائح التى تنفعه فى حياته. والواجب على كل أب أن يعتنى بتوصية أولاده بما فيه خيرهم وسلامهم.
وقد تضمنت وصية داود ناحيتين، ناحية روحية (ع2: 4) وتوجيهات سياسية واجتماعية تتعلق ببعض الأشخاص الذين كانت لهم مواقف بارزة فى حياة داود، وهم يوآب وبنو برزلاى وشمعى بن جيرا (ع 5 – 9).
أولاً : الناحية الروحية فى وصية داود
2 – أنا ذاهب فى طريق الأرض كلها. فتشدد وكن رجلاً.
استهل داود وصيته لسليمان بعبارتين إحداهما خبرية : ” أنا ذاهب فى طريق الأرض كلها”، والثانية إنشائية فى قوله : ” فتشدد وكن رجلاً “.
( أ ) ” أنا ذاهب فى طريق الأرض كلها “، وهذا الطريق هو الموت، الطريق الذى ينقل كل إنسان من حياته الوقتية إلى الحياة الأخرى الأبدية، ودعى “طريق الأرض كلها” لأنه يعنى الطريق الذى يعبره جميع البشر، حتى الملوك أنفسهم لأنه (أى إنسان يحيا ولا يرى الموت؟)
(ب) ” فتشدد وكن رجلاً “: إنه أمر يقصد به النصح والإرشاد يعلمه فيه :
(1) أن (يتشدد) فلا يخاف أو يجبن بل يتذرع بالقوة التى يعطيها له الرب، قوة الروح وقوة العزيمة وقوة الرأى والقوة فى تأدية جميع واجباته وأعماله.
(2) وأن عليه أن يتحلى بصفات وأخلاق وعزيمة الرجال، ولا يتصرف تصرفات الأحداث النزقين(1) والطائشين.ولعل سليمان تذكر فيما بعد نصيحة أبيه هذه عندما قال فى أمثاله وحكمه : “ويل لك أيتها المدينة إذا كان ملكك ولد ورؤساؤك يأكلون فى الصباح. طوبى لك أيتها المدينة إذا كان ملكك ابن شرفاء ورؤساؤك يأكلون فى الوقت للقوة لا للسكر”. وهو يوضح بذلك أن هناك أناساً يعتبرون بالحقيقة رجالاً فى أفكارهم وتصرفاتهم سواء أكانوا فى سن الرجال حقيقة أو دون الرجال فى سنهم، ويوجد أناس يعتبرون أولاداً لطياشتهم حتى إن كانوا متقدمين فى سنهم.
والإنسان الذى يعيش فى رجولة حقيقية يحيا حياة سالمة ناجحة.
3- احفظ شعائر الرب إلهك إذ تسير فى طرقه وتحفظ فرائضه و وصاياه وأحكامه وشهاداته كما هو مكتوب فى شريعة موسى لكى تفلح فى كل ما تفعل وحيثما توجهت.
(1) إن الطريق ليتشدد ويكون رجلاً هو أن يحفظ أولاً (شعائر الرب) والمقصود بها بوجه عام أوامره وتعاليمه المكتوبة فى شريعة موسى.
وداود عشق ناموس الرب ووصاياه ولهج بها نهاراً وليلاً وترنم بها مراراً فى مزاميره، وهو يحث ابنه سليمان لكى يتمسك بها أيضاً، كما أمر الرب شعبه قديماً وقصها على أولادك.
(2) وحفظ (شعائر الرب) بجعله :
( أ ) (يسير فى طرقه)، الطرق الأمينة التى تجعله يعمل الخير ويحيد عن الشر.
(ب) ويحفظ (فرائضه) أى كل ما فرضه الرب على أولاده فى كلمته المحيية، ولعل (الفرائض) تشير بنوع خاص إلى الفرائض الروحية التى يمارسها المؤمن خصوصاً فى عبادته.
(ج) وداود يعطيها معنى أوسع لأنها تشمل (وصاياه) التى أوصى بها عبده موسى، و(أحكامه) وهى القوانين التى سنها فى ناموسه وهى تعتبر أحكاماً لأن الشعب مطالب بحفظها كما أنهم يحاكمون ويحاسبون بمقتضاها، (وشهاداته) لأن كلمة الله شاهدة بمحبة الرب لشعبه وأعماله العجيبة لأجلهم وهى تشهد أيضاً بأبوته لهم ورغبته فى خيرهم وغيرته على خلاصهم.
(3) وماذا تكون ثمرة حفظه شعائر الرب والسلوك فى طريقه؟ لقد أوضح له ذلك بقولـه : ” لكى تفلح فى ما تفعل وحيثما توجهت “، فحفظ كلمة الرب هى طريق النجاح لكل مؤمن (فى كل ما يفعل) أى فى جميع أعماله، وكذلك حيثما توجه، أى فى جميع طرقه واتجاهاته.
ما أعظم الشبه بين هذه الوصية ووصية الرب ليشوع عندما خلف موسى فى قيادة شعبه حيث قال له الرب : ” إنما كن متشدداً أو تشجع جداً لكى تتحفظ للعمل حسب كل الشريعة التى أمرت بها موسى عبدى. لا تمل عنا يميناً أو شمالاً لكى تفلح حيثما تذهب. لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك بل تلهج فيه نهاراً وليلاً لكى تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه لأنك حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح ” (يش 1 : 7، 8).
4 – لكى يقيم الرب كلامه الذى تكلم به عنى قائلا إذا حفظ بنوك طريقهم وسلكوا أمامى بالأمانة من كل قلوبهم وكل أنفسهم قال لا يعدم لك رجل عن كرسى إسرائيل.
كان الرب قد وعد داود أن يثبت الملك فى بيته (2صم 7 : 12 – 16)، ويوضح داود لسليمان هنا أن وعد الله له كان مشروطاً بأن :
( أ ) بحفظ بنوه (طريقهم) أى يحفظوا طرقهم من الشر.
(ب) وأن يسيروا أمام الرب بالأمانة من كل قلوبهم وكل أنفسهم، بكل أحاسيسهم وضمائرهم وأرواحهم أيضاً وبسلوكهم هكذا لا يعدم لداود رجل (عن كرسى إسرائيل). أى يقيم الرب ملوكاً من نسله يجلسون على كرسى المملكة مادامت مملكة إسرائيل قائمة.
ولقد ردد صاحب المزمور المائة والثانى والثلاثين ويرجح أنه سليمان نفسه قول داود هذا حيث قال : ” أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه. من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك. إن حفظ بنوك عهدى وشهاداتى التى أعلمهم إياها. فبنوهم أيضاً يجلسون على كرسيك ” (مز 132 : 11 – 12).
وقد حقق الرب كلامه لأن الملك بقى فى بيت داود على شعب إسرائيل عندما كانت المملكة متحدة، ولما انقسمت المملكة فى أيام رحبعام بن سليمان أبقى الرب أيضاً المُلك فى بيت داود على مملكة يهوذا إكراماً لداود عبده (1مل11).
ثانياً : توجيهات داود السياسية المتعلقة ببعض الأشخاص
( أ ) من ناحية يوآب
5 – وأنت أيضاً تعلم ما فعل بى يوآب ابن صروية. ما فعل لرئيسىْ جيوش إسرائيل أبنير بن نير وعماسا بن يثر. إذ قتلهما وسفك دم الحرب فى الصلح وجعل دم الحرب فى منطقته التى على حقويه وفى نعليه اللتين فى برجليه.
(1) كان يوآب قائداً لجيوش داود، وكان مخلصاً له، غير أن إخلاصه شابه الكثير من الأخطاء، فهو عمل أعمالاً بدون استشارة داود، مع ما فى هذا من الخروج عن طاعة الملك وعدم احترامه الاحترام الكامل، فقد قتل أبشالوم رغم أن الملك أوصى بالرفق به   (2صم18). ومن أكبر الشرور التى عملها قتله أبنير ثم عماسا غدراً لأنه ظن أنهما ينافسانه مركزه (2صم3, 20).
