التاريخ الكنسي لسوزومين – الكتاب السادس – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”التاريخ الكنسي لسوزومين – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس” field=name]

الكتاب السادس: الفصل الأول

(حملة يوليانوس على فارس. إنكساره وفقدانه للحياة على نحو بائس. خطاب ليبانيوس عن موته)

(6/1/1) لقد رويتُ فى خطابى السابق الأحداث التى وقعت فى الكنيسة خلال عهد يوليانوس. وعندما صمم هذا الإمبراطور على شن الحرب ضد فارس، عبر بسرعة الفرات فى بداية الربيع، ومرَّ بإديسا التى كان يمقت سكانها لأنهم يؤمنون بالمسيحية منذ أمد طويل، وتوجه إلى كاريا Carræ حيث معبد جوبيتر، فقدَّم فيه الذبائح والصلوات. ثم اختار عندئذ عشرين ألف رجلا مُسَلحا من كتائبه، وأرسلهم صوب تيجرى Tigris لكى ما يحرسوا تلك المناطق، ولكى ما يكونوا أيضا جاهزين للإنضمام اليه فى حالة ما إذا طلب مساعدتهم.
(6/1/2) ثم كَتَب إلى ارساكيوس  Arsaciusملك ارمينيا، أحد المتحالفين مع الرومان ليوصيه بالمساعدة فى الحرب.
فى هذا الخطاب يُظهِر يوليانوس أقصى رعونة، فيفتخر بالصفات العالية التى يمتلكها والتى جعلته يحوز على الإمبراطورية ويكون محل قبول من الآلهة التى اهتم بها، ويلعن قنستانتيوس سلفه كإمبراطور كافر مخنث([1]). وهدد ارساكيوس بإهانات مكثقة فادحة. وإذ يعرف أنه مسيحى، جدف بشدة وإفراط ضد المسيح لأنه كان متعودا على التجاسر بذلك فى كل مناسبة. وقال لأرساكيوس أنه ما لم يسلك حسب توجيهاته فإن الله الذى يؤمن به لن يقدر أن يحميه من نقمته.
(6/1/3) وعندما ظن أن كل الترتيبات قد تمت على نحو وافٍ قاد جيشه خلال أشور([2])، فإستولى على عدد كبير من المدن والحصون إما بمعركة وإما بخيانة. ونهب كل مكان اقترب منه، وقلب الشون والمخازن أو حرَقها دون ادنى تفكير فى أنه سيتعين عليه العودة من ذات الطريق. وبينما كان مسافرا عبر الفرات وصل إلى ستيسيفون Ctesiphon، مدينة كبيرة جدا كانت المَلكية الفارسية قد نقلت إقامتها من بابيلون إليها أنذاك, وكان [نهر] تيجرى يتدفق بالقرب من هذه البقعة. وعندما لم يتمكن من الوصول إلى هذه المدينة بسفنه بسبب الارض التى تفصلها عن النهر، فكر فى إما أن يتابع سفره بالمياه، وإما أن يترك سفنه ويتوجه إلى ستيسيفون برا. وفاوض الأسرى فى الأمر، وإذ تأكد منهم أن هناك قناة قد رُدِمَت خلال الزمن، أمر بتطهيرها، ووصَّل بذلك الفرات بتيجرى، وواصل سيره صوب المدينة، وكانت سفنه تطفوا بجوار جيشه.
(6/1/3) ولكن الفارسيين ظهروا على ضفتى تيجرى بعرض هائل للجياد والكتائب المسلحة والأفيال([3]). وأدرك يوليانوس أن جيشه قد حوصر بين نهرين كبيرين، وكان فى خطر الهلاك سواء أبقِىَّ فى مكانه الحالى، أو تقهقر خلال المدن والقرى التى خرَّبها تماما ولم يعد فيها مؤون. ومن ثم دعا جنوده لمشاهدة سباق خيل، ووعد بمكافآت لأسرع المتسابقين. وفى نفس الوقت أعطى تعليمات لضباط السفن بإلقاء مؤون وأمتعة الجيش، حتى إذا ما رأى الجنود أنفسهم فى خطر الحاجة إلى الضروريات، يُقدِمُون ببسالة على قتال أعدائهم بلا يأس. وبعد العشاء أمر الجنرالات والتربيونات والقواد بإقلاع القوات، فأبحروا على طول تيجرى خلال الليل، وجاءوا فى الحال إلى الضفة الأخرى ونزلوا.
(6/1/4) ولكن بعض الفارسيين كانوا قد عرفوا بمغادرتهم، فحثوا بعضهم بعضا على مواجهتهم، ولكن الذين كانوا مازالوا نائمين تغلَّب عليهم الرومان. وعند طلوع النهار اشتبك الجيشان فى معركة. وبعد سفك دماء كثيرة من الطرفين عاد الرومان نهرا، وعسكروا بالقرب من ستيسيفون.
(6/1/5) وإذ لم يكن الإمبراطور راغبا فى التقدم إلى أبعد، أحرق سفنه إذ رأى أنها تحتاج إلى جنود كثيرين لحراستها، ثم تابع انسحابه عبر تيجرى الذى كان على يساره, وقاده الأسرى الذين عملوا كمرشدين له إلى ريف خصيب وجدوا فيه وفرة من المؤن. وبعد ذلك إذ عزم رجل مسن أن يموت من أجل حرية فارس سمح لنفسه أن يُؤخَذ أسيرا، وأُحضِر إلى الإمبراطور. وعندما سُئِل عن الطريق أقنعهم وهو يبدو أنه يتكلم بالصدق على أن يتبعوه إذ أنه قادر على نقل الجنود بسرعة إلى الحدود الرومانية. وأشار إلى أن هذا الطريق سيكون شاقا للسفر ثلاثة أيام أو أربعة، وأنه سيكون من الضرورى عليهم حمل المؤون خلال هذه الفترة، إذ أن البلاد المحيطة غير خصبة. وخُدِع الإمبراطور بكلام هذا العجوز الحكيم، وصادق على السير فى هذا الطريق. وبعد أن تقدَّموا لمسافة ثلاثة أيام، وجدوا أنفسهم فى إقليم قفر. فعُذِّب السجين العجوز، واعترف أنه إختار الموت طواعية من أجل بلده، وأنه مستعد لذلك أن يتحمل أى آلامات توقع عليه.
(6/1/6) وكانت الكتائب الرومانية مُنهَكة الآن بسبب طول السفر، وندرة المؤن واختار الفارسيون هذه اللحظة للهجوم عليهم. وفى وسط حرارة المعركة التى اندلعت هبت ريح عاصفة وغطت السحب الشمس والسماء تقريبا بالكامل، بينما كان الهواء فى نفس الوقت مخلوطا بالتراب. وفى خلال الظلام الذى نجم عن ذلك، وجَّه فارسٌ وهو ممتطى لفرسه حربته نحو الامبراطور وجرحه جُرحا مميتا. وبعد أن سقط يوليانوس عن فرسه اختفى المُغِير المجهول.
(6/1/7) وقد خمن البعض أن يكون فارسيا، وآخرون أنه كان ساراسينيا([4]). وهناك مَن يُصِّر على أن مَن قتله كان أحد الجنود الرومان الذى كان ساخطا لحماقة وتهور الإمبراطور التى ظهرت فى تعريضه للجيش لمثل هذا الخطر.
(6/1/5) وقد عبَّر ليبانيوس  Libaniusالسوفسطائى الشهير، والمواطن السورى، وألصق صدِيق ليوليانوس عن نفسه بخصوص الشخص الذى ارتكب هذا العمل بالكلام التالى:
أنت تريد أن تعرف مَن الذى قتل الإمبراطور. أنا لا أعرف اسمه، ومع ذلك لدى دليل على أن القاتل لم يكن أحد الأعداء، لأنه لم يأتِ أحدٌ ليطلب المكافأة على الرغم من أن مَلك الفُرس قد صرَّح بإسباغ شرف البطولة على مَن يقوم بهذا العمل، ونحن بكل تأكيد مدينين بالفضل للأعداء، بعدم نسبة الفخر لأنفسهم بصلف عن هذا العمل، ولكن تركوه لنا لنفتش عن القاتل بيننا. إن أولئك الذين سعوا إلى موته، هم أولئك الذين عاشوا فى ظل انتهاك معتاد للشرائع، والذين تآمروا سابقا ضده، والذين ارتكبوا من ثمة الفعل عندما واتتهم الفرصة. لقد كانوا محصُورين بالرغبة فى الحصول على درجة حرية أكبر من كل قدرِ يمكن أن يتمتعوا به فى ظل حُكمه، وبالطبع كانوا مُثارين أساسا بالسخط من إلتصاق الإمبراطور بخدمة المعبودات التى يمقتونها([5]).

الكتاب السادس: الفصل الثانى

(هلاكه بالسخط الإلهى. رؤيا أفراد كثيرين بشأن موت الإمبراطور. رد إبن النجار. يوليانوس يقذف بدمه إلى المسيح. الافتراءات التى لصقها ليبانيوس بالرومان)

(6/2/1) إن ليبانيوس يقرر بوضوح فى الوثيقة المقتبسة عاليه أن يوليانوس سقط على يد مسيحى. وربما كان ذلك صحيحا، فليس من غير المحتمل أن يكون بعض الجنود الذين كانوا يخدمون آنذاك فى الجيش الرومانى، قد فكَّروا فى ذلك. إذ أن اليونانيين وكل الرجال إلى هذا اليوم قد مدحوا أولئك الذين عرَّضوا أنفسهم للموت من أجل الحرية، ووقفوا إلى جانب بلدهم وعائلاتهم وأصدقائهم بشجاعة، وقتلوا المستبد. ولاموا بدرجة أقل ذاك الذى أنجز هذا العمل الجرىء من أجل الله والدين. وخلاف هذا الذى أعرفه ليس لدى شىء دقيق خاص بأولئك الذين ارتكبوا هذا القتل سوى الذى رويته([6]).
(6/2/2)  ومع ذلك خمن جميع الناس عندما تلقوا الخبر، الرواية التى سُلِّمت لنا والتى تُرجِع موته إلى السخط الإلهى. والدليل على ذلك الرؤية التى رآها أحد أصدقائه والتى سأصفها الآن.
فيُروَى، أنه قد سافر([7]) إلى فارس بقصد اللحاق بالامبراطور. وبينما هو فى الطريق وجد نفسه بعيدا عن أى عمران لدرجة أنه اضطر فى إحدى الليالى إلى أن ينام فى كنيسة. وفى خلال الليل رأى، فى حلم أو فى رؤيا، كل الرسل والأنبياء مجتمعين معا ويشتكون من الاضرار التى لحقت بالكنيسة من الإمبراطور ويتشاورون فى أفضل السبل التى تُتخَذ. وبعد مداولات كثيرة واجتهادات، وقف شخصان فى وسط الاجتماع وطلبا من الآخرين أن يطمئنوا. وتركا الصحبة بسرعة، كما لو كانا سيُجرِّدان يوليانوس من السلطة الإمبراطورية. ولم يحاول ذاك الذى عاين هذه الاعجوبة أن يُتابع رحلته، ولكنه انتظر وهو فى شك مرعب نتيجة هذه الرؤية. وخلَد إلى النوم ثانية فى نفس المكان فرأى ثانية نفس الاجتماع والشخصان اللذان ظهرا أنهما قد غادرا فى الليلة السابقة ليتمما قصدهما ضد يوليانوس، قد عادا فجأة وأعلنا خبر موته للآخرين.
(6/2/3) وفى نفس اليوم أُرسِلَت رؤيا أخرى لديديموس الفيلسوف الكنسى المقيم بالاسكندرية والذى من حزنه الشديد على ضلال يوليانوس واضطهاده للكنائس صام وتضرع إلى الله بإستمرار لهذا الخصوص. ونتيجة لقلقه وحاجته إلى الطعام خلال الليلة السابقة، نام وهو جالس على كرسيه. فإذا به يعاين كما بدهش جيادا بيضاء تركض فى الهواء، وسمع صوتا يقول للراكبين عليها إذهبوا وقولوا لديديموس أن يوليانوس قد قُتِل فى هذه الساعة، واجعلوه يبلغ هذا لأثناسيوس الاسقف، وأن ينهض ويأكل([8]).
وقد علمتُ بثقة أن صديق يوليانوس، وهذا الفيلسوف قد عاينا هذه الأمور. وقد أثبتت النتائج أن أحدا منهم لم يكن بعيدا عن الشهادة للحق.
(6/2/4) ولكن إن كانت هذه الأمثلة ليست كافية للبرهنة على أن موت يوليانوس كان نتيجة للسخط الإلهى بسبب اضطهاده للكنيسة، فلنتذكر ما تنبأ به أحد القديسين.
فعندما كان يوليانوس يستعد لشن الحرب ضد الفُرس، هدد بأنه عند انتهاء الحرب سيُعامِل المسيحيين بقسوة وتباهى، وأن ابن النجار لن يكون قادرا على مساعدتهم. فرَّد عليه عندئذ الكنسى المذكور عاليه أن ابن النجار سيكون قد أعد له تابوتا خشبيا لموته([9]).
(6/2/5) وكان يوليانوس نفسه واعيا بالضربة المميته وعِلتها. فيُقَال أنه أخذ، وهو جريح، بعضا من الدم المتدفق من الجرح وقذف به لأعلى فى الهواء، كما ولو كان قد رأى يسوع المسيح ظاهرا، وأراد أن يقذفه عليه، ليوبخه على مقتله.
(6/2/6) ويقول آخرون أنه كان غاضبا من الشمس لأنها صنعت معروفا للفارسيين ولم تنقذه على الرغم من أنه حسب عادة المنجمين كانت قد تصدرت فى مولده، فأراد أن يُعبِّر عن سخطه ضد هذا الجُرم السمائى فأخذ دما بيده وقذفه إلى أعلى فى الهواء.
(6/2/7) ولا أعرف ما إذا كان يوليانوس قد شاهد المسيح أم لا، عند اقتراب موته وانفصال النفس عن البدن، كما هى العادة فى هذه الحالة عندما تكون[ النفس] قادرة على معاينة المناظر الأسمى عن تلك المسموح بها للبشر. فإن تلميحات قليلة قد ذُكِرت فى هذا الصدد.
ولكننى لا استطيع أن أرفض هذه الفرضية واعتبرها باطلة على الاطلاق، لأن الله يهتم غالبا بحدوث الأمور غير المحتملة والمُذهِلة لكى تبرهن على أن الديانة المسماة بإسم المسيح ليس قائمة بالقوة البشرية.
(6/2/8) وأنه من الجلى جدا، أن الله خلال عهد هذا الإمبراطور قد أظهر علامات واضحة على إستيائه منه، وسمح بكوارث كثيرة أن تحل على مقاطعات عديدة من الإمبراطورية الرومانية. فقد افتقد الأرض بالزلازل المرعبة هذه، حتى أن المبانى ارتجت، ولم يكن هناك أى آمان داخل المنازل عن الهواء المطلق.
(6/2/9) ومما قد سمعته يمكننى أن أخمن أنه خلال حُكم هذا الإمبراطور أو على الأقل عندما كان يشغل الموضع الثانى فى الحكومة أن كارثة كبرى قد حدثت بالقرب من الأسكندرية فى مصر، عندما فاض البحر وجاوز حدوده من الأمواج العاتية وأغرق العديد من البلاد لدرجة أنه عندما انحسرت المياه وُجِدَت محارات ملتصقة بأسطح المنازل. وما زال التذكار السنوى لهذا الغمر الذى يدعونه عيد ميلاد الزلزال([10])، يُحتفَل به فى الأسكندرية بإحتفال سنوى حيث تقاد الأنوار العامة فى سائر أرجاء المدينة ويقدمون صلاة شكر لله، ويحتفلون بهذا اليوم بكل توقير وتقوى. كذلك حدث جفاف مفرط خلال هذا العهد، فجفت النباتات، وفسد الهواء، ونظرا للعوز إلى الضروريات اضطر الناس إلى اقتيات الاطعمة الخاصة عادة بالحيوانات. وأحدثت المجاعة أمراضا خاصة، وهلك بسببها الكثيرون من الأحياء.
هذه كانت حال الإمبراطورية خلال إدارة يوليانوس

الكتاب السادس: الفصل الثالث

(عهد جوفيانوس. سَنِّه لقوانين كثيرة)

(6/3/1) بعد موت يوليانوس انتقل حُكم الإمبراطورية، بموافقة إجماعية للكتائب إلى جوفيانوس Jovian. وعندما كان الجيش على وشك إعلانه امبراطورا صرَّح أنه مسيحى، ويرفض السيادة ولا يقبل شعارات الإمبراطورية. ولكن عندما اكتشف الجنود سبب رفضه صاحوا أنهم هم أنفسهم مسيحيون.
(6/3/2) وأجبرت الحالة المضطربة والخطيرة للأمور التى خلفتها استراتيجية يوليانوس، ومعاناة الجيش من المجاعة فى بلاد العدو إلى عقد معاهدة سلام مع الفارسيين، وأن يتخلوا عن بعض المقاطعات التى كانت تخص سابقا الرومان.
وإذ تعلَّم بالتجربة أن كُفر سلفه قد جلب سخط الله، وسبَّب الكوارث العامة، كَتَب فى الحال إلى حُكام المقاطعات، بإجتماع الناس معا بدون خوف فى الكنائس ليعبدوا الله بخشوع ويقتبلوا الإيمان المسيحى بإعتباره الدين الحق فقط. وردَ للكنائس والإكليروس، وللأرامل والعذارى، نفس الحصانات والهبات من أجل مزايا وكرامة الدين، والتى كانت مقررة سابقا من قنسطنطين وأولاده، وأبطلها بعد ذلك يوليانوس. وأمر سكوندس  Secundusالذى كان آنذاك حاكمًا بريتوريا([11])، أن يُعتبَر ذلك جريمة كبيرة، الزواج من أىٍ من العذارى القديسات أو أن يعتبر ذلك رغبة غير شريفة.
(6/3/3) وقد سن هذا القانون بسبب الشرور التى سادت عهد يوليانوس، إذ أخذ كثيرون زوجات لهم من بين العذارى القديسات، سواء بالإكراه أو بالإغواء وأفسدوهن بالكامل. وترتب على ذلك إنغماس فى الشهوات المشينة بلا عقاب، الأمر الذى يحدث دائما فى حالة انتهاك الدين.

الكتاب السادس: الفصل الرابع

(الاضطرابات تبرز مرة أخرى فى الكنائس. مجمع انطاكية الذى  صُدِّق فيه على الايمان النيقاوى. النقاط التى كتبها هذا المجمع لجوفيانوس)

(6/4/1) وعاد رؤساء الكنائس الآن إلى مناقشة المسائل العقائدية المتنازع عليها. لقد ظلوا هادئين طوال عهد يوليانوس عندما كانت المسيحية ذاتها فى خطر، ورفعوا بالإجماع خلال حُكم يوليانوس توسلاتهم من أجل رحمة الله.
(6/4/2) وهكذا عندما يكون البشر مهاجمين من عدو خارجى يحافظون على الوحدة فيما بينهم، ولكن عندما تزول المتاعب الخارجية، عندئذ تزحف الشقاقات الداخلية. ومع ذلك ليس هنا المكان المناسب لذكر الأمثلة العديدة للأمم والحكومات التى يزودنا بها التاريخ فى الواقع.
(6/4/3) فى هذه الفترة اجتمع باسيليوس اسقف انقيرا وسلفانوس Silvanus اسقف طرسوس وصفرونيوس Sophronius اسقف بومبيوبولس Pompeiopolis وآخرون من حزبهم الذين اعتبروا الهرطقة المدعوة الأنوميين  Anomiansاقصى مقت.
وتناولوا مصطلح “مماثل فى الجوهر” بدلا من “مساوى فى الجوهر”، وكتبوا مقالة إلى الإمبراطور. وبعد التعبير عن شكرهم لله على اعتلائه لعرش الامبراطورية، رجوه أن يُصدِّق على المراسيم الصادرة فى ارمينيّم وسلوقية، وأن يلغى ما قد تأسس بالغيرة المجردة وسلطة بعض الأفراد.  كذلك التمسوا منه أنه متى حدث انقسام بسبب المجامع، فإن ذلك يجب أن يظل بين الكنائس وعلى الاساقفة من كل اقليم أن يجتمعوا فى مكان ما يحدده الإمبراطور ولا يُسمَح لهم بالإجتماع فى أى مكان آخر، وأن يتدارسوا الأمر فيما بينهم ويُصدِروا المراسيم الخاصة، مثلما كان يحدث فى عهد قنستانتيوس. وأضافوا أنهم لم يذهبوا لزيارته فى معسكره لأنهم خشيوا أن يكونوا عبئا عليه، ولكن إذا أراد أن يراهم فإنهم بكل سرور يتوجهون إليه، ويتحملون كل النفقات الخاصة بالسفر بأنفسهم. هذه هى الوثيقة التى كُتِبَت للإمبراطور.
(6/4/4) وعُقِد مجمعٌ فى هذه الفترة فى انطاكية بسوريا وتم التصديق على الصيغة التى وضعها مجمع نيقية، وتقرر أن الإبن هو بلا جدال من نفس جوهر  substanceالآب. وشارك فى هذا المجمع مليتيوس الذى كان يدير كنيسة انطاكية آنذاك، ويوسيبيوس اسقف سامسطا، وبيلاجيوس اسقف لاودكية فى سوريا، واكاكيوس اسقف قيصرية فلسطين، وايرينئوس اسقف غزة، واثناسيوس اسقف انقيرا. وعقب انتهاء المجمع احاطوا الإمبراطور عِلما بالمداولات التى تمت بهذا الخطاب الذى ارسلوه له.
(6/4/4) “إلى الأوغسطس الأكثر تقوى، والمحب لله، سيدنا جوفيانوس الظافر. من الاساقفة المجتمعين بأنطاكيا من أقاليم عدة. نحن نعرف أيها الإمبراطور المحب لله أن تقواكم تهتمون بالكامل بإقرار السلام ووحدانية الكنائس ولا نجهل أنك قد نِلت ختم النقطة الرئيسية لهذا الاتحاد، ونعنى به الايمان الارثوذكسى والحقيقى. لذلك، لئلا نُحسَب ضمن أولئك الذين يغِيرون على عقائد الحق هذه، فإننا نشهد لتقواكم بأننا نقبل ونحافظ على كل الايمان الذى أقره قديما مجمع نيقية المقدس. والآن على الرغم من أن مصطلح مساوى فى الجوهر يبدو غريبا بالنسبة لبعض الأشخاص، إلا أنه قد فُسِّر جيدا من الآباء، وهو يعنى أن الإبن مولود من جوهر الآب، وهذا المصطلح لا يحمل فكرة التوالد بلا انقطاع، ولا هو يتضمن الاستعمال الذى يستخدمه اليونانيون لكلمة جوهر، ولكنه يُحسَب فى أذهان الكافرين والمندفعين وراء مجاز آريوس أنه إثم [ القول] أن الإبن منبثق مما لم يكن له وجود سابق([12]). فالانوميون الذين ظهروا حديثا قد تجاسروا بلا خجل على القول أن هذه الكلمة تسبب عدم انسجام الكنائس. ولذا نلحق بهذا الخطاب نسخة من صيغة الإيمان التى تبناها الاساقفة المجتمعون فى نيقية والتى نحن أيضا  نعتز بها.
تلك كانت القرارات التى اتخذها الكهنة المجتمعون فى انطاكية، وأرفقوا بخطابهم نسخة من صيغة ايمان نيقية.

الكتاب السادس: الفصل الخامس

(أثناسيوس الكبير يُقدَّر كثيرا لدى الإمبراطور، ويدير كنائس مصر. ظهور انطونيوس الكبير)

(6/5/1) فى هذه الفترة اعتبَر أثناسيوس([13]) وبعض أصدقائه أنه من الضرورى بما أن الإمبراطور مسيحى أن يتوجهوا إلى بلاطه. وبناء عليه توجه أثناسيوس إلى انطاكية، وعرَض عليه الأمور قبل أن يُعِد لحملته.
(6/5/2) ومع ذلك يقول آخرون أن الإمبراطور قد دعاه ليستشيره بشأن الأمور المتعلقة بالدين والمفاهيم السليمة. وعندما تمت الأمور الكنسية على قدر ما يمكن، فكَّر أثناسيوس فى العودة. وسعى يوزيوس Euzoïus([14]) أسقف الهرطقة الاريوسية فى انطاكية إلى تنصيب بروباتيوس Probatius الخصى الذى كانت له نفس المفاهيم مثله على الأسكندرية. وتحالف معه حزب يوزيوس كله لتحقيق هذا القصد. وسعى لوقيوس Lucius([15])، مواطن اسكندرى كان قد سيم قسا بيد جورج ليثير الإمبراطور ضد أثناسيوس بحجة أنه قد أُدِين بجرائم كثيرة، وحُكِم عليه بالنفى المؤبد من قبل الأباطرة كمسبب للإضطرابات والشقاقات فى الكنيسة بشأن الكائن الإلهى. وبالمثل توسل لوقيوس من جوفيانوس تعيين اسقف آخر على كنيسة الأسكندرية.
(6/5/3) وإذ كان الإمبراطور يعى المكائد التى قد دُبِّرت ضد أثناسيوس، لم يكترث بالافتراء وأمر لوقيوس بتهديد أن يلتزم الهدوء، وكذلك أمر بروباتيوس والخصيان الآخرين الخاصين بقصره، الذين اعتبرهم سبب هذه الاضطرابات أن يسلكوا بأكثر حكمة. ومنذ تلك الفترة، أظهر جوفيانوس أعظم صداقة لأثناسيوس، وأعاده إلى مصر بتوجيهات لإدارة كنائس وشعب القطر بما يراه ملائما. ويُقال أيضا أنه أثنى على فضيلة الاسقف، وعلى حياته ومواهبه الفكرية وبلاغته.
(6/5/4) وهكذا بعد أن تعرَّض الايمان النيقاوى للمقاومة على مدى طويل كما روينا فى الكتب السابقة، أُعيد تثبيته تماما فى ظل الحُكم الحالى. بيد أن عائقا إضافيا كان ينتظره خلال فترة وجيزة لأنه كما ظهر فيما بعد لم يكن تكهن انطونيوس الراهب قد تمَّ بالأحداث التى حلت على الكنيسة خلال عهد قنستانتيوس، ذلك أن جزءً منه لم يتحقق إلى عهد فالنس. فيقال أنه قبل أن يسيطر الاريوسيون على الكنائس خلال عهد قنستانتيوس رأى انطونيوس فى حلم بِغال ترفس المذبح بحوافرها وتقلب المائدة المقدسة. وعندما استيقظ تكهن فى الحال أن الكنيسة ستضطرب بدخول عقائد زائفة ومشوشة وبعصيان المبتدعين.
وقد ثبت هذا التكهن فى الواقع بالأحداث التى جرت قبل وبعد الفترة التى نستعرضها الآن.

