تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الثالث – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

فى هذا الأصحاح :

(1)  مصاهرة فرعون وعبادة الرب فى المرتفعات (ع1، 2).
(2)  محبة سليمان للرب وعبادته فى جبعون (ع3، 4).
(3) الرب يتراءى لسليمان فى جبعون وسليمان يلتمس من الرب أن يعطيه الحكمة (ع 5 – 15).
(4)  حكم سليمان فى قضية المرأتين المتخاصمتين (16 – 28).
1 – وصاهر سليمان فرعون ملك مصر وأخذ بنت فرعون وأتى بها إلى مدينة داود إلى أن أكمل بناء بيته وبيت الرب وسور أورشليم حواليها.
(1) تزوج سليمان ابنة فرعون ملك مصر، وفرعون هذا من ملوك الأسرة الحادية والعشرين لأن فرعون الذى هاجم رحبعام بن سليمان فيما بعد هو شيشق أول ملوك الأسرة الثانية والعشرين (ص14).
وملوك الأسرة الحادية والعشرين حكم بعضهم فى طيبة (الأقصر) وبعضهم فى كانيس (صان الحجر)، وقد يكون صهر سليمان هو ملك من الفراعنة الذين حكموا فى تانيس.
(2) وقد تكون هذه المصاهرة فى السنين الأولى من حكم سليمان وقد أسكنها فى بيت مؤقت فى (مدينة داود) الواقعة على جبل صهيون فى الجزء من أورشليم (2 صم5).
وفيما بعد أسكنها فى قصر ابنة فرعون الذى تم بناؤه وبناء البيوت الأخرى التى بناها لنفسه فى أواخر السنة الثالثة والعشرين أو أوائل السنة الرابعة والعشرين من ملكه، لأنه شرع فى وضع أساسات هيكل الرب فى الشهر الثانى من السنة الرابعة من ملكه      (ص6: 1)، واستغرق بناؤه سبع سنوات ونصف حيث انتهى فى الشهر الثامن من السنة الحادية عشرة من ملك سليمان (ص 6 : 38).
ومن ثم شرع فى بناء بيوته الأخرى وقد استغرق بناؤها ثلاث عشرة سنة (ص7: 1).
(3) وبعد أن أتم سليمان مبانيه بنى أيضاً (سور أورشليم)، والمقصود بذلك أنه وسَّع دائرة السور الذى بناه داود، لكى يجعل السور يحيط بأورشليم كلها بما فيها المبانى الجديدة التى أقامها، كما يذكر السفر فى (ص11: 27) أنه رمم أيضاً الأسوار القديمة.
(4) يذكر الكتاب أن سليمان فيما بعد تزوج بنساء وثنيات أملن قلبه عن طريق الرب فى شيخوخته (ص11: 1).ولكن ابنة فرعون لم يكن لها تأثير روحى سيئ عليه لأنه كان شاباً لا يزال محتفظاً بقوة إرادته كما أنها فى الغالب اعتنقت الديانة اليهودية. فضلاً على أن المصريين قديماً كانوا يميلون كثيراً إلى الاعتقاد بالتوحيد وإلى احترام الشعوب التى تعبد الله الواحد.
2- إلا أن الشعب كانوا يذبحون فى المرتفعات لأنه لم يبن بيت لاسم الرب إلى تلك الأيام.
(1) (المرتفعات) هى الأماكن المرتفعة، إما رؤوس التلال وبعض رؤوس الجبال أو مبان عالية تقام خصيصاً. وقد اعتاد بعض الآباء أن يقيموا المذابح على المرتفعات سواء على التلال أو الجبال أو الهضاب، وربما فعلوا هذا لاعتقادهم بسمو العبادة والذبيحة، ولكى تكون عبادتهم للرب بعيدة بقدر الإمكان عن ضوضاء العالم، ومثال ذلك المذبح الذى أقامه إبرام فى الجبل الواقع شرقى بيت إيل (تك12: 8) والمذبح الذى أقامه يعقوب فى الجبل (ص31: 54).