وقد عبر داود عن غدر يوآب بقوله :
( أ ) ” وسفك دم الحرب فى الصلح ” ويعنى هذا أنه بالرغم من أنه كان هناك صلح ووفاق بين شعب الله، حتى بين يوآب وكل من أبنير وعماسا، ولكن يوآب قتل هذين البريئين وهما مسالمان له، وهكذا سفك الدم الذى لا يُسفك إلا فى الحروب، سفكه فى مجال السلام والأمن.
(ب) ” وجعل دم الحرب فى منطقته التى على حقويه وفى نعليه اللتين فى رجليه “، تناثر دم البطلين على منطقته التى على حقويه، ونعليه اللتين فى رجليه، والكلام يكنى على أن يديه قد تلطختا بالدم البرئ، بل إن يوآب جعله قد تلطخ بهذا الدم. وما كان أكبر الشبه بينه وبين يهوذا الذى قال لمعلمه (السلام يا معلم)، بل وقبله فى فمه، وجعل من سلامه المزيف وقبلته المغشوشة وسيلة لتسليم سيده إلى صالبيه.
(2) ” منطقته التى على حقويه ” والمنطقة هى الحزام الذى يشد به الجندى أو العامل وسطه، لتعطيه قوة على العمل الشاق، وعلى الوقوف أو السير الطويلين وكان المحاربون يعلقون السيف فى المنطقة أيضاً، وأحياناً يجعلون عليها الحراب الذى فيه السهام والذخيرة.
6- فافعل حسب حكمتك ولا تدع شيبته تنحدر بسلام إلى الهاوية.
(1) ينصح داود سليمان بأن يتصرف مع يوآب بحكمته فلا يجعله يحيا حتى يموت موتاً طبيعياً ويدفن فى القبر فى شيخوخته بسلام، وإنما يأمر بقتله.
(2) ولم يقتل داود يوآب فى حياته لأنه كان محتاجاً إليه فى حروبه الكثيرة من جهة وربما لأنه بينهم عهد بألا يسئ إليه. ولعله كان ينوى قتله فى الوقت المناسب. وهو الآن يرى الوقت المناسب قد حان فطلب من سليمان أن يقتله :
( أ ) تنفيذاً لشريعة الله التى تأمر بقتل القاتل (خر2 :  ، عد 35 : 16). ولو تساهل داود فى أمره لابنه كان كل من داود وسليمان مطالبين بدم المقتولين البريئين.
(ب) وقد كان داود لا يخشى من غدر يوآب به شخصياً، ولكن بعد انضمام يوآب لأدونيا ومساعدته على إعلان نفسه ملكاً، ربما خشى أن يدبر يوآب مع أدونيا مؤامرة جديدة ضد سليمان وخوفاً من أن يعيش سليمان مهدداُ أو أن يحاول يوآب الاعتلاء على سليمان رأى من الحكمة أن يعمل سليمان على التخلص منه.
(3) رغم (شيبة) يوآب، وشيخوخته، ورغم أنه أفلت من الإعدام أعواماً كثيرة، إلا أن عدالة الله طالبت بموته، وظلت خطيئته عالقة به حتى انتقم الرب منه لأن (الذى يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً).(غلا6: 7).
(ب) من ناحية بنى برزلاى الجلعادى
7 – وافعل معروفاً لبنى برزلاى الجلعادى فيكونوا بين الآكلين على مائدتك لأنهم هكذا تقدموا إلىَّ عند هربى من وجه أبشالوم أخيك.
(1) لم يذكر داود إساءة الأشخاص الذين أساءوا إليه وقد يسيئون إلى سليمان أيضاً فقط، بل ذكر إحسان الذين أحسنوا إليه ويطلب من سليمان ابنه أن يكافئهم.
(2) ومن أهم الأشخاص الذين أظهروا محبة وإحساناً نحو داود (برزلاى الجلعادى). وقد كان رجلاً عظيماً من مدينة روجليم شرقى الأردن، وعندما عبر داود الأردن هرباً من ابنه أبشالوم وأقام فى مدينة محنايم، جاء إليه برزلاى وشوبى وماكير واستقبلوه استقبالاً حسناً وقد قدموا له ولرجاله مقادير وفيرة من الطعام والفراش والأوانى، ويظهر أن برزلاى كان يقدم هذه العطايا من وقت لآخر حتى قيل عنه إنه عال الملك فى محنايم     (2 صم 19 : 35).
ولما فشلت حركة أبشالوم وقتل وأراد الملك أن يعبر الأردن ليعود إلى أورشليم عاصمته، شيعه برزلاى بحرارة، وعرض عليه الملك أن يأتى معه إلى أورشليم ليعيش معه مكافأة له على حفاوته به، ولكن برزلاى اعتذر لكبر سنه، واكتفى بأن يذهب ابنه مع الملك ويعيش معه (2صم 17 : 27 – 29، 19 : 31 – 39).
(3) وهنا يوصى داود سليمان لكى يذكر معروف برزلاى ويكرم بنيه وأحفاده سواء الذين كانوا فى أورشليم أو الذين كانوا لا يزالون شرقى الأردن ويجعلهم (من الآكلين على مائدته). والأكل على مائدة الملك علامة للصداقة والثقة الكاملة والتكريم.
(ج) توصية بشأن شمعى
8 – وهوذا معك شمعى بن جيرا البنيامينى من بحوريم. وهو لعننى لعنة شديدة يوم انطلقت إلى محنايم وقد نزل للقائى إلى الأردن فحلفت له بالرب قائلاً إنى لا أميتك بالسيف.
كان شمعى بن جيرا رجلاً عظيماً له نفوذ كبير فى سبط بنيامين. ويذكر داود هنا:
( أ ) إساءته إليه عندما كان هارباً من وجه إبنه أبشالوم حيث كان يسب الملك ويلعنه بأشر العبارات ويرشقه بالحجارة وينثر التراب أمامه احتقاراً له.
(ب) ثم يذكر داود عمله الحسن بعد ذلك، لأنه بعد أن قُتل أبشالوم أراد الملك أن يعبر الأردن إلى ضفته الغربية ليعود إلى ملكه، كان شمعى من أول الذين استقبلوه وقد كان معه ألف رجل من سبط بنيامين، وسقط على وجهه أمام الملك واعترف بأثمه، وخاضوا جميعاً الأردن أمام قارب الملك ومعهم باقى المحتفين بالملك من سبط يهوذا وقد عفا عنه داود فى ذلك اليوم وحلف له بالرب أنه لن يقتله (2صم 19 : 15 – 23).
وقول داود لسليمان (وهوذا معك شمعى بن جيرا) : أى هوذا أمامك، ويقصد من هذه العبارة أن يلفت نظره إليه ويذكره بتصرفاته القديمة وتحذيره منه.
9 – والآن فلا تبرره لأنك أنت رجل حكيم. فاعلم ما تفعل به. وأحدر شيبته بالدم إلى الهاوية.
(1) إن داود قد حفظ عهده مع شمعى ولم يقتله، ولكنه كان يعلم جيداً أن ذلك الرجل خطير ونفوذه كبير فى سبطه، وربما لم يستطع شمعى أن يعمل عملاً آخر ضد داود لأنه كان يعلم قوة داود وحذره ويقظته. وخشى داود أن يقوم هذا الرجل اللئيم بفتنة ضد سليمان إبنه الذى كان لا يزال شاباً فى سن العشرين تقريباً، فلكى يحافظ على سلامة سليمان، وعلى أمن المملكة والشعب حذر ابنه سليمان منه فقال له :
( أ ) (فلا تبرره) أى لا تعتبره بريئاً من الذنب بل اعتبره مجرماً لأنه سب مسيح الرب وثار ضده.