الكتاب السادس: الفصل السادس

(موت جوفيانوس، حياة فالنتنيانوس: ثقته بالله. كيف وصل إلى العرش. اختياره لأخيه فالنس للحكم معه. الاختلاف بينهما)

(6/6/1) وبعد أن حكم جوفيانوس ثمانية أشهر، توفى فجأة فى داداستانا  Dadastanaمدينة فى بيثينية، وهو فى طريقه إلى القنسطنطينية.
ويقول البعض أن وفاته قد حدثت إثر عشاء متخم. ويعزوها آخرون إلى الحجرة التى نام فيها إذ كان قد تم حديثا بياضها بجير غير مَطفِى، بالإضافة إلى كميات من الفحم المشتعل فيها خلال فترة الشتاء للوقاية، مما جعل الجدران رطبة وسامة للغاية.
(6/6/2) وعندما وصلت الكتائب إلى نيقية فى بيثنية اعلنوا فالنتنيانوس امبراطورا. وكان رجلا جيدا وقادرا على القيام بحُكم الإمبراطورية. ولم يكن قد مضى وقت طويل على عودته من المنفى، إذ يُقال أن يوليانوس بمجرد اعتلائه للعرش رفع فى الحال اسم فالنتنيانوس من فيلق جوفيانوس كما كان يُدعَى وحَكَم عليه بالنفى المؤبد بزعم أنه فشل فى واجبه فى قيادة الجنود التى تحت إمرته ضد العدو.
(6/6/3) ومع ذلك كان السبب الحقيقى هو ما يلى: عندما كان يوليانوس فى الغال ذهب يوما إلى المعبد ليحرق بخورا، وكان فالنتنيانوس يصطحبه طبقا لقانون رومانى قديم مازال ساريا ينص على أن قائد الجوفيانوس والهيركوليز(أى كتائب الجنود الذين يحملون هذا اللقب اكراما لجوبيتر وهركلس) يُرافق دائما الإمبراطور كحرس خصوصى له. وعندما كان على وشك دخول المعبد، رش الكاهن، حسب العادة الوثنية، ماءً عليهما بفرع شجرة. فسقطت قطرة على ثوب فالنتنيانوس، وبالكاد استطاع أن يَبعد نفسه إذ كان مسيحيا، ولام هذا الكاهن. بل يقال أنه قد مزق قطعة الثوب التى سقطت عليها المياه وطرحها عنه.
(6/6/4) ومنذ ذلك الوقت أبطن يوليانوس مشاعر عدائية نحوه، وسرعان ما نفاه إلى مليتين Melitine فى أرمينيا([16]) بحجة إساءة السلوك فى الشؤون العسكرية إذ لم يَوَد أن يذكر مسألة الدين فى قانون يصدره لئلا يُصبح فالنتنيانوس شهيدا أو معترفا. وعامل يوليانوس كما قد سجلنا توا، المسيحيين الآخرين بنفس الأسلوب لأنه كما قد قلنا سابقا ظن أنه سيُخضِعهم بتعريضهم للمخاطر من جهة سمعتهم وتماسك ديانتهم.
(6/6/5) وما أن خلفه جوفيانوس فى العرش حتى استدعى فالنتنيانوس من المنفى إلى نيقية. ولكن وفاة الإمبراطور حدثت فى نفس الوقت فأُختِير فالنتنيانوس بإجماع موافقة الكتائب والذين يشغلون المراكز الرئيسية فى الحُكم خلفا له. وعندما زُوِّد بشعارات السلطة الرومانية صاح الجنود أنه كان من الضرورى انتخاب شخص ما ليتولى عبء الحكم. فأجاب فالنتنيانوس على هذا الاقتراح: هذا يعتمد عليكم فقط أيها الجنود أن تعلنونى امبراطورا. ولكن الآن وقد اخترتمونى فهذا لا يعتمد عليكم بل علىَّ أن أتمم ما تريدون. فاهدأوا كما ينبغى كرعية ودعونى اتصرف كإمبراطور فى تصريف الشؤون العامة.
(6/6/6) وعقب رفض الامتثال لطلب الجنود ليس بوقت طويل، توجه إلى القنسطنطينية وهناك أعلن اخاه امبراطورا وأعطاه الشرق كشريك فى الإمبراطورية، واحتفظ لنفسه بأقاليم غرب المحيط من ايللريا إلى أقصى شواطىء ليبيا.
(6/6/7) وكان كلا الأخوان مسيحييَن، ولكنهما كانا مختلفان فى الرأى والتدبير. فعندما اعتمد فالنس اتخذ له يودوكسيوس أبا والتصق بحماس بآراء اريوس، وكان مستعدا لإجبار جميع البشر بالقوة على الخضوع لها. بينما كان فالنتنيانوس من ناحية أخرى مُحافِظا على الايمان بمجمع نيقية ومشايعا لأولئك المتمسكين بنفس المفاهيم دون التحرش بأولئك الذين يأخذون بآراء أخرى.

الكتاب السادس: الفصل السابع

(الاضطرابات تثور ثانية فى الكنائس. عقد مجمع لامبساكوس Lampsacus. سيادة الاريوسيين على الكنائس. طرد الارثوذكس، ومن بينهم مليتيس الانطاكى)

(6/7/1) وعندما كان فالنتنيانوس مسافرا من القنسطنطينية إلى روما كان عليه أن يمر خلال تراقيا، ومن ثمة أرسل أساقفة هللسبونتس  Hellespontusوبيثينيا مع آخرين، ممن يحافظون على أن الإبن مساوى فى الجوهر مع الآب، هيباتيان Hypatian اسقف هيراكليا فى برنثوس ليقابله ويلتمس منه اذنا بإجتماعهم معا للتشاور بخصوص مسائل عقائدية.
(6/7/2) وعندما سلَّم هيباتيان الرسالة المُكلَّف بها، رد فالنتنيانوس كالآتى: ما أنا سوى أحد العلمانيين، ولذلك ليس لى الحق فى التدخل فى مثل هذه الاعمال فليجتمع الكهنة المنوط بهم مثل هذه الأمور، أينما يريدون.
وعند استلامهم هذا الرد من هيباتيان مبعوثهم، اجتمع الأساقفة فى لامبساكوس([17]).
(6/7/3) وعندما تباحثوا معا على مدى شهرين، ألغوا جميع المراسيم التى صدرت فى القنسطنطينية بواسطة دسائس احزاب يودوكسيوس واكاكيوس. وأعلنوا أيضا إلغاء وبطلان صيغ الإيمان التى عُمِّمَت تحت تأكيد زائف أنها قد صيغت بواسطة الاساقفة الغربيين، والتى وقَّع عليها العديد من الاساقفة، من خلال الوعد بأن عقيدة عدم التماثل بالنسبة للجوهر يجب أن تدان. وهو الوعد الذى لم يُنجَز أبدا. ونصوا على أن عقيدة أن الإبن هو “مثل” الآب فى الجوهر، هى التى يجب أن تسود. ويقولون أنه كان من الضرورى استخدام مصطلح “مثل” ليكون مؤشرا لهيبوستاسيس  hypostasesالألوهية. ووافقوا على أن شكل الإيمان الذى أُعتُرِف  به فى سلوقية وأُعلِن فى تدشين كنيسة انطاكية يجب أن يُحافَظ عليه فى سائر الكنائس. وأشاروا بأن جميع الأساقفة الذين تم خلعهم من قِبل الذين يعتقدون أن الإبن لا يماثل الآب، يجب أن يعودوا فى الحال إلى كراسيهم، إذ أنهم قد طُرِدوا بغير عدلٍ من كنائسهم. وصرَّحوا أن مَن يريد أن يُقدِّم اتهاما ضدهم يمكن السماح لهم بذلك ولكن بشرط الخضوع لنفس العقوبة المستوجبة للجريمة المزعومة متى ثبت بطلان الاتهام. وكان الاساقفة الارثوذكس للمقاطعة والاقطار المجاورة يترأسون كقضاة ويجتمعون فى الكنائس كشهود للخلع.
(6/7/4) وبعد صدور هذه القرارات استدعى الاساقفة حزب يودكسيوس وحثوهم على التوبة وإذ لم يُصغوا لهذه الاعتراضات، أُرسِلت المراسيم التى سُنَّت إلى كل الكنائس. وإذ أدركوا أن يودكسيوس سوف يسعى إلى اقناع الإمبراطور للوقوف إلى جانبه وسيفترى عليهم فقد عزموا على اطلاعه مسبقا، فأرسلوا بيانا بإجراءاتهم فى لامبساكوس إلى البلاط.
(6/7/5) وقابل الإمبراطور فالنس مبعوثيهم عند عودته من هيراكليا إلى تراقيا عندما كان مسافرا فى صحبة أخيه، الذى ذهب إلى روما القديمة. وكان يودكسيوس مع ذلك قد كسب سابقا الإمبراطور ورجال بلاطه إلى مفاهيمه لدرجة أنه عندما ظهر مبعوثو مجمع لمبساكوس أمامه نصحهم ألاَّ يختلفوا مع يودكسيوس. فأجاب المبعوثين بتذكيره بحيل يودكسيوس التى لجأ إليها فى القنسطنطينية ودسائسه لإلغاء مراسيم مجمع سلوقية، فأثارت هذه الإيضاحات سخط فالنس إلى درجة أنه أمر بنفى المبعوثين وجعل الكنائس تحت اشراف حزب يودكسيوس.
(6/7/6) ثم اجتاز سوريا، إذ خشى أن يكسر الفارسيين الهدنة التى وافقوا عليها مع جوفيانوس لمدة ثلاثين سنة. وعندما وجد أن الفارسيين لم يفكروا فى التمرد ثبَّت إقامته فى انطاكية. ونفى ميليتوس وأبقى على بولس لأنه أعجب بقداسة حياته. وأولئك الذين لم يكونوا فى شركة مع يوزيوس إما خلعهم من كنائسهم، وإما أساء معاملتهم، وتحرش بهم بأشكال أخرى.

 الكتاب السادس: الفصل الثامن

(الثورة وموت بروكبيوس غير العادى. إليوسيوس اسقف سيزيكيوس ويونوميوس الهرطوقى. يونوميوس يخلف اليوسيوس)

(6/8/1) ومن المحتمل أن اضطهادا شديدا كان سيبدأ فى هذه المرحلة، لولا أن بروكبيوس    Procopiusبدأ حربا أهلية وبرز كطاغية فى القنسطنطينية، وجمع جيشا كبيرا وزحف ضد فالنس.
(6/8/2) فترك الأخير سوريا، وقابل بروكوبيوس بالقرب من ناكوليا Nacolia مدينة فى فريجية وأسره بخيانة من إثنين من جنرالاته هما آجلون وجوماريوس. وأمر فالنس بقتله هو وخونته. فعلى الرغم من أنه يُقال، أنه قد أقسم بإظهار المعروف للجنراليَن، إلاَّ أنه أمر بإعدامهما. أما بالنسبة لبركوبيوس فقد أمر بربط رجليه فى شجرتيَن منحنيتان إلى الأرض ثم تركهما. وعندما انتصبتا الشجرتان فى وضعهما الطبيعى شُّق الضحية إلى اثنين.
(6/8/3) وبنهاية هذه الحرب اعتزل فالنس فى نيقية ووجد نفسه فى هدوء تام، فبدأ ثانية التحرش بأولئك المختلفين معه فى الرأى، بشأن الطبيعة الإلهية. وكان غضبه بلا حدود ضد اساقفة لامبساكوس، لأنهم أدانوا الاساقفة الاريوسيين وصيغة ايمان مجمع ارمينيّم.
(6/8/4) وبينما هو تحت تأثير مشاعر الامتعاض هذه استدعى اليسيوس من سوريا وجَمَع مجمعا من الاساقفة الذين حسب مفاهيمه وجاهد فى أن يُجبِره على الموافقة على عقائدهم. وفى البداية رفض اليسيوس برجولة الخضوع، ولكنه فيما بعد وخوفا من النفى والتجريد من ممتلكاته عندما هُدِّد بذلك من الإمبراطور، استسلم لأمره الرسمى، ولكنه سرعان ما تاب عن ضعفه.
فعند عودته إلى سيزيكوس اعترف جهرا فى الكنيسة بخطأه وحث الشعب أن يختار اسقفا آخر لأنه كما قال، لا يستطيع أن يقوم بواجبات الكهنوت بعد أن خان عقيدته الخاصة. واحترم المواطنون مسلكه وكانوا بصفة خاصة متعاطفين معه لدرجة أنهم لم يختاروا أسقفا آخر.
(6/8/5) ولكن يودسيوس([18]) رئيس الحزب الاريوسى فى القنسطنطينية رسم مع ذلك يونوميوس([19])Eunomius اسقفا على سيزيكوس لأنه توقع أنه بقوة بلاغته الكبيرة، سيجر بسهولة شعب سيزيكوس إلى مفاهيمه الخاصة. وعند وصوله إلى تلك المدينة، طرد اليسيوس إذ كان مزودا بمرسوم امبراطورى بذلك، واستولى على الكنائس لنفسه. فشيَّد اتباع اليسيوس بيت للصلاة خارج أسوار المدينة وعقدوا فيه اجتماعاتهم. وستسنح لى حالا الفرصة للرجوع إلى يونوميوس وهرطقته التى تحمل اسمه.

الكتاب السادس: الفصل التاسع

(معاناة المتمسكين بإيمان نيقية. اجليوس رئيس النوفاتيين)

(6/9/1) وكان اتباع العقائد النيقاوية وأصحاب الآراء النوفاتية يُعامَلون بقسوة متساوية فى مدينة القنسطنطينية. وأخيرا طُرِدوا من المدينة، وأُغلِقت كنائس النوفاتيين بأمر من الإمبراطور. أما الطرف الآخر فلم تكن لهم كنائس لتغُلق إذ كانت قد جُرِّدت منهم خلال حكم قنستانتيوس.
(6/9/2) وفى هذه الفترة حُكِم على أجلوس الذى كان يرأس كنيسة النوفاتيين بالقنسطنطينية منذ زمن قنستانتيوس بالنفى. ويقال أنه كان مشهورا بنمط حياته التى حسب القوانين الكنسية. وبالنسبة لنمط حياته فقد حاز أعلى درجات الفلسفة([20]) والتى تدعو إلى التحرر من الممتلكات الدنيوية، والدليل على ذلك سلوكه اليومى فقد كان له تونية واحدة، ويسير دائما حافيا.
(6/9/3) وعقب نفيه ليس بوقت طويل اُستُدِعى، واستلم الكنائس التى تحت إمرته، وجمع بجرأة الكنائس بواسطة تأثير ماركيان، وهو رجل غير عادى فى البلاغة والفضيلة وكان فيما سبق معدودا بين كتائب القصر، ولكن فى هذه الفترة كان كاهنا للهرطقة النوفاتية، ومُعلِّم النحو لأنسطاسيا وكاروسا ابنتى الإمبراطور. وما زالت هناك حمَّامات فى القنسطنطينية تحمل أسماء هاتين الأميرتين. ومن أجل ماركيان وحده مُنِحَت هذه الامتيازات المذكورة عاليه للنوفاتيين.

الكتاب السادس: الفصل العاشر

(بشأن فالنتنيانوس الأصغر، وجراتيان. اضطهاد فالنس. ضغط الاريوسيين والمقدونيين على الهوموأووسيين. بعثة الهوموأووسيين إلى روما)

(6/10/1) وفى نحو هذه الفترة وُلِد ابن لفالنتنيانوس فى الغرب، فأعطاه اسمه الخاص. وليس بعد ذلك بوقت طويل، أعلن ابنه جراتيان امبرطورا. وكان هذا الأمير قد وُلِد قبل أن يتولى أباه الحُكم.
(6/10/2) وفى نفس الوقت على الرغم من الصقيع المفرط الذى حلَّ بأماكن عديدة وعلى الرغم من الزلازل التى هزت مدن كثيرة وخاصة نيقية فى بثينية، فإن فالنس الإمبراطور، ويودكسيوس الاسقف لم يكفا عن مهمتهما، بل استمرَّا فى اضطهاد جميع المسيحيين الذين يختلفون معهما فى الرأى. ونجحا للغاية فى توقعاتهما بالمكائد ضد المشايعين للعقائد النيقاوية، لأنه خلال الشطر الأكبر من حُكم فالنس، وبصفة خاصة فى تيراقيا وبثينية وهللسبونت وإلى ما أبعد منهم لم يكن لهؤلاء المسيحيين لا كنائس ولا كهنة. ثم وجه فالنس ويودكسيوس مشاعرهما ضد المقدونيين الذين كانوا أكثر عددا من المذكورين عاليه فى ذلك الإقليم واضطهدهم بلا حدود.
(6/10/3) وإذ توقع المقدونيون اضطهادًا أكثر أرسلوا مبعوثين إلى مدن عديدة ووافقوا أخيرا على مقابلة فالنتنيانوس، واسقف روما، عن الاشتراك فى الايمان مع يودكسيوس وفالنس وتابعيهم. وعندما بدا ذلك مقبولا للتنفيذ اختاروا ثلاثة منهم، يوستاثيوس اسقف سبسطا، وسلفانوس اسقف طرسوس، وثيوفيلس اسقف كاستابالس، وأرسلوهم إلى الإمبراطور فالنتنيانوس وعهدوا إليهم أيضا برسالة موجَّهة إلى ليباريوس اسقف روما وإلى الكهنة الآخرين فى الغرب يناشدونهم فيها كمدبرين يتمسكون بالإيمان المُسلَّم من الرسل، والذين يتعين عليهم قبل غيرهم الحفاظ على الديانة، أن يستقبلوا مبعوثيهم بكل تأكيد ويتداولوا معهم فيما يتعين عمله خلال هذه الفترة إلى أن تستقر شؤون الكنيسة.
(6/10/4) وعندما وصل المبعوثون إلى ايطاليا، وجدوا أن الإمبراطور فى الغال مشغولا بالحرب ضد البرابرة. فلما رأوا أن الذهاب إلى ميدان الحرب فى الغال أمر محفوف بالمخاطر، سلَّموا خطابهم إلى ليبريوس. وبعد أن تباحث معهم بخصوص موضوعات سفارتهم، أدانوا اريوس وكل مَن يتمسك أو يُعلّم آرائه وجحدوا سائر الهرطقات المضادة للإيمان المؤسس فى نيقية، وقبلوا مصطلح “مساوى فى الجوهر” بإعتباره كلمة تفيد نفس الدلالة لتعبير “مثل الجوهر”([21]). وعندما قدموا اعتراف ايمانهم بالشكل المماثل لعاليه، إلى ليباريوس قَبِلهم، فى الشركة معه وكتَبَ إلى اساقفة الشرق يُوصيهم بأرثوذكسية ايمانهم، ويفصّل ما تم فى المؤتمر الذى عقده معهم. وكان اعتراف الايمان الذى قدَّمه يوستاثيوس ورفقائه كما يلى:

الكتاب السادس: الفصل الحادى عشر.

(اعتراف يوستاثيوس وسلفانوس وثيوفيلس مبعوثى المقدونيين إلى ليباريوس اسقف روما)

“إلى ليباريوسLiberius  أخينا وسيدنا والخادم الشريك. يوستاثيوس وسلفانوس وثيوفيلس يُرسِلون التحية فى الرب.
إنه بسبب الآراء الجنونية للهراطقة الذين لا يكفون عن الاستمرار فى بذر الفضائح فى الكنائس الجامعة، فإن الاساقفة الارثوذكس قد عقدوا مجمعا فى لامبساكوس Lampsacus لإبطال كل هجوم لهم، وآخر فى سميرنا، ومجامع فى أماكن أخرى، وحررنا رسائل وارسلنا سفارة إلى جودكم، وبالمثل إلى اساقفة ايطاليا الآخرين واساقفة الغرب للتصديق على أو الحفاظ على، ايمان [الكنيسة] الجامعة الذى ترسخ فى مجمع نيقية المقدس بواسطة المبارك قنسطنطين والثلاثمائة وثمانية عشر أبا الخائفى الله. وظل راسخا دون تغيير أو تشويش إلى الآن وسيظل دائما. وفيه تثبَّتَ مصطلح “مساوى فى الجوهر” بكل قداسة وتقوى كشهادة ضد عناد أريوس. ونحن نعترف، كل بيده الخاصة، أننا تمسكنا دائما بنفس الإيمان المذكور عاليه، وأننا ما زلنا نتمسك به، وأننا سنظل نتمسك به إلى المنتهى. ونحن ندين أريوس وتعاليمه الكافرة وتلاميذه. وأيضا ندين هرطقات باتروباسيانوس وفوتينوس ومارسيللوس وبولس الساموساطى، وكل مَن يحافظ على مثل هذه التعاليم ذاتها. ونحن نحرم كل مَن يعارض الايمان المذكور عاليه المؤسس من الآباء القديسين فى نيقية. ونحن نحرم اريوس بصفة خاصة. وندين مثل تلك المراسيم التى صدرت فى ارمينَم Ariminum ضدا للإيمان المذكور عاليه المؤسس فى مجمع نيقية المقدس. لقد خُدعِنا سابقا بمكر بعض الاطراف، وشهادة الزور، واشتركنا فى هذه المراسيم عندما أُرسِلَت من مدينة نيقية بتراقيا إلى القنسطنطينية”.
وبعد هذا الاعتراف، ارفقوا نسخة من صيغة نيقية بالكامل بإعتراف ايمانهم الخاص. وبعد أن تلقوا من ليباريوس بيانا خطيا بكل ما قد تم تداوله ابحروا إلى صقلية.