ولقد كانت الشعوب الوثنية تبنى أيضاً مذابحها على المرتفعات غير أن عبادتها كانت مشوبة بالنجاسات كما انهم ظنوا أيضاً أن عبادتهم على الأماكن العالية تجعلهم قريبين من الآلهة فتستطيع أن تسمع صلواتهم وترى ذبائحهم.
ولذلك فقد أمر الرب عبده موسى بإقامة خيمة الاجتماع وأمر شعبه أن يذبحوا ذبائحهم التى للعبادة وحتى التى يأكلون منها عند الخيمة (لا6, 7), أما متى دخلوا أرض كنعان فكان لهم أن يذبحوا الحيوانات التى يأكلونها فى مدنهم، بينما الذبائح التى للعبادة كان عليهم أن يذبحوها عند بيت الرب (لا16, 17).
ومع ذلك فقد كان رجال الله يقدمون ذبائح خاصة فى ظروف خاصة بعيداً عن بيت الرب مثلما فعل جدعون (قض6: 25)، وصموئيل الذى كان يقدم الذبيحة عن الشعب على مرتفعة فى الرامة (1صم9: 12).
(2) وقد كان الشعب فى أيام سليمان يذبحون أيضاً على المرتفعات ” لأنه لم يبن بيت لاسم الرب إلى تلك الأيام “، لأن تابوت عهد الرب كان قد نُقل إلى أورشليم على يد داود حيث أقام له خيمة مؤقتة (2صم6)، وبقيت خيمة الاجتماع فى جبعون وربما كانت الذبائح العامة فى العبادة اليومية الدائمة وفى الأعياد تقدم هناك والذبائح الأخرى التى كان يقدمها الشعب كانت تقدم فى أى مكان.
3 – وأحب سليمان الرب سائراً فى فرائض داود أبيه إلا أنه كان يذبح ويوقد فى المرتفعات.
(1) ذكر الوحى عند ولادة سـليمان أن ” الرب أحبه ” (2صم12: 24)، ويـذكر هنا أن سليمان أيضاً أحـب الـرب وكان من علامات حبه أنه سار فى “فرائض داود أبيه” أى فى طرقه، وبحسب الوصيـة التى أوصاه بها داود. وقـد كان داود يسـير فى طريق الرب، واقتدى به ابنه سليمان وعمل بكل الوصـايا التى أوصاه بها قبل انتقـاله من هذا العالم (1مل2).
(2) بالرغم من محبته للرب فقد كان عادة يقدم ذبائحه على (المرتفعات) إلى أن بنى هيكل الرب العظيم وصار يقدم ذبائحه فيه.
4 – وذهب الملك إلى جبعون ليذبح هناك لأنها هى المرتفعة العظمى. وأصعد سليمان ألف محرقة على ذلك المذبح.
(جبعون) هى حالياً قرية الجيب، وهى المدينة الرئيسية للجبعونين الذين تحايلوا حتى قطع معهم يشوع عهداً (يش 9). وموقعها شمال غربى أورشليم بنحو ثمانية كيلو مترات، وقد أعطيت لسبط بنيامين (يش18: 25) ثم أعطاها بنيامين للكهنة (يش21: 10), وهى تقع على هضبة عالية. ودعيت هنا (المرتفعة العظمى) لأن خيمة الاجتماع ومذبح المحرقة كانا بها، وكانت تقدم فيها العبادة والذبائح الجمهورية. والمكان الذى يكون به بيت الرب يعتبر أعظم مكان.
ورغم أن سليمان كان يذبح فى المرتفعات كما ذكر فى العدد السابق، فإنه ذهب إلى جبعون ليقدم للرب عبادة خاصة، وذبح هناك ألف محرقة للرب على مذبح المحرقة النحاسى، تعبداً أو إكراماً لجلاله.
5- فى جبعون تراءى الرب لسليمان فى حلم ليلاً، وقال الله اسأل ماذا أعطيك.