(ب) وقد قال داود لابنه ” لأنك رجل حكيم. فاعلم ما تفعل به ” أى أنك رجل حكيم، وبحكمتك تدرك قولى بشأن هذا الرجل ولا تغتر باعترافه بذنبه قديماً لأنه لا يزال رجلاً ماكراً وخطيراً، وبحكمتك أيضاً تستطيع أن تتصرف إزاءه حتى لا يكون سبب تنغيص عليك وسبب خطر على المملكة وسلامة الشعب.
(ج) وقد أوضح ما يجب أن يفعله به حيث قال : ” فاحدر شيبته بالدم إلى الهاوية ” أى لا تدعه يعيش حتى يموت موتاً طبيعياً بل اقتله واسفك دمه، لأنه أضمر فى قلبه منذ سنوات أن يقتلنى ويبدد شمل شعب الله.
(والهاوية) كان يقصد بها القبر وأحياناً كان يقصد بها مقر الأرواح.
(2) يعترض الكثيرون على توصية داود بشأن شمعى ويظنون أنه حنث بقسمه، ونرى:
( أ ) أن داود وفى بوعده وبقسمه طول حياته.
(ب) وإن كان يوصى سليمان بالحذر من شمعى وقتله فكما ذكرنا خوفاً من أن يقوم بحركة مضادة لسليمان وفيها خطورة على سلامة الشعب.
(ج) وحتى إن اعتبر البعض داود مخطئاً، فالكتاب لنزاهته يروى الوقائع كما حدثت حتى إن ذكر بها الأخطاء للصديقين، هذا بالإضافة إلى أن داود مجرد إنسان له فضائله وله أخطاؤه، وليس كاملاُ إلا الرب يسوع حمل الله الذى بلا عيب.

موت داود وقيام مملكة سليمان ( 10 :12)

10 – واضطجع داود مع آبائه ودفن فى مدينة داود . 11 – وكان الزمان الذى ملك فيه داود على إسرائيل أربعين سنة. فى حبرون ملك سبع سنين وفى أورشليم ملك ثلاثا وثلاثين سنة. 12 – وجلس سليمان على كرسى داود أبيه وتثبت ملكه جداً.
(1) رقد داود واضطجع مع آبائه بسلام، ودفنوه فى عاصمته التى دعاها مدينة داود، وهى جبل صهيون الذى فى أورشليم (2صم5)، وكان فيها تابوت عهد الرب والخيمة المؤقتة التى وضعه فيها.
(2) يذكر هنا الوحى عدد السنين التى ملك فيها، ويصرف النظر عن الشهور من باب التقريب كما هو المعتاد فى كثير من الظروف. وتفصيل مدته قد ذكرت فى (2صم5 : 4، 5). حيث يذكر أن مدة حكمه إجمالاً بأنها أربعون سنة، ويفصلها بأنه ملك فى حبرون سبع سنين وستة أشهر وفى أورشليم ثلاث وثلاثين سنة أى أن المدة كاملة أربعون سنة وستة أشهر.
(3) خلفه ابنه سليمان الذى ” جلس على كرسى داود أبيه ” و” تثبت ملكه جداً ” أى أصبح وطيداً وقوياً لا يزعزعه أى خطر.وهكذا مات ملك وقام بعده ملك، وهكذا لا يدوم المُلك لإنسان، وحتى إذا كان الوحى قد قال عن مُلك سليمان إن مُلكه (تثبت جداً)، فقد كان ثباته إلى حين، لأن حياته لم تخل من المنغصات، ولأنه مات أيضاً مثل سائر آبائه، وملك ابنه بعده. وليس يدوم إلا ملك الله وحده.
تأمل : بين داود والرب يسوع المسيح
أولاً: نواح رمزية
(ا) إن داود كان من سبط يهوذا، والرب يسوع قد جاء من سبط يهوذا بالجسد وقد تحققت فيه نبوة يعقوب : ” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتى شيلون ولـه يكون خضوع شعوب ” ( تك49: 10),  كما جاء تبارك اسمه من بيت داود نفسه.
(2) رعى داود غنم أبيه، والرب يسوع هو راعى شعبه، وقال عن نفسه ” أنا هو الراعى الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف ” (يو10: 11).
ويروى داود فى اختباراته أنه كان حارساً أميناً وقتل أسداً ودباً لكى يخلص منهما خروفاً واحداً. والرب حافظ على رعيته، وسيظل يحفظها إلى التمام حتى إنه يقول: “الذين أعطيتنى لم يهلك منهم أحد “.(يو17: 12).
(3) واجه داود جليات وصرعه والرب واجه الشيطان والموت والخطية والعالم وكل قوى الشر وصرعها جميعاً.
(4) إن داود صار ملكاً لشعبه، والرب هو الملك الذى جاء من نسل داود وقد هتف اليهود له : ” أوصنا يا ابن داود. مبارك الملك الآتى باسم الرب مباركة مملكة أبينا داود”.(مر11: 9, 10) ولقد اعترفوا بملكه غير أنهم لم يفهموا طبيعة هذا الملك وحسبوه ملكاً أرضياً، ولكن الرب أعلن أنه بالحقيقة ملك الملوك ورب الأرباب، ولكنه ملك روحى، ومملكته ليست من هذا العالم.
(5) حارب داود لأجل شعبه، وخلصهم، ونزع العار عنهم، والرب بموته قهر قوى الشر، ونزع العار عن البشر، وأعطى عبيده خلاصاُ أبدياً.
(6) عندما أقاموا داود ملكاً مسحوه بالدهن المقدس، والرب يسوع ملكنا ممسوح بالروح القدس المتحد به وبأبيه الصالح. يشير إلى تقديسه ذاته لخدمة البشر وتحقيق خلاصهم، وقد قال فى ذلك على لسان إشعياء ” روح الرب علىَّ “.(إش 61: 1).
وإن كان داود قد دعى (مسيح الرب) بالإضافة، كما دعى غيره من الملوك، فإن هذا يعنى أن الرب مسحهم ليخصصهم للعمل الذى أسنده إليهم ليخدموا شعبه، أما الرب يسوع فهو وحده الذى دعى (المسيح) بصيغة التعريف وبدون إضافة، لأنه به وحده قد تم الفداء والخلاص، وليس فى مقدور البشر أن يحققوا شيئاً من هذا إذ ليس بأحد غيره الخـلاص   (أع4: 12). وهو وحده المسيح القدوس القادر أن يخلص إلى التمام الجميع، ومسحته لم تكن وقتية مقيدة بزمان ولكنه قد مسح منذ الأزل ليقوم بهذا العمل الذى كان فى قصد الله وتدبيره.
(7) قيل عن داود إنه “خدم جيله ” ( أع 13: 36), ولقد خدم شعبه بالحقيقة، والرب يسوع أعلن أنه ما جاء ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين (مت20: 28),   (مر10: 45) وكثيراً ما خدم الناس، ومع أنه كان المعلم لتلاميذه فإنه لم يكن بينهم كالذى يتكئ بل الذى يخدم (يو13: 1-15).
(8) كان داود إنساناً تقياً وجده الرب ” حسب قلبه “، والرب يسوع هو الملك البار القدوس الذى بلا خطية وحده.
(9) لاقى داود شدائد واضطهادات، وطارده شاول وأراد قتله رغم أنه خدمه بأمانة وثار عليه أبشالوم ابنه، وأهانه شمعى بن جيرا، وشبع بن بكرى، إلى غير ذلك، وكثيراً ما لجأ إلى الكهوف والمغارات، والرب يسوع اضطهده شعب اليهود الذين دعاهم خاصته (يو1: 11), وخانه يهوذا تلميذه، وأنكره بطرس الذى كان من أحب رسله إليه وتركه التلاميذ وهربوا. وكثيراً ما عيَّره الشعب وقاوموه وكثيراً ما كان يأوى إلى البستان أو إلى الجبال ليبيت أو يستريح حتى قال عن نفسه : ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه ” (مت8: 20).