الكتاب السادس: الفصل الثانى عشر

(مجامع صقلية وتيانا. الغاء المجمع الذى كان متوقعا عقده فى كيليكيا من قِبل فالنس. الاضطهاد فى ذلك الوقت. فرار أثناسيوس العظيم مرة أخرى واختفائه. ظهوره مرة ثانية بناء على رسالة من فالنس وإدارته لكنائس مصر)

(6/12/1) وانعقد مجمع فى صقلية([22]). وبعد أن تم التأكيد على نفس العقائد مثل تلك المنصوص عليها فى اعتراف المبعوثين، انفض الاجتماع. وفى نفس الوقت انعقد مجمع فى تيرانا، وكان موجود فيه يوسيبيوس اسقف قيصرية كبادوكيا، واثناسيوس اسقف انقيرا وبيلاجيوس اسقف لاودكيا وزينو اسقف صُور وبولس اسقف ايمسا Emesa. واوتريوس اسقف مليتين([23]) Melitene وغريغوريوس اسقف نزينز، مع آخرين كثيرين كانوا قد اجتمعوا فى زمن جوفيانوس فى انطاكية وصمموا على الحفاظ على عقيدة أن الإبن مساوى للآب فى الجوهر. وقُرِأت فى هذا المجمع رسائل ليبريوس والاساقفة الغربيين.
(6/12/2) وحظيت هذه الرسائل بالرضا التام من أعضاء المجمع، فكتبوا إلى جميع الكنائس، يُرغِّبوهم فى الاطلاع على المراسيم الصادرة من أساقفة أسيا، وعلى الوثائق المكتوبة من ليبريوس وأساقفة ايطاليا وافريقيا والغال وصقلية التى عُهِد بها إلى المبعوثين من مجمع لامبساكوس. وحثوهم على التمعن فى العدد الكبير للأشخاص الذين حرروا هذه الوثائق والذين كانوا يفوقون بكثير أعضاء مجمع ارمينَم، كما حثوهم على أن يكونوا بفكر واحد وأن يشتركوا معهم، وأن يبرهنوا على نفس الأمر كتابة. وأخيرا على أن يجتمعوا فى طرسوس بكليكية قبل نهاية فصل الربيع فى تاريخ محدد حددوه. وحثوا بعضهم بعضا على الحضور.
(6/12/3) وعندما اقترب اليوم المحدد، وكان المجمع على وشك الانعقاد فى طرسوس، حضر نحو اربعة وثلاثين اسقفا من الاساقفة الاسيويين إلى كاريا، إحدى مقاطعات اسيا وهم عازمون على تثبيت وحدة الايمان فى الكنيسة، ولكن مع رفض مصطلح “مساوى فى الجوهر” ومُصرين على أن صيغ الايمان التى وضعتها مجامع انطاكية وسلوقية والتى حافظ عليها لوقيان الشهيد وكثيرون من اسلافهم، ومن أجل [تفادى] المخاطر والتوترات للحصول على السيادة على الجميع.
(6/12/4) ومنع الإمبراطور، بتحريض مِن يودكسيوس، برسالة المجمع من الانعقاد فى كيليكيا، بل وحظره مهددا بعقوبات شديدة. كما كَتب أيضا إلى ولاة المقاطعات آمرا اياهم بطرد جميع الاساقفة من كنائسهم، الذين قد نُفِيوا من قِبل قنسطنطين والذين كانوا قد استردوا كهنوتهم مرة أخرى أيام يوليانوس الإمبراطور.
(6/12/5) وبسبب هذا الأمر كان أولئك الذين على رأس الحكومة المصرية مهتمين بعزل أثناسيوس من اسقفيته وطرده من المدينة. لا لأن عقوبة ما قد أُدرجِت فى الرسائل الامبراطورية، ولكن لأن عدم اتمام هذا الأمر سيترتب عليه أن يخضع جميع الماجستيرات على قدم المساواة، وسائر الجنود الذين تحت إمرتهم، وجميع المستشارين للإدانة ودفع مبلغ كبير، وأيضا مع التهديد بسوء المعاملة البدنية.
(6/12/6) ومع ذلك، اجتمع غالبية المسيحيين بالمدينة، وتوسلوا من الحاكم ألاَّ ينفى أثناسيوس دون اعتبار لكلام الرسالة الامبراطورية التى تحدد مجرد الاساقفة الذين نُفِيُوا فى عهد قنسطنطين وأعادهم يوليانوس. وأنه من الواضح أن أثناسيوس ليس من هذا العدد حيث أنه قد أُستُدعِى من قنستانتيوس واسترد اسقفيته. ولكن يوليانوس فى نفس الوقت الذى استدعى فيه سائر الاساقفة الآخرين قد اضطهده. ولم يقتنع الحاكم بأى حال من الأحوال بهذه الحجج، ومع ذلك ضبط نفسه ولم يستخدم القوة. فركض الشعب من كل ضاحية وكان هناك اضطراب وشغب فى سائر ارجاء المدينة، وكان من المتوقع أن يكون هناك تمرد. لذلك أطلع الإمبراطور على الحقائق وسمح للأسقف بالبقاء فى المدينة.
(6/12/7) وبعد ذلك بأيام قليلة، عندما بدا أن الإثارة الشعبية قد خفتت، انسل اثناسيوس عند الغسق خفية من المدينة وأخفى نفسه فى مكان ما. وفى نفس الليلة استولى حاكم مصر وقائد الجيش على الكنيسة التى كان أثناسيوس يقيم فيها عادة، وفتشوا عنه فى سائر انحاء المبنى، وحتى فوق السطح ولكن بلا جدوى، إذ أنهم كانوا قد رتبوا أن تكون لحظة الاستيلاء هى لحظة خفوت الهياج الشعبى جزئيا وعندما تكون المدينة كلها مستغرقة فى النوم، لتنفيذ الأمر الرسمى للإمبراطور، ولنقل اثناسيوس بهدوء من المدينة.
(6/12/8) إن عدم العثور على أثناسيوس كان من الطبيعى أن يُثير الدهشة على نطاق عام. وقد عزا البعض فراره إلى رؤيا خاصة من فوق، والبعض الآخر إلى نصيحة بعض أتباعه، وكلاهما يؤديان إلى نفس النتيجة. ولكن ما هو أكثر من الحصافة البشرية هو، على ما يبدو، التكهن بمكيدة مثل هذه وتجنبها. فالبعض يقول أنه بمجرد أن أظهر الناس اشارات للشروع فى فتنة، حتى أخفى نفسه فى مقبرة أجداده، وذلك خشية أن يُعتبَر سببا للإضطربات التى ستنجم، ثم اختفى فيما بعد فى مكان ما آخر.
(6/12/9) وبعد فترة وجيزة، كتب الإمبراطور فالنس إليه مانحا إياه الإذن بالعودة وحيازة كنيسته. ومن المشكوك فيه جدا ما إذا كان فالنس فى عمله لهذه الميزة قد سلك طبقا لميوله الخاصة أم لا. فإننى أتخيل بالأحرى عند التمعن فى التقدير الذى حازه اثناسيوس عالميا أنه قد خشى من أن يثير [نفيه] استياء فالنتنيانوس المعروف عنه جيدا إلتصاقه بالعقائد النيقاوية. أو ربما كان يخشى من الاضطرابات من جانب الاساقفة العديدين المعجبين بالاسقف على نحو يلحق الضرر بالشؤن العامة.
(6/12/10) كذلك اعتقد أن الرؤساء الاريوسيين لم يعترضوا فى هذه المناسبة بشدة على أثناسيوس لأنهم فكروا فى أنه إذا كان قد طُرِد من المدينة فمن المحتمل أن يشى بهم عند الأباطرة، ومتى حانت له الفرصة يعقد مجمعا بشأنهم. ومن الممكن أن ينجح فى اقناع فالنس بتبنى مفاهيمه الخاصة، وفى إثارة غضب فالنتنيانوس الذى له ذات الفكر ضدهم. فلقد اضطربوا جدا بأدلة فضيلة وشجاعة أثناسيوس التى أتاحتها الأحداث التى جرت فى فترة قنستانتيوس.
(6/12/11) وقد فلت بمهارة من مؤمرات أعدائه حتى أنهم اضطروا إلى الموافقة على إعادة تثبيته فى إدارة كنائس مصر، وبالكاد أمكن إقناعه بالعودة من ايطاليا على الرغم من ارسال رسائل من قنستانتيوس لهذا الغرض.
(6/12/12) وأنا مقتنع أنه لهذه الأسباب وحدها، أن أثناسيوس لم يُطرَد من كنيسته مثل الاساقفة الآخرين الذين تعرضوا للاضطهاد والمعاملة القاسية كما من وثنيين فى أى وقت مضى. وأولئك الذين لم يغيّروا مفاهيمهم العقائدية قد نُفيوا وأُخذِت منهم بيوت الصلاة الخاصة بهم، ووُضِعَت فى حيازة مَن لهم المفاهيم المضادة. وكانت مصر وحدها، خلال حياة اثناسيوس، معفاة من هذا الاضطهاد.

الكتاب السادس: الفصل الثالث عشر

(ديكوفيلس الاريوسى يصير اسقفا للقسطنطينية بعد يودكسيوس. ايفاجريوس المختار التقى. رواية الاضطهاد الناجم)

(6/13/1) وفى نحو هذا الوقت ذهب الإمبراطور فالنس إلى انطاكية على [نهر] اورانتس. وفى أثناء سفره مات يودكسيوس بعد أن أدار كنائس القنسطنطينية احد عشر عاما. فرُسِم ديموفيلس فى الحال خلفا له من قِبل الاساقفة الاريوسيين.
(6/13/2) وانتخب اتباع العقائد النيقاوية ايفاجريوس المختار اسقفا لهم ظانين أن مجرى الأحداث فى سلطتهم. وقد رسمه يوستاثيوس الذى كان يدير سابقا كنيسة انطاكية بسوريا، والذى كان قد تم استدعاؤه من النفى بواسطة جوفيانوس، وكان يعيش بأسلوب خاص فى القنسطنطينية مكرسّا نفسه لتعليم أولئك الذين يؤمنون بنفس مفاهيمه، حاثا لهم على المثابرة فى وجهة نظرهم عن الكائن الإلهى. فإهتاج الهراطقة الاريوسيين بثورة وبدأوا اضطهادا عنيفا ضد الذين شاركوا فى سيامة ايفاجريوس.
(6/13/3) فلما اطلع الإمبراطور فالنس، الذى كان آنذاك فى نيقوميديا، على الأحداث التى وقعت فى القنسطنطينية منذ وفاة يودكسيوس خشى أن تعانى مصالح المدينة من الشغب، لذلك ارسل كتائب كثيرة رأى أنها لازمة للحفاظ على الأمن، وقُبِض على يوستاثيوس بأمره، ونُفِى إلى بزيا  Bizya مدينة فى تراقيا، ونُفِى ايفاجريوس إلى اقليم آخر. وهكذا كان أمر هذه الواقعة.

الكتاب السادس: الفصل الرابع عشر

(رواية عن المندوبين الاتقياء الثمانين فى نيقوميديا الذين حرقهم فالنس فى سفينة فى وسط البحر)

(6/14/1) واضطهد الاريوسيون كما هى العادة مع المنتفخين والأكثر وقاحة، جميع المسيحيين الذين يعارضون مفاهيمهم الدينية بلا رحمة. وإذ وجد هؤلاء المسيحيون أنهم يتعرضون للإيذاء البدنى، ويُوشَى بهم عند الماجستريت ويُسجنون، وأكثر من ذلك يعانون من الفقر المدقع بسبب الغرامات المتكررة، فقد اضطروا أخيرا إلى التماس الإنصاف من الإمبراطور.
(6/14/2) وعلى الرغم من غضبه المفرط لم يُظهِر الإمبراطور أى سخط علانية، ولكنه أمر الحاكم سرا بالقبض على جميع المندوبين وذبحهم. ولكن الحاكِم إذ أدرك أن ذلك سيُثير انتفاضة شعبية إن قتل هذا العدد الكبير من الرجال الصالحين الأتقياء بدون أى شكل من أشكال العدالة، لذلك تظاهر بإرسالهم إلى المنفى وأجبرهم بهذه الذريعة على ركوب سفينة كانت قد أُعدِت على وجه تام. وعندما أبحروا إلى حوالى منتصف الميناء الذى يُدعَى استاكيوس Astacius، اشعل البحارة حسب الأوامر التى تلقوها سلفا النار فى السفينة وقفزوا منها فى قوارب النجاة. وكانت الريح تهب والسفينة متجهة صوب داسبيزا Dacibiza، مكان على بحر بيثينيا. وما أن اقتربت من الشاطىء حتى كانت النيران قد إلتهمتها بكل ما فيها من الرجال.

الكتاب السادس: الفصل الخامس عشر

(المنازعات بين يوسيبيوس اسقف قيصرية، وباسيليوس الكبير. قدوم الاريوسيين إلى قيصرية وصدهم)

(6/15/1) وعندما غادر فالنس نيقوميديا، ذهب إلى انطاكية. وفى مروره بكبادوكيا فعل كل ما فى وسعه، كعادته، فى إلحاق الأذى بالارثوذكس وتسليم الكنائس للأريوسيين. لقد ظن أنه من الممكن تحقيق مقاصده بأكثر سهولة بسبب النزاع القائم آنذاك بين باسيليوس ويوسيبيوس الذى كان يدير كنيسة قيصرية([24]).
وكانت هذه المنازعة هى سبب مغادرة باسيليوس([25]) من بونطس، حيث عاش مع بعض الرهبان الذين كانوا يتبعون الفلسفة. وبدأ الناس وبعض الحكماء وذوى النفوذ ينظرون إلى يوسيبيوس بريبة، وخاصة لأنهم اعتبروه سبب انسحاب واحد كان مشهورا لتقواه ولبلاغته معا، وبالتالى بدأوا فى الإعداد للإنشقاق وحيازة كنيسة منفصلة.
(6/15/2) وفى نفس الوقت، إذ خشى باسيليوس أن يكون مصدرا لمزيد من المتاعب للكنيسة التى كانت قد انشقت بالفعل من خلافات الهراطقة فقد ظل معتزلا فى أديرة بونطس. وتشجع الإمبراطور والاساقفة الاريوسيون الذين كانوا ملتصقين دوما بجناحه بالأكثر بغياب باسيليوس، وبكراهية الشعب ليوسيبيوس فى تحقيق مقاصدهم. ولكن الاحداث كانت على عكس ظنهم. ففى اللحظة الأولى التى نوى الإمبراطور المرور فيها بكبادوكيا، غادر باسيليوس بونطس، وعاد إلى قيصرية حيث حقق مصالحة مع يوسيبيوس وعضد ببلاغته فى نفس الوقت الكنيسة. وبذلك اخفقت مشروعات فالنس، ورجع بأساقفته دون أن يحقق شيئا من مقاصده.

الكتاب السادس: الفصل السادس عشر

(باسيليوس يصير اسقفا لقيصرية بعد يوسيبيوس. جرأته نحو الإمبراطور والحاكم)

(6/16/1) وبعد مرور بعض الوقت، زار الإمبراطور كبادوكيا مرة أخرى، فوجد أن باسيليوس يدير هناك الكنائس عقب وفاة يوسيبيوس([26]) ففكر فى طرده. ولكنه إذ رغب فى ذلك أحجم عن نيته. ويقال أنه فى الليلة التالية لعقده النية بذلك، انزعجت زوجته من حلم مرعب، و[حدث] أن ابنه الوحيد جالانس قد قُطِع([27]) بمرض سريع، وكان يُعزَى موت ابنه على نطاق عام إلى نقمة الله من والديه للمكائد التى دبرها ضد باسيليوس. وكان فالنس نفسه من هذا الرأى.
(6/16/2) وعقب وفاة ابنه لم يقم بأى تحرش أكثر نحو الاسقف([28]). وعندما كان الأمير، إبن الإمبراطور غارقا فى المرض وعلى شفا الموت ارسل الإمبراطور إلى باسيليوس وطلب منه أن يُصلى من أجل شفاء ابنه، لأنه بمجرد وصول فالنس إلى قيصرية ارسل الحاكم إلى باسيليوس وأمره بإعتناق المفاهيم الدينية التى للإمبراطور مهددا إياه بالقتل فى حالة عدم الامتثال. فأجاب باسيليوس أنه سيكون مكسبا كبيرا له، وهبة لمعروف كبير أن يتحرر سريعا من عبودية الجسد. واعطاه الحاكم بقية النهار إلى اقتراب الليل ليفكر فى الأمر، ونصحه بعدم التسرع بتهور فى خطر واضح، ولكن عليه أن يأتى فى اليوم التالى ليُعلِن رأيه.
فأجاب باسيليوس أنا لا أطلب مداولة، فإن تصميمى سيظل غدا كما هو اليوم. فحيث أننى مخلوق لا يمكن أبدا أن أُجبَر على عبادة ما هو مماثل لنفسى وأعبده كإله. فلا أنا سأوافق على دينك ولا على الذى للإمبراطور. وعلى الرغم من علو تميزك، وأن لك شرف الحُكم على جزء لا يُستهَان به من الامبراطورية، إلاَّ أنه لا ينبغى بسبب هذه الاعتبارت أن اسعى إلى ما يرضى الناس واستخف فى نفس الوقت بالإيمان الإلهى، الذى لن تجبرنى أبدا خسارة متاع، أو منفى، أو حُكم بالموت، على خيانته فإن بلايا من هذا النوع لا تثير فى خاطرى قط أى انقباض حزن. فأنا لا امتلك شيئا سوى عباءة وبعض الكتب. وأنا أقيم على الأرض كمسافر، وسيحظى الجسد فى ضعفه بحالة أفضل من كل احساس، وتعذيب بعد الضربة الأولى.
(6/16/3) وأُعجِب الحاكِم بالشجاعة البادية فى هذا الرد الجرىء، ونقل الحدث إلى الإمبراطور. وفى عيد الغطاس، توجه الإمبراطور إلى الكنيسة مع الحاكِم وحرسه وقدَّم هبات للمائدة المقدسة([29]). وعقد مؤتمرا مع باسيليوس الذى كانت حكمته ونظامه وترتيبه فى مباشرة الكهنوت والكنيسة مستوجبة لكل مدح.
(6/16/4) ومع ذلك ليس بعد ذلك بوقت طويل، سادت افتراءات اعدائه وحُكِم على باسيليوس بالنفى. ولما حانت ليلة تنفيذ المرسوم سقط ابن الإمبراطور فجأة طريح المرض تحت ضغط وخطر الحمى. وانطرح الأب على الأرض وبكى على ابنه الذى كان مازال حيا، ولم يعرف أية وسيلة يمكن عملها من أجل شفاء ابنه، فأرسل بعض مريديه إلى باسيليوس ليأتى ويفتقد طفله الجريح، لأنه هو نفسه خشى أن يستدعيه بسبب الضرر الذى ألحقه به. وفى الحال عند وصول باسيليوس بدأ الإبن يستعيد قوته لدرجة أن كثيرين قد أكدوا أن شفائه كان سيكون تاما لو لم يكن قد استدعى بعض الهراطقة للصلاة مع باسيليوس من أجل استعادة الصبى لعافيته.
(6/16/5) ويُقال أن الحاكِم بالمثل قد سقط مريضا، ولكن عند توبته، وبالصلاة إلى الله، استعاد صحته.
إن الأمثلة المذكورة عاليه لكافية لتقديم فكرة عن الهبات الرائعة لباسيليوس، وإلتصاقه المفرط بالفلسفة([30]) وقوة بلاعته المذهلة التى حازت شهرة كبيرة.

الكتاب السادس: الفصل السابع عشر

(صداقة باسيليوس وغريغوريوس اللاهوتى بإعتبارهما صنوان فى الحكمة، ودفاعهما عن العقائد النيقاوية)

(6/17/1) كان باسيليوس وغريغوريوس([31]) متعاصرين، وكانا يُعتبرَان بنية واحدة إذا جاز القول، بالنسبة لغرس الفضائل. فكلاهما قد درسا فى شبابهما فى أثينا على يد هميريوس وبروريسيوس، اشهر السفوسطائيين فى ذلك العصر، وبعد ذلك على يد ليبانيوس السورى فى انطاكية. ولكن بعد أن ازدريا بالسفسطة ودراسة القانون فى وقت لاحق، عزما على دراسة الفلسفة([32]) وفقا لقانون الكنيسة. وبعد أن أمضيا بعد الوقت فى السعى وراء العلوم وتعلَّما من الفلاسفة الوثنيين إنكبا على دراسة تعليقات اورجينوس وكتابات أفضل الكُتّاب المعروفين الذين عاشوا قبل وبعد زمنهما فى شرح الكتب المقدسة.
(6/17/2) لقد قدَّما مساعدة كبيرة لأولئك الذين عاشوا مثلهم فى العقائد النيقاوية، وعارضا بشجاعة تعاليم الاريوسيين، مبرهنين على أن هؤلاء الهراطقة لم يفهموا جيدا كتابات مَن سبقوهم ولا آراء اورجينوس التى اعتمدوا عليها اساسا. ولقد قسمَّا هذان الرجلان القديسان مخاطر تعهدهما إما بالاتفاق المتبادل أو كما علمتُ بالقرعة. فوقعت المدن المجاورة لبونطس فى قرعة باسيليوس فأسس هنا أديرة عديدة، واقنع عن طريق تعليم الشعب أن يتمسكوا مثله بهذه الآراء. وعقب وفاة والده، سلك غريغوريوس كأسقف لمدينة نزينز الصغيرة ولكنه ترأس على عدة أماكن وبصفة خاصة القنسطنطينية.
(6/17/3) وليس بعد ذلك بوقت طويل عُيِّن بتصويت كثيرين من الكهنة لرئاسة الشعب هناك لأنهم كانوا عندئذ بلا اسقف وبلا كنيسة فى القنسطنطينية. وكانت عقائد مجمع نيقية قد انقرضت تقريبا.

الكتاب السادس: الفصل الثامن عشر

(الاضطهاد الذى جرى فى انطاكية عند اورانتس. موضع الصلاة فى اديسا الذى على اسم توماس الرسول. الاجتماع هناك. اعتراف سكان اديسا)

(6/18/1) وذهب الإمبراطور إلى انطاكية وعزل من كنائس تلك المدينة والمدن المجاورة كل المشايعين للعقائد النيقاوية بالكامل. وأكثر من ذلك اضطهدهم بعقوبات مضاعفة. فكما يؤكد البعض أمر بقتل البعض، وطرح آخرين فى نهر اورانتس.
(6/18/2) وعندما سمع أن هناك مصلى رهيب فى اديسا على اسم توماس الرسول ذهب ليراه، وكان اعضاء الكنيسة الجامعة يجتمعون خارج اسوار المدينة للعبادة فى العراء، لأنه لم يكن لهم هناك أيضا بيوت صلاة.
(6/18/3) ويقال أن الإمبراطور قد وبخ الحاكم بشدة ولطمه على فكه بقبضته لأنه سمح بهذه الاجتماعات ضدا لأوامره. فحذَّر مودستوس Modestus، فهذا كان اسمه، رغم أنه كان هرطوقيا، شعب اديسا سرا، لكى لا يجتمعوا للصلاة فى البقعة المعتادين عليها فى اليوم التالى لأنه قد تلقى أمرا من الإمبراطور بمعاقبة كل من يُقبَض عليه.
وقد نطق بهذه التهديدات وهو يظن أن أحدا ما، أو على الأقل قلة، لن يُعرِّض نفسه للخطر، ويُهدِّأ بذلك من سخط الملك.
(6/18/4) ولكن شعب اديسا لم يكترث بالتهديدات بتاتا، وركضوا معا بغيرة أكثر من المعتادة، وملأوا مكان اجتماعهم.
(6/18/5) وعندما علِم مودستس بإجرائهم، لم يحدد أىَّ إجراء يمكن أن يتخذه وتوجه فى حشدٍ إلى السهل، وهو فى حيرة. وإذا بإمرأة تقتاد طفلا بيدها وتجر ثيابها على نحو لا يلائم إمرأة محتشمة، تشق طريقها وسط صفوف الجنود الذين تحت إمرة الحاكم كما لو كنت عازمة على قضاء شأنٍ هام. وإذ لاحظ مودستس سلوكها هذا، أمر بالقبض عليها وإحضارها إليه، ليستعلم منها عن سبب ركوضها. فأجابت أنها مسرعة للحاق بأعضاء الكنيسة الجامعة المجتمعين هناك فى السهل. فقال لها: ألا تعرفين أن الحاكم فى طريقه إلى هناك بقصد الحُكم بالموت على جميع الموجودين فى هذا المكان؟. فأجابت المرأة: أجل لقد سمعتُ ذلك وهذا ذاته هو السبب فى عجلتى هذه، لأننى أخشى أن أصل متأخرة جدا إلى هناك فأفقد شرف الاستشهاد من أجل الله. وعندما سألها الحاكم عن سبب أخذها لطفلها معها، أجابت لكى ما يشترك فى المعاناة العامة، فيشترك فى المكافأة.
(6/18/6) وإذ ذُهِل مودستوس من شجاعة هذه المرأة ذهب إلى الإمبراطور وأطلعه على ما جرى، وأقنعه بعدم تنفيذ قصده الذى سيُظهِره بمظهر مشين وكارثى.
وهكذا كان اعتراف المسيحيين بالإيمان من قِبل [سكان] كل مدينة اديسا.([33])

الكتاب السادس: الفصل التاسع عشر

(وفاة أثناسيوس الكبير. اعتلاء لوقيوس النصف اريوسى لكرسى الأسكندرية.  البلايا التى جلبها على كنائس مصر. بطرس خليفة أثناسيوس يتجه إلى روما)

(6/19/1) وفى نحو هذه الفترة، توفى أثناسيوس اسقف كنيسة الأسكندرية بعد أن أكمل نحو ستة واربعين سنة فى رئاسة الكهنوت([34]).    (6/19/2) وإذ علِم الاريوسيين بوفاته مبكرا لم يدخروا وسعا([35]). وأرسل الإمبراطور يودوسيوس رئيس الاريوسيين بأنطاكية وماجنوس  Magnus رئيس الخزانة للقبض على بطرس([36]) وسجنه. وكان البابا أثناسيوس قد عينه خليفة له فى الاسقفية. ونقلا فى الحال إدارة الكنيسة إلى لوقيوس([37]).
(6/19/3) ومن ثم عانى الذين كانوا فى الأسكندرية بشدة أكثر من تلك التى كانت فى أماكن أخرى، وتكدست المصائب على أعضاء الكنيسة الجامعة، لأنه بمجرد أن استقر لوقيوس فى الأسكندرية حتى استولى على الكنائس، فلما قوبل بمقاومة من الشعب والاكليروس قبض على الكهنة والعذارى القديسات واتهمهم  بإثارة الشغب. وهرب البعض كما لو كانت المدينة قد سقطت فى يد الأعداء. وقبض على آخرين وسجنوا. وأُقتيد بعض المسجونين بعد ذلك من المطابق([38]) ليُمزَّق لحمهم بالكلابات والسنانير، بينما أُحرِق آخرون بلهب المشاعل. إنه لأمر عجيب كيف بقوا أحياء بعد هذه العقوبات التى تعرضوا لها. لقد كان النفى أو حتى الموت ذاته مفضلا عندهم عن مثل هذه المعاناة.
(6/19/4) وهرب بطرس من السجن، وأقلع على متن سفينة متجهة إلى روما التى كان لأسقف كنيستها ذات الايمان مثله. وهكذا ظلت الكنائس فى حوزة الاريوسيين على الرغم من قلة عددهم. وصدرت الأوامر فى نفس الوقت من الإمبراطور بطرد جميع اتباع العقائد النيقاوية من الأسكندرية وكل مصر، حسب توجيهات لوكيوس ويوزيوس. وإذ أتما قصدهما عادا إلى انطاكية.

