كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح الثالث – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح الثالث

سب أيوب يوم ميلاده واشتهاؤه الموت وبقاءه حيا رغم ذلك

” بعد هذا فتح أيوب فاه وسب يومه “:-
أيوب سب يوم ميلاده لكنه لم يتكلم ضد الله.
صمت أيوب ٧ أيام ثم تكلم، وأيضا حزقيال النبي في أرض السبي صمت ٧ أيام ثم تكلم (حز٣: ١٥، ١٦).
لكن حزقيال تكلم برؤيا الله بما يخص الله وهيكله وسبي شعبه فهو مشغول بالآخرين وشعبه أما أيوب فمشغول بما حل به في أنانية وتعمق داخل نفسه وفي يأس.
حزقيال تطلع إلى السماء المفتوحة أما أيوب ابتلعت الضيقة في أيام معدودة كل الأيام المملوءة نعمة من الله وحسب يوم ميلاده يوم ضيق.
أيضا هناك فرق بين نظرة القديسين لميلادهم والأشرار.
فالأشرار يوم ميلادهم هو يعني التسلط وإظهار الذات وإطلاق العنان للشهوات، ففرعون يوم ميلاده قتل رئيس الخبازين (تك٤٠: ٢٠)، وهيرودس أنتيباس الأول قتل يوحنا المعمدان بالسيف لما طلبت هيروديا ذلك عندما رقصت ابنتها أمامه، أما الأبرار فيروا في ميلادهم أنه يوم ضيق وحمل للصليب لكن مع رجاء في السماء وليس في يأس كما فعل أيوب، وأيضا ننظر ليوم الميلاد من الماء والروح في العهد الجديد الذي يؤهلنا لملكوت السموات (يو٣: ٣، ٥).
والقديسون أيضا يعتبروا يوم موتهم هو يوم حسن لاكتمال ثبوتهم في الفضيلة فيكونوا فرحين في رجاءهم (سيراخ١١: ٢٨).
​”وَأَخَذَ أيوب يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل”:
لم يشأ أصحاب أيوب أن يتكلموا قبل أن يتكلم هو إذ كانوا في صمت مدهوشين مما حدث له.
إذ هو كان مشهورا فحسب يوم ميلاده هو للهلاك، فهو ينظر للعالم نظرة يائسة دون النظر إلى ما بعد هذا العالم في العالم العتيد (١ كو٨: ٢٥).
بل نظر إلى العالم كأنه ليل مظلم يتخبط كل من يسلك فيه ناسيا أو غير عارف أن النور سيشرق على الشعب السالك في الظلمة ويضيء ظلمة هذا العالم (إش ٩).
العالم صحيح صنعه الله وكل صنعة الله جيدة لكن التعلق به أو السلوك الخاطئ هو الذي يشكل سلوك العالم الذي نريد أن نتخلص منه، فالعالم وسلوكه الخاطئ نحن صنعناه بمعصيتنا فعندما نطيع الله نتبرر في العالم وفي الأبدية (في١: ٢٣).
​” لِيَكُنْ ذلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا. لاَ يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ”:-
أيوب رغم إيمانه بالله لكنه كإنسان يعبر عن ألمه ووجعه فيصرخ منه.
فليس غريب أن تمر به أفكار يأس بسبب آلامه إذ اعتبر أن يوم ميلاده قبل وجوده في العالم كمن هو في ظلام فيتمنى أن ينام حتى يشرق نور الصباح لكن هو اعتبر أنه مازال في الظلام من يوم ميلاده ولم يحن وقت إشراق النهار بعد.
​” لِيَمْلِكْهُ الظَّلاَمُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتَرْعَبْهُ كَاسِفَاتُ ظُلُمَاتُ النَّهَارِ”:-
كلمة كاسفات تعني سواد النهار.
النور هو ربنا يسوع (يو٨: ١٢؛ ٩: ٥؛ ١٢: ٤٦)، أما الظلام فهو إبليس ومن يتبعونه مثلما تبعه يهوذا الإسخريوطي عندما خرج قبل سر الافخارستيا وكان ظلاما (يو١٣: 30).
أيضا الإيمان هو النور الذي نجابه به ظلام سهام إبليس الملتهبة نارا والتي هي سهام الليل المظلم (١ بط٥: ٩)، فالإيمان هو الترس الذي نلبسه لنصد جميع سهام إبليس التي تصدر من رئيس الظلمة (أف٦: ١٦).
​” أما ذلِكَ اللَّيْلُ فَلْيُمْسِكْهُ الدُّجَى، وَلاَ يَفْرَحْ بَيْنَ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَلاَ يَدْخُلَنَّ فِي عَدَدِ الشُّهُورِ”:
هناك فرق بين يومين الأول والذي يعبر عنه أيوب بأنه ليل هو يوم معصية آدم وبنيه، واليوم الثاني هو يوم الخلاص الذي خلصنا به ربنا يسوع عندما عُلق على عود الصليب وقت الساعة السادسة من اليوم السادس يوم الجمعة العظيمة.
​” هُوَذَا ذلِكَ اللَّيْلُ لِيَكُنْ عَاقِرًا، لاَ يُسْمَعْ فِيهِ هُتَافٌ “:-
لم يطق أيوب أن يسمع صوت التهليل أو الفرح إذ فقد رجاءه إلى حين.
لكن الرجاء يُمثل بشيئين :-