(10) إن داود كان رجل صلاة وتسبيح وترنيم باعتباره إنساناً تقياً يعبد الرب، والرب يسوع قيل عنه مراراً إنه كان يصلى ويسَّبح، ولكن ليس صلاة التعبد، وإنما صلاته كانت عواطف المناجاة والوحدة والحب الأزلى بينه وبين أبيه وروحه القدوس إذ هو الواحد معهما فى الجوهر (يو17).
(11) رغم أن داود اضطهد، ولكنه كثيراً ما صفح عن مضطهديه، فلم يمد يده بالسوء إلى شاول لأنه مسيح الرب (1صم26: 11 )، وعفا عن شمعى الذى سبه (2 صم19 )، والرب يسوع عامل مقاوميه بكل رفق، فعندما رفض السامريون أن يمر فى إحدى مدنهم وطلب إليه تلميذاه يوحنا ويعقوب أن ينزل ناراً من السماء لتحرقهم أعلن لهم أنه جاء لا ليهلك الناس بل ليخلصهم (لو9: 51-56), وإذ ضربه عبد لرئيس الكهنة كلَّمه بكل رفق وهدوء (يو18), وحتى عندما صلبه اليهود طلب لهم المغفرة ( لو23)، وهو لا يزال يمد يده إلى الخطاة والأشرار والأعداء لكى يقبلوا إليه فيقبلهم فى محبته لأنه قد قال ” من يقبل إلىَّ لا أخرجه خارجاً ” (يو6: 37).
(12) لم يعمل مع داود أناس من شعبه فقط بل عمل معه أشخاص من شعوب غريبة، من أدوميين وحيثيين وكريتيين ويبوسيين وغيرهم، ولعل فى هذا صورة لكنيسة المسيح التى جمعت وتجمع المؤمنين، ليس من إسرائيل بل من جميع الشعوب والألسنة ومن جميع أصقاع العالم، وقد أعلن عمومية الخلاص به عندما قال لتلاميذه : ” لى خراف أُخَر” ,  عندما أمر تلاميذه قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ” (مت 28 :19).
(13) وتنبأ داود كثيراً عن الحوادث التى تحققت فى شخص المسيح المبارك فقال: “العار كسر قلبى”  (مز69: 20) وتنبأ عن تسليم يهوذا له (مز41 ) وعن موت يهوذا وخراب بيته وأن إنساناً آخر يأخذ وظيفته ( مز96: 25), وتنبأ عن صلب المسيح، وتقسيم ثيابه بين صالبيه، (مز 22: 18), وتنبأ الله بأن يكون سلطانه على كل الأمم بقولـه:  “… فأعطيك الأمم ميراثاُ ” وقد تحقق هذا فى شخص المسيح الذى تجثو باسمه كل ركبة مما فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ( فى2: 10), والذى قيل عنه إن ممالك الأرض تكون للرب ولمسيحه (مز2: 2).
(14) وشهد داود بالروح عن الرب يسوع، فأعلن أنه الابن الوحيد الأزلى فقال : (أنت ابنى أنا اليوم ولدتك) (مز2: 7), وشهد بالوهيته وربوبيته حيث قال: ” قال الرب لربى اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك ” ( مز110: 1 )، وعن كهنوته الأبدى على طقس ملكى صادق (مز110: 4), وعن قيامته من الأموات حتى لا يرى جسـده فساداً كما سنرى (مز16: 10).
ثانياً : نواحى اختلاف
(1) رغم تقوى داود وبره فقد وقع كبشر فى أخطاء جسيمة قبل خطأه مع أوريا الحثى وزوجته، أما الرب يسوع فهو الكامل وحده، الذى لم يعرف خطية ولم يوجد فى فمه غش (1بط2: 22).
(2) إن مُلك داود قد زال ومِلك ابنه بعده، أما الرب يسوع فملكه لا يزول : “سلطانه سلطان أبدى وملكوته ما لا يزول ولا ينقرض” (دا 7 : 14),  وقد أعلن الملاك هذا الأمر عندما قال للسيدة العذراء البتول : ” ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو 1 : 32، 33).
(3) مات داود ودفن مثل باقى آبائه ورأى جسده الفساد مثل بنى البشر، ولكنه كان قد تنبأ بالروح عن الرب يسوع بقوله: ” لأنك لم تترك نفسى “. ولقد علق القديس بطرس الرسول على هذه النبوة معلناً أنها تشير إلى قيامة المسيح من الأموات وعدم تسلط الموت عليه إذ كان غير ممكن أن يمسك منه، فقال القديس بطرس : ” أيها الرجال الأخوة يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الآباء داود أنه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم. فإذ كان نبياً وعلم أن الله حلف بقسم إنه من ثمرة صُلبه يُقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح إنه لم تُترك نفسه فى الهاوية ولا رأى جسده فساداً ” (أع 2 : 29 – 31).
( 13 : 25 )
13 – ثم جاء أدونيا ابن حجيث إلى بثشبع أم سليمان. فقالت أللسلام جئت. فقال للسلام . 14 – ثم قال لى معك كلمة. فقالت تكلم.
(1) كان سليمان قد عفا عن أدونيا فلم يقتله أو يصادر أملاكه، بل أمره أن يذهب إلى بيته ويمارس أعماله (ص1: 53). ولو أن أدونيا قنع بهذا وعاش كأخ للملك وتعاون معه لعاش فى سلام. ولكنه تصرف تصرفاً غير حكيم سبب له الهلاك، وكان من الواجب أن يتريث فى أمره ويدرسه من جميع نواحيه ويعرف الأخطار التى قد تحيط به قبل أن يقدم على عمله.
(2) وقد لجأ أدونيا إلى (بثشبع) أم سليمان، لكى تكون واسطته فى تحقيق غايته، وطلب أن يتكلم إليها فأصغت إليه لكى يقول ما يدور بخاطره.
15 – فقال أنت تعلمين أن المُلك كان لى وقد جعل جميع إسرائيل وجوههم نحوى لأملك. فدار المُلك وصار لأخى لأنه من قبل الرب صار له.
(1) بدأ كلامه بقوله إن الملك كان له لأنه كان الابن الأكبر بعد موت أخيه الأكبر منه سناً، وقد كان جميع الشعب يتطلعون إلى أحقيته بالمُلك ويتوقعون أن يملك عليهم، ووافقوا على تمليكه عندما أعلن نفسه ملكاً.
(2) ومع ذلك فإن الملك قد آل لأخيه سليمان مع أنه اصغر منه سناً.
(3) وكان أدونيا معتدلاً فى كلامه لأنه قال إن تمليك سليمان كان ” من قبل الرب ” أى بإرادته ومسرته.
16 – والآن أسألك سؤالاً واحداً فلا تردينى فيه. فقالت له تكلم
قال: والآن أطلب إليك طلبة وأرجو أن تحقيقيها ولا ترفضيها، وطلبت إليه بثشبع أيضاً أن يقول لها عن طلبته.
17 – فقال قولى لسليمان الملك لأنه لا يردك أن يعطينى أبيشج الشونمية امرأة.
(1) طلب إليها أن تسأل سليمان أن يعطيه أبيشج الشونمية سرية داود ليتزوجها، وأنه يثق أن سليمان لا يرد لها طلباً لأنها أمه.