الكتاب السادس: الفصل العشرون

(اضطهاد الرهبان المصريين، وتلاميذ سان انطونيوس. حصرهم فى جزيرة بسبب ارثوذكسيتهم. المعجزات التى أجروها هناك)

(6/20/1) وخرج لوكيوس مع قائد الجيش فى مصر ضد الرهبان فى الصحراء لأنه تخيَّل أنه إذا استطاع أن يتغلب على مقاومتهم من خلال إزعاج الهدوء الذى يحبونه، سيكون من السهل ضم جميع سكان المدن المسيحيين بدون عقبات تُذكَر إلى حزبه([39]).
(6/20/2) ويحكم أديرة هذا البلد أفراد عديدون يتسمون بقداسة بارزة، ويقاومون بصرامة بدعة اريوس. وكان الناس الذين لا يرغبون، أو ليسوا على استعداد للدخول فى مباحثات تتعلق بالعقائد الدينية، يتلقون آرائهم منهم إذ كانوا يعتقدون أن رجالا  تتجلى فضائلهم فى أعمالهم، لابد وأنهم يمتلكون الحق. ولقد سمعتُ أن قادة هذا النسك المصرى كانا رجلان بإسم مكاريوس، واللذيَن قد أشرتُ إليهما بالفعل([40])، وبامو وهيراكليوس وغيرهم من تلاميذ سان انطونيوس.
(6/20/3) وإذ فكَّر لوكيوس فى أن الاريوسيين لن يمكنهم تحقيق السيادة على الكنيسة الجامعة، ما لم يقدروا على ضم الرهبان إلى حزبهم، فقد عزم على اللجوء إلى القوة لإجبار الرهبان على الوقوف فى صفه، ما دام أنه غير قادر على اقناعهم. ولكن هنا أيضا فشل مخططه، فقد كان الرهبان على استعداد لإخضاع اعناقهم للسيف عن أن يحيدوا عن عقائد نيقية.
(6/20/4) ويُروَى أنه فى ذات الوقت الذى شرع فيه الجنود فى الهجوم عليهم، أن رجلا كانت أطرافه زابلة، ولا يقدر على الوقوف على قدميه قد حُمِل إليهم، وعندما دهنوه بزيت وأمروه بإسم المسيح الذى يضطهده اريوس أن يقوم ويذهب إلى بيته، صار مُعافَى فى الحال. وأظهرت معجزة الشفاء هذه بجلاء ضرورة تبنى ذات المفاهيم التى لأولئك الذين قد شهد الله نفسه بأنهم يمتلكون الحق. وأُدين لوكيوس عندما سمع الله لصلواتهم وشفى المريض.
(6/20/5) ولكن هذه المعجزة لم تؤدِ إلى التوبة([41]) من قِبل الجنود المتآمرين على الرهبان، بل بالعكس قبضوا على هؤلاء الرجال القديسين ليلا، ونقلوهم إلى جزيرة فى مصر مخفية بين المستنقعات، ولم يكن سكان هذه الجزيرة قد سمعوا من قبل عن الايمان المسيحى، وكانوا مكرسين لخدمة الشياطين([42]). وكان هناك فى الجزيرة معبد سحيق فى القدِم يحظى بتوقير عظيم. ويُقال أنه عندما حط الرهبان على الجزيرة، ركضت إليهم ابنة الكاهن، وكانت ممسوسة من شيطان، وهى تصرخ وتصيح ويتبعها شعب الجزيرة وهم مندهشون من سلوكها الغريب المفاجىء واقتربت من السفينة التى كان بها الخدام القديسون، وطرحت نفسها على الأرض بتوسل وصاحت بتأوه بصوت عالى: لأى سببٍ أتيتم إلينا يا عبيد الله العظيم؟. لقد كنا نعيش منذ زمن طويل فى هذه الجزيرة كموطن لنا ولم نزعج أحدا. وقد أخفينا أنفسنا هنا ولم نعرِّف به أحدا، وها نحن محاصرون بالمستنقعات من كل جانب، ومع ذلك إن كان ذلك يسركم خذوا ما نملكه واقيموا هنا، وسنترك نحن الجزيرة.
(6/20/6) هذا كان كلامها. فإنتهر مقاريوس ورفقاؤه الرهبان الشيطان، فشُفِيَت الفتاة. فآمن ابوها وكل بيته مع سكان الجزيرة بالايمان المسيحى. وبعد أن أزالوا معبدهم القديم، حولوه إلى كنيسة. وبلغت الأخبار إلى الأسكندرية فساد الحزن المفرط على لوكيوس، وإذ خشى أن يجلب على نفسه كراهية حزبه، ويُتهَم بأنه يحارب الله وليس إنسان، أرسل سرا أوامر لمقاريوس ورفقائه بالعودة إلى مساكنهم الخاصة بهم فى البرية. وهكذا كانت الاضطرابات والمتاعب التى أثارها لوكيوس فى مصر.
(6/20/7) وفى نفس الفترة حظى ديديموس الفيلسوف وابرار عديدون آخرون بشهرة عظيمة. وإذ انجذب الشعب بفضائلهم، وتلك التى للرهبان فإنهم اتبعوا عقائدهم، وعارضوا تلك التى لحزب لوكيوس.

الكتاب السادس: الفصل الواحد والعشرون

(قائمة الأماكن التى تمسكت بالعقائد النيقاوية. الايمان الذى أظهره الاسكيثيون. فترانيو قائد هذا الجنس)

(6/21/1) وقد لاقت الاريوسية معارضة مماثلة فى نفس الفترة فى اوسرونية  Osröene. وأما كبادوكية فقد خصتها العناية الإلهية بهذيَن الرجلين التقيين والأكثر علما، باسيليوس اسقف قيصرية ([43]) وغريغوريوس اسقف نزينزا([44]).
(6/21/2) أما سوريا والمناطق المحيطة وبالأخص مدينة انطاكية، فقد غرقت فى فوضى واضطراب، لأن الاريوسيين كانوا عديدين فى هذه المناطق وكانوا يستحوذون على الكنائس. ومع ذلك لم يكن اعضاء الكنائس الجامعة قليلو العدد، وكانوا يُدعَون يوستاثيون وبولونيون وكانوا تحت اشراف بولينوس ومليتيوس، كما ذكرنا من قبل، وبواسطتهم حُفِظت كنيسة انطاكية من تعديات الاريوسيين، وتمكنت من مقاومة غيرة الامبراطور ومَن هم فى السلطة. وفى الواقع، يبدو أن كل الكنائس التى أدارها رجال شجعان لم تنحرف عن عقائدها السابقة.
(6/21/3) ويُقال أن هذا هو سبب الحزم الذى تمسك به الاسكيثيون بإيمانهم السابق. ففى هذا البلد هناك عدد كبير من المدن والقرى والحصون. وتُدعَى عاصمته تومى Tomi وهى مدينة كبيرة وعامرة بالسكان وتقع على شاطىء البحر على يسار المُبحِر فى البحر المدعو يوكسين Euxine. ووفقا لعادة قديمة ما زالت سارية تخضع جميع كنائس هذا البلد لرعاية اسقف واحد. وكان فترانيو Vetranio يدير هذه الكنائس فى الفترة التى زار فيها الإمبراطور تومى هذه.
(6/21/4) فتوجه فالنس إلى الكنيسة وسعى كعادته المعتادة إلى كسب الاسقف لبدعة اريوس. ولكن هذا الأخير عارضه بشجاعة، وبعد دفاع شجاع عن عقائد نيقية، غادر الإمبراطور متوجها إلى كنيسة أخرى، حيث تبعه الشعب. وكانت المدينة بأسرها تقريبا قد احتشدت لرؤية الإمبراطور إذ توقعوا أن شيئا ما غير عادى سيحدث من مقابلته للأسقف.
(6/21/5) واستاء فالنس للغاية من تركه وحده فى الكنيسة مع صحبته. وفى استيائه حَكَم على فيترانيو بالنفى. ومع ذلك عاد، فاستدعاه، ليس بعد ذلك بوقت طويل، لأنه أدرك على ما أعتقد، أن شغبا سيحدث إذ استاء الاسكيثيون من غياب اسقفهم. وكان يعرف جيدا أن الاسكثيين أمة شجاعة، وأن بلدهم بحُكم موقعه يمتلك مزايا طبيعية عديدة جعلته ضروريا للإمبراطورية الرومانية إذ يُشكل حاجزا لدرء البرابرة. وهكذا اُحبِطَت بوضوح نية الحاكِم نحو فترانيو. ويشهد الاسكيثيون انفسهم انه كان صالحا من كل النواحى ومشهورا بفضيلة حياته.
(6/21/6) وكان مقت الإمبراطور منصبا على جميع الاكليروس فيما عدا الذين للكنائس الغربية لأن فالنتنيانوس الذى كان ملكا على المناطق الغربية كان معجبَا بالعقائد النيقاوية، وكان مشبعا بالتوقير الشديد بالدين، لدرجة أنه لم يفرض أية أوامر على الكهنة، ولا حاول فى أى وقت مضى إدخال أى تغيير فى اللوائح الكنسية، سواء للأفضل أو للأسوأ. وعلى الرغم من أنه قد صار واحدا من أفضل الأباطرة، وأظهر قدرته على تصريف الأمور، فإنه اعتبر أن الأمور الكنسية خارج نطاق اختصاصه.

الكتاب السادس: الفصل الثانى والعشرون

(بروز عقيدة الروح القدس فى ذلك الوقت. إقرار أنه واحد مع الاب والابن فى الجوهر.)

(6/22/1) وتجددت فى هذه الفترة المسألة التى طالما اُثِيرَت سابقا من آن لآخر، وهى بالتحديد ما إذا كان الروح القدس مساوى فى الجوهر مع الآب والإبن أم لا. فلقد أثيرت العديد من المناقشات والمحادثات حول هذا الموضوع مثل تلك التى أثيرت بشأن صيغة “الله الكلمة”. فأولئك الذين يُصرّون على أنه لا يماثل الآب، وأولئك الذين يؤكدون أن الإبن “مثل” الآب فى الجوهر، قد اشتركوا فى الرأى بشأن الروح القدس إذ رأى كلا الطرفان أن الروح القدس يختلف فى الجوهر، وأنه ليس سوى خادم [كذا!!] وثالث فى المرتبة والجوهر والشرف. أما أولئك الذين آمنوا على النقيض من ذلك بأن الإبن “مساوى” للآب فى الجوهر، فقد كان لهم نفس النظرة بشأن الروح القدس([45]). وقد حافظ على هذه العقيدة فى سوريا ابوليناريوس اسقف لاودكية بنبل. وفى مصر أثناسيوس الاسقف، وفى كبادوكية وكنائس بونطس باسيليوس وغريغوريوس.
(6/22/2) وعندما علِم اسقف روما بهذه المسألة التى طوَّحت بكنائس الشرق بشدة كبيرة وأنها تتزايد بالطبع يوميا بالمجادلات كَتَب إليها، وحثها على قبول العقيدة التى يتمسك بها الاكليروس الغربى وهى أن الأقانيم الثلاثة للثالوث هى من جوهر واحد ولها ذات الكرامة بالمساواة. وبذلك أُقرِّت هذه المسألة من قِبل الكنائس الرومانية، وعاد السلام وبدا أن المسألة قد انتهت.

الكتاب السادس: الفصل الثالث والعشرون

(وفاة ليبريوس اسقف روما. داماسوس واورسيكيوس يخلفانه. سيادة العقائد الارثوذكسية فى كل مكان فى الغرب فيما عدا ميلان حيث اوكسنتيوس هو رئيس الكهنة. مجمع فى روما يخلع اوكسنتيوس. التعريف الذى أُرسل بخطاب).

(6/23/1) وفى نحو هذه الفترة توفى ليبيريوس([46])، فخلفه داماسوس على كرسى روما. وكان هناك شماس اسمه اورسيكوس Ursicius كان قد حصل على بعض الاصوات لصالحه ولكنه لم يستطع أن يحتمل الاخفاق لذلك رتب لنفسه رسامة سرا بواسطة بعض الاساقفة الأقل درجة، وسعى إلى خلق الفرقة بين المواطنين وإيجاد كنيسة منفصلة. ونجح فى إحداث هذا الانقسام، وعامله الناس كأسقف بينما تشيع الباقون لداماسوس.
(6/23/2) وأدى ذلك إلى خلاف كبير وتمرد بين الناس، ووصل الأمر إلى الجرح والقتل. فاضطر حاكم روما إلى التدخل ومعاقبة الكثيرين من الناس والاكليروس، ووضع نهاية لمحاولة اورسيكيوس.
(6/23/4) ومع ذلك بالنسبة للعقيدة لم تثر أية شقاقات لا فى روما ولا فى أى مكان آخر من الكنائس الغربية. فقد اقتنع الشعب بالإجماع بصيغة الإيمان المؤسسة فى نيقية، واعتبروا أن الأقانيم الثلاثة متساوية فى الكرامة والقدرة.
(6/23/5) ولكن اوكسنتيوس  Auxentiusواتباعه اختلفوا عن الآخرين فى الرأى. وكان فى ذلك الوقت رئيسا لكنيسة ميلان. وبإشتراكه مع عدد قليل من الانصار، قصد أن يُدخِل ابتداعا ويُحافظ على التعليم الاريوسى بشأن عدم تماثل الإبن والآب والروح القدس وفقا للمسألة التى أُثيرت مؤخرا وضدا لإتفاق الكهنة الغربيين بالإجماع.
(6/23/6) وإذ علِم اساقفة الغال وفينيسيا أن محاولة مماثلة تجرى لتعكير صفو السلام للكنيسة، من قِبل آخرين بينهم، اجتمع اساقفة عدة مقاطعات ليس بعد ذلك بوقت طويل فى روما، واصدروا مرسوما يقضى بقطع الشركة مع اوكسنتيوس ومَن يتفق معه فى مفاهيمه، وأكدوا الإيمان التقليدى المؤسَّس فى مجمع نيقية، وأبطلوا كل المراسيم التى صدرت فى ارمينَّم خلافا لذلك الايمان، بحجة أن هذه المراسيم لم تحصل على موافقة اسقف روما ولا الاساقفة الآخرين المتفقين معهم، وأن العديد من الذين كانوا حاضرين فى المَجمَع قد رفضوا هذه التشريعات التى قُدِّمت لهم هناك.
(6/23/7) وكون أن هذا كان القرار الذى انتهى إليه المجمع هو حقا كذلك. فهذا تدل عليه الرسالة الموجهة من داماسوس الاسقف الرومانى وباقى المجمع إلى اساقفة ايلليريا، وهى كالآتى:
(6/23/8) “داماسوس فاليريوس والاساقفة الآخرون للمجمع المقدس المنعقد فى روما، إلى اخوتنا الأحباء فى ايللريا. التحية فى الرب.
نحن نعتقد أنكم تتمسكون وتعلمون الشعب بإيماننا المقدس المؤسس على عقيدة الرسل. وهذا الايمان لا يختلف فى شىء عن ذلك المُعرَّف من آبائنا كما أنه ليس مسموحا لكهنة الله الذين لهم حق تعليم الحكمة أن يكون لهم أى فكر آخر. ومع ذلك عَلِمنَا من قِبل بعض اخوتنا من الغال وفينيسا أن أفرادا معينين يميلون إلى إدخال بدعة. فعلى جميع الأساقفة أن يحترزوا من هذا الشر لئلا يضل بعضٌ من قطيعهم بعدم الخبرة، وبعض ببساطته، ويُعارضون التفسير السليم. ولا ينبغى إتباع أولئك الذين يقدمون تعاليما غريبة بل علينا أن نحافظ على تعاليم آبائنا أيا كانت أراء مَن حولنا. ولما كان اوكسنتيوس اسقف ميلان قد أُدِين علنا بهذه المسألة بحكم بارز، لذلك من الصواب على جميع المُعلِّمين فى العالم الرومانى أن يكونوا بفكر واحد، وألا يُلوثوا الإيمان بتعاليم معارضة. لأنه عندما بدأ خبث الهراطقة الأوائل فى النضوج مثل تجديف الاريوسيين الحادث الآن – فيلبعد عنا – فإن آباءنا المختارين الثلاثمائة وثمانية عشر فى العدد قد أقاموا بعد الفحص جدارا ضد اسلحة الشيطان، وصدَّوا هذا السم القاتل بهذا الترياق.
هذا الترياق يحتوى على الاعتقاد بأن الآب والأبن واحدٌ فى الألوهية وواحد فى الجوهر substance (χρῆμα) وواحد فى الفضيلة.
مطلوب كذلك الاعتقاد بأن الروح القدس هو من نفس الجوهر(هيبوستاسيس) hypostasis.
ولذلك اصدرنا مرسوما يقضى بأن الذين يتمسكون بعقائد أخرى هم غرباء عن شركتنا. لقد أصدر البعض مرسوما يُلطخ هذا التعريف المحفوظ والموقر. ولكن فى البداية، اعترف بعض الأشخاص الذين شاركوا فى هذا الابتداع فى مجمع ارمينم أنهم اضطروا للتصويت بالإكراه لصالح التغيير، وأنهم قد خُدِعوا من قِبل الشبهات التى لم تبدو لهم أنها ضد المبادىء التى وضعها آباء نيقية، لا يمثل شيئا بالنسبة للعقائد الارثوذكسية، لأن المجمع انعقد دون موافقة اساقفة روما الذين رأيهم، قبل كل شىء يجب أن يكون مقبولا وبدون موافقة الفينيسيين الذين خلال سلسلة طويلة جدا من السنوات قد حرسوا الاسقفية بدون تلوث، وبدون موافقة  الاساقفة الآخرين الذين يتفقون معنا فى هذه الأمور المذكورة أخيرا.
وإلى جانب ذلك، كما دونا سابقا، فقد شهد أولئك الأشخاص انفسهم الذين بدا لهم أنهم قد مالوا إلى شىء وهمى بإستهجانهم لهذه الاجراءات متى توفر لهم حُكما أفضل. لذلك يجب أن ترى نقاوتكم أن هذا وحده هو الايمان الذى تأسس فى نيقية على سلطة الرسل والذى يجب الحفاظ عليه أبدا من أى انتهاك. وأنه ينبغى على جميع الاساقفة فى الغرب والشرق على السواء الذين يؤمنون بالديانة الجامعة أن يعتبروا ذلك شرفا لهم أن يشتركوا معنا. ونحن نعتقد أنه لن يمر وقت طويل حتى يُقطَع كل مَن يختلف معنا فى العقائد من الشركة، ويُجَرَّد من كرامة واسم اسقف لكى ما يتحرر الناس المثقلين بنير تلك المبادىء الخبيثة والخداعة لأنه ليس فى مقدور هؤلاء الاساقفة أن يصححوا خطأ الناس بقدر ما هم فى حد ذاتهم مصابين بهذا الخطأ. ولذلك فليكن رأى شرفكم([47]) متفقا مع كهنة الله إذ أننا نؤمن بأنكم مقدسين وثابتين فيه. وعلينا أن نتبادل الرسائل مع محبتكم تأكيدا لذلك”.

الكتاب السادس: الفصل الرابع والعشرون

(بخصوص القديس امبروسيوس وارتقائه لرئاسة الكهنوت. كيف اقنع الشعب بممارسة التقوى. النوفاتيون فى فريجية، وعيد الفصح)

(6/24/1) وإذ توقع اكليروس الغرب مقاصد أولئك الذين يسعون إلى إدخال الابتداعات فيما بينهم فقد ثابروا على حفظ الايمان المُسلَّم لهم بلا انتهاك. وبإستثناء اوكسنتيوس وانصاره فقط لم يكن هناك مَن يتبنى آراء غير ارثوذكسية بينهم. ومع ذلك لم يعش اوكسنتيوس طويلا بعد هذه المرحلة. وبعد موته حدث انقسام بين الشعب بخصوص الشخص الذى يختاروه اسقفا لكنيسة ميلان، وصارت المدينة فى خطر. فهؤلاء الذين تطلعوا إلى الاسقفية وفشلوا فى توقعاتهم قد هددوا بصوت عالى، كما هى العادة، فى مثل هذه الاضطرابات.
(6/24/2) فذهب امبروسيوس Ambrosius([48]) الذى كان حاكم الولاية آنذاك، إذ كان يخشى من هياج الشعب إلى الكنيسة وحث الشعب أن يكفوا عن النزاع وأن يتذكروا القوانين وأن يحافظوا على الوفاق والرخاء الناجم عن السلام. وقبل أن يكف عن الكلام، كبت جميع السامعين فى الحال مشاعر الغضب ضد بعضهم بعضا، وصوتوا جميعا لصالحه بالأسقفية تتميما لتحقيق الانسجام، وحثوه على العماد إذ كان ما زال طالب عماد، ورجوه أن يقبل الكهنوت. وبعدما رفض واعتذر بأعماله أصرَّ الشعب وأعلنوا أن المنازعات لن تنتهِ ما لم يرضخ لطلبهم. وأخيرا نُقلِت هذه الأمور إلى البلاط.
ويقال أن فالنتنيانوس قد صلى وشكر الله أن الرجل الذى عيَّنه حاكما قد أُختِير ليشغل خدمة الكهنوت. وعندما علِم بالرغبة الحارة للشعب ورفض امبروسيوس استدل من ذلك على أن ذلك الأمر هو من الله بقصد استعادة السلام لكنيسة ميلان. فأمر بسيامة امبروسيوس سريعا كلما أمكن. فاعتمد وسيم فى نفس الوقت وتقدَّم فى الحال لإدارة الكنيسة بإجماع الآراء بشأن الطبيعة الإلهية، إذ أنها عانت أيام اوكسنتيوس من الشقاق حول هذا الموضوع. وستتاح لنا الفرصة فيما بعد للكلام عن سلوك امبروسيوس بعد السيامة الذى مارس به الكهنوت.
(6/24/3) وفى نحو هذه الفترة بدأ النوفاتيون فى فريحية فى الاحتفال بعيد الفصح، وعكس عادتهم القديمة، فى نفس يوم اليهود. وكان نوفاتيوس مؤسس هرطقتهم قد رفض قبول التائبين عن خطاياهم فى التناول، وابتدع بمفرده فى هذا الصدد تعليمه الخاص ولكنه هو وانصاره كانوا يحتفلون بعيد الفصح بعد الاعتدال الربيعى وفقا لعادة الكنيسة الرومانية.
(6/24/4) ومع ذلك اجتمع بعض الاساقفة النوفاتيون فى ذلك الوقت فى بازى  Paziمدينة بفريجية، بالقرب من منبع نهر سانجاروس Sangarus واتفقوا على عدم اتباع نظام مَن يختفلون مع تعاليمهم، ووضعوا نظاما جديدا، وعزموا على الحفاظ على عيد الفطر، والاحتفال بعيد الفصح فى نفس اليوم كاليهود. ولكن اساقفة النوفاتيين فى القنسطنطينية ونيقية ونيقوميديا وكوتيوم(مدينة مشهورة بفريجية) لم يشتركوا فى هذا الاجتماع، على الرغم من أن النوفاتيين يعتبروهم سادة، وإذا جاز القول ختم تصديق المعاملات الخاصة بهرطقتهم وكنائسهم.
(6/24/5) أما كيف اختلف هؤلاء المبتدعون فيما بينهم لهذا السبب، وقطعوا أنفسهم عن شركة الكنيسة فذلك ما سأتحدث عنه فى حينه.

