مصباح منير – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري – الفصل الخامس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”مصباح منير – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري” field=name]

أحداث وإعتذارات فى طريق الأسقفية!

“لنا هذا الكنز فى أوانٍ خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا” (2كو4: 7).
“طلبناه كاهناً على دمياط فهرب إلى الدير ليحيا حياة الرهبنة والوحدة، غير أن الله القدوس يقود حياة أولاده طبقاً لإرادته وهم يساقون من الروح القدس فدبر له خدمة أفضل إذ كان قد دعاه وأفرزه أسقفاً وراعياً على إيبارشية دمياط…”
“ليس للإنسان طريقه” (أر10: 23)
لا يأخذ أحد هذه الرتبة لنفسه:

  • بعد نياحة مثلث الرحمات الأنبا أندراوس أسقف دمياط السابق، كلّف قداسة البابا شنودة الثالث، نيافة الأنبا أغاثون الأسقف العام بعمل جرد لمتروكات نيافة الأنبا أندراوس الراحل، وبالفعل حضر إلى دمياط لهذا العمل وكنا نظن أنه ربما سيكون لنا أسقفاً تعويضاً عمن فقدناه!! لكن بعدما قام بعمله قفل راجعاً إلى القاهرة حيث تقابل مع قداسة البابا!!
  • فأرسل قداسة البابا نائباً باباوياً إلى دمياط وهو القمص مينا (المتنيح الأنبا مينا أسقف دير مارمينا) ليدير لنا أمور الإيبارشية، وكنا أيضاً ننتظر رسامته أسقفاً على الإيبارشية، ولكنه لم يبق برأس البر إلا أياماً قليلة ورحل بعدها إلى الأسكندرية ومنها إلى دير مار مينا.
  • فمن يا ترى سيكون على كرسى دمياط وكفر الشيخ والبرارى؟! لقد عُرضت عدة أسماء أمام قداسة البابا منهم القمص متياس السريانى، والقمص مينا آفا مينا والقمص توما السريانى..!!

غير أن الله القدوس هو الذى دبّر أمور بيعته ويختار خدامه، ليس كما ينظر الإنسان إلى العينين بل هو ينظر إلى القلب!
فهو يقول عمن يختاره:
“أنى أردته، قم وأمسحه لأن هذا هو” (1صم16: 21).
تزكية لإختياره أسقفاً:
قام وفد من مدينة دمياط يحملون تزكية لإختيار القمص توما السريانى أسقفاً على الإيبارشية… ومر الوفد بمدينة شربين ثم بدير القديسة دميانة، وبكفر الشيخ… لأخذ موافقة الأباء الكهنة وإمضاءات الشعب… ثم قدمت هذه التزكية لقداسة البابا شنودة الثالث…
وقد واجه قداسة البابا شنودة أبونا توما بالتزكية وقال له: “إختار لك حاجة من إثنين، إما أن ترسم أسقفاً عاماً بمدينة القاهرة وتهتم بضاحية مثل مصر الجديدة، أو ترسم أسقفاً لإيبارشية دمياط وكفر الشيخ والبرارى…
فأجاب أبونا توما وقال: “يعنى يا سيدنا الواحد يوضع بين نارين!!”
وكان أبونا توما قد بنى لنفسه قلاية خاصة بحديقة الدير بإرشاد قداسة البابا، فقفل على نفسه باب هذه القلاية ولم يعد يقابل أحداً.
كيفية سيامته أسقفاً :
لا نريد أن نخوض فى أحداث تاريخية كثيرة، غير أننا نعرض لهذه المعلومات القصيرة على لسان نيافة الأنبا بيشوى ونعرضها هنا كما ذكرها، لنظهر تدبير الله فيها…
أولاً : أبونا توما يعتذر عن الرسامة
تكررت زيارة وفود إيبارشية دمياط وكفر الشيخ للبابا بخصوص هذا الموضوع، فأرسل قداسته فى طلب أبونا توما، لكنه إعتذر وهرب! مما إضطر قداسة البابا أن يجيب على وفود الحاضرين قائلاً: “إعتبروا أن هذه الإيبارشية تابعة لى… وأتركوا الأمر لتدبير الله”
ثانياً :أبونا توما يرسل خطاب إعتذار
أرسل أبونا توما خطاباً لقداسة البابا يعتذر فيه عن قبول السيامة!
فرد قداسة البابا الخطاب مع أبونا صرابامون ( ) (نيافة الأنبا صرابامون أسقف دير الأنبا بيشوى الآن) دون أن يفتحه، وقال: إن قداسة البابا رفض أن يتسلم الخطاب قائلاً: “أنا لا أتعامل بالخطابات”.