  1. البيضة التي داخلها كتكوت فبالضغط عليها بواسطة تجارب الحياة وفي آلامها تكسر القشرة ليخرج الكتكوت إلى الحياة، فالرجاء يلد حياة.
  2. الحبل المتدلي من السماء الذي يرفع الإنسان الذي يمسك به بثبات، أما إذا ضعف الإنسان وتركه فإنه يغرق في الحال.

ويحتاج الرجاء إلى فضيلتين ليتولد في الإنسان هما الصبر والمحبة.
أما رجاءنا فهو ربنا يسوع ذاته الذي لأجله نصبر ولأجله نحتمل الآلام في هذا العالم.
​” لِيَلْعَنْهُ لاَعِنُو الْيَوْمِ الْمُسْتَعِدُّونَ لإِيقَاظِ التِّنِّينِ”:-
التنين يترجم في الترجمة اليسوعية لوياثان لكن الوصف في أيوب ٤١ ينطبق على التمساح والمقصود به الشيطان (أي٣: ٨؛ ٤٠: ٢٠).
قصد أيوب أن يستدعي الندابين الذين يندبون الميت مع أهل الميت، وأيضا الذين يصطادون التماسيح بأنهم يقولون بعض التعاويذ السحرية حتى يضعف التمساح فيصطادوه.
وكلمة إيقاظ التنين إشارة إلى عمل السحرة في إثارة الشيطان ضد إنسان معين لكن لا نعجب إذا شُبه إبليس بالتنين أو الجبل العظيم (زك٤: ٧)، وأن الله الكلي القدرة يُشبه بأشياء أقل حجما فالقوة ليست بكبر الحجم مثل ملكوت السموات تُشبه بحبة الخردل (مت١٣: ٣١)، أو لؤلؤة كثيرة الثمن (مت١٣: ٤٣)، والروح القدس ظهر على هيئة حمامة، وربنا يسوع شُبه بالحمل (إش٥٣: ٧).
​” لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ. لِيَنْتَظِرِ النُّورَ وَلاَ يَكُنْ، وَلاَ يَرَ هُدُبَ الصُّبْحِ”:-
في الترجمة السبعينية ترجم ” لينتظر النور ولا يكن” بــ ” ولا يرى لوسيفر يقوم”.
يستخدم الكتاب المقدس تشبيه القديسين بالنجوم وأيضا الأشرار بالنجوم لكن نجوم تعطي ضوء لفترة صغيرة وتسقط مثلما يتظاهر أحد بالبر ثم يظهر غشه، هكذا شبه أيوب يوم ميلاده مثل نجم ظهر قليلا ثم أظلم نوره.
وشبه يوم ميلاده مثل قيام لوسيفر أي إبليس الذي يجر ⅓ نجوم السماء في ذَنبه (رؤ١٢: ٤)، لكنه يطرح هو والساقطين في البحيرة المتقدة نار وكبريت ويكونون في الظلمة الأبدية.
​” لأَنَّهُ لَمْ يُغْلِقْ أَبْوَابَ بَطْنِ أُمِّي، وَلَمْ يَسْتُرِ الشَّقَاوَةَ عَنْ عَيْنَيَّ “:-
هنا شدة اليأس من أيوب فهو اشتهى أن يفتح رحم أمه قبل ميعاد الولادة ويولد ميتا وتموت أمه خيرا من أن يقاسي هذه الآلام.
لكن ق. إغريغوريوس الكبير شبه الإنسان الأول وهو في الفردوس كأنه في رحم أمه فإن إبليس فتح أبواب الفردوس مبكرا لكي يطرده منها بمخالفة الله فاشتهى  ق. إغريغوريوس العكس لو أغلق الإنسان أبواب الفردوس لبقي آدم وبنيه في كثرتهم وفي حياة الفرح الدائم.
​” لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟ عِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنَ الْبَطْنِ، لِمَ لَمْ أُسْلِمِ الرُّوحَ ؟”:-
أدرك أيوب خطأه عندما اشتهى أن يولد مائت وأن تموت أمه عند ولادته فراح يشتهي أن يولد هو ثم يموت بمجرد ولادته، هكذا كان الموت يأسا في العهد القديم إذ اشتهى أن يتلاقي مع الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب في الهاوية خير له من الحياة المتعبة على الأرض.
أما في العهد الجديد فقد فتح ربنا يسوع لنا الطريق إلى الفردوس وصار الموت عبورا إلى الفردوس حيث نتلاقى مع ربنا يسوع لنعاين جزء من المجد الأبدي لذا غير ربنا يسوع مفهوم ووضع الموت إلى جسر نعبر به إلى الأبدية.