الكتاب السادس: الفصل الخامس والعشرون

(بشأن ابوليناريوس: الآب والابن نفس الاسم. فتاليانوس الكاهن وانتقاله من هرطقة لأخرى)

(6/25/1) وفى نحو هذه الفترة ابتكر ابوليناريوس بدعة حملت اسمه منذ ذلك الحين، وأضل اشخاصا كثيرين عن الكنيسة، وكوَّن اجتماعات منفصلة. وانضم إليه فيتاليوس Vitalius كاهن من انطاكية، وأحد كهنة مليتيوس فى تبنى هذا الرأى الخاص. ومن ناحية أخرى كان فيتاليوس بارزا فى حياته وسلوكه بغيرة فى رعاية من عُهِد بهم إليه. ولذا كان مُكرَّما من الشعب. وانفصل عن الشركة مع مليتيوس وانضم إلى ابوليناريوس وترأس على الذين فى انطاكية الذين أخذوا بنفس الرأى، وجذب بقداسة سيرته عددا كبيرا من الاتباع الذين دُعِيوا فيتاليين من قِبل مواطنى انطاكية.
(6/25/2) ويُقال أنه قد انشق عن الكنيسة بسبب استيائه من الازدراء الذى بدا من فلافيان نحوه الذى كان أحد كهنته لكنه صار فيما بعد ذلك اسقفا لأنطاكية([49]). وإذ قد منعه فلافيان من المقابلة المعتادة مع الاسقف تخيل أنه محتقر، فإنضم إلى ابوليناريوس واتخذه كصديق.
(6/25/3) ومنذ ذلك الحين شكل اتباعه كنائس مستقلة فى عدة مدن تحت اساقفة خاصين بهم، ووضعوا قوانينا تختلف عن تلك التى للكنيسة الجامعة. وإلى جانب الرتب المقدسة المعتادة أنشدوا اناشيد مؤلفة بواسطة ابوليناريوس لأنه بالإضافة إلى عِلمه الآخر كان شاعرا وماهرا فى أوزان شعرية عديدة وجعل بحلاوتها الكثيرين يلتصقون به. وأنشد الناس سلاسله فى الاجتماعات المبهجة، وفى أعمالهم اليومية، وأنشدتها النساء وهى منهمكة فى الغزل. ولكن قصائده الرقيقة قد تكيفت للإحتفالات والأجازات والمناسبات الأخرى، وكانت كلها بالمثل تسبح وتمجد الله.
(6/25/4) وكان داماسوس اسقف روما، وبطرس اسقف الأسكندرية أول مَن يَعلم أن الهرطقة تزحف بين الناس([50]). فانعقد مجمع فى روما صُوِّت فيه على أنها غريبة على الكنيسة الجامعة. ويُقال أنها كانت من ضيق الأفق عن أى شىء آخر أن يبتدع ابوليناريوس فى العقيدة. لأنه عندما كان اثناسيوس يدير كنيسة الأسكندرية وفى طريق عودته إلى مصر من المكان الذى كان منفيا فيه من قِبل قنسطنطين، مرَّ بلاودكيا وبينما كان فى تلك المدينة كوَّن علاقة وثيقة مع ابوليناريوس والتى انتهت بصداقة شديدة.
(6/25/5) ومع ذلك، يعتبَر أضداد الارثوذكس أنه من المشين الاشتراك مع أثناسيوس، ولذلك عزل جورج اسقف الاريوسيين فى تلك المدينة ابوليناريوس بأسلوب مهين جدا من الكنيسة بحجة أنه استقبل أثناسيوس على عكس الشرائع والقوانين المقدسة!!([51]). وهنا لم يصمت الاسقف بل ذكَّره بالجرائم التى ارتكبها وندِم عليها فى وقت مضى. لأنه عندما نظَّم ثيودوتس سلف جورج كنيسة لاودكية، تلا ابيفانيوس السوفسطائى تسبحة ألفها فى شرف ديديموس. وكان ابوليناريوس آنذاك شابا وتلميذا لإبيفانيوس، فذهب آنذاك لسماع التلاوة فى صحبة أبيه الذى كان يُدعى أيضا ابوليناريوس وكان نحويا مشهورا. وبعد الافتتاح أمر أيضا ابيفانيوس، حسب العادة المرعية دائما عند تلاوة التسابيح الجهرية، بخروج طالبى العماد والدنسين خارج الأبواب. ولكن لا ابوليناريوس الكبير ولا ابوليناريوس الصغير، ولا أحد من المسيحيين الحاضرين، فى الحقيقة، تركوا المشهد. وعندما سمع ثيودوتس الاسقف أنهما كانا حاضريَن خلال التلاوة استاء بشدة. ومع ذلك، التمس العذر للعلمانيين الذين ارتكبوا هذا الخطأ عندما وُبِّخوا قليلا. أما بالنسبة لأبوليناريوس الأب والإبن فقد أدانهما علنا على خطيتهما وطردهما من الكنيسة لأنهما كانا ينتميان إلى الاكليروس إذ كان الأب كاهنا والإبن قارئا([52]) للأسفار المقدسة. وبعد مضى فترة من الزمن، صاما فيها وأذرفا الدموع وتابا عن خطيتهما ردهما ثيودوتس إلى رتبتهما فى الكنيسة. وعندما حظى جورج بنفس الاسقفية حرم ابوليناريوس وعامله كغريب عن الكنيسة بسبب أنه كما قلنا، استقبل أثناسيوس فى الشركة. ويقال أن ابوليناريوس قد توسل إليه مرارا أن يرده إلى الشركة ولكنه كان متصلبا. وإذ غُلِب ابوليناريوس من الحزن أزعج الكنيسة([53])، وبإبتداعه أدخل الهرطقة السابق ذكرها. وفَكَّر فى أن ينتقم ببلاغته لنفسه من عدوه بإثبات أن جورج قد عزل شخصا يُلِم جيدا بالأسفار المقدسة أكثر منه.
(6/25/6) وهكذا تضر عداوة الاكليروس بعضهم لبعض الكنيسة من وقت لأخر وتقسم الديانة إلى هرطقات كثيرة. وهذا هو الدليل، فلو كان جورج قد قبِل مثل ثيودوتس، توبة ابوليناريوس فى الشركة، لما كنا قد سمعنا كما اعتقد عن الهرطقة التى تحمل اسمه، فالناس معرضون عندما يُثقَّلُون بالإزدراء والتحقير، إلى اللجوء إلى الابتداعات والمنافسات، بينما عندما يُعاملون بعدالة يصيرون أكثر اعتدالا ويظلون فى نفس الموقف.

الكتاب السادس: الفصل السادس والعشرون

(يونيميوس ومُعلِّمه اتيوس. أمورهم وتعليمهم. أولَّا مَن علَّما بغطسة واحدة للمعمودية)

(6/26/1) وفى هذا الوقت ابتكر يونوميوس الذى كان يدير كنيسة سيزيكوس محل اليوسيوس ويرأس هرطقة اريوس، بدعة أخرى إلى جانب هذا، وقد دعاها البعض بإسمه، ولكنها تُدعَى أحيانا بالهرطقة الأنومية. فالبعض يؤكد أن يونوميوس كان أول مَن تجرأ وقال أن المعمودية المقدسة ينبغى أن تتم بغطسة واحدة([54]) وأفسد بهذا الأسلوب التقليد([55]) المُسَلَّم لنا بدقة إلى هذا اليوم.
(6/26/2) ويقال أنه ابتدع نمطا للتلمذة مضاد لذلك الذى للكنيسة، وأخفى الابتداع تحت ستار الصرامة الكبيرة. لقد كان فنانا فى الكلام والمحاججة ويسعد بالجدل. وكان عامة الذين سروا بمفاهيمه، لهم نفس الميول فهم لا يحيون حياة جيدة أو سلوكا جيدا، وليسوا رحماء على المحتاجين، إلاَّ إذا كانوا من نفس شيعتهم، بقدر ما هم مهرة فى المناظرات وقوة الانتصار فى المناقشات.
(6/26/3) إن أشخاصا يمتلكون مثل هذه الخاصيات يُحسبَون أتقياء فوق الآخرين. ويؤكد آخرون، كما اعتقد بصدق، أن ثيوفرونيوس وهو مواطن من كبادوكيا ويونيكيوس، وكانا من المتحمسين لهذه البدعة قد انفصلا عن الشركة مع يونوميوس فى العهد اللاحق وابتدعا تعاليما أخرى خلاف التى لأنوميوس، وعن المعمودية الإلهية، فقد أكدا أن المعمودية لا ينبغى أن تتم بواسطة الثالوث، ولكن بإسم المسيح فقط([56]) ومن الواضح أن يونوميوس لم يُقدِّم رأيا جديدا فى هذا الموضوع إذ كان ملتصقا منذ البداية بتعاليم اريوس وظل هكذا.
(6/26/4) وبعد اعتلائه اسقفية سيزيكوس أُتُهِم من الاكليروس التابعين له بأنه يُدخِل ابتداعا فى العقيدة، فاستدعاه يودكسيوس رئيس الهرطقة الاريوسية فى القنسطنطينية وألزمه أن يُقدم بيانا عن تعليمه للناس. وإذ وجد مع ذلك أنه ليس هناك خطأ حثه على العودة إلى سيزيكوس. ولكن يونوميوس أجاب أنه لا يستطيع أن يبقى مع شعب ارتاب فيه. ويُقال أنه انتهز الفرصة للانشقاق على الرغم من أنه كما يبدو قد اتخذ هذه الخطوة فى الحقيقة مدفوعا بالاستياء الذى شعر به من رفض الشركة مع اتيوس معلمه. ويُضاف إلى ذلك أن يونوميوس قد سكن مع اتيوس، ولم يَحِد عن مفاهيمه الأصلية أبدا.
(6/26/5) هذه هى الروايات المتضاربة للأفراد العديدين. البعض يروى الظروف بطريقة ما، والبعض بطريقة أخرى. ولكن سواء أكان يونوميوس أو أى شخص آخر هو الذى ابتدع أولا هذه الابتداعات عن تقليد المعمودية فإنه يبدو لى أن هؤلاء المبتدعون أيا كانوا، كانوا وحدهم فى خطر حسب تصُورهم الخاص، ترك هذه الحياة بدون نوال المعمودية الإلهية. لأنهم إذ وجدوا أنفسهم بعد اعتمادهم حسب النمط المُوصَى به فى البداية، لا يمكنهم إعادة المعمودية لأنفسهم فإنه يجب التسليم بأنهم قد أدخلوا ممارسة لم يخضعوا هُم لها سواء بأنفسهم أو بواسطة غيرهم.
(6/26/6) وهكذا بعد إرساء عقيدة بواسطة مبدأ غير سابق الوجود وبإفتراض خاص قد اسبغوا على الآخرين ما لم ينالوه هم أنفسهم. إن سخافة هذه الفرضية ظاهرة فى ذات اعترافهم. فهُم يسلمون بأن غير المعمدين لا يستطيعون أن يهبوا المعمودية للآخرين. والآن حسب وجهة نظرهم، ذاك الذى لم يُعمَّد طبقا لتقليدهم هو شخص غير معمد بصواب، وأكدوا وجهة نظرهم هذه بالممارسة حيث عَمَّدوا جميع المنضمين لشيعتهم، على الرغم من أنهم مُعمَّدين حسب تقليد الكنيسة الجامعة.
(6/26/7) هذه العقائد المتعددة هى مصادر المتاعب التى لا حصر لها فى الديانة. وقد أحجم الكثيرون عن اعتناق المسيحية نتيجة للتعدد فى الرأى السائد بخصوص العقيدة.
(6/26/8) واشتدت المنازعات اليومية، كما هو الحال فى بداية الهرطقات، ونمت إذ كان لها قادة لا تنقصهم البلاغة أو قوة الكلام. وفى الحقيقة بدا أن الشِطر الأكبر من الكنيسة الجامعة تخرب بهذه الهرطقة، لو لم تجد مقاومين لها مثل باسيليوس وغريغوريوس الكبادوكيان، وعندما بدأ عهد تيودوسيوس بعد ذلك بقليل، نُفِى مؤسسى هذه الشيع الهرطوقية عن الأجزاء الكثيفة السكان من الامبراطورية إلى الأقاليم الأكثر فقرا.
(6/26/9) ولكن لئلا يجهل مَن يقرأ تاريخى الصيغة الدقيقة للهرطقتين اللتين أشرتُ إليهما بصفة خاصة، فإننى أظن أنه من الضرورى أن اسجل أن اتيوس السورى هو مؤسس هذه البدعة التى تنسب عادة إلى يونوميوس وأنه مثل اريوس، قد أصر على أن الإبن مختلف عن الآب وأنه كائن مخلوق، ومخلوق من العدم. وأن كلاهما قد تمسكا بوجهة النظر التى كانت تُدعَى سابقا الاتيانية([57]) Aëtians والتى فيما بعد، عندما أصر بعض الاطراف فى عهد قنستانتيوس، كما سبق أن دَونا، على أن الأبن واحد فى الجوهر مع الآب، وآخرون على أنه “مثل” الآب فى الجوهر، وعندما سنَّ مجمع ارمينَم أن الإبن هو مثل الآب فقط، حُكِم على اتيوس بالنفى بوصفه مذنبا بالكفر والتجديف ضد الله. وبدت هرطقته لبعض الوقت أنها قد أٌخضِعَت إذ لم يجرؤ أى شخص مشهور ولا حتى انوميوس نفسه على الدفاع عنها علنا.
(6/26/10) ولكن عندما اعتلى يونوميوس كرسى سيزيكوس محل اليسيوس، لم يستطع إلتزام الصمت وعرض فى محادثة علنية مفاهيم اتيوس ومن ثمة، كما يحدث دائما أن اسماء المؤسسين الأصليين للشيع الهرطوقية تسقط فى بحر النسيان، ونُعِت أتباع يونوميوس بإسمه، على الرغم من أنه كان مجرد تجديد لهرطقة اتيوس، وأُذيعَت بجرأة أكبر مما كان يقوم به فى الواقع منشؤها الأول.

الكتاب السادس: الفصل السابع والعشرون

(رواية غريغوريوس اللاهوتى عن ابوليناريوس ويونوميوس فى رسالة إلى نكتاريوس. تميز هرطقته بواسطة فلسفة الرهبان الذين كانوا يعيشون آنذاك، لأن هرطقة هذين الاثنين شغلت تقريبا الشرق كله)

(6/27/1) من الواضح أن يونوميوس واتيوس قد اعتنقا نفس الآراء. ففى فقرات عديدة من كتاباته  يتفاخر يونوميوس بأن اتيوس مُعلِّمه ويستشهد به. ويتحدث غريغوريوس اسقف نزينز عن ابوليناريوس فى رسالة وجهها إلى نكتاريوس قائد كنيسة القنسطنطينية كما يلى:
“يونوميوس الذى هو مصدر المتاعب الدائمة بيننا ليس قانعا بأن يكون هو ذاته عبئا علينا، ولكنه يعتبر نفسه ملوما إذا لم يجُّر كل شخص إلى الهلاك المسرع هو إليه. ومع ذلك مثل هذا السلوك يمكن التسامح فيه بدرجة ما، ولكن المصيبة الأكثر حزنا ضد الكنيسة والتى علينا أن نقاومها الآن تَنشأ من وقاحة ابوليناريوس. ولا أعرف كيف يمكن لقداستكم أن توافقوا على أن يكونوا احرارا فى عقد اجتماعات مثلنا. وأنت متعلم بكفاية بنعمة الله بالسرائر الإلهية، ولا تفهم فقط الدفاع عن كلمة الله ولكن أيضا أية ابتداعات تتم بواسطة الهراطقة ضد الايمان السليم، ولكن لا يجب أن يغيب عن سعادتكم الموقرَّة أن تسمعوا من ضيقنا أن كتابا قد كتبه ابوليناريوس قد وقع بين يدىَّ، قد فاقت فيه خرافاته سائر حماقات الهراطقة. فهو يؤكد على أن الجسد الذى قد اتخذه ابن الله الوحيد الجنس من طبيعتنا لم يحصل عليه بالتدبير لهذا الغرض ولكن هذه الطبيعة البشرية كانت موجودة فى الإبن منذ البداية. وهو يشتق هذه الفرضية الشريرة من التفسير الخاطىء لقول الكتاب المقدس التالى”ليس انسان صعد إلى السماء إلاَّ الذى نزل من السماء”([58]). فهو يزعم من هذا النص أن المسيح هو ابن الانسان قبل أن ينزل من السماء، وأنه عندما نزل قد احضر معه جسده الخاص الذى كان يمتلكه بالفعل قبل العصُور والمتحد به بصفة أساسية. وهو يُدوِّن قول رسولى آخر “الإنسان الثانى من السماء” ([59]) وأكثر من ذلك يزعم أن الانسان الذى نزل من السماء كان يعوزه الفكر ولكن الطبيعة الإلهية للإبن الوحيد الجنس قد كَملَّت طبيعة العقل وأسست الجزء الثالث للمركَّب البشرى. وكون الجسد والنفس كما فى البشر الآخرين ولكن ليس هناك عقل لأن كلمة الله قد ملأت مكان العقل. وليست هذه النهاية هى المشهد المروَّع، إذ أن النقطة الأكثر خطورة فى الهرطقة هى أنه يؤكد أن ابن الله الوحيد ديان جميع العالم معطى الحياة وقاهر الموت، هو نفسه خاضع للموت، وأنه تألم باللاهوت، وأنه فى قيامته بالجسد فى ثالث يوم قامت الألوهية من الموت بواسطة الانسان.”.[!!!]
(6/27/2) وإذا روينا كل التعاليم الشاذة الأخرى فى هذه الهرطقة فإن ذلك سيستغرق وقتا طويلا. وأظن أن ما قد قلته كافٍ ليُظهِر طبيعة المفاهيم التى زعمها ابوليناريوس ويونوميوس. وإن أراد أى شخص معلومات أكثر فيمكننى فقط أن أشير عليه بالأعمال التى كُتِبت عن هذا الموضوع سواء بواسطتهما أو بغيرهما من المهتمين بها. فإننى أقر أنه ليس من السهل فهم أو شرح هذه الأمور، كما يبدو لى، من حقيقة أن هذه التعاليم لم تسد وتمتد أكثر، بالإضافة إلى الأسباب المذكورة بصفة خاصة بسبب رهبان تلك الفترة. لأن جميع هؤلاء الفلاسفة فى سوريا وكبادوكيا والمناطق المجاورة كانوا ملتصقين بأمانة بالإيمان النيقاوى.
(6/27/3) ومع ذلك تعرضت الأقاليم الشرقية من كيليا إلى فينيقية لخطر هرطقة ابوليناريوس. فقد انتشرت هرطقة يونوميوس من كيليكية وجبال طوروس حتى هليسبونت والقنسطنطينية. فقد كان من السهل لهذين الهرطوقييَن أن يجذبا لآرائهم أولئك الذين يعيشون بينهما والمجاورين لهما. ولكن نفس المصير كان ينتظرهما مثل ذلك الذى اختبره الأريوسيون. فالشعب أُعجب بالرهبان الذين أظهروا فضائلهم بالأعمال فصدقوا أنهم يحوذون على الآراء السديدة، فإنصرفوا عن أولئك الذين يأخذون بآراء أخرى كافرة وتعاليم غاشة. وبنفس الطريقة التى قاد بها الرهبان المصريين لمقاومة الاريوسيين.

الكتاب السادس: الفصل الثامن والعشرون

(القديسون الذين ازدهروا فى مصر فى هذه الفترة)

(6/28/1) لما كان عدد كبير من الرجال القديسين المتميزين قد تكرسوا فى هذه الفترة لحياة الفلسفة([60]) فإنه يبدو من الضرورى أن نروى بعض الشىء عنهم. ففى ذلك الوقت ازدهر عدد وفير جدا من الرجال المحبوبين من الله. ولم يكن هناك فى مصر، على ما يبدو مَن هو أكثر شهرة من يوحنا([61])، فلقد نال من الله، قوة معرفة المستقبل والأشياء الأكثر خفية بوضوح، مثل الأنبياء القدامى. وكانت لديه علاوة على ذلك موهبة شفاء أولئك الذين يعانون من أمراض وأوجاع مستعصية.
(6/28/2) وكان هناك رجل بارز آخر[ اسمه] أور([62]) فى هذه الفترة عاش فى عزلة منذ شبابه المبكر منشغلا بإستمرار فى التسبيح بحمد الله. وكان يقتات الأعشاب والجذور، وشرابه  الماء عندما يمكنه العثور عليه، وفى شيخوخته ذهب بأمر من الله إلى طيبة حيث ترأس على أديرة عديدة. ولم يكن بلا أعمال تقوية، فبصلواته وحدها كان يطرد الشياطين والأمراض([63]). إنه لم يعرف شيئا من الكتابات ولا كانت لديه كتب تدعم ذاكرته، ولكنه كان لا ينسى شيئا يرِد على ذهنه بعد ذلك.
(6/28/3) وكان آمون قائدا للرهبان الذين يُدعَون طبانيسيين وسكن فى نفس المنطقة، وتبعه نحو ثلاث آلاف تلميذ. وبالمثل ترأس بيونوس وثيوناس على أنظمة رهبانية، ونالا موهبة سبق المعرفة والنبوة. ويُقال أنه على الرغم من أن ثيوناس كان على دراية تامة بكل علوم المصريين واليونان والرومان فإنه مارس الصمت طوال ثلاثين سنة. ولم يُظهِر بيونوس قط أية علامات غضب، ولم يُسمَع قط، يَقسِم أو ينطق بالزيف أو بالباطل أو بإندفاع أو بكلام عديم الفائدة.
(6/28/4) كذلك إزدهر فى هذه الفترة كوبرس وهلس والياس ويُقال أن كوبرس قد تلقى من الله قوة شفاء الأمراض العديدة والغلبة على الشياطين. أما هلس فقد تمرس منذ شبابه فصاعدا على الحياة الرهبانية وأجرى أعمالا عجيبة وكان يستطيع أن يحمل نارا فى حضنه دون أن تحترق ملابسه. وحث زملائه الرهبان على ممارسة الفضيلة، من خلال إظهار حُسن السلوك. أما احراز المعجزات فيلى ذلك.
ومارس الياس الفلسفة بالقرب من مدينة انطونيوس، وكان فى هذه الفترة فى حوالى المائة وعشر سنوات من العمر. وقيل أنه قد قال أن سبعين سنة مرت عليه فى الصحراء بمفرده قبل ذلك. وعلى الرغم من تقدم عمره فقد كان يمارس الصوم والانضباط بشجاعة.
(6/28/5) وبرز فى نفس الفترة آبلس وأجرى معجزات عديدة فى الأديرة المصرية بالقرب من مدينة أخوريس. وقد عمل فى وقت ما حداد، لأن هذه كانت حرفته ففى ذات ليلة جاء الشيطان ليجربه فى هيئة إمرأة جميلة فأمسك آبلس بقطعة من الحديد المحمى من الآتون وحرق وجه الشيطان فصاح مثل طائر برى وهرب.
(6/28/6) وكان فى هذه الفترة اسيدور وديوسقورس وسيرابيون من بين آباء الرهبان المُكرَّمين. وكان اسيدور قد أمر بغلق ديره لدرجة أنه لم يكن أحد ما يقدر أن يدخل أو يخرج. وكانت كل حاجات الرجال مزودة داخل الأسوار. وعاش سيرابيون فى المناطق المجاورة لارسينوى  وكان معه نحو ألف راهب تحت ارشاده. وعلَّم الجميع أن يكتسبوا مؤنتهم بكدهم، ويزودوا الفقراء. وفى موسم الحصاد كانوا يشتغلون بالحصاد مقابل أجرة، فيوفرون قدرا كافيا من الحنطة لإستخدامهم ويشاركون بقية الرهبان فى الباقى. ولم يكن لدى ديسقورس أكثر من مائة راهب وكان كاهنا، لذا مارس واجبات كهنوته بصرامة فكان يفحص بدقة أولئك المتقدمين لتناول السرائر المقدسة لكى ينقوا أذهانهم ولا يكونوا بلا وخز ضمير من جهة أى شرٍ قد أُرتُكِب. وكان الكاهن أولوجيوس أكثر دقة فى تدبير السرائر الإلهية فيقال أنه عندما كان يقوم بالخدمة الكهنوتية كان يمكنه أن يميز بوضوح ما فى أذهان القادمين إليه لدرجة أنه كان يستشف بوضوح الخطية والأفكار الخفية لكل واحدٍ من الجمهور. فيستبعد عن المذبح أولئك الذين ارتكبوا جريمة أو عزموا على شر، ويُدينهم علنا على الخطية، ولكن عندما يُنقوا أنفسهم بالتوبة يقبلهم مرة أخرى فى الشركة.