ثالثاً: مقابلة البابا شنودة للإعتذار
حضر قداسة البابا إلى الدير، فخرج القمص توما مع الآباء ليسلم عليه… خوفاً أن تكون عدم مقابلته فى المرتين السابقتين قد أثرت فى البابا وخصوصاً أنه كان أب إعترافه.
فرحب به قداسة البابا وقال له: أهلاً يا أبونا توما، الواحد لما يحب يقابلك لازم يقابلك بالبطاقة الشخصية!! فأجاب أبونا توما: العفو يا سيدنا.. أنا المحتاج أن آخذ بركتك، وأحب أن أجلس مع قداستك بعض الوقت. فأجاب البابا: طيب أحاول أشوف لك وقت!
ورجع أبونا توما إلى قلايته كما كان، وإنتظر هناك تحديد هذه المقابلة لأن قلايته كانت بجوار قلاية البابا!
البابا يعتكف فى كوتسيكا:
قال نيافة الأنبا بيشوى :
فى يوم وجدت عربة قداسة البابا دخلت الدير، وتوقعت أن يكون البابا حضر إلى الدير! لكنه أرسل عربته إلى الدير لينقلوا حاجاياته من قلايته بدير السريان إلى مقره بكوتسيكا، ورأيت أبونا متياس السريانى وأبونا أنسطاسى الصموئيلى سكرتيرى قداسته فى ذلك الوقت قد نزلا من العربة ولم يكن البابا معهما.
فسألت أبونا صرابامون عن البابا… فأجابنى بأنه سيعتكف فترة بمقره بكوتسيكا بحلوان.
فقلت له أنا خايف أن يكون البابا زعلان منى، لأنى رفضت مقابلته مرتين.. وأنا مش عايزه يزعل منى! لأنى أريد أن أعيش فى سلام.
فقال لى: أحسن شئ تذهب إليه وتخلّص هذا الموضوع معاه، فأستأذنت نيافة الأنبا ثيئوفيلس أسقف الدير، ونزلت معهم، وقابلت البابا الذى فوجئ بحضورى!
وقدمت له مذكرة من 6 صفحات فولسكاب، أوضح فيها وجهة نظرى لعدم قبولى الأسقفية!
ولما قرأ قداسة البابا المذكرة، قال لى:
“أنا سأشرح لك وجهة نظرى، ولا أريد منك إجابة سريعة، بل فكر فى هذا الكلام وبعدين كوّن رأيك فى هذا الموضوع!
قال :
أنا أحتاج لفدائيين ليخدموا معى من أولادى
وأكمل قداسة البابا… يا أبونا توما إنت عارف قصة سيامتى أسقفاً، وكيف عندما إبتدأت أعمل فى الأسقفية وجدت نفسى لا أستطيع أن أنطلق فى العمل بل كانت هناك قيود فى الخدمة.
فلما سمح الله بأن أرشح بطريركاً، فكرت كثيراً… وقلت فى نفسى لو رفضت البطريركية.. من يضمن الذى سيأتى غيرى، هل سيعطى الحرية الكاملة لأسقفية التعليم؟! لذلك قبلت البطريركية…
لكننى لا أستطيع أن أحقق أهدافى فى الخدمة لوجود قيود…
فأنا محتاج لمن يساعدنى، لأنى لا أستطيع أن أخدم بمفردى فى كل الكرازة المرقسية، وأحتاج فى نفس الوقت لمن يكون له مبادئ روحية قوية..
فأنا محتاج لفدائيين يضحون بحياة الوحدة التى يحبونها ويخدموا معى من أجل خلاص الآخرين، لأن الله قد وضع على كاهلى هذه المسئولية.
فإذا لم يكن أولادى قادرين على مساعدتى.. فكيف أعمل بمفردى؟!
الإعتذار الثانى لقداسة البابا :
فأجاب أبونا توما: يا سيدنا هناك أناس أفضل منى فى حمل هذه المسئولية، لأنى أشعر بأنى غير مستحق لها.
وكان إعتذاره يحمل داخله الشعور بعدم الإستحقاق! فلم يكن إعتذاره للبابا معاندة كلا، بل كان يرى نفسه كآنية خزفية، ولكن كان هذا هو سر القوة، “لأنى حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى” (2كو12: 10).