(1) قدم سليمان عبادته وذبائحه للرب بقلب نقى وإيمان وتواضع، فقبل الرب عبادته وذبائحه، وتراءى (ظهر) له فى حلم. ولم يكن حلمه حلماً عادياً قد يكون أضغاثا ورواسب فى عقل الإنسان الباطن، ولكنه كان رؤياً حقيقية تجلى الله بذاته فيها لعبده سليمان. والرب كثيراً ما تجلى فى العهد القديم لفرط محبته للبشر، وكانت هذه التجليات من العوامل التى مهدت عقول البشر لقبول سر تجسد الله الكلمة فى العهد الجديد.وإن كان الله قد تجلى لعبيده قديماً فى أحلام ورؤى وبطرق متنوعة، فقد ظهر فى تجسده ظهوراً حقيقياً و (كلمنا فى ابنه) (عب1: 1).
(2) ظهر الله لسليمان وسأله ماذا يطلب منه تعالى كى يحققه له ويعطيه إياه ثانية فى أورشليم بعد انتهائه من بناء الهيكل (ص9).
6 – فقال سليمان إنك قد فعلت مع عبدك داود أبى رحمة عظيمة حسبما سار أمامك بأمانة وبر واستقامة قلب معك فحفظت له هذه الرحمة العظيمة وأعطيته ابناً يجلس على كرسيه كهذا اليوم قبل أن يطلب طلبته من الله اعترف أمامه بعمله العظيم مع داود معه :
( أ ) لأنه عمل مع داود ” رحمة عظيمة ” ويقصد بهذه الرحمة المعروف والإحسان العظيمين اللذين عملهما الرب مع داود ونسله.
(ب) وقد صنع الرب مع داود هذه الرحمة لأنه سلك أمام الرب ” بأمانة وبر واستقامة قلب ” : سلك (بأمانة) لأنه عبد الله وحده ولم يحد عنه، و(ببر) لأن حياته كانت مليئة بالعمل الصالح وقد نأى عن الكثير من الشرور، وحتى لما أخطأ مرة ندم وتاب توبة نقية، وسلك (باستقامة قلب) مع الله، لأنه اختار الطريق الصالح ولم يحد عنه يميناً أو يساراً.
(ج) وقد كانت باكورة أعمال الرحمة التى عملها الرب مع داود أنه أعطاه (ابناً) يجلس على كرسيه هو سليمان الذى كان يصلى إلى الرب، فى ذلك يومئذ ويعترف بمراحمه.
7 – والآن أيها الرب إلهى. أنت ملَّكت عبدك مكان داود أبى وأنا فتى صغير لا أعلم الخروج والدخول. 8 – وعبدك فى وسط شعبك الذى اخترته. شعب كثير لا يحصى ولا يعد من الكثرة.
(1) اعترف أولاً برحمة الله مع داود أبيه ومعه بتجليسه على كرسى الملك.
(2) وهنا يعترف بعدم كفاءته لهذا المنصب الخطير :
( أ ) لأنه ” فتى صغير ” فلقد كان فى العشرين من عمره تقريباً، لا يعلم ” الخروج والدخول ” أى ليست له الدراية الكافية برعاية شعبه وتصريف أموره المتنوعة.
(ب) وفضلاً عن ذلك فإن الشعب الذى ملك عليه هو شعب الرب المختار، يزيد من أهمية منصبه، وهو (شعب كبير جداً لا يحصى ولا يعد من الكثرة) يحتاج إلى حذق ومهارة وقوة وغير ذلك من المواهب الفذة.
9 – فأعط عبدك قلباً فهيماً لأحكم على شعبك وأميز بين الخير والشر لأنه من يقدر أن يحكم على شعبك العظيم هذا.
عرف سليمان قدر نفسه وضعفه، فطلب من الله أن يعطيه ” قلباً فهيماً ” أى عقلاً مملوءاً بالحكمة والفهم حتى يستطيع أن يميز ” بين الخير والشر ” فيسلك فى الطريق المنير ويبتعد عن الطريق الشائك، ويستطيع أن ينظر فى قضايا شعبه ويميز الحق من الباطل.
