تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح الثالث – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح الثالث

نفوس الأبرار بيد الله
بيد الله : تعني ابنه ربنا يسوع.
يهتم الله بأولاده فهو يمسك بهم (تث٣٣: ٣)، (إش62: 3).
وإن كانت نفوس الأبرار في هذا العالم تعاني من الآلام والمرض والفقر والجوع والحزن إلا إنهم عند دخولهم الفردوس ينسوا كل ما كان من تعب وآلام إذ يذهب عنهم كل شيء فيه ألم وينتابهم فرح مجيد لا يوصف إذ يدخلوا في اللازمن فلا تحسب كل حياتهم الأرضية فهي كلا شيء بالمقارنة بالحياة السماوية الفرحة.
في يد الله : تعني يعتز بهم. يعطيهم اهتمامه وقوته وفرحه. يكونوا دائما في معية الرب.
يكونوا موضع اعتزازه.
كمثل وصف الله في سفر الرؤيا الممسك السبعة كواكب بيده، وتشرح الرؤيا أن السبعة كواكب هم ملائكة السبع كنائس أي أساقفة السبع كنائس.
يرحل الأبرار من هذا العالم وفي أعين الأغبياء أو الأشرار أنهم انتهوا ولن يعودوا وانتهى كل ذكر لهم.
بل وأن رحيلهم هو سبب تعاسة للأحباء أو أنهم رحلوا تعساء بلا حظ في هذه الحياة مأسوف عليهم بسبب الموت سواء من المرض أو الآلام أو الضيقات الكثيرة.
لكنهم لا يعلمون أنهم أحياء بروحهم الخالدة بل أصبحت أكثر تحررا بل أنهم يخدمون الذين على الأرض، بل رحيلهم سبب في ازدياد فرح السمائيين بانضمام رفيقا لهم لكي يفرح معهم في النعيم ويرى الله أو الثالوث فلا يعود يحزن أو يتألم.
يترك الأبرار العالم لكن الأحياء على الأرض يعتبروا ترك الأبرار لهم دمارا تاما لهم رغم أن الأبرار يكونوا في سلام.
ويرجع ذلك إلى ارتباط الأحياء بالآخرين ارتباطا عاليا بينما ارتباطهم بالله ضعيف فالارتباط بالله والسماء والقديسين هو الذي يؤهل النفس للانطلاق ويعطيها استعداد.
لكن الذي يرتبط بالأشخاص يتعب ويعادي الله رغم أنه لو ارتبط بالله سيعينه في سلام كما رحل هؤلاء الأبرار.
إذا كان موت الصديقين في نظر عامة الناس عقوبة لكنهم لهم رجاء ثابت في ميراث الخلود وملكوت السموات.
قد صلب ربنا يسوع بعقوبة الصلب ولم يكن له شيء يعاب عليه أو خطية فهو القدوس، في نظر اليهود عقوبة من الله تحمل عارا واستهزاء حتى أنهم صلبوه مع اللصوص ومثيري الفتنة، لكنه خلص الأبرار من الجحيم وذهب بهم إلى الفردوس بروحه الإنسانية المتحدة بلاهوته وقام في اليوم الثالث.
هكذا أول شهيد في المسيحية وهو استفانوس رئيس الشمامسة مات مرجوما وهذه عقوبة المجدفين عند اليهود لكنه شاهد السماء مفتوحة وابن الله (ربنا يسوع المسيح) قائم عن يمين العظمة وغفر خطايا راجميه مثل ربنا يسوع وغيره من الشهداء.
الله لا يمنع عصاه أو تأديبه حتى للأبرار لكن لا يكون هذا للعقوبة بل للتنقية مثل الذهب الذي يوضع في النار فيصير أكثر نقاوة، ومثل الفضة عندما توضع في النار تتنقى من الزغل ومثل الإناء الفخاري إذ يوضع لدرجة معينة في الفرن فيأخذه الفخاري لأنه يعرف مدى الحرارة المناسبة.
فلما يمتحنهم – لأنه يعرف ذلك – يجدهم ذوي قلب واسع مع ضيق الطريق على العكس ضيق قلب الأشرار في الطريق الواسع فيعطي الله الأبرار لأنه يعرف استحقاقهم يعطيهم مكافأة مضاعفة.
تنقية الله للأبرار كالذهب كما قلنا في النار لكنها أيضا تعتبر كذبيحة مرضية له، فالمحرقة تقدم كلها لله هكذا يقدم أبناء الله التائبين لنيران الآلام لكنها حتى إن أحرقتهم تفوح منهم رائحة رضا لله مثلما قدم إبراهيم ابنه فصار أكثر مجدا مما سبق نظرا لتقديم الله عنده عن نفسه، هذا أي إبراهيم الذي آمن بأن الله قادر على إقامة ابنه من الموت، فقد ماتت إرادته قبل أن يقدم ابنه ذبيحة.
يتكلم الحكيم عن تلألؤ الأبرار يوم الدينونة أي يوم الافتقاد فلأنهم عملوا البر فيضيء بر المسيح الذي فيهم كمثل شرار في القش والقش هم الأشرار الذين تحرقهم شهواتهم العالمية أما الأبرار فهم كشرار في القش مليء بكل إنارة وإحراق للشر أينما وجد.
يدين الأبرار الأشرار من الأمم بواسطة فعل البر وليس دينونة فعلية لأن هذه من سلطان الله.
هذا لأن الله يملك عليهم وعلى كل ما فيهم فلهذا هم أبرار.