الكتاب السادس: الفصل التاسع والعشرون

(بخصوص رهبان طيبة، والفرما)

(6/29/1) وازدهر ابوللس فى حوالى نفس الفترة فى طيبة لقد كرًّس حياته مبكرا لحياة الفلسفة. وبعد أن قضى نحو أربعين سنة فى الصحراء حبس نفسه بأمر من الله فى مغارة عند سفح الجبل بالقرب من منطقة كثيفة السكان. ومن وفرة معجزاته صار متميزا ورئيسا لرهبان كثيرين لأنه وجههم بتعليماته المربحة. وقد أعطانا تيموثاوس([64]) الذى قاد كنيسة الأسكندرية تاريخا لطريقة تلمذته وعن الأعمال والعجائب التى أجراها، وأيضا روى سِيَّر رهبان آخرين مشهودُ لهم، وقد ذَكرتُ كثيرين منهم. ففى تلك الفترة تبنى كثيرون من الرهبان الجيدين، حوالى الفان فى العدد، الفلسفة فى المناطق المجاورة للأسكندرية. البعض فى المنطقة التى تدعى المناسك، وآخرون فى مريوط وليبيا.
(6/29/2) وكان دورثيوس مواطن من طيبة، من بين أشهر هؤلاء الرهبان. كان يقضى نهاره فى جمع الأحجار من على شاطىء البحر لتشييد قلالى لمن لا يستطيع البناء. وخلال الليل يُشغِل نفسه بنسج السلال من سعف النخل. وهذه يبيعها ليتحصل منها على وسائل معيشته. وكان يأكل ست أونسات من الخبز مع قليلٍ من الخضراوات، ولا يشرب شيئا سوى الماء. وإذ اعتاد هذا النسك الشديد منذ شبابه استمر فى ملاحظته فى شيخوخته. لم يُشاهَد قط راقدا على مرتبة أو حصيرة أو حتى يضع أطرافه فى وضع مريح، أو يستسلم بإرادته للنوم. وأحيانا من الإرهاق الطبيعى تغمض عينيه لا إراديا أثناء عمله النهارى أو أثناء وجبته وعندما ينعس اثناء أكله يتساقط الطعام من فمه. وفى ذات يوم غلبه النعاس فإنطرح على الحصيرة فإستاء أن يجد نفسه فى هذا الوضع، وقال بصوت خافت إن كان من الممكن إقناع الملائكة بالنوم فيمكنك أن تغوى أيضا الغيور. وربما قال ذلك لنفسه أو للشيطان الذى يعوق ممارساته الحماسية. وقد سُئِل مرة من شخص ما جاء إليه بينما هو مجهد، لماذا تهلك جسدك؟ فرد عليه لأنه يهلكنى.
(6/29/3) وترأس بيامون ويوحنا على ديرين مصريين شهيرين بالقرب من ديولكوس([65]) Diolcus، وكانا كاهنيَن مارسا كهنوتهما بتدقيق ووقار. ويُقال أنه فى يوم من الايام عندما كان بيامون يقوم بالخدمة الكهنوتية عاين ملاكا يقف إلى جوار المائدة المقدسة ويسجل اسماء الرهبان الحاضرين فى كتاب، بينما يمسح اسماء اولئك الغائبين. وتلقى يوحنا من الله قوة على الأمراض والأوجاع حتى أنه عافى المفلوج وشفى النقرس.
وكان رجل مسن اسمه بنيامين، كان يمارس الفلسفة على نحو رائع جدا فى نحو هذه الفترة بالقرب من الاسقيط، ومنحه الله قوة شفاء الأمراض بلا دواء بمجرد لمسة يديه أو بواسطة قليل من الزيت المُكرَّس بالصلاة بينما هو، كما تقول القصة([66])، كان مصابا بالاستقساء وكان لحمه قد انتفخ إلى حد أنه كان من الضرورى لنقله من القلاية توسيع الباب. وإذ كان مرضه لا يسمح له بالرقاد فى وضع مريح فقد ظل خلال ثمانية أشهر جالسا فى [كرسى] من الجلد كبير جدا واستمر يشفى المرضى دون أن يأسف على عدم شفاء نفسه وكان يُعزِّى الذين يأتون إليه ويطلب منهم الصلاة من أجل نفسه مضيفا أنه يهتم قليلا بجسده إذ ليس له فائدة فى صحته ولا هو الآن فى مرضه يمكنه أن يضره.
(6/29/4) وفى حوالى نفس الفترة سكن فى الاسقيط مرقس الشهير، ومقاريوس الشاب وابولينيوس وموسى المصرى. ويُقال أن مرقس كان منذ شبابه فصاعدا يتميز بالفطنة والوداعة وحفظ الأسفار المقدسة عن ظهر قلب وأظهر تقوى لدرجة أن مقاريوس نفسه كاهن كيليا([67]) [قال] أنه ما أعطاه قط ما يعطيه الكاهن للمتقدمين للمائدة المقدسة، بل كان ملاك هو الذى يُناوله والذى رأى يده إلى ساعده.
(6/29/5) ونال مقاريوس([68]) من الله قوة طرد الشياطين. لقد كان قاتلا ارتكب جريمة قتل بغير عمد، فإعتنق حياة الفلسفة. فقد كان راعيا، وبينما كان يقود قطيعه إلى مرج على شاطىء بحيرة مريوط، قتل فى أثناء لهوه أحد رفقائه. وإذ خاف أن يُسلَّم للعدالة، هرب إلى الصحراء وأخفى نفسه هناك ثلاث سنوات وبعد ذلك أقام مسكنا صغيرا فى الموضع الذى سكن فيه وأقام خمسة وعشرين سنة. واعتاد أن يقول أنه مدين للمصيبة التى حلَّت عليه فى حياته المبكرة، وأنه دعى حتى القتل عن غير عمد الذى ارتكبه، عملا صحيا بقدر ما كان سببا فى تبنيه لطريقة حياة مباركة.
(6/29/6) وابولونيوس بعدما قضى حياته فى ممارسة التجارة، اعتزل فى الاسقيط فى شيخوخته، وعندما وجد نفسه أنه مسن للغاية لتعلم الكتابة أو أية حرفة أخرى اشترى بنقوده الخاصة كل نوع من الادوية ومن الاطعمة المناسبة للمرضى وكان يحمل بعضها إلى باب كل دير([69]) لراحة أولئك الذين يعانون من مرض ما. وإذ وجد أن هذه الممارسة مفيدة لنفسه تبناها كنمط حياة له، وعندما شعر بإقتراب وفاته سلَّم أدويته لأحد الاشخاص وحثه أن يفعل كما فعل.
(6/29/7) أما موسى([70]) فقد كان أولا عبدا، ولكنه طُرِد من بيت سيده بسبب سوء أخلاقه، فإلتصق ببعض اللصوص وصار رئيسا لعصابة. وبعد أن ارتكب أعمالا شريرة كثيرة وقتل بعضا، اهتدى فجأة وتبنى الحياة الرهبانية وحصل على أعلى درجات الفلسفة. ولما كانت قوته البدنية الصحية والنشطة قد دفعته إلى أعماله السابقة، فقد تصرفت الآن كباعث لخيالاته وإثارة الرغبة فى الملذات، فلجأ إلى كل أنواع إماتة الجسد، وبدأ يقتات قليلا من الخبز بدون طعام مطهى، وأخضع نفسه للعمل الشاق وصلى خمسين مرة يوميا، وهو واقف بدون أن يثتى ركبه أو يُغلق عينيه بنوم. وكان يمضى أحيانا إلى قلالى الرهبان ليلا ويملأ جرارهم سرا بالماء، وكان ذلك عملا شاقا جدا، إذ كان عليه أن يمضى مسافة عشرة أو عشرين أو ثلاثين استاديا طلبا للماء. وعلى الرغم من كل جهوده هذه لإماتة بدنه فقد مضى وقت طويل قبل أن يُخضِع نشاط بنيته الطبيعية. وقد رُوِى أن لصوصا قد سطوا ذات مرة على مسكنه بينما كان يمارس فلسفته فقبض عليهم وربطهم وألقى بالأربعة رجال على كتفيه وحَمَلهم إلى الكنيسة لكى يتصرف معهم الرهبان المجتمعون هناك حسبما يروه مناسبا إذ اعتبر نفسه غير مسؤول عن عقاب أىٍ منهم. لأنهم قالوا أنه لم يُشاهَد من قبل مثل هذه السرعة فى الاهتداء من الرذيلة إلى الفضيلة، ولا مثل هذه السرعة فى بلوغ الفلسفة الرهبانية. ولذا جعله الله أداة رعب للشياطبن. وسيم كاهنا لرهبان الاسقيط. وبعد أن قضى حياته بهذا الأسلوب، توفى([71]) وهو يناهز الخامسة والسبعين تاركا ورائه العديد من تلاميذه البارزين العديدين.
(6/29/8) وازدهر فى خلال هذا العهد بولس وباكون وستيفن([72]) وموسى. والأخيران كانا ليبيان، وبيور المصرى. أما بيور فقد سكن فى الفرما، جبل بالاسقيط([73]) وترأس على خمسمائة اسقيطى([74]). إنه لم يعمل بيديه([75]) ولا قبِل صدقة من أحدٍ فيما عدا الطعام الضرورى لقوته. ولم يكن يعمل شيئا سوى الصلاة وكان يُقدِّم لله يوميا ثلاثمائة صلوة. فكان يضع ثلاثمائة حصاة فى حِجره خشية أن يحذف أيا منها، وفى نهاية كل صلوة يُلقى بحصاة منها بعيدا، وعندما لا يعد هناك حصى يعرف أنه قد أنهى كل المقرر لصلواته المحددة([76]).
وازدهر فى هذه الفترة، فى الاسقيط باكون الذى اتبع هذه المهنة منذ شبابه إلى سن متقدم للغاية من عمره دون أن يوجد متوانيا فى الانضباط الذاتى لرغبات الجسد وأهواء النفس، أو الشيطان. وبإختصار، فى كل الأشياء التى يتعين على الفيلسوف أن يتغلب عليها.
وسكن ستيفن فى مريوتيس بالقرب من ماريوكا. وخلال ستين سنة من الدقة، حاز كمال النسك وصار مشهورا جدا كراهب وكان على علاقة وثيقة بالقديس أثناسيوس الكبير. كان متعقلا ومعتدلا للغاية، وكان نمط حديثه المعتاد عذبا ومفيدا، وحُسِب مريحا جدا لنفوس المتعبين، ولتنشيط أرواحهم الجيدة، حتى لو كانوا مُحبَطين سابقا بأحزان بدت ضرورية. وقد سلك بالمثل بالنسبة لمصائبه الخاصة فلقد جُرِّب بقرحة حادة لا شفاء لها، وأُجرِيَت عمليات لعلاج الأعضاء المريضة. وخلال العملية شغل ستيفن نفسه بضفر سعف النخل، وحث أولئك الذين حوله ألا يشغلوا أنفسهم بآلامه. وقال لهم أنه لا يُفكر فى شىء آخر سوى أن الله لا يعمل شىء إلا ما هو صالح لنا. وأن آلامه ستؤول إلى راحته الحقيقية، وبقدر ما كان يُكفِّر عن خطاياه فقد بدا أنه من الأفضل أن يُدان فى هذه الحياة عن أن يُدان فى الحياة الآتية.
وأُشتُهِر موسى بوداعته ومحبته، وقوة شفائه للأوجاع بالصلاة.
وعزم بيور منذ شبابه على تكريس نفسه لحياة الفلسفة. وبوجهة نظره هذه ترك بيت أبيه بعد أن نذر ألا ينظر ثانية إلى اقربائه، وبعد أن قضى خمسين سنة، سمعت عنه إحدى أخواته أنه ما زال حيا، فإمتلأت فرحا للغاية بهذا الخبر غير المتوقع حتى أنها ما كانت لتهدأ إلى أن تراه. وتأثر اسقف المكان الذى تقيم فيه من تأوهاتها ودموعها كإمرأة عجوز لدرجة أنه كتب إلى قادة رهبان الاسقيط يطلب منهم، أن يُرسِلوا بيور إليه. فأمره المدبرون بالتالى أن يتوجه إلى مدينة مولده ولم يستطع أن يقول لا، لأن عدم الطاعة كانت تعتبر عملا غير شرعى بالنسبة لرهبان مصر، وأننى أظن من الرهبان الآخرين، فذهب مع راهب آخر إلى بيت أبيه وأعلن عن نفسه. وعندما سمع صوت فتح الباب اغلق عينيه ودعا أخته بإسمها وقال أنا بيور أخوك، أنظرى إلىَّ كما تريدين. فإبتهجت أخته للغاية أن شاهدته مرة ثانية وشكرت الله. وصلى عند الباب حيث وقف، ثم عاد إلى الوضع الذى عاش فيه، وهناك حفر بئرا ووجد أن المياه مرّة، ولكنه ثابر على استخدامه حتى مماته. وقد عُرِفَت درجة إنكار ذاته فيما بعد، لأنه عقب وفاته حاول عديدون أن يمارسوا الفلسفة حيث أقام لكنهم وجدوا أن البقاء هناك مستحيل. وأنا مقتنع أنه كان يمكنه بصلاته تحويل الماء المرّ إلى ماء عذب بسهولة لو لم تكن هذه هى مبادىء الفلسفة التى تبناها، إذ أنه قد سبّب تدفق المياه فى بقعة لا توجد بها سابقا. فيقال أن بعض الرهبان قد حفروا بئرا تحت اشراف موسى لكنهم عبثا توقعوا [ماءً] إذ لم يُسفِر أى عمق عن ظهور مياه، وكانوا على وشك هجر العمل عندما انضم إليهم بيور فى منتصف النهار. وبعدما حياهم أولا، وبخهم على صغر نفوسهم. ثم نزل إلى الحفرة التى نقبوها وبعد أن صلى ضرب الارض ثلاث مرت بعصاه. فإنفجر على الفور ينبوع مياه إلى السطح وملأت الحفرة كلها. وبعد الصلاة رحل بيور. وعلى الرغم من أن الرهبان التمسوا منه أن يفطر معهم فقد رفض قائلا أنه لم يأت لهذا الغرض ولكن لكى يتمم العمل المكلف به.

الكتاب السادس: الفصل الثلاثون

(رهبان الاسقيط. الاخوة الملقبون بالطوال. ايفاجريوس الفيلسوف)

(6/30/1) وفى هذه الفترة كان اوريجينوس أحد تلاميذ انطونيوس الكبير ما زال يعيش فى اديرة الاسقيط، فى عمر كبير. وأيضا ديديموس وكرونيون الذى كان فى نحو المائة وعشرة سنة من العمر، وارسيسيوس الكبير وبوتوباتس، وارسيون، وسيرابيون، وجميعهم كانوا معاصرين لانطونيوس الكبير. وقد شاخوا فى ممارسة الفلسفة وكانوا فى هذه الفترة يترأسون على الأديرة. وكان بينهم بعض الرجال القديسين المتوسطى العمر والشبان، ولكنهم كانوا متميزين بصفاتهم الجيدة  والممتازة.
(6/30/2) ومن بين هؤلاء امونيوس، ويوسيبيوس، وديسقورس. لقد كانوا اخوة ولكن بسبب طول قامتهم دعيوا بالإخوة الطوال.
ويُقال أن أمونيوس بلغ قمة الفلسفة وتغلب بالتالى على محبة الراحة والملذات. لقد كان مثابرا جدا وقرأ اعمال اوريجينوس وديديموس والكُتَّاب الكنسيين الآخرين ومن شبابه إلى يوم وفاته لم يذق أى شىء مطهى فيما عدا الخبز المعد بالنار. لقد اختير ذات مرة للأسقفية وبعد أن قدًّم حججا كثيرة لرفض هذه الكرامة، دون جدوى، قطع أذنه وقال لأولئك الذين قد أتوا إليه اذهبوا الآن فالقانون الكهنوتى يمنع سيامتى لأن الشخص الذى يُسام قسا يجب أن يكون سليما. فرحل الذين أُرسلوا إليه، ولكن عندما تأكدوا أن الكنيسة لا تأخذ بالشريعة اليهودية من جهة سلامة أعضاء المرشح للكهنوت، ولكن تتطلب فقط أن يكون بلا لوم فى اخلاقياته، عادوا إلى آمونيوس وهم عازمون أن يأخذوه عنوة، فاحتج لهم أنهم إن حاولوا استخدام أى عنف معه فإنه سيقطع لسانه، وإذ ارتعدوا من هذا الخطر رحلوا على الفور. وكان آمونيوس يُلقب بالببغاء دائما.
(6/30/3) وبعد ذلك بوقت ما فى خلال العهد التالى كوَّن ايفاجريوس علاقة ما حميمة معه ([77]). وكان ايفاجريوس رجلا حكيما قويا فى الفكر والكلمة وماهرا فى تمييز الحجج التى تؤدى إلى الفضيلة عن تلك التى تؤدى إلى الرذيلة، وقادرا على حث الآخرين على محاكاة الواحدة وتجنب الأخرى. وقد شهدت الاعمال([78]) التى تركها وراءه ببلاغته تماما. وفيما يتعلق بسمته الأخلاقية يُقال أنه قد تحرر تماما من التفاخر والغرور فلم يكن يُسَّر عندما يُثنَى عليه، ولا يستاء عندما يُلام ظلما. لقد كان مواطنا من ايبيريا بالقرب من يوكسين  Euxineوقد درس الفلسفة والكُتُب المقدسة تحت غريغوريوس اسقف نزينز. وشغل منصب رئيس شمامسة عندما كان غريغوريوس يُدير كنيسة القنسطنطينية. وكان وسيما فى هيئته ومعتنيا بنمط زيه. ومن ثمة تعرفت عليه سيدة متزوجة، لتثير غيرة زوجها الذى كانت تتآمر علي موته. وعندما كانت المؤامرة على وشك أن تتم بالفعل، أرسل الله له فى حُلم اثناء نومه رؤيا مخيفة ومُخلِّصة. فقد بدا له أنه قد قُبِض عليه فى حالة تلبس بإرتكاب الجريمة، وتم تقييد قدميه ويديه بالحديد. وبينما هو مُقاد إلى القضاء لسماع حكم الادانة إذا برجل يُمسك بيمينه كتاب الأناجيل المقدسة يتوجه إليه ووعده أن يُنقذه من قيوده، إذا أكد له بقسَمٍ أن يغادر المدينة. فلمس ايفاجريوس الكِتاب وأقسم عليه بأنه سيفعل. وفى الحال سقطت القيود. واستيقظ واقتنع بهذا الحلم الإلهى وفر من الخطر. وعزم على تكريس نفسه لحياة الزهد، وتوجه من القنسطنطينية إلى القدس. وبعد بعض الوقت ذهب لزيارة الفلاسفة فى الاسقيط([79]) وصمم بسرور على العيش هناك.

الكتاب السادس: الفصل الواحد وثلاثون

(رهبان نتريا، والاديرة المسماة بكيليا، ودير رينوكرورا. وعن ميلاس وديونيسيوس وسولون).

(6/31/1) إنهم يَدعُون هذا المكان نيتريا. ويقطنه عدد كبير من الأشخاص الذين كرَّسوا انفسهم لحياة الفلسفة، وقد استمد اسمه من قرية يُجمَع منها النِترnitre ، وهى تشتمل على حوالى خمسين ديرا قد بُنِيَت بجوار بعضها البعض. بعضها يسكنها رهبان يعيشون فى توحد، وبعضها [يعيشون] فى حياة شركة. وفى داخل الصحراء على مسافة نحو سبعين استاديا من هذا الموقع، هناك مكان آخر يُدعَى كيليا به مساكن عديدة متناثرة هنا وهناك- ومن هنا كان اسمها- ولكنها على مسافات لا تسمح بمن يُقيم فيها أن يرى أو يسمع الآخر. وهم يجتمعون معا فى اليوم الأخير والأول من كل اسبوع، وإذا حدث أن أى راهب غاب، فهذا يدُل على أنه قد تعوق بلا إرادته بمرض ما. وعندئذ يذهبون إليه فى الحال ليروه ويُمَرِّضُوه. ولكن كل واحدٍ فى دوره، وفى أوقات مختلفة ويحمل كل منهم أى شىء يلائم المريض. وفيما عدا هذا السبب، نادرا ما يتحدثون معا، ما لم يكن هناك بينهم مَن هو قادر على التواصل فى المعرفة بشأن الله وخلاص النفس.
وأولئك الذين يعيشون فى كيليا هم الذين بلغوا قمة الفلسفة، ولذلك هم قادرون على تنظيم سلوكهم، والحياة على انفراد. وهم ينفصلون عن الآخرين من أجل السكون.
(6/31/2) هذا هو ما دونته بإيجاز عن الاسقيط وفلاسفته. فمن المحتمل أن ينتقد أحد ما كتاباتى بالإسهاب إذا ما رويتُ تفاصيلا أكثر بشأن نمط حياتهم، لأنهم أسسوا أنماط حياة فردية للعمل والعادات والممارسات والتقشف والزمن. وكانت من الطبيعى أن تختلف بإختلاف عمر كل واحد. ٍ
(6/31/3) واشتهرت فى هذه الفترة أيضا رينوكروراRhinocorura ([80]) بسبب القديسين، الذين ليسوا من خارجها ولكن من أهاليها. فلقد سمعتُ أن أكثر الفلاسفة البارزين بينهم كانوا: ميلاس الذى كان يُدير كنيسة هذا البلد، وديونيسيوس الذى ترأس على دير يقع إلى شمال هذه المدينة ([81]). وسولون أخو ميلاس الذى خلفه فى الاسقفية.
(6/31/4) ويُقال أنه عندما صدر مرسوم طَرْد جميع الكهنة المعارضين للأريوسية، وجده الضباط المكلفين بالقبض على ميلاس، مُنهمكا بأعمال دنيا ويُشذِّب مصابيح الكنيسة، وعلى ثوبه زنار متسخ بالزيت، ويحمل الفتائل. وعندما سألوه عن الاسقف قال لهم أنه بالداخل وأنه سيقودهم إليه. ولما كانوا تعابى من سفرهم قادهم إلى دار الاسقفية وأجلسهم إلى المائدة وأعدّ لهم طعاما مما كان لديه. وبعد الوجبة أمدهم بالمياه ليغسلوا أياديهم، إذ كان يخدم الضيوف. وعندئذ قال لهم مَن يكون، وإذ ذهلوا من سلوكه، اعترفوا له بالمهمة التى أتوا من أجلها، ولكن من احترامهم له، أعطوه الحرية لأن يذهب أينما يشاء. ومع ذلك، أجاب أنه لن يهرب من الآلام التى سيعانيها الاساقفة الآخرون الذين يصونون نفس العقيدة التى يعرضها هو أيضا، وأنه مستعدٌ للنفى. وإذ قد تفلسف([82]) منذ شبابه، فقد تمرس بنفسه على كل الفضائل الرهبانية.
(6/31/5) وكان سولون قد هجر التجارة واعتنق الحياة الرهبانية الأمر الذى أدى بشدة إلى رفاهيته لأنه تحت إرشاد أخيه والنساك الآخرين، تقدم بسرعة فى التقوى نحو الله، وفى الخير نحو جاره. وهكذا كانت كنيسة رينكرورا منذ البداية. تحت ارشاد اساقفة بهذا التميز. فلم تحِد قط عن وصاياهما([83]) وانتجت رجالا صالحين. وكان اكليروس هذه الكنيسة، يعيشون معا فى بيت واحد ويجلسون على نفس المائدة، ولهم كل شىء مشترك.

الكتاب السادس: الفصل الثانى والثلاثون

(رهبان فلسطين)

(6/32/1) وازدهرت فى فلسطين مستوطنات رهبانية كثيرة فقد كان كثيرون ممن عددَّتهم فى أيام قنستانتيوس ما زالوا يغرسون هذا العِلم. لقد وصلوا هم ورفقاؤهم إلى ذروة الكمال الفلسفى وأضافوا صيتا أعظم لأديرتهم، ومن بينهم هزيكاس رفيق هيلاريون، وابيفانيوس الذى صار بعد ذلك اسقفا لسلاميس بقبرص، والذين يستحقون إشارة خاصة.
(6/32/2) فهزيكاس كرَّس نفسه لحياة الفلسفة فى نفس البقعة التى أقام فيها سابقا مُعَلِّمه. وابيفانيوس جعل إقامته بالقرب من قرية بسودك([84])besaudic محل ميلاده وهى بجوار إليوثروبوليس([85]) Eleutheropolis. وإذ كان قد تعلّم منذ صباه على يد أشهر النساك، وقضى لهذا السبب الشطر الأكبر من عمره فى مصر، صار ابيفانيوس مشهورا فى مصر وفلسطين، ببلوغه الفلسفة الرهبانية، واختاره سكان قبرص اسقفا لمطرانية جزيرتهم.
(6/32/3) ولذلك أظن أنه أشهر رجل تحت السماء إن جاز القول لأنه أنجز كهنوته فى مدينة وميناء كبير، وعندما ألقى بنفسه فى الشؤون الإدارية، فقد دبَّرها بفضيلة أكثر لدرجة أنه صار مشهورا فى زمن قصير لكل المواطنين وكل فئات الأجانب. للبعض لأنهم رأوا الرجل نفسه، وللآخرين لأنهم سمعوا عنه ممن شاهدوه. وقبل أن يتوجه إلى قبرص أقام لبعض الوقت خلال العهد الحالى([86]) فى فلسطين.
(6/32/4) وأيضا اشتهر فى نفس الفترة بدرجة كبيرة، الاخوة الاربعة سلاميس وفوسكون، وملاخيون وكرسبيون فى ذات الاديرة. لقد مارسوا الرهبنة بالقرب من قرية بيثاليا Bethelia بغزة. وكانوا من عائلة شريفة وتهذبوا بالفلسفة على يد هيلاريون. وقيل أن الاخوة كانوا مسافرين ذات مرة إلى ديارهم، وإذ بملاخيون يُختطَف فجأة ويصير غير مرئى ثم سرعان ما يظهر بعد ذلك، واستمر فى الرحلة مع اخوته، ولم يعش بعد هذه الواقعة طويلا إذ توفى فى زهرة شبابه. ولم يكن متخلفا فى الفلسفة والحياة الفاضلة والتقوى عن الرجال المتقدمين فى العمر.
(6/32/5) وعاش امونيوس على مسافة عشرة استاديات من أولئك المذكورين، وسكن فى كفر كوبرا، محل ميلاده، مدينة بغزة. وكان شجاعا ومنضبطا فى ممارسة التقشف. وأظن أن سلفانوس([87]) من أهالى فلسطين الذى بسبب فضيلته ظهر له ملاك ذات مرة يخدمه، قد مارس الفلسفة فى ذات الوقت فى مصر، ثم عاش فى جبل سيناء، ثم أسس بعد ذلك [ ديرا] فى جيرارى([88]) Gerari، عند جرف شديد
فى الوادى([89]). وكان كونبيوم مشهورا جدا وكثيفا برجال صالحين كثيرين، والذى ترأسه فيما بعد زخارياس([90]).

الكتاب السادس: الفصل الثالث والثلاثون

(رهبان سوريا وفارس)

(6/33/1) لننتقل الآن إلى سوريا وفارس والأطراف المجاورة لسوريا، وسنرى أن رهبان هذه البلاد قد حاكوا رهبان مصر فى ممارسة الفلسفة. فقد ازدهر فى نصيبين بالقرب من الجبل المدعو سيجورون Sigoron، باتثوس ويوسيبيوس وبرجس وهلاس وآبوس، والعازر الذى نال كرامة الاسقفية، وآبدالوس وزينو وهليودورس. هؤلاء قبل أن ينضموا إلى السلك الفلسفى كانوا أساسا رعاة، ولأنهم ليس لهم بيوت، ولا يأكلون الخبز ولا اللحم ولا يشربون نبيذا، ولكنهم يعيشون بإستمرار على الجبال، ويقضون وقتهم فى تسبيح الله بالصلوات والتسابيح بحسب شريعة الكنيسة. وفى أوقات الوجبات المعتادة يأخذ كل منهم منجلا ويذهب إلى الجبل ليقطع بعض الاعشاب من هناك كما لو كانوا قطيعا فى مرعى، وهذا يشكل وجبتهم. وكان هذا هو نمط فلسفتهم.
(6/33/2) وحبس يوسيبيوس نفسه بإرادته فى قلاية بالقرب من كاريا ليمارس الفلسفة. وسكن بروتوجينس فى نفس الموقع، وأدار الكنيسة هناك بعد فيتوس Vitus الذى كان اسقفا آنذاك. وهذا هو فيتوس المشهور الذى قالوا عنه أنه عندما رآه الإمبراطور قنسطنطين قال أنه هو الرجل الذى أراه الله إياه وأمره بأن يُطيع بوضوح ما يقوله.
وكان لأُونس Aones ديرا فى فادانا وهذه هى المكان الذى قابل فيه يعقوب حفيد ابراهيم الصبية التى تزوجها فيما بعد، وحيث دحرج الحجر لكى ما تستقى قطيعها. ويُقال أن أُونس كان أول من أدخل الحياة بعيدا عن الناس، وانتهج الفلسفة فى سوريا، مثلما أدخلها أولا انطونيوس فى مصر.