” لأنه من يقدر أن يحكم على شعبك العظيم هذا؟ ” : إننى وكل إنسان آخر ضعيف من ذاته وليس فى إمكانى أو فى إمكان ملك غيرى أن يتولى مهام شعبك المختار.
(لأنه من يقدر أن يحكم على شعبك هذا؟) إننى ضعيف من ذاتى عن أن أرعى شعبك المختار الكبير، وكذلك الحال مع كل إنسان آخر يجلس على هذا الكرسى، فإن لم تزودنى بالمعونة والحكمة لا أستطيع أن أعمل شيئاً.
ما أحوجنا إلى معونة الرب وقيادته وإرشاده لأننا ” لسنا كفاة من أنفسنا ولكن كفايتنا من الله ” .(2كو3: 5).
10 – فحسن الكلام فى عينى الرب لأن سليمان سأل هذا الأمر
سر الرب به لأنه لم يكن أنانياً ليطلب شيئاً لنفسه، وإنما كان طلبه لأجل شعبه، طلب الحكمة والفهم لكى يرعى رعيته التى ائتمنه الرب عليها. والمؤمن الحقيقى والخادم أو الراعى أو الحاكم الأمين هو الذى لا ينشد مصالحه الشخصية وإنما مصلحة عمله وشعبه ورعاياه.
11 – فقال له الله من أجل أنك قد سألت هذا الأمر ولم تسأل لنفسك أياماً كثيرة ولا سألت لنفسك غنى ولا سألت أنفس أعدائك بل سألت لنفسك تمييزاً لتفهم الحكم.
امتدح الرب سليمان لأنه لم يطلب لنفسه شيئاً، لا عمراً طويلاً، أو غنى وثروة، ولا حتى حياة أعدائه ليميتهم الرب أو يمكنه من قتلهم، وإنما طلب الفهم والإفراز ليفهم (الحكم)، سواء الحكم فى القضايا يفصل بين الحق والباطل، أو الحكم على الأمور المتنوعة ليميز بين الخير والشر والمستقيم والمعوج منها.
12 – هوذا قد فعلت حسب كلامك. هوذا أعطيتك قلباً حكيماً ومميزاً حتى إنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك. 13 – وقد أعطيتك أيضاً ما لم تسأله غنى وكرامة حتى إنه لا يكون رجل مثلك فى الملوك كل أيامك.
(1) قال له الرب : بما أنك لم تطلب ما هو لنفسك بل طلبت الحكمة :
( أ ) فإننى أعطيك حسب قولك، أعطيك القلب الحكيم المميز الذى لم يكن لأحد من الملوك قبلك ولن يكون لأحد بعدك.
(ب) وزيادة على ذلك فإنى أعطيك فوق ما طلبت، غنى ومجداً وشرفاً، حتى لا يضارعك ملك من الملوك الذين يعاصرونك.
(2) ما أعظم مراحم الله لأنه يعطى عبيده الأمناء كل ما يطلبون وفوق ما يطلبون.
14 – فإن سلكت فى طريقى وحفظت فرائضى ووصاياى كما سلك داود أبوك فإنى أطيل أيامك.
(1) بعد أن وعده الله بهذه المواعيد الحلوة عرفه أن مواعيده المقدسة مشروطة بسلوكه فى طريقه وحفظ شرائعه ووصاياه مثلما فعل داود، فإن فعل سليمان هذا أطال الله أيامه. وطول الأيام قد يعنى طول العمر فعلاً، وقد يعنى أيضاً البركة فى الحياة حتى إن مات فى سن مبكرة.
(2) ومما يؤسف له أن سليمان لم يسلك للنهاية فى طريق الرب لأنه مال إلى عادات نسائه الأجنبيات الوثنيات، فهيأ الرب له أشخاصاً نغصوا حياته، ومات فى سن الستين فقط (ص11).
15 – فاستيقظ سليمان وإذا هو حلم. وجاء إلى أورشليم ووقف أمام تابوت عهد الرب. وأصعد محرقات وقرَّب ذبائح سلامة وعمل وليمة لكل عبيده.