فقال قداسة البابا:
هناك عشرات الآلاف من الناس يهلكون، ولا أحد يسأل عنهم، ألا يحركنا هذا بأن نضحى بأنفسنا من أجلهم؟!
لكن أبونا توما الذى رأى فى نفسه عدم الأهلية لذلك إعتذر أيضاً لقداسة البابا للمرة الثانية.
فأجاب البابا فى تأثر:
أنا سوف أضيف إيبارشية دمياط وكفر الشيخ والبرارى إلى مسئولياتى الكثيرة، فلتكن مشيئة الله. فقلت لقداسة البابا:
حاللنى يا سيدنا، وركعت أمامه وصلى لى التحليل وخرجت من أمام قداسة البابا وأنا أشعر كأنى عصفور كان موضوع فى قفص، ثم أخذ حريته وطار…
وسر ذلك التصرف هو أنى كنت أشعر داخل نفسى بيقين أنى لا أستطيع تحمل هذه المسئولية، فيكفينى أن أتحمل مسئوليتى، وأن أهتم بأبديتى…
وهذا مع تقديرى الكامل وحبى لقداسة البابا، ولكل كلمة تكلّم بها إلىّ!!
خرج أبونا توما من أمام البابا وإستأذنه فى الرجوع إلى ديره!
ليس فى معاندة أو صلابة شخصية بقدر ما يملؤه الشعور بالتصاغر وعدم الإستحقاق…
وهذا الشعور سيكون بمثابة الآنية الخزفية التى سيملؤها الله حينئذ ليحوّل بقية الأحداث بحسب إرادته الصالحة.
تدخل الله ليحول الأحداث :
كان أبونا توما قد عزم أن يركب العربة التى أحضرته، ليرجع بها أيضاً إلى الدير، إذ كانت ستوصل نيافة الأنبا أغاثون إلى الأسكندية فى اليوم التالى، وإتفق أبونا توما أن يسافر معه، حيث ينزل أمام الدير فى الطريق الصحراوى.
فقد هيأ الله أن يتعطل سفره إلى اليوم التالى  وكانت فرصة تدخل فيها الله ليكشف الأمر لأبونا توما، ويشرح له الروح القدس ويذكره بما قاله له قداسة البابا: “هناك عشرات الآلاف من الناس تهلك ولا أحد يسأل عنهم”.
المشكلة التى غيّرت مجرى حياته :
إضطر أبونا توما للمبيت بالقاهرة، فنصحه قداسة البابا: أن يذهب إلى أبونا ميصائيل بالبطريركية لكى يبيت الليلة هناك، بالسكن الخاص بقداسة البابا، عندما كان أسقفاً للتعليم.
وكان هناك متسعاً من الوقت أمامه، وإذ كان محتاجاً أن يعالح أسنانه، فقرر أن يمر على الدكتور ميخائيل بشارة فى صباح اليوم التالى بميدان التحرير، لأن ميعاد السفر كان فى الثانية بعد الظهر.
غير أنه وجد الدكتور فى أجازة، فبحث عن عيادة أخرى للأسنان فوجد نفسه أمام شركة يعمل فيها صديق عزيز له، فدخل إليه فقابله بحرارة بالغة، غير أنه وجده فى حالة إرتباك شديد!!
وكان صديقة هذا يبحث عنه ويريد مقابلته ولم يقدر إذ كان قد مضى إليه فى فترة حبسه لنفسه فى القلاية!
فقال له أبونا توما: خير! فقال له: بينى وبين زوجتى بعض الخلافات وصلت إلى حد كبير، حتى أضحت مشكلة صعبة وتحتاج إلى حل فورى…
فهزت هذه الكلمات كيانه خاصة حينما تذكّر كلمات أباه قداسة البابا التى قالها له: “هناك عشرات الآلاف من الناس يهلكون ولا أحد يسأل عنهم”.
تأثر أبونا توما جداً بكلامه، ووجد عيناه تدمعان دون أن يشعر وأخذ يفكر فى تلك المشكلة التى عرضت عليه وفى كلام قداسة البابا.
ثم إلتفت إلى الأخ وقال له: سأهتم بهذا الموضوع! وإن لم يكن بنفسى فسيكون آخر بدلاً عنى.
وبالفعل كلف أحد الآباء من كهنة القاهرة صديق له أن يهتم بهذا الموضوع، ووضح له مدى أهمية هذا الشخص بالنسبة إليه.
ثم ودع أبونا توما هذا الأخ وسافر فى ميعاده إلى الدير.
وهناك قص ما حدث أمام أبونا صرابامون.