أيضا القديسون هم يملكون على الشعوب بمعنى أنهم يملكون على أجسادهم بالطهارة وعلى أحاسيسهم وعلى مشاعرهم بالقداسة لأن الله ملك عليهم، ويكونون مثل قائد المائة يقول لهذا اذهب فيذهب ولهذا يأتي فيأتي، أي يقولون للأفكار الشريرة أن تذهب فتذهب وللأفكار الصالحة أن تأتي فتأتي وبهذا يكون لهم سلطان كبير على أرواحهم وأجسادهم.
الذين اتكالهم على الله إذ هو يكون لهم كل شيء، سيعرفون الحق والحق هو ربنا يسوع والحق يحررهم من الخطية كما جاء في (يو٨: ٣٢).
والأمناء في محبة الله والآخرين سيسكن الله معهم وهم معه لأن الرب يعطي نعمة ورحمة لقديسيه وهو يرعاهم على مياه الراحة وموضع خضر في تعاليم الرسل والأنبياء والقديسين ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية.
يدان الأشرار بالعقاب المناسب يوم الدينونة للأسباب الآتية :-
بسبب أفكارهم الخاطئة المصرة على الخطية.
بسبب استخفافهم بالأبرار.
أنهم نسوا الله فلم يعودوا في معيته.
العقاب غير مادي.
الأجساد تتحول لأجساد معتمة والنار غير مادية لهذا تتعذب الأجساد إلى الأبد.
من يحتقر الحكمة والتأديب في هذه الحياة يكون الآتي:-
يكون لهم رجاء باطل.
وغير مفيدة هي أتعابهم كما قيل عن الكتبة والفريسيين أنهم يجولون البر والبحر ليكسبوا دخيلا واحدا فإذا قبلوه يجعلوه ابنا لجهنم.
ليس لهم ثمر.
أعمالهم غير مفيدة روحيا لهم أو للآخرين.
الإنسان الشرير تكون له امرأة غبية أي شريرة مثله أما البار فيتخذ الحكمة عروسا له.
وبالتالي أولاد الغبيات أشرار أما أبناء الحكمة هم ثمر الروح “محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان وداعة تعفف” (غل٣: ٢٣).
طوب الحكيم العاقر غير الدنسة رغم أن في العهد القديم العقر علامة لغضب الله إذ كل امرأة كانت تنتظر المسيح أن يأتي منها.
لكن رجاء العاقر الغير دنسة أن يكون لها ثمر عند افتقاد النفوس، أي في الدينونة ستكون ثمار الروح كأولاد لها ويكون لها الله عريس نفسها ومشاعرها مرتبطة بالله بكل ما فيها فبالتالي أطفالها كثيرين جدا روحيا.
إذ طوب الحكيم الفتاة البتول والعاقر طوب هنا أيضا الشباب البتول.
ميز ربنا يسوع بين ٣ أنواع من الخصيان: من هم ولدوا بعجز ومن هم عبيد ومن هم لأجل ملكوت السموات فعلوا هذا وهذا النوع ما يقصده الحكيم.
فطوبه لأن يده لا تعمل شرا لأن اليد علامة العمل.
وطوبه أيضا لأنه لا يقبل وليس عنده أفكار شريرة.
لكن عوض هذا سينال من الرب عطية سامية أي نعمة سماوية بل يكون له مكان داخل هيكل الرب حيث يعطيهم الرب مكانا أفضل من البنين والبنات (إش56: ٣- ٥).
وعامة كلما طهر الإنسان نفسه كلما نال كرامة عند الله.
الأتعاب الصالحة هي مستمدة من الله الكلي الصلاح فثمرتها مجدا ليس في الأرض لكن في السماء حيث يتلألأ المجد السماوي بسبب الأتعاب كما قال معلمنا بولس “إن كنا نتألم معه فسنتمجد معه”.
ثم أعطى أن أصل الحكمة لا يزول أي الله هو ينبوع الحكمة وأصل الحكمة الدائمة إلى الأبد لهذا تمدح الكنيسة الله في عيد الغطاس بمديحة مطلعها (المجد لينبوع الحكمة) كما تكلم القديسون أن الله الآب هو ينبوع الحكمة والحكمة هي أقنوم الابن.
“أما أولاد الزناة فلا يبلغون كمالهم، وذرية المضجع الأثيم تنقرض”:-
هنا يتكلم رمزيا أن أولاد الزناة هم أعمال الذين يلجئوا إلى حكمة غير حكمة الله، إلى حكمة العالم فهي حكمة أرضية نفسانية كقول معلمنا يعقوب في رسالته، فمصدر الحكمة هو الله أما غير ذلك فيكون من إبليس حيث تتحد نفوس الأشرار في نوع من الزنا الروحي بحكمة أرضية والنتيجة أعمال أرضية هي أولاد هذه الحكمة لكنها أعمال غير كاملة وأصحابها ينقرضوا سريعا.
وافترض الحكيم أنه إن طالت حياة الحكماء الأرضيين الأشرار على الأرض فإنهم يحسون كأنهم غير موجودين بالمرة وحتى إن أتوا إلى الشيخوخة تكون شيخوخة بلا كرامة ولا مهابة.
وعندما يموتون بسرعة فلا عزاء أو رجاء لهم يوم الدينونة لأنهم استوفوا أجرهم على الأرض.
لأن نتيجة الجيل أو النسل الشرير الذي لا يعرف حكمة الله هي شاقة لأن الشقاء هو البعد عن الله.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment