تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح الثاني – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح الثاني

قصيرة ومملة حياتنا وليس من دواء لنهاية الإنسان

الأشرار أحبوا الموت كما انتهى الإصحاح السابق.
وأيضا اعتبروا أن هذه الحياة قصيرة وليس لها معنى أو هدف فهي حياة مملة.
بل ليس من دواء في نهاية الإنسان بالموت ولم يعد أحد من قبره.
وبهذا ينكر الأشرار عقيدة القيامة وبالتالي فقدوا كل رجاء وأسودت حياتهم على الأرض فأصبحت قصيرة ليس لها معنى لأنها ستنتهي وينتهي معها كل شيء.
لكن ربنا يسوع نزل إلى عالمنا الميت لكي يقيمه من الموت ويرفع حياتنا مع قيامته وصعوده ويكون بكر من الأموات حتى نترجى أن هذه القيامة أيضا ستحدث لنا.
وبالتالي إذا كانت الحياة على الأرض قصيرة فإننا نعبر منها ليس إلى القبر لكن إلى الحياة الأبدية وبالتالي سوف نحيا هنا حياة كلها سعادة ونعمل البر حتى نرث الحياة الأبدية التي أعطاها لنا ربنا يسوع.
يرى الأشرار في مرآتهم المظلمة الغير صحيحة من جميع النواحي أن ميلاد الإنسان يجيء بلا ترتيب أي صدفة، وهذا هو فكر الإلحاد، نسوا الله مدبر الكون، فمن الناحية الإيمانية أن الله هو الذي يدبر ميلاد الإنسان في وقت معين يعطيه الحياة وكل إمكانياتها.
فهل تستطيع المصادفة أن تكوِّن إنسانا أو حتى عضوا واحدا للإنسان ؟ طبعا لا.
اعتبر الأشرار أن النَفَس في الإنسان هو دخان يدخل ويخرج فهل الإنسان يحيا بهذا الدخان كآلة بخارية؟!! فإن كانت نسمة الحياة دخان فلماذا لم يستطع الإنسان أن يعمل مثلها؟؟ هذا هراء الجهل للأشرار وعمى البصيرة.
وحتى نطق الإنسان اعتبره الأشرار شرارة كهربائية من ضربات قلوبنا لكن غاب عنهم أن النطق هو من صفات الروح وليس اللسان فقط، وضربات القلب من أين تأتي وكيف تعمل طول فترة الحياة؟ فلابد من علة لها والعلة هو الله معطي الحياة.
بل اعتبر الأشرار الملحدين أنه إن انطفأت هذه الشرارة تبددت الروح في الهواء الفارغ، وهنا الإنسان أصبح آلة بخارية نارية متى نضبت الشرارة والدخان منها تعطلت بل وتبددت الروح في الهواء.
لم يدروا أن الروح التي لا يروها خالدة، وأن القيامة ستحدث ويقوم الجسد مرة أخرى للدينونة وللحياة الأبدية، فلو فهموا كما شرح معلمنا بولس من مثل البذور التي تموت في التربة ويخرج منها ساق عاليا وجذر في الأرض وتنبت زهور وأوراق وثمر لعرفوا أن الإنسان سيرث الحياة الأبدية التي أعلنها لنا ربنا يسوع وأعطانا إياها خلال استحقاقات دمه.
فإن كانت نار مذبح المحرقة قبل السبي وضعوها في مكان وبعد العودة من السبي أي بعد ٧٠ عاما أتوا بها واشتعلت كما كانت أفلا يحيا الإنسان مرة ثانية حياة خالدة؟! وهذا ما قاله ق. مقاريوس الكبير.
اعتبر الأشرار والملحدين أن أسماءهم تنسى مع الزمن ولا يعود أحد يذكر أعمالهم وحياتهم مثل سحابة تصعد ثم تتبدد مثل الضباب وأشعة الشمس تبددها وتنزل على الأرض مثل المطر.
لكن نسى هؤلاء أن الرب يقول “هوذا على كفي نقشتك” (إش٤٩: ١٦)، وأيضا “هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساكِ” (إش٤٩: ١٥).