صوم وصلاة وإنتظار صوت الله :
طلب منه أبونا صرابامون أن يصوم ويصلى ثلاثة أيام لكى يستمع صوت الله ماذا يعلن له؟!
ونسمع نيافة الأنبا بيشوى يكمل لنا حديث الشجى قائلاً:
بالفعل وجدت أن فكرى قد تحول تدريجياً، من قلق وإضطراب إلى صوت ربنا يقول: “إيه إللى يمنع!
وبعدها تغيرت مشاعرى الداخلية بشكل غريب جداً وتدرج الصوت فى هذه الأيام الثلاثة، حيث لم يكن واضحاً فى اليوم الأول، فابتدأ يزيد إلى أن أصبح قوياً فى اليوم الثالث.
مقالبة ورموز ونبوة :
قصت والدة أبونا توما قصة حدثت لها منذ وقت خطوبتها للمتنيح المهندس إسكندر نقولا والد أبونا توما وكانت الخطبة قد تمت بدير القديسة دميانة برراى بلقاس، وحدث أن أهداها فى ذلك الوقت خاتم زمرد له فص ألماظ، ولكن بعد نياحة المهندس إسكندر بنحو ستة أشهر ضاع الفص الزمرد وإنخلع من الخاتم، وبحثت عنه كثيراً ولم تجده… وكانت تتشفع بالقديسة دميانة من أجل أن تجده خاصة أنه كانت له معزة خاصة عندها…
فحلمت الوالدة أثناء نومها حلماً حيث أيقظتها منه شابة فى نحو السابعة عشر من عمرها، وقالت لها أنا دميانة… لا تزعلى، فص الخاتم لم يضع هو هنا قومى خذيه، فتطلعت فرأت فص الخاتم يلمع بالفعل ولكنها بعدما قامت من الفراش تحسست أسفل الدولاب وحوله فلم تجد شيئاً…
وبعد نحو أربع سنوات رجعت من رأس البر لتنظف شقتها فى بورسعيد، وكان الإبن مكرم نقولا واقفاً أثناء عملية ترتيب الشقة، وفيما هو يحرك يديه مندفعاً نحو دولاب كان موجوداً هناك، صدمت يده بطرف الدولاب فظهر فص الخاتم الأخضر يلمع واقع داخل شق أسفل الدولاب، وعندما صدمت المكنسة الأرض ظهر، فمضى الإبن مكرم يخبر والدته قائلاً (رأينا الفص) كما قالت الست دميانة!!
حينئذ أجاب أبونا صرابامون قائلاً “إن الفصوص درجات كهنوتية كما ظهر من رؤيا يوحنا اللاهوتى”
ولم تترك القديسة دميانة الفص يضيع!
فمنذ أن رأى الوالد الوالدة فى دير القديسة دميانة وحدث إتفاق الزواج وكتب العقد بالدير حيث ألبس الوالد والوالدة الخاتم المزين بالفص الأخضر.. علامة القديسة دميانة… ونرى أن القديسة ظهرت تقول “الفص لم يضع بل هو موجود” وبعدها خرج أبونا توما من القلاية… لأن القديسة تطلبه، ولما رفض أن يرسم أسقفاً، مضت إليه بالدير، وهكذا رجع الفص ثانية إلى خاتمه، فرسم أبونا توما أسقفاً على دير القديسة دميانة، فلما سمعت الوالدة هذا الكلام إنصرفت بسلام وسافرت من البرية راجعة يملأها الأمل…
ولما حضر قداسة البابا من القاهرة إلى البرية… قال نيافة الأنبا يشوى:
ذهبت لإستقباله مع رهبان الدير، فاعتقد إنى إنتهيت من الحبس وخرجت من القلاية، لأن الموضوع إنتهى، فسلم علىً منتظراً منى الإجابة!!
وكان قداسته يتفقد البئر الجديدة التى تحفر بجوار سور الدير القبلى، وكنت سائراً معه، فطلبت إليه وقلت: “يا سيدنا أنا عايز قداستك فى كلمة”.. فأجابنى ببشابة وجه وهو فرح:
“أنا متشكر جداً يا أبونا توما”
وبهدوء وطول أناه قال لى:
“أنا ذاهب إلى الأسكندرية اليوم (وكان سبت)، وعندما أرجع سآخذك معى إلى القاهرة.
فكان مستسلماً لإرادة الله، الذى هز كيانة الداخلى، فلم يجد أمامه إلا أن يقول لله كما قال إشعياء النبى:
“هأنذا يارب إرسلنى”
 
 
 

Leave a Comment