  • ​” لِمَاذَا أَعَانَتْنِي الرُّكَبُ، وَلِمَ الثُّدِيُّ حَتَّى أَرْضَعَ ؟”:-

يقدم ق. إغريغوريوس الكبير تفسيرا روحيا رمزيا لمراحل الخطية مقارنة بما شبه به أيوب موته في عدة مراحل وهي أربعة.
واشتهى موته في رحم أمه وهي تمثل فكر الخطية الذي ينتج موت داخلي مثلما كانت ابنة يايرس (مر ٥) التي أقامها الرب.
واشتهى أن يولد من رحم أمه ويموت فور خروجه من رحمها وهي تمثل تحول الخطية إلى لذة قلبية وإلى عمل وهي تمثل موت ابن أرملة نايين حيث كان في نعشه خارج أسوار المدينة على مشارف القبر (لو ٧) الذي أقامه الرب بقوله “أيها الشاب لك أقول قم”.
واشتهى أن لا ينمو بواسطة حمل أمه له على ركبها وتغذيته بالرضاعة إشارة إلى تحول الخطية إلى عادة وإلى الدفاع المخطئ عنها، وهي تقابل موت لعازر حيث أنه كان له أربعة أيام وقد أنتن (يو ١١) لكن أيضا الرب أقامه من الموت بقوله “لعازر هلم خارجا”.
​” لأَنِّي قَدْ كُنْتُ الآنَ مُضْطَجِعًا سَاكِنًا. حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحًا”:-
تمنى أيوب أن ينزل إلى القبر أو حتى إلى الجحيم فإنه يعيش مستريحا لأن الإنسان كان في الفردوس في سلام لأنه كان لم يعرف الخطية وبالتالي لم يعرف آلامها ولا أفكارها المقلقة للنفس فكان سوف لا يموت ويعيش في سلام فاشتهى أيوب هذا السلام عوض القتال ضد إبليس والعالم بأفكاره وشهواته.
​” مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي الأَرْضِ، الَّذِينَ بَنَوْا أَهْرَامًا لأَنْفُسِهِمْ، أو مَعَ رُؤَسَاءَ لَهُمْ ذَهَبٌ، الْمَالِئِينَ بُيُوتَهُمْ فِضَّةً “:-
اعتبر أيوب أن الملوك والعظماء الذين ماتوا وخلدوا ذكراهم بعمل مقابر على هيئة أهرامات هم أفضل منه لأنهم لم يختلطوا بجثث الفقراء ولو أن الموت لا يفرق (أم٢٢: ٢) بين غني أو فقير لكن ذكراهم بواسطة هذه الأهرامات، أيوب تناسى أن الذي يبقى هو الأعمال الحسنة التي نجازى عليها.
وأيضا اعتبر أن الرؤساء الذين ملئوا بيوتهم ذهب وفضة أفضل منه إذ هو يموت فاقد كل شيء، وهنا حالة يأس أفقدته الرؤية السليمة أنه ليس بالذهب والفضة يقاس الإنسان بل بالتصاقه بالله فمقعد باب الجميل أقامه بطرس ويوحنا اللذان ليس لهم فضة أو ذهب في (أع٣: ٦).
لكن الإنسان الروحي الذي يريد أن يخلد ذكراه يكون بعمل الخير وامتلاك كلام الله والعمل بوصاياه هي فضته وأن يعيش عربون الحياة السمائية على الأرض هي ذهب.
هنا إشارة تاريخية مهمة أن أيوب كتب سفره في عصر الدولة القديمة في مصر حيث كانت تعرف الأهرامات أي في الألف الثالثة قبل الميلاد وهي تقريبا مقابل عصر الآباء إبراهيم وإسحق.
​” أو كَسِقْطٍ مَطْمُورٍ فَلَمْ أَكُنْ، كَأَجِنَّةٍ لَمْ يَرَوْا نُورًا “:-
اشتهى أيوب أن يكون مثل السقط المطمور الذي لم يرى نور العالم لأنه يكون كنائم مستريح ولم يعلم أن المخلص قادم الذي فيه ندفن معه في المعمودية ونقوم معه بمجد ويعطينا الراحة الأبدية.
اعتبر ق. إغريغوريوس الكبير أن الأجنة التي استراحت ولم ترى نور العالم هم عصر الآباء الأولين قبل ناموس موسى إذ كان ناموس ضميرهم هو ناموسهم بالإضافة لما استلموه من الله، وهم :-

  1. هابيل : الذي احتمل ظلم أخيه وقتله.
  2. أخنوخ : الذي لبره أخذه الله واستراح من شر العالم.
  3. نوح : الذي استراح من الطوفان بالفُلك وبتصديق مواعيد الله آمن.
  4. إبراهيم : الذي أطاع وخرج من أرضه ومن عشيرته وكل أهل بيته للأرض التي يريها له الله.
  5. إسحق : الذي كلت عيناه عن رؤية نور العالم لكنه تنبأ بالروح بعينيه الروحيتين عن أمور ستحدث.
  6. يعقوب : الذي رأى السلم السمائي ورأى جيشين من محلتين.