الكتاب السادس: الفصل الرابع وثلاثون

(رهبان اديسا. ورهبان “كولى سيريا”. والرجال القديسون فى غلاطية وكبادوكيا، وأماكن أخرى. ولماذا يعيش بعضهم عمرا مديدا)

(6/34/1) لقد سكن مع اُونس، جداناس وآزيزوس وحاكا فضائله. وكان افرايم السورى والذى كان مؤرخا، وقد أشرنا إليه فى روايتنا للأحداث فى عهد قنستانتيوس، أكثر الفلاسفة المشهورين فى هذه الفترة مع يوليانوس فى اديسا المجاورة والأقاليم المتاخمة. وكان بارسس، ويولوجيوس فى فترة لاحقة لتلك التى نشير إليها الآن، وقد سيما اساقفة. ولكن ليس على أية مدينة إذ كان اللقب شرفيا فقط، وأُعطىَّ لهما كتكريم لحياتهما الممتازة، وسيما فى أديرتهما. وسيم العازر الذى أشرنا إليه توا اسقفا بنفس الأسلوب.
هؤلاء كانوا أبرز المشهورين من فلاسفة النسالك الذين ازدهروا فى سوريا، والبلاد المجاورة على قدر ما استطعتُ التأكد منه.
(6/34/2) لقد تمثل القاسم المشترك للجميع إن جاز التعبير، فى الانتباه الدؤوب لحالة النفس التى بواسطة الصوم والصلاة والتسبيح لله تظل فى استعداد دائم لهجر أمور هذا العالَم، لقد كرسوا الشطر الأكبر من وقتهم لهذه الممارسات المقدسة، واحتقروا بالكامل الممتلكات الدنيوية، والأمور الزمنية وراحة وزينة الجسد. ومارس بعض الرهبان انكار الذات بطريقة غير عادية. فعلى سبيل المثال كان باتثوس من كثرة الأصوام والزهد المُفرَط تزحف الديدان من أسنانه. وهالاس لم يذق خبزا لمدة ثمانين سنة. وهليودورس قضى ليالى كثيرة دون أن يخلد للنوم، وصام لمدة سبعة أيام.
(6/34/3) وعلى الرغم من أن “كولى سوريا” Syria Cœle-، وسوريا العليا بإستثناء مدينة انطاكية، قد تحولت ببطء إلى المسيحية. إلا أنهما لم يفتقرا إلى الفلاسفة الكنسيين، الذين كان سلوكهم بطوليا فى مواجهة العداء والكراهية من سلوك سكان ذلك المكان. لقد امتنعوا بنبل عن المقاومة أو اللجوء إلى القانون، ولكنهم تحملوا بنشاط الاهانات والضربات من الوثنيين.
(6/34/4) لقد وجدتُ أن ذلك كان المنهج الذى اتبعه فالنتنيانوس الذى وُلِد حسب بعض الروايات فى اديسا، ولكن حسب أخرى فى ارثوسا. وكان شخص آخر بنفس الإسم يتميز بنفس السلوك، وبالمثل ثيودور. فكان كلاهما من تيتى التى هى فى مقاطعة لآباميا، ولم يكن أقل منهما ماروساس من أهالى نيخلس، وباسوس، وبولس. وكان هذا الأخير من قرية تلمسون، وقد طاف بالعديد من المجتمعات[الرهبانية] فى أماكن كثيرة، وأدخل الطريقة الاساسية لمعرفة الفلسفة، وأسس أخيرا أعظم وأشهر جماعة متميزة للرهبان فى المكان المدعو جوجاتوم Jugatum. وهنا بعد حياة طويلة ومُكرَّمَة تُوفىَّ ودُفِن. وما زال هناك حتى أيامنا بعض الرهبان الذين مارسوا الفلسفة على نحو متميز وبطريقة إلهية.
(6/34/5) وفى الحقيقة معظم الذين أشرتُ إليهم يتمتعون بالعمر المديد، وأنا مقتنع أن الله قد أضاف إلى أيامهم الطويلة، طولا من أجل مصلحة الديانة. فقد كان لهم دورا مؤثرا فى الأمة السورية كلها ومعظم الفارسيين والعرب نحو الدين الصحيح، وجعلوهم يكفون عن الوثنية. وبعد بداية الفلسفة الرهبانية هناك قدموا كثيرين مثلهم.
(6/34/6) واننى افترض أن غلاطية وكبادوكيا والمقاطعات المجاورة تحتوى على فلاسفة كنسيين كثيرين فى ذلك الوقت لأن هذه الأقاليم قد تبنت سابقا عقيدتنا بحماس. لقد سكن هؤلاء الرهبان فى معظمهم فى تجمعات فى المدن وفى القرى لأنهم لم يتعودوا على تقليد أسلافهم. إن قسوة الشتاء الذى هو مَلمح طبيعى دائم لذلك البلد تجعل الحياة النسكية من المحتمل غير عملية. وأظن أن ليونتيوس وبرابيديوس أكثر هؤلاء الرهبان شهرة. فالأول أدار فيما بعد كنيسة أنقيرا، والثانى رجل متقدم جدا فى العمر يقوم بالمهام الاسقفية فى قرى عديدة. وهو أيضا يُشرِف على باسيليوس أشهر نُزُل للفقراء. لقد أسسه باسيليوس اسقف قيصرية ومنه أخذ اسمه فى البداية وظل ساريا حتى اليوم.

الكتاب السادس: الفصل الخامس والثلاثون

(المثلث الخشبى. هلاك الفلاسفة. التنجيم)

(6/35/1) هذه هى المعلومات التى استطعتُ أن اجمعها بخصوص رهبان تلك الفترة. أما بالنسبة للوثنيين فقد كانوا تقريبا قد تلاشوا فى نحو هذه الفترة التى قد أشرنا إليها. وبعضا منهم ممن اشتهروا بالفلسفة والذين لم يُسرَّوا بتقدم المسيحية، كانوا يُشيرون بمَن يخلف فالنس على عرش الإمبراطورية الرومانية. هؤلاء لجأوا إلى كل نوع من الحِيَل بقصد إستشراف المستقبل. وبعد تعاويذ متنوعة، شيدوا “تراى بود”  tripodمن خشب الغار ونقشوا عليه تعاويذ وكلمات معتادين عليها، حتى ما يشير تجميع الحروف حرفا حرفا إلى اسم الإمبراطور([91]) بواسطة حيلة “التراى بود” هذه وبالتكهن.
(6/35/2) وكانوا يُحدقون بأفواه فاغرة نحو ثيودور وكان رجلا وثنيا حاز على مركز عسكرى متميز فى القصر، وكان وثنيا ومتعلما. وكان تدبير الحروف على شكل دلتا لإسمه، وعلى نحو يخدع فلاسفتهم. ومن ثم توقعوا أن يكون ثيودور[هذا] الامبراطور القادم.
(6/35/3) ولما عَلِم فالنس بهذا الفكر استشاط بغضب لا يُحتمَل، كما لو كانت هناك مؤامرة ضد حياته. لذلك قُبِض على الجميع، ثيودور وصنَّاع “التراى بود” وصدر الأمر بإعدامهم، البعض بالنار والبعض بالسيف. وبالمثل لنفس السبب، قُتِل معظم فلاسفة الإمبراطورية [الوثنيين]، إذ أن غضب الإمبراطور كان شديدا. وشملت عقوبة الموت حتى أولئك الذين لم يكونوا فلاسفة، ولكنهم كانوا يرتدون ملابسا تماثل ملابسهم.
(6/35/4) ومن ثم أولئك الذين لم يكونوا يتبعون طريقتهم امتنعوا عن ارتداء الكروكتيوم crocotium والتربونيم tribonium بسبب الريبة والخوف من الخطر حتى لا يبدون أنهم يتبعون السحر والشعوذة.
(6/35/5) وليس لدى ادنى فكر أن يكون الإمبراطور أكثر لوما لدى الناس السليمى الفِكر بسبب هذه القسوة والسخط، عن الفلاسفة لإندفاعهم ولفِكرهم غير الفلسفى. وافترضَ الإمبراطور بسخف أنه يمكن أن يُمِت خليفته، وألا يُبقِى أحدا حيا سواء أولئك الذين تكهنوا، أو أولئك الذين خضعوا لتكهنهم. وكما يقولون، لم يُبقِ على كل مَن يحمل اسم ثيودور. وكان بعضهم رجالا متميزين، سواء أكانوا بنفس الاسم أو كان اسمهم  يبدأ بحرف الثاء وينتهى بالراء. وتصرف الفلاسفة [الوثنيون] من ناحية أخرى كما لو كان خلع الأباطرة وإعادتهم يعتمد عليهم هم وحدهم. لأنه إن كان ارتقاء الإمبراطور للعرش يُعتَبر متوقفا على ترتيبات النجوم فما هو المطلوب سوى انتظار ارتقاء الإمبراطور فى المستقبل، أيا كان هو. وإن كان معتمدا على إرادة الله فلماذا يتدخل الانسان فى أمر لا يعنيه؟. لأنه ليس من مهمة الانسان سبق المعرفة، أو الاهتمام بفكر الله، ولا حتى من الصواب حتى لأحكم الناس أن يظن أحدٌ أنه يستطيع أن يخطط أفضل من الله. فإذا كانوا فقط من [باب] حب الاستطلاع المتعجل لمعرفة الآتيات، أن أظهروا مثل هذا القصُور فى التقدير كما لو كانوا يستعدون لخطر ما، ويزدرون بالقوانين التي أُنشِئت قديما بين الرومان، وفي وقت لم يكن فيه خطر يهدد العبادات الوثنية وأضاحيها، فإنهم بهذا يكونون قد فكروا على نحو مختلف عن سقراتيس، فإنه عندما حُكِم عليه ظلما بشرب السم، رفض أن ينقذ نفسه بإنتهاك القوانين التى وُلِد فيها وتعلّمها، ولا فكر فى الهرب من السجن، على الرغم من أنه كان فى مقدوره عمل ذلك.
إن موضوعات مثل عاليه من الأفضل تركها لفحص وقرار الحكم الفردى.

الكتاب السادس: الفصل السادس والثلاثون

(الحملة ضد السارماتيين. وفاة فالنتنيانوس فى روما. إعتلاء فالنتنيانوس الأصغر. اضطهاد الكهنة. خطبة ثيمستيوس الفيلسوف التى بسببها عزم فالنس على معاملة المخالفين له فى العقيدة بأكثر انسانية)

(6/36/1) لقد غزا السارماتيون Sarmatians الأجزاء الغربية للإمبراطورية، فجهز فالنتنيانوس جيشا لمواجهتهم. ومع ذلك بمجرد أن سمعوا عن عدد وقوة الكتائب الموجهة ضدهم ارسلو سفارة طلبا للسِلم.
وعندما مثُل السفراء فى حضرة فالنتنيانوس سألهم هل كل السارماتيين على مِثالهم؟. وعندما أجابوا أن قواد الأمة قد اختاروهم ليكونوا سفراء، صاح الإمبراطور بغضب شديد: إنه لأمر مرعب أن نحتمله، ومصيبة تحيط بالحكومة الرومانية لو أن السارماتيين، الجنس البربرى الذى أنتم أفضل رجالهم، لا يودون أن يعيشوا فى ذاتهم بل يسعون لغزو سلطنتى ويفكرون فى شن الحرب ضد الرومان. وظل يتكلم بهذه النبرة لبعض الوقت بصوتٍ عال جدا، وكان غضبه عنيفا وغير مقيَّد حتى أنه نزف فى الحال من شرايينه وأوعيته، وفقد بالتالى كمية كبيرة من الدم، وسرعان ما توفى فى حصن الغال.
(6/36/2) وكان يبلغ من العمر اربعة وخمسسن سنة، وقد حَكَم على نحو جيد ومتميز طوال ثلاثة عشر سنة. وعقب وفاته أعلن الجيش ابنه الذى حمل نفس اسمه امبراطورا. ثم صدَّق فيما بعد فالنس وجراتيان أخوه على ذلك، على الرغم من استيائهما أولا من أن ينقل الجيش شعار الحُكم إليه بدون موافقتهما المسبقة.
(6/36/3) وخلال هذه  الفترة ثبت فالنس إقامته فى انطاكية بسوريا وصار أكثر كراهية لأولئك المخالفين له فى الرأى بشأن الطبيعة الإلهية، وأغاظهم بأكثر قسوة واضطهدهم.
(6/36/4) فألقى الفيلسوف ثيمِستيوس Themistius فى حضرته خطبة نصحه فيها بأنه ينبغى عليه ألاَّ يُعجَب بالشقاق الخاص بالمذاهب الكنسية لأنه أكثر اعتدالا وأقل مما بين الوثنيين لأن الآراء بينهم متعددة الأشكال، وأنها فى عدد التعاليم تقود إلى منازعات خالدة. فالخلافات الأساسية فيما بينهم تجعلهم أكثر نزاعا وجدلا. وبالتالى ربما من المحتمل أن ذلك يسُر الله ألا يُعرَف بسهولة ليكون هناك تباين فى الرأى، لكى ما يخشاه كل واحدٍ بالأحرى إذ أن المعرفة الدقيقة له لا يمكن الحصول عليها. ولمحاولة تلخيص هذه [ المعرفة] الرحبة، يتعين على المرء أن يخلص إلى كيفية عظمته وكيفية صلاحه.

الكتاب السادس: الفصل السابع والثلاثون

(بشأن بربر ما وراء الدانوب الذين طردهم الهون، وزحفوا إلى الرومان، اهتداؤهم إلى المسيحية. الوقائع بين الفيلاس واثيناريخوس. متى تبنَّى القوط الاريوسية)

(6/37/1) هذه الخطبة الرائعة لثيمستيوس جعلت الإمبراطور أكثر انسانية نوعا ما، وبالتالى [صارت] العقوبات أقل قسوة عن ذى قبل. إنه لم يكف تماما عن سخطه نحو الكهنة لولا أن الشؤون العامة التى قد وقعت قد شغلته على نحو لا يسمح له بملاحظتهم أكثر.
(6/37/2) فالقوط الذين يقطنون الأقاليم التى وراء إيستر Ister. والذين غزوا بربر آخرين، قد تغلب عليهم الهون وطردوهم من بلادهم، فعبروا الحدود الرومانية. ويُقال أن الهون لم يكونوا معروفين للتراقيين فى استر، وللقوط قبل هذه الفترة. فعلى الرغم من أنهم كانوا يعيشون سرا جنبا إلى جنب، فقد كانت هناك بحيرة شاسعة تمتد بينهما. وكان سكان كل من الجانبين يظنون أن بلادهم تقع فى اقصى اطراف الأرض، وأنه لا شىء بعدهم سوى البحر والماء. ومع ذلك، حدث أن ثورا قد عذبته الحشرات فغاص فى البحيرة، فتبعه الرعاة الذين ادركوا لأول مرة أن الضفة الأخرى مأهولة بالسكان. فأعلموا رفقائهم الرعاة بالظروف. ومع ذلك، يروى البعض أن ظبيا كان هاربا فأرى بعض الصيادين الطريق الذى كان مخفيا ظاهريا بالمياه. فلما وصلوا إلى الضفة الأخرى صُدِم الصيادون بجمال البلد وصفاء الجو والملائمة للزراعة. فأخبروا ملكهم بما قد عاينوه. فحاول الهون الهجوم عندئذ على القوط ببضعة جنود ولكنهم أعدوا بعد ذلك جيشا قويا، وتغلبوا على القوط فى المعركة، واستولوا على كل بلادهم، وعبروا إلى المقاطعات الرومانية.
(6/37/4) لقد عبروا النهر وارسلوا سفارة إلى الإمبراطور مؤكدين له تعاونهم معه فى أى شؤون حربية، شريطة أن يهبهم قطعة أرض ليسكنوا فيها. وكان ألفيلاس اسقف الأمة رئيسا للسفارة. وتم استيعاب موضوع بعثته تماما، وسُمِح للقوط بالإقامة فى تيراقيا. وسرعان ما ثارت النزاعات بينهم، فأدت إلى انقسامهم إلى طرفين أحدهما رأسه اثانارك  Athanaricوالآخر رأسه فرتيجرنس Phritigernes. ورفع كل منهما السلاح ضد الآخر، وانهزم فرتيجرنس، والتمس مساعدة الرومان.
(6/37/5) فأمر الإمبراطور الكتائب المقيمة فى تراقيا بالتحالف معه ومساعدته. فقامت معركة ثانية هُزِم فيها اثانارك وحزبه وأُجبَروا على الفرار. وإعترافا بإحراز النصر الوقتى المُقدَّم من فالنس، وإثباتا لإخلاصه للرومان، اعتنق فرتيجرنس ديانة الإمبراطور، وأغرى البربر الذين ترأس عليهم بأن يتبعوا مثاله.
(6/37/6) ومع ذلك لا يبدو لى أن ذلك كان السبب الوحيد لإعتناق القوط للمفاهيم الاريوسية حتى اليوم. لأن الفيلاس اسقفهم لم يكن له أصلا آراءً تختلف عن تلك التى للكنيسة الجامعة. لأنه خلال حكم قنستانتيوس على الرغم من أنه كان له دور وفقا لقناعتى مِن عدم الاكتراث فى مجمع القنسطنطينية بالتزامن مع يودكسيوس واكاكيوس غير أنه لم يحد عن عقائد مجمع نيقية.
(6/37/7) ويبدو أنه فيما بعد عاد إلى القنسطنطينية ويُقال أنه دخل فى مناظرات فى المواضيع العقائدية مع رؤساء الشيعة الاريوسية ووعدوا بعرض طلباته على الإمبراطور، وتقديم موضوع سفارته إن هو انضم إلى آرائهم. وإذ اضطر تحت ضغط الظروف، أو من الممكن أن يكون قد ظن أنه من الأفضل تبنى مفاهيمهم عن الطبيعة الإلهية، دخل الفيلاس فى شركة مع الاريوسيين، وانفصل هو وأمته عن كل ارتباط مع الكنيسة الجامعة.
(6/37/8) لأنه إذ علَّم القوط مبادىء الديانة وشاركوا بواسطته فى نمط الحياة الألطف، فقد وضعوا أقصى ثقتهم فى توجيهاته، وكانوا مقتنعين بثبات أنه لا يقول شيئا شريرا. وفى الحقيقة أعطى علامات كثيرة على عظمة  فضيلته. فقد عرَّض نفسه لمخاطر عديدة دفاعا عن الايمان خلال الفترة السابق ذكرها التى كان فيها البربر مُسلَّمين للعبادة الوثنية. فقد علَّمهم استعمال الحروف وترجم لهم الكتب المقدسة إلى لغتهم.
وهذا هو السبب فى اعتناق البربر على ضفاف نهر استر مفاهيم آريوس. وفى نفس الفترة، كان هناك اتباع كثيرون لفرتيجرنس يشهدون للمسيح، وأستشهِدوا.
(6/37/9) واغتاظ اثانارك من أن اتباعه قد صاروا مسيحيين تحت اقناع الفيلاس، وأنهم هجروا عبادة آبائهم، فأخضع كثيرين من الأفراد للعقوبات. فقد أعدم البعض بعد أن أقتيدوا للمحاكم واعترفوا بشجاعة بعقيدتهم. وقتل آخرون دون السماح لهم بكلمة دفاع. ويُقال أن الضباط المعينين من اثانارك لتنفيذ احكامه القاسية أُمروا بتشييد تمثال وضعوه على مركبة ونقلوه إلى خيام أولئك الذين يرتابون فى اعتناقهم للمسيحية وأمروهم بالسجود للتمثال، وتقديم الذبائح له. فإذا رفضوا عمل ذلك أحرقوهم وخيامهم معا. ولكننى سمعتُ أن عملا فظيعا كان عتيدا أن يُرتكب فى هذه الفترة. فقد رفض الكثيرون طاعة أولئك الذين كانوا يُجبرونهم بالقوة على تقديم الذبائح. وكان من بينهم رجال ونساء. ومن الآخرين، كان بعضهن يقدن اطفالهن الصغار، وكانت أخريات ترضعن صغارهن الحديثى الولادة من صدورهن. وفروا إلى كنيستهم التى كانت مجرد خيمة. فأشعل الوثنيون النار فيها وهلكوا جميعا.
(6/37/10) ولم يدم القوط طويلا فى سلام بين بعضهم بعضا. ولسبب ما غير معقول قد أثارهم، بدأوا فى نهب تيراقيا وسلب المدن والقرى. وعندما استعلم فالنس عن الأمر، علِم بالخبرة عِظم الخطأ الذى كان قد ارتكبه، إذ قد حسب أن القوط سيكونون نافعين دائما للإمبراطورية، وسدا قويا لأعدائها فأهمل فى تقوية الرتب العسكرية الرومانية. فأخذ ذهبا من المدن والقرى الرومانية، بدلا من المَدد المعتاد من الرجال للخدمة العسكرية. وإذ قد أُحبِطت توقعاته هكذا غادر انطاكية مسرعا إلى القنسطنطينية. ومن هنا خفُت الاضطهاد الذى كان يجريه ضد المسيحيين المختلفين معه فى الرأى. ومات يوزيوس رئيس الاريوسيين ورُشِّح دورثيوس لإدارتهم.

الكتاب السادس: الفصل الثامن وثلاثون

(بشأن مانيا Mania زعيمة([92]) الساراسيين. انحلال المعاهدة مع الرومان. موسى اسقف العرب. رواية عن أصل الاسماعليين، واعتناقهم للمسيحية بواسطة زوكومس زعيمهم)

(6/38/1) وفى حوالى نفس الفترة مات ملك العرب، وانحل السلام الذى كان قائما بين هذه الأمة وبين الرومان فيما سبق. فقد قادت مانيا Mania([93]) أرملة الملك الأخير، بعد أن تولت حُكم جنسها، كتائبها إلى فينيقية وفلسطين وأقاليم مصر الواقعة على يسار المُبحِر إلى منبع النيل، والمسماة بصفة عامة العربية Arabia([94]).
(6/38/2) وكانت هذه الحرب بأى حال من الأحوال مدعاة للإزدراء رغم أنها قد أُجرِيَت بواسطة إمرأة. إذ يُقال أن الرومان قد اعتبروها شاقة ومحفوفة بالمخاطر لدرجة أن جنرال القوات الفينيقية([95]) طلَب مساعدة جنرالات كلٍ من سلاح الفُرسان والمشاة للشرق. فسخر هذا الأخير من الحضور. فتعهد المعركة بمفرده، وهاجم بالتالى مانيا التى كانت تقود قوات بلدها بنفسها، ونجا بصعوبة بواسطة جنرال الكتائب الفلسطينية والفينيقية.
(6/38/3) وإذ أدرك مدى الخطورة، حسب هذا الجنرال أنه من غير الضرورى الإنصياع للأوامر التى تلقاها بالبقاء بعيدا عن القتال. لذلك اندفع على البرابرة وواتته الفرصة للإنسحاب الآمن بينما أخلى هو الأرض، وأصاب الذين هربوا وضرب بسهامه الأعداء الذين كانوا يضغطون عليه. وما زالت هذه الواقعة محفوظة فى ذاكرة الناس لذلك البلد ويُحتفل بها فى أغانى العرب.
(6/38/4) ولما كانت الحرب ما زالت مستعرة، وجد الرومان أنه من الضرورى ارسال سفارة إلى مانيا لإلتماس السلام. ويُقال أنها قد رفضت الامتثال لطلب السفارة، ما لم تُعطَ موافقة على سيامة رجل معين يُدعَى موسى كان يُمارِس الفلسفة فى الصحراء المجاورة كأسقف لرعاياها.
(6/38/5) وكان موسى هذا رجلا ذا حياة فاضلة ومشهورا بأداء آيات إلهية وخارقة. وعندما أُعلِم الإمبراطور بهذه الظروف، أمر قادة الجيوش بالقبض على موسى وإرساله إلى لوكيوس.
(6/38/6) فهتف الراهب فى حضور الحُكام والشعب المجتمع، لستُ أهلا لشرف حمل إسم وكرامة رئيس كهنة كهذا. ولكن إذا كان مُقدَّرا لى من الله أن اتخذ هذا المنصب على الرغم مِن عدم استحقاقى، فإن خالق السماء والارض شاهدٌ علىَّ، أننى لن أقبل السيامة بوضع يدىّ لوكيوس التى تدنست بدماء الرجال القديسين.
(6/38/7) فرَد لوكيوس فى الحال، إذا كنتَ غير مُلِم بطبيعة قانون ايمانى، فإنك تظلمنى فى الحُكم علىَّ قبل أن تُلِم بكل ملابسات القضية. فإذا كنتَ قد تضررتَ بالافتراءات المتداولة ضدى، فعلى الأقل اسمح لى أن أعلن لك مفاهيمى واحكم انتَ عليها. فردَّ موسى: مفاهيمك معروفة جيدا بالفعل لى، ويشهد على طبيعتها الاساقفة والكهنة والشمامسة الذين يعانون الأمرِّين فى المنفى والمناجم. ومن الواضح أن المفاهيم الخاصة بك، تتعارض مع الايمان بالمسيح ومع كل العقائد الارثوذكسية بشأن الألوهية. ثم احتج ثانية وبقسَم أنه لن يقبل السيامة منه. ورجع إلى العرب، وصالحهم مع الرومان، وهدى الكثيرين إلى المسيحية. ومضت حياته بينهم ككاهن على الرغم من أنه وجد قليلين يشاركونه فى اعتقاده.
(6/38/8) وهذه هى القبيلة التى تتخذ اسمها وأصلها من اسماعيل ابن ابراهيم، ويدعونهم القدماء اسماعليين نسبة إلى سلفهم الأول. ولما كانت أمه هاجر أمَة، لذك دعوا أنفسهم بعد ذلك ساراسيين كأنهم منحدرين من سارة زوجة ابراهيم([96])، ليُخفوا أصلهم محل الازدراء. وإذ هذا هو أصلهم([97])، فإنهم يمارسون الختان مثل اليهود، ويمتنعون عن أكل الخنزير ويُراعون العديد من العادات والطقوس اليهودية الأخرى.
(6/38/9) وفى الحقيقة إذا كان هناك حَيدان بأى وجه من الوجوه لهذه الأمة عن الفروض فيجب أن يُعزَى ذلك إلى انقضاء الزمان، وإلى تداخلهم مع الدول المجاورة فإن موسى الذى عاش بعد ابراهيم بعدة قرون قد شرَّع فقط لأولئك الذين قد أخرجهم من مصر. أما سكان البلاد المجاورة المدمنين بشدة للخرافات، فمن المحتمل أنهم افسدوا الشرائع المفروضة عليهم من جدهم اسماعيل.
(6/38/10) وعاش العبرانيون القدماء حياتهم الاجتماعية فى ظل هذه الشريعة فقط مستخدمين لذلك العادات غير المكتوبة قبل التشريع الموسوى. وبالتأكيد خدم هؤلاء الناس نفس آلهة البلاد المجاورة وكرموها ورسموها بالمثل حتى أنه بهذا التشابه مع أجدادهم فى الدين، فهناك دليل على انحرافهم عن شرائع أجدادهم. وكالعادة بمرور الزمن سقطت عاداتهم القديمة فى غياهب النسيان، وسادت عليهم تدريجيا ممارسات أخرى. وتصادف أن بعض هذه القبائل تواصلت مع اليهود فتحصلوا منهم على حقائق أصلهم الحقيقى، وعادوا الى أقربائهم ومالوا الى عادات وشرائع اليهود. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن يعيش الكثيرون منهم طبقا لتعاليم اليهودية.
(6/38/11) وقد اهتدى بعض العرب إلى المسيحية قبل العهد الحالى، ليس بوقت طويل ([98]) وقد اشتركوا فى الايمان بالمسيح، عن طريق التواصل مع الكهنة والرهبان الذين سكنوا بالقرب منهم، ومارسوا الفلسفة فى الصحارى المجاورة، والذين تميزوا بإمتياز حياتهم وبأعمالهم الخارقة.
(6/38/12) ويقال أن قبيلة بأكملها برئيسها زوكومس Zocomus  قد اهتدت إلى المسيحية واعتمدوا فى نحو هذه الفترة، فى ظل الظروف التالية:
كان زكومس بلا أولاد، فذهب إلى راهب ما من المشاهير العظام ليشكو له بلوته لأن إنجاب الاطفال كان له أهمية كبرى لدى العرب، واعتقد بين الأمم البربرية الأخرى([99]).  فطمأن الراهب زوكومس، وانهمك فى صلاة من أجله، وصرفه بوعد أنه إن آمن بالمسيح فسيكون له ابن. وعندما تأكد هذا الوعد من الله، ووُلِد له ابن، اعتمد زوكومس هو وكل رعاياه. ومنذ تلك الفترة وهذه القبيلة محظوظة بشكل خاص، وقوية فى العدد، وحصنا منيعا ضد الفارسيين وأيضا ضد العرب الآخرين.
هذه هى التفاصيل التى أمكننى جمعها بشأن اهتداء العرب وأول اسقف لهم.