وكيف تنسى أعمال الإنسان التي سوف يعطي عنها حسابا يوم الدينونة؟ “يعطي كل واحد حسب أعماله” (رو٢: ٦)، فإن كانت أعمال الإنسان شرا يجازى عليها وإن كانت خيرا سيكافأ عليها.
أيضا يعتبر الأشرار الملحدون أن حياتهم مثل ظل أي وهم تنتهي بلا رجعة، مختوم عليها فلا تعود.
وهؤلاء بدل ما يفهموا أن الحياة تنتهي لكنها تعود بالقيامة فيجاهدوا يظنوا أنها لا تعود فينغمسوا في الملذات.
إذ قال دانيال النبي (دا ١٢: ٢) “وكثيرون من الراقدين في التراب يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار والازدراء الأبدي”، فأين بهذا حجتهم في عدم العودة؟ فإن كل واحد سيعود إما للحياة الأبدية أو للدينونة (يو٥: ٢٩).
فهؤلاء بسبب فكرهم المظلم بأن الحياة تنتهي فيضعون كل همهم أن يتمتعوا بالطيبات في الحياة الحاضرة وبصحة في الشباب ليتمتعوا بدلا من الجهاد، والسكر بالخمر والتلذذ بالعطور ووضع إكليل زهور على رؤوسهم كما يفعل الوثنيون ونسوا أن كل عطايا الله هي وسيلة وليست هدفا فإن الطعام لغذاء الإنسان ونموه وليس لملء البطن فإن الطعام القليل البسيط يعطي صحة أكثر، فكثير من الفلاحين الذين يأكلوا أكل بسيط لهم صحة أفضل من سادتهم أصحاب الأراضي المترفهين في حياتهم.
محبب عند الوثنيين والملحدين ارتداء إكليل من الزهور كانوا يلبسونها أثناء العبادة الوثنية أو يكللوا بها رؤوس الملوك الذين كانوا يعبدونهم كآلهة ولهذا منعت هذه العادة في العصر المسيحي المبكر (القرن الثاني) لارتباطها بالوثنية وليس لشر في خليقة الله وعطيته.
يحاول الأشرار اشتراك الكل في سلوكهم من قصف أي تحطيم وانتهاك وظلم وأن يعيشوا في كل مكان تاركين بصمات للحياة الفرحة على حساب حياة القداسة فيكون فرح بالشر والمجون لأن هذا نصيبهم وحظهم في الحياة أن ينجسوها بالفرح الفاسد.
شريعة الأشرار هي ظلم الفئات الضعيفة من الشعب بدل من إنصافهم أو مساعدتهم نظرا لغياب المشاعر الطبيعية من محبة الآخرين وغياب محبة الله.
فهم يظلموا الفقير خصوصا لو كان قديسا بارا وكأنهم يعادوا أي إنسان له حياة مقدسة مع الله ويستضعفوه.
ولا يشفقوا على الأرملة التي ألقت رجاءها على الله.
ولا يعودوا يحترموا شيخ لكبر سنه أو لحكمته إذ صاروا منحلين داخليا.
وهذه الفئات أكثر الفئات المحببة إلى الله لأن معلمنا يعقوب يقول “الديانة الطاهرة عند الله الآب هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل” (يع١: ٢٧).
بل إن كنيستنا القبطية في أوشية (المياه أو الزروع أو الأهوية) تتضرع من أجل فقراء الشعب ومن أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف.
أيضا شريعة الأشرار القوة عوض العدل بدل من أن ينصر كل إنسان أو يصير عادلا كشريعة في التعامل يجعل القوة فوق العدل والرحمة والقانون حتى يستفادوا من القوة الخاطئة هذه إذ اعتبروا أن الضعف غير نافع، فالحياة بالنسبة لهم فرص للفائدة الشخصية على حساب الآخرين وضعفهم، نسوا أنهم يوما ما سيشيخوا وتذهب قوتهم ويذهبوا إلى القبر مرغمين.