ورأى أن أفرايم سيصير أكثر بركة من أخيه منسى البكر.
وتنبأ عن مستقبل أبنائه الاثنى عشر في (تك ٤٩).
​” هُنَاكَ يَكُفُّ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الشَّغْبِ، وَهُنَاكَ يَسْتَرِيحُ الْمُتْعَبُون” :-
الموت يضع حدا للمنافقين الأشرار الذين يضطهدون أولاد الله والكنيسة مثل هيرودس أغريباس الأول الذي قطع رأس يعقوب بن زبدي بالسيف لكنه يوم ميلاده لبس الحلة الملوكية وقالوا عنه أنه صوت إله لا إنسان فضربه ملاك الرب فدود ومات في الحال (أع١٢: ١- ٦، ٢٣).
وأيضا القديسون يسرع الله بموتهم حتى ينقذهم من العالم ومن الأشرار والاضطهاد ويعطيهم راحة، هكذا تكلم سفر الرؤيا عن الذين يموتون في الرب وأعمالهم تتبعهم (رؤ١٤: ١٣) وتكلم إشعياء عن دخول الصديقين إلى مضاجعهم بسلام (إش٥٧: ١- ٢).
فهنا الشكر لله على عطية الموت لأنها توقف ظلم الأشرار وتعطي راحة للأبرار والمضطهدين والمجربين.
​” الأَسْرَى يَطْمَئِنُّونَ جَمِيعًا، لاَ يَسْمَعُونَ صَوْتَ الْمُسَخِرِ”:-
الأسرى في الحروب يذوقوا أكثر أنواع العذاب والمذلة كما كان فرعون يسخر شعب الله بعملهم في صنع اللبن فأنَّوا ووصل أنينهم إلى الله فأرسل لهم موسى ليخلصهم ففي ذلهم كانوا يشتهون الموت، هكذا كان أيضا شمشون يطحن في بيت السجن ففضل أن يموت ويميت أعداء الله بإيمانه وتوبته فأمات بموته أكثر من الذين أماتهم في حياته (قض١٦: ٢١).
​” الصَّغِيرُ كَمَا الْكَبِيرُ هُنَاكَ، وَالْعَبْدُ حُرٌّ مِنْ سَيِّدِهِ”:-
الموت لا يفرق بين كبير أو صغير، كلهم يرتمون في التراب فالتفاوت في الحياة لا يكون في الموت.
وأيضا العبد يصير حر من سيده فإن كانت العبودية الحقيقية هي للخطية (يو٨: ٣٤) فهناك بعد الموت لا يكن إنسان عبد للخطية ولا يتعبه تذكرها لأنه لا يكون تذكرها بعد الموت فيصبح العبد حرا من كل براثن الخطية.
​” لِمَ يُعْطَى لِشَقِيٍّ نُورٌ، وَحَيَاةٌ لِمُرِّي النَّفْسِ ؟”:-
دائما الأشقياء يسلكون في الظلمة ولا يعطى لهم نورا بسبب خطاياهم، وأحيانا العكس يكون الأشقياء قديسين فيشتهون الموت لكنهم لا يعطي لهم بل تعطى لهم حياة.