(2) إن الغرض الظاهرى لطلبة أبيشج غرامه بجمالها الرائع (ص1: 4)، غير أن غايته قد تؤول بتأويلات سياسية خطيرة، فإن الملك الجديد هو الذى كان يرث عن الملك القديم كل شئ، حتى زوجاته وسراريه إن أراد. وقد كان من بين مشورات أخيتوفل على أبشالوم أن يأخذ سرارى أبيه لنفسه فيسمع الشعب ويتأكدوا أن الملك قد تثبت لأبشالوم    (2صم16: 21)، وربما كانت غاية أدونيا الحقيقية أن يتزوج أجمل سرارى أبيه، وبذلك يكون وارثاً للملك وتكون هذه خطوة لمحاولة استرداد الملك لنفسه.
18 – فقالت بثشبع حسناً. أنا أتكلم عنك إلى الملك.
(1) لم تمانع بثشبع أن تتوسط له لدى الملك ووعدته بأن تعرض طلبته أمامه.
(2) يرى البعض أن بثشبع أدركت أنه يطلب أبيشج طمعاً فى الملك، وأنها علمت أن سليمان سيغضب من أخيه ويقتله، ولذلك وافقت أن تعرض طلبة أدونيا عليه حتى يقتله سليمان ولا يكون له منافسون بعد.
(3) ولكن الأرجح جداً أن بثشبع لم تفكر فى هذا الأمر، وأخذت كلام أدونيا ببساطة وفهمت أنه يريد مجرد الزواج من أبيشج، وأرادت أن تحقق له غايته، مجاملة له، لكى تجتذبه إلى محبة سليمان وعدم التفكير فى القيام بأى عمل عدائى ضده.
19 – فدخلت بثشبع إلى الملك سليمان لتكلمه عن أدونيا. فقام الملك للقائها وسجد لها وجلس على كرسيه ووضع كرسياً لأم الملك فجلست عن يمينه.
دخلت بثشبع لتعرض على سليمان طلبة أخيه أدونيا، وبالرغم من أن سليمان قد أصبح الملك فإنه لم ينس واجبه نحو أمه، فبمجرد أن رآها قام للفور عن كرسيه وسجد لها احتراماً وتعظيماً، وجلس على كرسى المُلك، ووضع كرسياً آخر يمينه لتجلس عليه الأم. والجلوس عن اليمين علامة الإكرام الوافر، لأنها أمه من جهة ولأنها الملكة الأم من جهة أخرى، وهو بذلك يحقق قول المزمور “جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير” (مز45: 9)، وحرى بالأولاد أن يكرموا والديهم حتى إن أصبحوا هم فى أعلى المراكز وحتى إن تقدم والديهم فى السن أو ساءت حالتهم.
20 – وقالت إنما أسألك سؤالاً واحداً صغيراً لا تردنى.  فقال لها الملك اسألى يا أمى لأنى لا أردك.
قالت إنها تطلب منه طلبة تعتبرها صغيرة وفى إمكانه أن يحققها وطلبت إليه ألا يرد طلبتها، فأجابها سليمان أن تقول طلبتها ووعد بأن يحققها ولا يخيب رجاءها لأنها أمه.
21- فقالت لتعط أبيشج الشونمية لأدونيا أخيك امرأة.   22 – فأجاب الملك سليمان وقال لأمه. ولماذا أنت تسألين أبيشج الشونمية لأدونيا. فاسألى له الملك لأنه أخى الأكبر منى. له ولأبياثار الكاهن وليوآب بن صروية.
(1) استشاط سليمان غضباً ويظهر أنه قد خطر بباله فى الحال أن أدونيا يطلب أبيشج كخطوة لإعلان سلطته وأحقيته بالملك (شرح ع 17)، وخطر بباله أن أبياثار ويوآب هما اللذان دبرا هذه المؤامرة وعرضا على أدونيا أن يطلب أبيشج زوجة كتمهيد لمساعدته فى استرداد الملك من سليمان.
(2) ولهذا سأل أمه مستنكراً : ” لماذا تسألين أبيشج الشونمية لأدونيا؟ ” أى لماذا تسألين له أبيشج فقط، ثم قال لها باستنكار وتهكم أيضاً : ” فاسألى له الملك لأنه أخى الأكبر منى. له ولأبياثار الكاهن وليوآب بن صروية “، أى بدل أن تطلبى له أبيشج فقط، الأولى أن تطلبى له الملك لأنه أحق به منى لأنه أخى الأكبر، وعندئذ لا يكون وحده هو الملك، بل يكون المُلك له ولأبياثار وليوآب لأنهما من أعوانه، ومن حقهما أن يشتركا معه فى السلطة والحكم..
23 – وحلف سليمان الملك بالرب قائلاً هكذا يفعل لى الله وهكذا يزيد إنه قد تكلم أدونيا بهذا الكلام ضد نفسه.أعلن غضبه وأقسم بأن أدونيا إنما طلب طلبته لتكون شاهدة عليه وبدل أن تكون لصالحه ستكون ضده وضد مصلحته.
والتعبير ” هكذا يفعل بى الرب وهكذا يزيد ” صيغة دعاء وقسم يدعو به سليمان على نفسه أن يفعل به الشر المزمع أن يقع ويفعل به أكثر منه إذا كان لا ينفذ عزمه مع أدونيا.
24 – والآن حى هو الرب الذى ثبتنى وأجلسنى على كرسى داود أبى والذى صنع لى بيتاً كما تكلم إنه اليوم يقتل أدونيا.
أقسم بالله الحى الذى أقامه ملكاً وأورثه عرش أبيه وجعل له بيتاً عامراً ودائماً كما أقسم لداود أبيه (2صم7: 16) ,أقسم أن يأمر بقتل أخيه فى نفس اليوم.
25 – فأرسل الملك سليمان بيد بناياهو بن يهوياداع فبطش به فمات.
(1) أصدر أمره الملوكى إلى بناياهو لكى يذهب ويقتل أدونيا، فذهب بناياهو وقتله.
(2) كانت هذه مأساة أليمة قتل فيها أخ أخاه، وسواء أكانت طلبة أدونيا مبنية على رغبته فى الزواج من أبيشج لجمالها الفتان أو لطمعه فى المُلك، فإن المأساة تذكرنا بأن عشق الجمال الجسدى قد يُعرِّض الإنسان للأخطاء وللخطر، وكذلك محبة العالم وعدم القناعة والرضى قد تعرضانه أيضا لأشر الأخطار الروحية والمادية.
(3) خير للإنسان أن يتباعد بقدر استطاعته عن الاحتكاك بالملوك والحكام وذوى السلطة إلا إذا كانت الضرورة القصوى تدعو إلى ذلك أو إذا كانت طبيعة عمله تدعوه إلى التعامل معهم، لأن الإنسان قد يتصرف تصرفاً غير حكيم يجر عليه سخطهم وغضبهم.
وخير للمرء ألا يزج بنفسه فى الأمور الأعلى أو الشاقة عليه بدون داع ضرورى، حتى لا يتعرض أيضاً للمتاعب، ولقد قال سليمان الحكيم فى ذلك : “لا تقف فى أمر شاق”(جا8: 3).
( 26 :27 )
26 – وقال الملك لأبياثار الكاهن اذهب إلى عناثوث إلى حقولك لأنك مستوجب الموت ولست أقتلك فى هذا اليوم لأنك حملت تابوت سيدى الرب أمام داود أبى ولأنك تذللت بكل ما تذلل به أبى.
كان أبياثار ويوآب من أنصار أدونيا فى حركته التى أعلن نفسه فيها ملكاً (ص 1 :7 )، ويظهر أنهما مالا إلى أدونيا لأنهما توقعا أن يكافئهما ويظهر أن أدونيا وعدهما بذلك.
واستدعى سليمان أبياثار :
( أ ) وأمره أن يذهب إلى عناثوث مدينته وأن يترك العمل الكهنوتى ويعمل فى حقوله.