(1) استيقظ سليمان من نومه ووجد أن ما رآه كان حلماً تراءى له الرب فيه بشخصه المبارك وكشف له فيه شيئاً من مقاصده المقدسة.
(2) فلم يسعه إلا أن يذهب نحو الخيمة التى فيها تابوت الرب ليقدم عبادته وشكره لله، وقد قدم (محرقات) إشارة إلى عرفانه بجميل الرب وتكريسه حياته لله، و(ذبائح سلامة) إشارة إلى صداقته وشركته مع الله وتعبيراً عن فرحه وشكره.
(3) ودعا كل عبيده لوليمة عظيمة لكى يأكلوا معه من ذبائح السلامة التى قربها للرب ابتهاجاً بهذه المناسبة السعيدة التى تجلى الله له ووعده مواعيده الجميلة.
و(عبيد) الملك كان يقصد بهم جميع الشعب، والمقصود بهم هنا كبار العاملين معه من رجال السياسة والجيش نيابة عن جميع الشعب.
16 – حينئذ أتت امرأتان زانيتان إلى الملك ووقفتا بين يديه.
كان الملوك يتولون القضاء بين شعبهم فى معظم الأحيان، ويروى الكتاب هنا هذه القصة عن هاتين المرأتين، يوضح بها مثالاً لحكمة سليمان التى وهبها له الله، ولابد أن أموراً وأحداثاً كثيرة جرت فى أيامه تجلت فيها حكمته وفهمه.
وقد أقبلت المرأتان إليه لتعرضا قضيتهما ليحكم بينهما.
17 – فقالت المرأة الواحدة استمع يا سيدى. إنى أنا وهذه المرأة ساكنتان فى بيت واحد وقد ولدت معها فى البيت. 18 – وفى اليوم الثالث بعد ولادتى ولدت هذه المرأة أيضاً وكنا معاً ولم يكن معنا غريب فى البيت غيرنا نحن كلتينا فى البيت.
19 – فمات ابن هذه فى الليل لأنها اضطجعت عليه. 20 – فقامت فى وسط الليل وأخذت ابنى من جانبى وأمتك نائمة وأضجعته فى حضنها. وأضجعت ابنها الميت فى حضنى. 21 – فلما قمت صباحاً لأرضع ابنى إذ هو ميت. ولما تأملت فيه فى الصباح إذا هو ليس ابنى الذى ولدته.
قصت المرأة الواحدة (الأولى) وربما كانت الأم الحقيقية للولد الحى، روايتها على الملك، فقالت إنها وزميلتها يسكنان فى بيت واحد ويبيتان فى حجرة واحدة، وقد ولدت ابناً، وبعد ثلاثة أيام ولدت زميلتها ابناً، ولم يكن معهما فى البيت أحد من الأقارب ليتعرف على الابنين، وفى ليلة اضطجعت زميلتها على ابنها دون أن تشعر فمات، فما كان منها إلا أن نقلت ابنها الميت إلى جانبها وأخذت الابن الحى وأضجعته فى حضنها، وفى الصباح أرادت هى أن ترضع الطفل فوجدته ميتاً، ولما تفرست فيه وجدت أنه ليس ابنها وأن ابنها هو الحى الذى سرقته زميلتها.
22 – وكانت المرأة الأخرى تقول كلا بل ابنى الحى وابنك الميت. وهذه تقول لا بل ابنك الميت وابنى الحى. وتكلمتا أمام الملك.
كانت المرأتان تتجادلان أمام الملك وتدعى كل منهما أن الابن الحى لها والابن الميت لزميلتها، وقد أرادت الأم الحقيقية للابن الحى أن تحتفظ بابنها لأنه ولدها وفلذة كبدها، بينما المرأة الكاذبة أرادت أن تغتصبه لنفسها لأن الناس قديماً كانوا يفرحون بالنسل ويفتخرون به، كما أن كل امرأة كانت تأمل أن يكون أحد أبنائها النسل الذى يسحق رأس الحية الذى وعد به الرب أمنا حواء (تك3).
23 – فقال الملك هذه تقول هذا ابنى الحى وابنك الميت وتلك تقول لا بل ابنك الميت وابنى الحى.