نبوة عن ربنا يسوع تفصيلية (حك٢: ١٢- ٢٠):-

البار هو ربنا يسوع في هذه الآيات لأنه كلي البر.
دبر الكتبة والفريسيون مكائد ضده وكثيرا ما تربصوا لربنا يسوع خصوصا في ثلاثاء البصخة عندما سألوه عن قصة الزوج الذي مات فتزوج أخوته السبعة بزوجته وماتوا فمن تكون له زوجة في يوم القيامة، فبكتهم لأنهم لا يعرفون الكتب ولا قوة الله إذ في القيامة يكونون كملائكة الله لا يزوجون ولا يتزوجون.
وسأله فريسي ما هي الوصية العظمى فسأله ربنا يسوع ماذا تقرأ في الشريعة، فقال له تحب الرب إلهك من كل قلبك وفكرك وقدرتك، فقال له افعل هذا فتحيا لأن محبة الله والآخرين بها يتعلق الناموس كله.
كما سأله الهيرودسيون هل نعطي الجزية لقيصر أم لا؟ فقال لهم “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (مت٢٢: ٢٠- ٤٠).
ويلوم البار الأشرار على مخالفتهم للشريعة وهذا ما حدث عندما صب ربنا يسوع الويلات على الكتبة والفريسيين لمخالفتهم شريعة الله بتخريجاتهم الغير صحيحة في (مت٢٣).
واعتبره اليهود مجدف إذ ساوى نفسه بالله وأرادوا أن يرجموه كما في (يو٥: ١٨).
صار تعليم ربنا يسوع البار لوما على اليهود كبيرا لأنهم حادوا عن طريق الله.
صار مجرد منظر ربنا يسوع ثقيل عليهم حتى عندما جلده بيلاطس دون وجه حق وألبسه العسكر إكليل شوك فلم يطيقوا منظره وصرخوا بأعلى صوتهم اصلبه اصلبه، دمه علينا وعلى أولادنا (يو١٩: ٥، ٦؛ مت٢٧: ٢٥).
ربنا يسوع هو البار أما اليهود فهم أبناء مزيفين لله الآب لذا لم يكن في فمه غش ولم يستطع اليهود أن يبكتوه على خطية لأن طرقه غير طرقهم إذ هو قدوس وبار يتجنب نجاستهم. وطوب موت الأبرار خصوصا الذين قتلهم آباءهم مثل زكريا بن برخيا الذي قتل بين المذبح والهيكل.
وقال مرارا أن الله أبوه حتى يفهموا (اليهود) فلم يردوا بل اتهموه بالتجديف.
فقبضوا على ربنا يسوع وصلبوه حتى يثبت حسب رأيهم إن كان ابن الله، قالوا لينزل عن الخشبة، خلص آخرين أما نفسه فلم يستطع أن يخلصها (مت٢٧: ٤٠، ٤٢، ٤٣).
فامتحنوا صبره بالشتم والتعذيب إذ كان ربنا يسوع معلق على الصليب كانوا يستهزئون به (مت٢٧: ٣١، ٤١).
وحكموا (اليهود) عليه بموت العار أي الصليب إذ مكتوب في الناموس في سفر التثنية “ملعون كل من علق على خشبة” (مت٢٧: ٢٦).
فأنه سيفتقد حسب أقواله، إذ قال اليهود على ربنا يسوع البار دمه علينا وعلى أولادنا، افتقدهم سنة ٧٠ م إذ جاء تيطس الروماني وحطم مدينتهم وأحرقها بالنار.
الأعمال الشريرة دون مراجعة للنفس تعمي البصيرة هكذا من يقوموا بالأعمال السابقة يفكروا بالظلم ويعملوا به فيعميهم الظلم ويضلوا عن الحق وكأن غمامة من الظلمة تعمي العينين الداخليتين فيتوه الإنسان كما في صحراء.
فالأشرار لا يعرفوا أسرار الله فهم سطحيين وحتى أنهم لا يترجوا أجرة لعمل البر أي لا يحاولوا أن يكونوا حتى أجراء يترجوا من عمل البر مكافأة في الأبدية وبالتالي لا يقدروا قيمة النفوس البارة، فالنفس التي خلقها الله على صورته ومثاله والتي فداها ربنا يسوع في العهد الجديد صارت لا قيمة لها في نظرهم أما عند الأبرار وعند الله هي غالية جدا.
بيَّن سليمان الحكيم هدف خلقة الله للإنسان ليمنحه نعمة عدم الموت التي ليست من طبيعته لكن أنعم بها الله له، وأيضا بيَّن كيف صور الإنسان (روحه) على صورة الله التي عبر عنها الحكيم بكلمة صورة ذاته، وذات الله مثلثة الأقانيم وأيضا أبدية فالإنسان بنعمة الله يصير أبديا.
لكن لأن إبليس سقط فحسد الإنسان الذي تكلل بالمجد وعلى صورة الله فدخل في الحية وكلم إبليس حواء وجعلها تعصى الوصية الإلهية والعصيان أجرته الموت وبهذا دخل الموت حتى يجر إبليس كل البشر لو أمكن إلى حزبه المظلم حتى يكون أكثر مقاومة لله.
وهذا الجزء أو الآية هو مطلع صلاة الصلح للقداس الباسيلي في كنيستنا القبطية.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]
 

Leave a Comment