(ب) وأعلن له بأنه يستحق الموت لأنه ناصر أخاه أدونيا وساعده على إعلان نفسه ملكاً فى حياة أبيه فكان عملهما خيانة لداود نفسه لأنهما تصرفا بدون إذنه كما كان عملاً عدائياً ضد سليمان.
(ج) ولكنه استنكر أن يقتله وقتئذ كما قتل أدونيا وكما كان مزمعاً أن يقتل يوآب إكراماً لكهنوته وإكراماً لتابوت عهد الرب الذى اشترك فى حمله عندما كانوا يريدون أن ينقلوه إلى مدينة داود (2صم6) بالإضافة إلى إخلاصه لأبيه واحتماله الضيق والمذلة معه عندما قام أبشالوم بفتنته لأن أبياثار قد تألم كثيراً لترك أبيه الملك وهربه من ابنه أبشالوم وكان يريد أن يخرج مع داود ولكنه طلب إليه أن يبقى ويعاونه بإرسال أخبار أبشالوم وأعوانه أولاً بأول وكان عند حسن ظنه (2صم 15).
(3) إن كهنة العلى وخدامه يجب أن يكون لهم النصيب الأكبر من الإكرام، وحتى إن بدرت منهم بعض أخطاء، على المؤمنين أن يتجاوزوا عنها إكراماً للكهنوت المقدس والخدمة المباركة ولكلمة الله الحية التى يقبلونها ولبيت الله الذى يخدمونه.
ومن الواجب أن ننسى الأخطاء ونذكر الخدمات والأعمال التى قدمها أو يقدمها رعاتنا وأصدقاؤنا وجميع الناس بوجه عام.
27 – وطرد سليمان أبياثار عن أن يكون كاهناً للرب لإتمام كلام الرب الذى تكلم به على بيت عالى فى شيلوه.خلعه سليمان من عمله الكهنوتى وقد كان هذا تحقيقاً لقول الرب عن بيت عالى الكاهن عندما كان يخدم خيمة الرب فى شيلوه وأهمل تربية أولاده وأنذره الله أولاً على فم أنبيائه. ثم على يد الصبى صموئيل بأن ينتقم من نسله فيموتوا فى ريعان شبابهم ويصيبهم بالفقر والحاجة ويحرمهم من خدمة الكهنوت ويسلمها لكهنة أمناء إلى غير ذلك من الويلات     (1صم 2: 27 – 36، 3 : 10 – 14).
وإذ خلع سليمان أبياثار عيَّن مكانه صادوق، ونرى تفصيلاً لهذا شرح (ع 35) من هذا الأصحاح.
( 28 : 34 )
28 – فأتى الخبر إلى يوآب لأن يوآب مال وراء أدونيا ولم يمل وراء أبشالوم. فهرب يوآب إلى خيمة الرب وتمسك بقرون المذبح.
(1) نما إلى يوآب خبر قتل أدونيا وخبر خلع أبياثار من الكهنوت، فخاف خوفاً عظيماً بأن يأتى دوره أيضاً ليُقتل لأنه كان من أنصار أدونيا وانضم إليه فى فتنته التى أعلن نفسه فيها ملكاً فى حياة أبيه وكان هذا استهتاراً بكرامة داود (ص 1)، مع أنه لم ينضم لأبشالوم عندما أعلن نفسه ملكاً، بل ظل مدافعاً عن داود ومخلصاً له حتى انتهت فتنة أبشالوم بالفشل (2صم18, 19).
(2) خاف وهرب إلى خيمة الرب، خيمة الاجتماع نفسها التى كانت لا تزال فى جبعون، أو الخيمة الوقتية التى أقامها داود لتابوت العهد، وأقام بجانبها مذبحاً أيضاً (2صم6), ولعل الرأى الأول ارجح وقد تمسك بقرون مذبح المحرقة أملاً فى أن يهاب سليمان المذبح ويعفو عنه إكراماً لمذبح الرب الذى لجأ إليه واحتمى فيه.
29 – فأخبر الملك سليمان بأن يوآب هرب إلى خيمة الرب وها هو بجانب المذبح. فأرسل سليمان بناياهو بن يهوياداع قائلاً اذهب ابطش به. 30 – فدخل بناياهو إلى خيمة الرب وقال له هكذا يقول الملك اخرج. فقال كلا. ولكننى هنا أموت فرد بناياهو الجواب على الملك قائلاً. هكذا تكلم يوآب وهكذا جاوبنى.
(1) أخبروا سليمان أن يوآب قد ذهب إلى خيمة الرب وتمسك بقرون المذبح لكى يحتمى بهما، ولكن سليمان أمر بناياهو أن يذهب ويقتله، ونفهم من الحديث أن الملك قصد أن يخرجه أولاً من الخيمة ثم يقتله.
(2) ودخل بناياهو الخيمة وأبلغ يوآب أمر الملك بأن يخرج من الخيمة لكى يقتله، ولكن يوآب لم يشأ أن يخرج بل طلب أن يقتلوه فى الخيمة وهو متمسك بالمذبح، وكان يأمل من وراء ذلك أيضاً أن يعفيه الملك من القتل.
(3) خاف بناياهو أن يقتله فى الخيمة المقدسة، وذهب وأبلغ الملك بكلام يوآب.
31 – فقال له الملك افعل كما تكلم وابطش به وأدفنه وأزل عنى وعن بيت أبى الدم الزكى الذى سفكه يوآب. 32 – فيرد الرب دمه على رأسه لأنه بطش برجلين بريئين وخيرِ منه وقتلهما بالسيف وأبى داود لا يعلم وهما أبنير بن نير رئيس جيش إسرائيل وعماسا بن يثر رئيس جيش يهوذا. 33 – فيرتد دمهما على رأس يوآب ورأس نسله إلى الأبد ويكون لداود ونسله وبيته وكرسيه سلام إلى الأبد من عند الرب.
(1) كان يوآب قد قتل رجلين عظيمين غدراً وحسداً، أولهما ” أبنير بن نير ” الذى وصفه سليمان بأنه ” رئيس جيش إسرائيل ” لأنه كان قائد جيوش شاول الملك، وبعد موت شاول كان قائد جيوش إيشبوشث ابنه الذى ملك حينا على جميع الأسباط فيما عدا سبط يهوذا الذى ملك عليه داود فى حبرون (2صم2) . وقد قتله يوآب غيلة بحجة أن أبنير قتل أخاه عسائيل مع أن أبنير قتل عسائيل رغم أنفه دفاعاً عن نفسه لأن عسائيل تهور وأراد قتل أبنير (2صم2). والسبب الأساسى لقتل يوآب لأبنير أن أبنير كان قد عرض الصلح مع داود ووعده داود بأن يجعله قائداً لجيشه بدلاً من يوآب (2صم3 ).
أما الرجل الثانى فهو (عماسا بن يثر) ودعى (رئيس جيش يهوذا) لأنه كان من أبطال يهوذا وقد أقامه أبشالوم قائداً لجيشه فى حركته ضد أبيه، وكان يهوذا هو السبط الأول المناصر لأبشالوم وكان جيش أبشالوم معظمه من هذا السبط (2صم16),  وبعد موت أبشالوم أرسل داود رسلاً إلى سبط يهوذا ليصطلحوا معه ويعملوا على رده إلى ملكه ووعد عماسا أن يقيمه قائداً له، مما أغاظ يوآب وجعله يغتال عماسا. وقد قال سليمان أنه قتل هذين البطلين (وأبى داود لا يعلم) أى بدون استشارته وعلمه وبدون مشيئة داود أيضاً.