بدت القضية محيرة أمام الحاضرين، ولم تكن الوسائل العلمية الحديثة قد عُرفت وقتئذ للتعرف على الابن الحقيقى لكل من هاتين المرأتين الزانيتين. وأعلن الملك غرابة القضية لأن كلاً منهما تدعى لنفسها الابن الحى، ولم يعلن هذا لعجزه عن الحكم فى القضية، بل لأن الرب أرشده فوراً إلى حله، وإنما قال عبارته ليشرح للناس تعقيدها.
24 – فقال الملك ايتونى بسيف. فأتوا بسيف بين يدى الملك. 25 – فقال الملك اشطروا الولد الحى اثنين وأعطوا نصفاً للواحدة ونصفاً للأخرى.
أمر الملك بإحضار سيف، وبأن يشطروا الولد الحى اثنين ويعطى لكل امرأة نصف الطفل. ولم يكن الملك يحب أن يقتل الطفل البرئ، وإنما أمر بهذا لكى يكشف الأم الحقيقية للابن الحى.
26- فتكلمت المرأة التى ابنها الحى إلى الملك لأن أحشاءها اضطرمت على ابنها وقالت استمع يا سيدى  أعطوها الولد الحى ولا تميتوه. وأما تلك فقالت لا يكون لى ولا لك. اشطروه.
إن قلب الأم أو الأب عجيب لأنه يفيض حبا وحناناً نحو الأبناء أو البنات، وقد سمعت كلتا المرأتين أمر الملك بشطر الولد، فاضطرم (حن) قلب الأم الحقيقية على ابنها، وطلبت إلى الملك ألا يقتل ابنها بل يعطوه حياً للمرأة المُدَّعية، وفضلت أن يعيش ابنها ولو بعيداً عنها عن أن يموت، بينما المرأة الغريبة عن الطفل طلبت بغلظة وقسوة وشماتة أن يشطروا الولد حتى لا يكون لها أو لزميلتها، وقد أظهرت بهذا على أنه لا يهمها أمره إن عاش أو مات.
27 – فأجاب الملك وقال أعطوها الولد الحى ولا تميتوه فإنها أمه.
عرف الملك أمر المرأة التى لم تشأ أن يموت الولد هى أمه، وأمر بأن يعطوها إياه.
28 – ولما سمع جميع إسرائيل بالحكم الذى حكم به الملك خافوا الملك لأنهم رأوا حكمة الله فيه لإجراء الحكم.
(1) ذاع خبر هذه القضية وحكم سليمان فيها بين شعب إسرائيل فخافوا الملك أى احترموه وشعروا نحوه بكل مهابة وتوقير رغم صغر سنه، ذلك لأنهم رأوا أن الله منحه الحكمة من لدنه ليحكم بين شعبه بالعدل والاستقامة.
(2) إن الرب (يهوه) الذى وعد عبده سليمان قديماًَ أن يعطيه “قلباً حكيماً ومميزاً”    (ع12) هو هو نفس الرب يسوع المسيح المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم (كو2: 3) الذى وعد تلاميذه أن يعطيهم الحكمة والفهم بقوله لهم : (لأنى أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها (لو21: 15).
(3) والله فى كل زمان ومكان مستعداً أن يعطى عبيده الحكمة والمعرفة لأن “الذى تعوزه حكمة فليطلب من الله الذى يعطى الجميع بسخاء ولا يعير..” (يع1: 5).
(4) أخى الحبيب : إذا قابلتك مشكلة عويصة، أو مسألة معقدة ومحيرة، أو إذا بدت الدنيا أمامك ضيقة المسالك وامتلأت بالصعوبات التى يعسر حلها، فلا ترتبك أو يضعف إيمانك، بل تعال إلى الرب، وابسط أمامه كل حياتك، وكل مشاكلك، فيعطيك القوة لاحتمالها، والصبر عليها، أو يعاونك على حلها، أو يعمل بنفسه على حلها لك، ويخرجك من كل صعوبة ومن كل مأزق.
 
 
 

Leave a Comment