وذلك لأن القديسين يتألمون في هذه الحياة ويتأدبون ويعاقبون، وفي الأبدية يستريحون والأشرار سواء الأغنياء أو الأقوياء فهم يخافون الموت لأنهم تنعموا في هذه الحياة أما في الدينونة سيكون لهم عقابا أبديا.
بل أن أيوب حتى في حياته قبل تجربته لم يكن مستريحا دائما بل كان قلقا لم يتمتع بنور الحياة.
فالإنسان في الحياة يعاني من ضربات إبليس وسهامه سواء بالشهوات أو البر الذاتي أو التجارب العامة فمن من البشر يفلت من حياة متعبة مليئة بالآلام سوى الذين يترجون الحياة الأبدية التي يكافئوا فيها عوض أتعابهم (يو١٦: ٢٠).
​” الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ وَلَيْسَ هُوَ، وَيَحْفُرُونَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ الْكُنُوزِ”:-
هناك أشخاص ينتظرون الموت وينقبوا عليه مثل الكنوز فلا يلاقونه هؤلاء هم التعابى والمرضى والمضطهدين والذين استعدوا بالتوبة وغسلوا خطاياهم أما الذين يهربون منه فهو يلاحقهم لأنه حتما يلاحقهم في وقت لا يتوقعونه مثل لص، لكن الذي أمات نفسه وحواسه من أجل الرب فقد مات قبل أن يأتيه الموت فعندما يأتيه يرحب به.
​” الْمَسْرُورِينَ إِلَى أن يَبْتَهِجُوا، الْفَرِحِينَ عِنْدَمَا يَجِدُونَ قَبْرًا !”:-
الذين يفرحون هم الذين يدفنوا أنفسهم في التأمل في الله حيث تبتلع كل حواسهم فيه، فهم عندما ينزلون إلى القبر يكونون فرحين لأنهم ماتوا عن العالم قبل موتهم.
​” لِرَجُل قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُهُ، وَقَدْ سَيَّجَ اللهُ حَوْلَهُ”:-
قد يسمح لنا الله ببعض القيود لكنها لمصلحتنا الروحية فإن الحرية لها حدود كما للبحر رمال تحده هكذا سيج الله حول أيوب وعجز عن الحركة لحين حتى يُكافأ، وهذا ما عبر عنه هوشع النبي بأن يسيج طرقه بالشوك (هو٢: ٦)، وفي المراثي سيج طرقه بحجارة منحوتة (مرا٣: ٩)، لكن في كل هذا وصف لحال الإنسان وما فعلته به الخطية لكن لما أتى ربنا يسوع حرر ساكني الجحيم من كل هذه القيود وفتح المترايس الحديد والأبواب النحاسية.