(2) ولقد استاء داود جداً لقتلهما ولم يشأ أن يمد يده إلى يوآب بالنسبة لظروفه الخاصة وظروف المملكة وقتئذ كما مر بنا ولأنه كان فى شديد الحاجة إليه فى حروبه الخارجية والداخلية (شرح ص1: 5 ), وقبل موت داود أوصى سليمان بشأن التصرف إزاء يوآب.
(3) ولأن شريعة الرب تقضى بضرورة قتل القائد ولا تقبل عنه فدية مطلقاً, فإن سليمان بعد توليه الملك رأى أنه من واجبه أن ينفذ شريعة الرب وينتقم من هذا الرجل القاتل الظالم، فأمر بناياهو أن يذهب إلى خيمة الرب ويقتله (كما تكلم) أى بناء على قوله: “هنا أموت” (ع 30)، وقد قضت شريعة الرب أيضاً أن يقتل القائد المتعمد حتى إن كان متمسكاً بقرون المذبح ومحتمياً فيه.
(4) وقد أمر سليمان بدفنه إكراماً له بالنسبة لخدماته الكثيرة السابقة ولأنه كان ابن خالته صروية أيضاً.
(5) وأعلن سليمان أن قتل يوآب :
( أ ) يزيل عنه وعن بيت أبيه (الدم الزكى)، أى يرفع عنهم مسئولية سفك الدم البرئ الذى لأبنير وعماسا.
(ب) أما دم يوآب نفسه فإن الرب (يرده على رأسه) أى يتحمل جريرة قتله لأنه قاتل متعمد ويستحق الموت.
(ج) كما يرتد أيضاً على رأسه ورؤوس بنيه ونسله دم أبنير وعماسا اللذين قتلهما من وجه حق.
ولقد يسأل البعض وما ذنب نسله حتى يتحملوا نتيجة إثمه، ونقول أن الرب قد أعلن أنه يفتقد ذنوب الآباء فى الأبناء الجيل الثالث والرابع من مبغضيه (خر34 )، وتفسير هذا :
(أولاً) أن الخلف إذا ظل متمسكاً بخطايا السلف يعتبر من مبغضى الرب، ويعتبر مكملاً لمكيال شرور آبائه وأجداده وبالرغم من أن الرب قد استاء من عمل آبائه وربما عاقبهم فإن الأبناء والأحفاد ظلوا متمسكين بخطاياهم كأنهم يعاندون الله ويتحدونه وهم بذلك يستحقون عقاباً أكثر من آبائهم.
(ثانياً) وعقاب الأبناء هو فى الحقيقة عقاب للآباء.
(ثالثاً) ونلاحظ أن العقاب الذى يسرى على النسل فى الغالب عقاب مادى تسبب فيه الآباء والأجداد وجروا به الشقاء على أسرهم ونسلهم، وأولادهم يقاسون كل هذه النتائج لأنهم ولدوا فيها.
(رابعاً) وقد يتوب الأبناء والأحفاد ويصلحون طرقهم أمام الرب فيرفع عنهم الرب هذه النتائج السيئة لخطايا آبائهم، ويصلح أمورهم وأحوالهم.
(خامساً) وأما من الناحية الروحية والأب لا يؤخذ بذنب الابن ولا الابن بذنب الأب.
(د) يواصل سليمان قوله فيقول: ” إنه بينما يرتد دم أبنير وعماسا على رأس يوآب وعلى رأس بيته يكون لداود ونسله وبيته وكرسيه سلام إلى الأبد من عند الرب ” لأنه غار لمجد الله وقتل يوآب المذنب.
ونلاحظ :
( أ ) أن قولـه هنا ” إلى الأبد ” يشير حسيا للسنين الطويلة التى دام فيها الملك فى بيت داود إلى أن انتهى أمر مملكته بالجسد. أما من الناحية الروحية فإنه يشير إلى مُلك المسيح الأبدى.
(ب) بالرغم من أن داود كان قد مات فإنه يكون له (سلام)، هو ونسله إلى الأبد، ذلك لأن الراقدين أحياء، وأرواح الصديقين تتمتع بالسلام والفرح، وتشعر وتحس ويعطيها الرب معرفة بما يحدث على الأرض لبنيها وللعالم.
34 – فصعد بناياهو بن يهوياداع وبطش به وقتله فدفن فى بيته فى البرية.
(1) صعد بناياهو إلى المذبح لأنه كان على مستوى أعلى من الأرض نسبياً ولكن بدون درج (خر37 )، وقتل يوآب بناء على أمر سليمان، فدفنوه فى بيته إكراماً له، وكان العظماء أحياناً يبنون قبورهم فى حديقة المنزل أو فى مكان ما تابع للمنزل. وكان منزله فى برية اليهودية شرقى بيت لحم مباشرة.
(2) وهكذا ختمت حياة رجل شجاع خدم شعبه وملكه، ولكنه للأسف شوه حياته بأعمال أغضبت له، ولو أنه امتلك جمال الفضيلة وعاش كاملاً إلى جانب شجاعته وخدماته، لعاش بسلام ومات بسلام.
( 35 )
35 – وجعل الملك بناياهو بن يهوياداع مكانه على الجيش. وجعل الملك صادوق الكاهن مكان أبياثار.
ابتدأ سليمان ينظم أمور مملكته المدنية والدينية :
( أ ) فعين (بناياهو بن يهوياداع) قائداً للجيش بدل يوآب. وكان يهوياداع رئيساً الكهنة فى ايام داود، وبناياهو كان من أنصار سليمان عندما أعلن أدونيا نفسه ملكاً (ص1: 36 – 39)، وكان من أبطال داود وسليمان.
(ب) وعين (صادوق) رئيس كهنة بعد عزل أبياثار. وقد كان (أبياثار)، ابن أخيمالك رئيس الكهنة فى أيام شاول، واستطاع أن يهرب من المذبحة التى عملها شاول ضد كهنة الرب (1صم22). وكان جده أخيطوب بن فينحاس بن عالى الكاهن من نسل ايثامار بنت هرون الكاهن. وبعزل أبياثار تحقق وعد الله لعالى، فحرم نسله من الكهنوت. وقد كان إبياثار رئيساً للكهنة فى أيام داود وكان يخدم تابوت العهد والخيمة التى أقامها داود للتابوت فى أورشليم .
أما صادوق فكان رئيساً للكهنة فى أيام داود أيضاً وكان يخدم خيمة الاجتماع التى كانت لا تزال فى جبعون.
وصادوق هو ابن أخيطوب من نسل ألعازر بن هرون الكاهن. وأخيطوب هذا هو غير أخيطوب بن فنحاس أحد أسلاف أبياثار (1صم 14 : 3 1أى 6 : 11، 12).
( 36 : 46)
36 – ثم أرسل الملك ودعا شمعى وقال له. ابن لنفسك بيتاً فى أورشليم وأقم هناك ولا تخرج من هناك إلى هنا أو هنالك. 37 – فيوم تخرج وتعبر وادى قدرون اعلمن بأنك موتاً تموت ويكون دمك على رأسك.
(1) بقى دور شمعى بن جيرا الذى كان قد سبى داود وأهان كرامته عند هروبه من أبشالوم (2صم 19)، وهو من بحوريم الواقعة على الطريق من أورشليم إلى الأردن. وقد استدعاه سليمان ولم يشأ أن يقتله لأنه قد جاء إلى داود بعد فشل فتنة أبشالوم واعتذر للملك، وصحبه باحترام عند عبور الأردن ومعه ألف رجل من رجال بنيامين، وعفا عنه الملك ووعد بألا يقتله (2 صم 19 : 16 – 23).
(2) واكتفى سليمان بتحديد إقامته فى أورشليم وأمره أن يبنى لنفسه بيتاً فيها ولا يخرج من أورشليم ليتوجه هنا أو هناك، وكان على بيته وعبيده أن يباشروا له أعماله فى بحوريم ولم تكن بعيدة عن أورشليم لأنها قريبة من جبل الزيتون.
وهدده الملك بالقتل إذا ترك أورشليم أو خرج منها ويكون الملك بريئاً من قتله ودمه هو على رأسه، لأن الملك سبق فحذره.
وقد حدد سليمان إقامته لأنه كان فى الغالب ذا سلطة فى سبط بنيامين الذى كان منه، وخشى سليمان أن يقوم بحركة معادية له ويسبب فتنة فى شعب الله.
و(وادى قدرون) الذى كان عليه ألا يتعداه هو يقع شرقى مدينة أورشليم بينها وبين جبل الزيتون، ويسمونه الآن وادى ستى مريم وقصد الملك ألا يجعله يتعدى حدود المدينة لكى يكون تحت مراقبته.
38 – فقال شمعى للملك حسن الأمر كما تكلم سيدى الملك كذلك يصنع عبدك. فأقام شمعى فى أورشليم أياماً كثيرة.
خرج شمعى لأن الملك لم يقتله، واستحسن الأمر الذى أمره به وتعهد بأن ينفذه تماماً، وفعلاً أقام فى أورشليم (أياماً كثيرة) مقدارها ثلاث سنين (ع 39).
39 – وفى نهاية ثلاث سنين هرب عبدان لشمعى إلى أخيش بن معكة ملك جت فأخبروا شمعى قائلين هوذا عبداك فى جت.
فى نهاية ثلاث سنين من إقامته فى أورشليم حدث أن هرب عبدان إلى إحدى المدن الخمس العظيمة للفلسطينيين وهى (جت) (1صم17),  ولجأ إلى ملكها (أخيش بن معكة)، وجاءت الأخبار إلى شمعى أن عبديه قد هربا إلى جت.
وقد يكون (أخيش) هذا هو نفس أخيش الذى لجأ إليه داود عند هروبه من شاول       (1صم28)، أو قد يكون أحد أبنائه وتسمى باسم أبيه وربما هذا هو الأرجح وقد يكون (أخيش) لقباً عاماً لملوك جت مثلما كان فرعون لقباً لملوك مصر.
40 – فقام شمعى وشد على حماره وذهب إلى جت إلى أخيش ليفتش على عبديه فانطلق شمعى وأتى بعبديه من جت.
خالف شمعى أمر سليمان وأعد حماره للركوب وركب عليه إلى جت، ولجأ إلى أخيش ليسأله عن عبديه أو لكى يساعده على البحث عنهما، ووجدهما فعلاً وعاد بهما إلى بيته فى أورشليم.
41 – فأخبر سليمان بأن شمعى قد انطلق من أورشليم إلى جت ورجع
أُبلغ أمر شمعى إلى الملك سليمان وقيل له إنه ذهب إلى جت ثم عاد منها، وربما أبلغه بعض أصدقاء الملك أو رجال شرطته الذين اسند إليهم مراقبة شمعى وتحركاته.
42 – فأرسل الملك ودعا شمعى وقال له. أما استحلفتك بالرب وأشهدت عليك قائلاً إنك يوم تخرج وتذهب إلى هنا وهناك أعلمن بأنك موتاً تموت فقلت لى حسن الأمر قد سمعت.43 – فلماذا لم تحفظ يمين الرب والوصية التى أوصيتك بها.
(1) ذكره الملك بأمره له بألا يبرح أورشليم واستحلافه باسم الرب، وإشهاد الناس على ذلك، وباستحسان شمعى لأمر الملك وتعهده بتنفيذ وصيته، ثم سأله فى استنكار وتوبيخ وإدانة لماذا لم يحفظ يمين الرب الذى أقسم به ولم ينفذ وصية الملك.
وقد كان عمل شمعى فى الحقيقة إهانة للرب الإله لأنه حلف باسمه وحنث فى قسمه، وكان إهانة للملك نفسه لأنه استهان بوصيته.
44 – ثم قال الملك لشمعى أنت عرفت كل الشر الذى علمه قلبك الذى فعلته لداود أبى. فليرد الرب شرك على رأسك. 45 – والملك سليمان يبارك وكرسى داود يكون ثابتاً أمام الرب إلى الأبد.
(1) لم يذكر سليمان خطأ شمعى عند استدعائه إليه أول مرة واكتفى بأن يأمره بالسكنى فى أورشليم (ع 36، 37)، ولكن إذا أخطأ شمعى وتحدى أمر سليمان، ذكَّره سليمان هذه المرة بأفعاله الشريرة ضد أبيه يوم سبه وأهانه ورشق الحجارة والتراب تجاهه تحقيراً له وتشفياً فيه (2صم16). والرب وإن كان يتمهل على الخطاة لكى يتوبوا، فإنه إذا لم يتوبوا يعود فيذكر أمامهم آثامهم وشرورهم فى اليوم الأخير ولكى يذكرهم أنهم مستحقون للدينونة والعقاب.
وقد قال سليمان لشمعى : “أنت عرفت الشر الذى علمه قلبك” أى الذى كنت متعمداً أن تفعله ومصراً عليه يوم أهنت أبى، ومازلت تذكره وتفهمه جيداً للآن وتفهم سوء نيتك .
(2) ثم تكلم سليمان عما يستحقه شمعى وما يستوجبه سليمان وبيت داود فقال :
( أ ) ” فليرد الرب شرك على رأسك ” : وهى صيغة دعاء تعنى أن الرب سيجازى شمعى عما فعل من شر، وسيتحمل هو مسئولية موته لأن الملك أعطاه الوصية وأعطاه الفرصة ليعمل بها، ولكنه ضيع على نفسه هذه الفرصة وخان يمين الرب وكسر وصية الملك.
(ب) أما الملك سليمان فإنه (يبارك) من قبل الرب بدل اللعنة التى طلبها له شمعى عندما سب أباه وشتمه، “وكرسى داود يكون ثابتاً أمام الرب إلى الأبد ” أى يوطده الرب ويثبته إلى زمان طويل جداً رغم أنف شمعى وأمثاله ممن راموا الشر لداود وبيته.
قد علل سليمان فى أقواله هذه أن عقابه لشمعى بالقتل يكون مرضياً لله لأنه الملك المسئول أمام الرب ليحافظ على علاقة شعبه من الفتن، ومعاقبة الأشرار على شرورهم، لأنه ” لا يحمل السيف عبثاً “.
ولو تهاون سليمان فى أمر شمعى لكان هذا موقفاً غير حازم منه، وربما ساعده على التمادى فى العصيان، وحرك غيره من الناس على التمرد.
46 – وأمر الملك بناياهو بن يهوياداع فخرج وبطش به فمات. وتثبت المُلك بيد سليمان.
( أ ) أمر الملك بناياهو فأخرج شمعى خارجاً وقتله. وراح ضحية عصيانه واستهتاره بأمر الملك، وحبه للعالم، وخروجه ليسعى وراء عبدين كانا قد أبقا (هربا) منه. وحرى بالإنسان العاقل ألا يجعل أى هوى نفسانى أو شهوة خاصة أمراً مادياً، أن يجعل هذا أو ذاك يفصله عن محبة الرب وطاعته لأنه “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه “.(مت16: 26).
(2) بينما كانت هذه خاتمة حياة شمعى فإن المُلك قد تثبت بيد سليمان :
( أ ) بانتهاء أمر مقاوميه أو إبعادهم ممن ربما كانوا خطراً على مملكته: أدونيا، ويوآب، وأبياثار وشمعى.
(ب) وبتنفيذ سليمان شريعة الرب وعقابه المخالفين لشريعته والذين تلطخت أيديهم بالدماء وملأ الخبث والحقد قلوبهم، وبمكافأته للأشرار والصديقين مثل صادوق وبناياهو وبالعدل ومخافة الرب تقوم الممالك ويكون الأمن والسلام.

Leave a Comment