  • ثم يتأمل في بداية الآية عن إخفاء الله للبشر يوم مماتهم هذا حتى يسهروا كل يوم عسى أن يأتي الموت فلهذا يخفي الطريق بل أن الطريق أو الموت هو طريق الحرية من هموم العالم ومصائد إبليس وفخاخه ومن أحزانه حيث يتقابل مع من سبقوه إلى الفردوس من أول الآباء البطاركة الأول إبراهيم وإسحق ويعقوب إلى يوم الانتقال، فهناك من سفكوا دماءهم من أجل ربنا يسوع وهناك من عاش في البتولية وهناك من عاش في الزيجة وهناك من اتصف بكل أنواع الفضائل، فقد أخفي عن أعيننا ساعة موتنا حتى نسهر.

​” لأَنَّهُ مِثْلَ خُبْزِي يَأْتِي أَنِينِي، وَمِثْلَ الْمِيَاهِ تَنْسَكِبُ زَفْرَتِي”:-
صار لأيوب طعام وشراب غير العاديين من الخبز والماء بل من الأنين والتنهدات والدموع.
لكن الله لا يجعلنا نجرب فوق ما نحتمل بل يعطي مع الضيق المنفذ لأن كل شيء عنده بحكمة ومقياس (حكمة١١: ٢٠، مز٨٠: ٥).
​” لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ”:-
الإنسان الطبيعي الغير روحي يخاف التجارب ويفزع منها فلهذا تأتيه حتى يتعلم منها ما لم يكن يدركه ويستفيد منها ما لم يكن يظنه، فأيوب يبدو أنه في أيام رخائه كان يهاب التجارب ويفزع منها لذا جاءته بعنف حتى يتعلم منها الصبر بل ويُكافأ عليها ويصير مثالا ومثلا فهو مثال لربنا يسوع الذي تألم على عود الصليب ومثلا للصبر حتى من يجرب يقتدي به.
​” لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ، وَقَدْ جَاءَ الزُّجْرُ “:-
كان أيوب حذر أن تأتيه تجربة بل كان يستعد إذ كان يقدم محرقات عن أبنائه كل يوم فجاءت ساعة التجربة وأخذتهم كلهم بل وكل ما له لهذا كان ساهرا لأنه لابد أن تأتي التجارب والألم للإنسان في العالم (يع١: ٢)، لكن هذا لا يعني أن التجارب تدمر الإنسان لا بل تجعله أقوى من الحديد كما قال ق. يوحنا ذهبي الفم.
بل أن ربنا يسوع حطم الموت الذي كان نهاية مرعبة لكل البشر فاعتبروه لما شاهدوا ربنا يسوع عبره كحجر يداس عليه، بل يبتهجون أن يعبروه إلى الأبدية فهم يتمثلوا بسيدهم حتي لو اجتازوا في النيران فهو يخلصهم ورجاءهم فيه لا يخيب أبدا (يو١٦: ٣٣، مت١٠: ٢٢؛ ٢٤: ٢٣).
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]
 

Leave a Comment