الكتاب السادس: الفصل التاسع والثلاثون

(عودة بطرس من روما، استرداد كنائس مصر بعد هرب لوكيوس. حملة فالنس ضد الاسكيثيين فى الغرب)

(6/39/1) وبدأ الآن يتشجع جميع الذين يحافظون على العقيدة النيقاوية، وبالأخص سكان الأسكندرية فى مصر. فعاد بطرس([100]) من روما ومعه خطاب من داماسوس يؤكد فيه على عقائد نيقية، وعلى سيامته([101]) وإدارته للكنائس بدلا من لوكيوس الذى أبحر إلى القنسطنطينية بعد طرده.
(6/39/2) وكان الإمبراطور فالنس منشغلا بالشؤون الأخرى ولذلك لم يكن لديه وقت فراغ للاهتمام بهذه الاعمال. وما أن وصل إلى القنسطنطينية حتى انتابه الشك والكراهية للشعب. فقد كان البرابرة ينهبون تراقيا ويتقدمون إلى الضواحى ذاتها ويحاولون الإغارة على الأسوار دونما عائق من أحدٍ ما.
(6/39/2) وكانت المدينة بأسرها ساخطة على هذه الأمور. بل اتهم الشعب الإمبراطور بكونه طرفا فى هذا الهجوم لأنه لم يهرع إلى المعركة بل تأخر كثيرا. وأخيرا عندما حضر إلى ملاعب هيبودورم، صاح الناس بصوت عالى، واتهموه بإهمال شؤون الدولة وطالبوا الجيش بالدفاع عنهم. وإذ تضرر فالنس من هذا اللوم، ارسل على الفور حملة ضد البربر لكنه هدد بمعاقبة الشعب على وقاحته عند عودته، وأيضا سيثأر لدعمهم للطاغية بروكوبيوس فيما سبق.

الكتاب السادس: الفصل الاربعون

(القديس اسحق الراهب يتنبأ بموت فالنس. هلاك فالنس)

(6/40/1) وعندما كان فالنس على وشك الرحيل من القنسطنطينية تقدَّم إليه اسحق، وهو راهب ذو فضيلة عظيمة لا يخشى الخطر من أجل الله، وخاطبه بالآتى: أعِد أيها الإمبراطور للارثوذكس ولأولئك الذين يؤمنون بعقائد نيقية الكنائس التى حرمتهم منها فيكون لك النصر. فاستاء الإمبراطور من هذه الجرأة، وأمر بإعتقال اسحق وحِفظه فى الأغلال إلى حين عودته لتقديمه للعدالة على تهوره. فأجابه اسحق مع ذلك، إنك لن تعود إن لم ترُد الكنائس.
(6/40/2) وهذا ما حدث فى الواقع. لأنه عندما زحف فالنس بجيشه، انسحب القوط([102]) من متابعة السير، ومرَّ فى سيره بتراقيا وجاء إلى ادريانبول([103]). وعندما صار على مسافة ليست كبيرة من البربر، وجدهم يعسكرون فى مكان آمن. ومع ذلك كان متهورا فى الهجوم عليهم قبل أن يرتب فيالقه الخاصة الترتيب الصحيح. فتشتَّت فرسانه وأُجبِر المشاة على التراجع. وعندما تعقبه الأعداء دخل منزلا صغيرا أو برجا حيث أخفى نفسه.
(6/40/3) وكان البربر يسعون وراءه وجاوزا البرج دون أن يرتابوا فى اتخاذه له ملجأ. وعندما كانت المفرزة الأخيرة من البربر تمر بجوار البرج، أمطرها المرافقون لفالنس بوابل من مخبأهم. مما أدى فى الحال إلى معرفة أن فالنس مختبأ داخل هذا المبنى. وسمع أولئك الذين جاوزوا المبنى منذ قليل الصياح، وعرفوا الخبر من صياح رفقائهم وبالتالى انتقلت الأخبار ووصلت إلى المفارز التى كانت تركض سابقا فعادت، وحاصرت البرج وجمعوا كميات كبيرة من الخشب من الريف المحيط وكوَّموها أمام البرج، وأخيرا اضرموا فيها النار. وساعدت الرياح على انتشار اللهب، وفى وقت وجيز احترق البرج بكل مَن فيه من الامبراطور ومريديه وهلكوا تماما.
(6/40/4) وكان فالنس فى الخمسين من عمره. وحكم ثلاثة عشر سنة بالاشتراك مع أخيه، وثلاثة بمفرده.
[1] – واضح جدا أن هناك عُقد سيكولوجية غائرة بشدة فى تكوينه من جهة هذا الإمبراطور رغم قرابته له، ورغم ترقيته له بدلا من قتله، جعلته ليس فقط ينتقم منه ولكن أيضا يكفر بكل ما يرتبط به بما فى ذلك الدين نفسه. وقد قرأتُ فى هذا الشأن ذات مرة ورقة بمخطوط قديم لا اتذكر حاليا اسمه أن سبب ارتداد دقلديانوس أيضا واضطهاده الدموى الرهيب للمسيحيين هو أن أحد الاساقفة كان قد كذب عليه فى أمر ما. وبالطبع لم يُفرق بين اسقف حقيقى وبين محتال فى زى اسقف.
[2] – أشور وهى بالانجليزية Assyria هى بلاد ما بين النهرين، والتى كانت امبراطورية غزت ايران والشرق ومصر، وحتى أجزاء من الأراضى الواقعة فى تركيا الحالية فى القرون القديمة قبل الميلاد. وهى تختلف عن بلاد أخرى داخلة فى زمام تركيا الحالية واسمها قريب منها وهى ايسوريا  Isauriaلذا لزم التنويه.
[3] – عُرِف استخدام الفيلة كسلاح أساسى فى الهجوم أولا فى الهند فيما قبل الميلاد. ثم انتشر هذا الأسلوب فى بلاد جنوب اسيا وامتد إلى البحر الابيض المتوسط، بل استخدمته أيضا بعض دول أوربا، وقد اختفت الفيلة من الحروب مع ظهور المدافع.
[4] – أى عربيا.
[5] – واضح أن الفيلسوف الوثنى يُلمِّح إلى الرومان بصفة عامة، والرومان المسيحيين بصفة خاصة. لذلك جاء الفصل التالى تحليلا من سوزمينوس لرأيه، وتفنيدا لحججه.
[6] – أرى هنا موضوعية شديدة من جانب سوزمينوس فى تفسير الواقعة. فهو لم يُسرِع بنفى الاحتمال الذى يراه ليبانيوس الفيلسوف الوثنى، لأنه فرض وارد وممكن، وإنما يسجله أولا ويقرر، كرجل محامى، أنه ليس لديه دليل قاطع على نفيه أو إثباته. ثم فى الفقرات التالية يعرض ما يمكن، بلغة الماديين، أن يعتبر “تفسير غيبى” للتاريخ، بينما هو مقبول لعلماء التاريخ المؤمنين الذين يرون أن التاريخ نفسه فى يد الله.
[7] – الفاعل هنا هو “صديق” يوليانوس الذى سيَقُص سوزمينوس رؤياه فى الفقرة عاليه.
[8] – انظر عن ذلك، التاريخ الرهبانى لبالاديوس، للمعرب، نشر دار باناريون.
[9] – قارن، ثيودوريت 18:3. للمعرب على مدونته سابقة الذكر.
[10] – هذه العبارة تعكس حب المصريين منذ “القروى الفصيح” على مواجهة الكوارث والطغاة بالسخرية والتنكيت.
[11] – praetorian prefect هى وظيفة قيادية مدنية اقليمية هامة، وبصفة خاصة فى الجهاز المكتبى الامبراطورى للقنسطنطينية. أنظر LRE 370-2, ODB 1710-11 .
[12] – إحدى تعبيرات اريوس والتى تعنى ببساطة الوجود من العدم، أى مخلوق.
[13] – القديس اثناسيوس الرسولى، بابا الاسكندرية.
[14] – أو أوزيوس.
[15] – أو لوسيوس.
[16]  – العجيب أن اسمه يدل على أنه أرمنى، ومعروف أن النفى لا يكون فى أو إلى نفس الوطن. ولذا أظن أنه إما أن لبسا فى حروف اسم المدينة قد حدث من النُساخ، وإما أن هناك سهو من سوزمينوس.
[17] –  يؤرخ المسكين هذا المجمع بسنة 364م. ولامبساكوس كانت مدينة يونانية قديمة تقع قى شمال طروادة على الجانب الشرقي من مضيق هيللسبونت وقد صار اسمها الآن لابسيكى Lapseki فى غرب تركيا.
[18] – وبُلفظ أيضا اودكيوس، واودوكيوس.
[19] – أو انوميوس.
[20] – قلنا سابقا مرارا أن سوزمينوس كان يحلو له نعت الرهبنة بالفلسفة، ولاحظ هنا أنه يوضح ما يقصده بهذه الكلمة، بعدها مباشرة.
[21] – like in substance
[22] – أنظر، سقراتيس (4/12/5) للمعرب.
[23] – يهمنى أن اقف قليلا عند هذا الإسم لأنه يرتبط بالعمل التاريخى لزكريا البليغ اسقف مليتين Melitene(أنظر ترجمته للمعرب، على موقع مدونته السابق الذكر) حيث يختلط فى ذهن السامع مع إسم ميتلين. فالمصادر التاريخية تذكر أن هذا الاسم الأول هو المدينة الحالية الواقعة فى جنوب شرق تركيا الحالية. وتذكرها المصادر العربية مالاطية( يُراعى عدم الخلط مع جزيرة مالطة). والمعروف أن المدينة القديمة كانت تعرف باللغة الأشورية بإسم Meliddu ، ومنه جاء الاسم اليونانى مليتين، والذى انتقل بدوره الى اللاتينية. وهى تقع الآن على بعد بضعة كيلومترات من المدينة الحديثة باتالغازى بتركيا. والملفت للنظر أنها كانت مركزا لإيبارشية السريان الأرثوذكس. ويذكر المؤرخ الأرثوذكسى اللاخلقيدونى ميخائيل السورى أسماء اساقفتها والأديرة التى جاءوا منها من القرن التاسع الى الثانى عشر الميلادى. ولأن هذه المدينة كانت ضمن أراضى أرمينيا قديما قبل قيام تركيا بحدودها السياسية الحالية، وكانت أرمينيا أساسا لا خلقيدونية، لذلك رجَّح المعرب فى ترجمته لعمل زكريا البليغ أنه كان اسقفا لمليتين، وليس “متيلين” حسبما يظن بروكس. أنظر مقدمتنا لذلك العمل.
[24] – هو يوسابيوس القيصرى، اسقف قيصرية فلسطين، صاحب كتاب “تاريخ الكنيسة”، وهو شبه أريوسى.
[25] – هو القديس باسيليوس الكبير صاحب القداس المعنون بإسمه فى الكنيسة القبطية الارثوذكسية، وأحد كواكب كبادوكيا المنيرين فى القرن الرابع الميلادى.
[26] – يوسيبيوس هذا، هو يوسابيوس اسقف قيصرية كبادوكيا. خلاف يوسيبيوس المؤرخ. ويجب أن نكون واعين بأنه كانت هناك مدن كثيرة بإسم قيصرية، وأنه يلزم عند ذكرها ربطها بالمكان الذى فيه. وكذلك وجود اساقفة كثيرين بإسم يوسيبيوس فى نفس الوقت.
[27] – أى مات، من القول الكتابى “قُطِع من أرض الأحياء”.
[28] – عن الأحداث بين باسيليوس الكبير والامبراطور فالنس، أنظر: سقراتيس،(4/26/9) وما بعدها. للمعرب.
[29] – أى المذبح.
[30] – الحياة الرهبانية.
[31] – باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزى، قارن سقراتيس 6/26، للمعرب.
[32] –  أى الرهبنة.
[33] – أنظر، سقراتيس 18:4.
[34] –  يقول الاب متى المسكين أنه توفى فى حوالى سنة373م. وأنه تواجد فعليا فى كرسيه نحو 27 سنة وخمسة أشهر، ونُفِى خمس مرات مدتها جميعا حوالى 17 سنة وستة شهور.
[35] – بقية الجملة المبتورة هنا مفهومة وهى “لم يدخروا وسعا للإنقضاض على الكرسى الأسكندري، والقبض على خليفة البابا اثناسيوس الرسولى والحيلولة دون سيامة اسقف ارثوذكسى محله.
[36] – هو البابا الارثوذكسى رقم واحد وعشرين فى عداد باباوات الأسكندرية الأرثوذكس غير الخلقيدونيين، خليفة البابا أثناسيوس الرسولى. ويلقبه اليونانيون ببطرس منجوس، أو منغوس.
[37] – ويكتبه البعض لوسيوس، ولوقيوس. وهو نصف أريوسى.
[38] – انظر الطِلبة التى نصليها من أجل المأسورين و”الذين فى المطابق” أو السجون، فى “أوشية” المرضى بالقداس الإلهى.
[39] – نفس الفكر الذى سيطر على الشيع المختلفة نحو أقباط مصر حتى فى العصور القريبة، إذ نجد فى القرن التاسع عشر محاولة من إحدى الشيع الكاثوليكية، وهى المارونية لإستغلال بساطة بعض الرهبان فى الأديرة المصرية. أنظر عن ذلك رسالتنا للماجستير عن دير سيدة براموس. بل وموقف “الروم الأرثوذكس” [الخلقيدونيين] من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اللاخلقيدونيةـ حتى قى أيامنا هذه!!.
[40] – فى، ك2:1 هنا.
[41] – ألم يقل ابراهيم أب الآباء، فى مثل العازر والغنى، حتى ولو قام واحد من الأموات فلن يصدقوا. وقد داس بالفعل واحدٌ على الموت ولكن البشرية، ممثلة فى اليهود، لا تعترف بذلك.
[42] – هذه العبارة عند سوزمينوس تعنى “خِدمة الأصنام”. إذ أنه رأى ما وراء الصنم الحجرى، فعبَّر عنه.
[43] – قيصرية الكبادوك كما قلنا.
[44] – انظرة سيرته للمعرب.
[45] – لا عجب فى ذلك لأنه، كما قلنا فى هامش سابق هنا، هناك فارق جذرى بين كلمة “مثل” وكلمة “مساوى” فى اللاهوت لا يدركه البسطاء بسهولة. ومن هنا كان التمسك الشديد للقديس أثناسيوس بمصطلح “هومووسيوس” وصراعه طوال حياته حتى وهو بعد شماس من أجل الحرف الواحد الذى يفرق هذا المصطلح عن مصطلح “هوموأوسيوس” فى اللغة اليونانية.
[46] –  بابا روما من 352-366م، تقريبا.
[47] – كما نقُل نحن الآن، ليكن “رأى قُدسَكم” أو “قداستكم”.
[48] – هو القديس امبروز اسقف ميلانو، فى الكتابات الغربية.
[49] – هذا احتمال وارد، وسبب معقول حيث يؤدى غالبا سلوك كاهن أو خادم، يبدر منه عن قصد أو دون قصد، فى حزن المتلقى وابتعاده عن الكنيسة الأم كلها. فيا ليتنا ننتبه فى سلوكنا للأثر السيكولوجى، ولا تنسينا إياه هالة وظيفتنا.
[50] – واضح أن ابوليناريوس هذا اتبع نفس اسلوب اريوس فى نشر بدعته، وهو اللجوء إلى الأغانى الشعبية ذات “الرتم” المحبب للشعب، وبالتالى غرس الهرطقة فى ثنايا الاغنية وتغلغلها بالتكرار فى عقل ووجدان المغنى والسامع. وهو نفس الشىء الآن فى كثير من الترانيم البروتستانتية التى يرنمها الارثوذكس دون إدراك للسم الذى فيها.
[51] – لاحظ هنا الاسلوب الشيطانى دائما فى كل زمان ومكان. ما هو ينتمى له هو المقدس والشرعى والقانونى، أما المقدَّس فى ذاته والذى يخص الله، فهو غير مقدس عنده.
[52] – أى بلغتنا الكنسية، أغنسطس، وهى إحدى رتب الشموسية.
[53] – ليتنا كرعاة وكخدام، عندما نريد أن نوقع عقابا على أحد نراعى قدراته العصبية والنفسية، قبل البدنية، على احتمال العقاب. ونكون كطبيب يعرف حدود ومقادير ومدة الدواء المقدَّم والذى متى تجاوز هذه الحدود يضر، وربما يميت المريض بدلا من شفائه.
[54] – لنا هنا وقفة طقسية. من اشارة سوزمينوس الجلية (أول مَن تجرأ وقال أن المعمودية ينبغى أن تتم بغطسة واحدة) نستدل بذلك على أن طقس المعمودية الذى كان سائدا فى مصر، وبلاد المشرق، وبلاد الغرب، لم يكن لا بغطسة واحدة ولا بالرش. وذلك على صعيد التاريخ الطقسى البحت، بعيدا الآن عن التفسير العقيدى. ثم لاحظ تعليق سوزمينوس فى الجملة التالية مباشرة. وتلك اشارة لها أهميتها.
[55] – كلمة “التقليد” المستعملة هنا، وردت بالمعنى الكنسى وليس بمعنى المحاكاة.
[56] – يا للعجب، السيد المسيح يقول صراحة لتلاميذه وعمدوهم بإسم الآب والإبن والروح القدس. وسيادته يضع نفسه، بتعبير اسبيريدون، فوق السيد المسيح والرسل والآباء القديسين طوال القرون التى سبقته، ويشرّع حسب هواه. ومعروف فى لغة القانون أنه لا اجتهاد فى نص صريح محدد.
[57] – نسبة إلى اتيوس.
[58] – يو13:3.
[59] – 1كو 47:15.
[60] – أى حياة الرهبنة، إذ كان سوزمينوس يعتبر الحياة الرهبانية هى حياة البحث عن الحكمة الحقيقية المجردة، كما أوضحنا فى المقدمة.
[61] – يقصد يوحنا الليكوبولى. أنظر عن هذا الفصل، التاريخ الرهبانى فى القرن الرابع الميلادى، للمعرب، سابق الذكر.
[62] – ويُكتب أيضا هور فى بعض الكتابات العربية.
[63] – عبارة يطرد الأمراض، يمكن أن تُفهَم بسهولة عندما نتذكر الطلبة التى ترد فى القداس الإلهى” وروح الأمراض أطرده” حيث كانت النظرة آنذاك إلى الأمراض أنها من الشرير.
[64] – هو البابا تيموثاوس الأول، الثانى والعشرون فى عداد باباوات الاسكندرية (379- 385م)، وقد كان فى أيامه مجمع القنسطنطينية الأول.
[65] – ديولكوس، أو ديولكوبوليس، مدينة مندثرة حاليا، كانت تقع على الساحل عند مصب فرعىَّ النيل المندثرين أيضا سيبنتك وفانتك. وغنى عن القول أن سوزمينوس يعتمد هنا على بالاديوس وكاسيان. انظر التاريخ الرهبانى للمعرب، نشر دار باناريون. والأنظمة لكاسيان، للمعرب.
[66] – انظر التاريخ الرهبانى…، سابق الذكر، للمعرب.
[67] – ” مقاريوس نفسه كاهن كيليا”، أى مقاريوس الاسكندرى.
[68] – هذا خلاف المقاريَن الشهيريَن. انظر التاريخ الرهبانى للمعرب.
[69] – بالمعنى العام الذى هو سكن الراهب، وليس بالمعنى المعمارى الحالى.
[70] – هو القديس موسى الملقب بالأسود فى الكتابات الحالية. ولكن كما نرى هذا اللقب غير وارد هنا، مما يدل على أنه نعت متأخر، ولذلك نرى بعض الآباء يلقبونه حاليا بالأسمر، وهو فى السير القديمة نسبيا يُنعت بالأثيوبى، مثل القديس تكلا هيمانوت الحبشى. وكان هذا هو رأيى فى اصدارى الأول لسيرة هذا القديس. ومن ناحية أخرى نلاحظ أن سوزمينوس قد ذكر منذ قليل ( موسى المصرى) وسيذكر بعده بقليل موسى الليبى. وهذه شخصيات متميزة عن بعضها البعض رغم أنها فى فترة زمنية واحدة.
[71] – واضح أن سوزمينوس يعتمد هنا على بالاديوس. وقد سبق أن علقت على هذه الكلمة فى كتاب “التاريخ الرهبانى” مستفسرا ومتعجبا كيف أن بالاديوس لم يعرف أنه استشهد فى الغارة الأولى للبربر على الاسقيط؟. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا كان لا يُعتبَر موته فى الغارة الأولى استشهادا فى نظره، فلماذا لم يُضِف عبارة فى غارة البربر. الواقع أن هذه النقطة مثار استفهام كبير. فالسير القبطية قبل العربية تؤكد موته قتلا على يد البربر. وقد اعتمد هوايت فى هذه المعلومة على القصاصات القبطية المختلفة. انظر ترجمتنا لعمل هوايت، وكذلك رسالتنا عن دير سيدة براموس.
[72] – أى استفانوس.
[73] – “الفرما.. بالإسقيط” هذا التعبير صحيح وليس خطأ من سوزمينوس. فهى بالفعل منطقة باسقيط كيليا خلاف “مدينة الفرما المعروفة بسيناء”. وقد أثبتنا صحة هذا الموقع فى كتابنا: “التاريخ الرهبانى” السابق الاشارة إليه، قسم روفينوس، بناء على الاكتشافات الأثرية الحديثة التى ألغت تخمينات الكتَاب السابقين عن موقع هذا المكان.
[74] – أى ناسك.
[75] – كان ذلك اسلوبا خاصا به، وليس نظاما رهبانيا عاما، لذلك لم يشِع فى الرهبنة المصرية، وكان عدم العمل محل إدانة كما هو ثابت من الأبوفثجماتا باتروم، و”هستوريا موناخورم” وسير الرهبان لبالاديوس، وكذلك المحاورات والأنظمة لكاسيان.
[76] – أكرر أن هذا كان أسلوبا من عندياته، يمثل “فلسفة ” خاصة به هو وحده فلا شك أن هناك الكثير مما يمكن قوله فى هذا الصدد تعليقا وتوضحيا لهذا الاسلوب، ولكننى سأتركه لكل قارىء على حدة، فضلا عن الآباء الرهبان.
[77] – أى مع أمونيوس أحد الإخوة الطوال.
[78] – أى الكتابات.
[79] – يلاحظ أن سوزمينوس يستخدم هذا الاسم بمعناه العام وليس كإسم موقع. فمن المعروف أن ايفاجريوس عاش فى نيتريا وكيليا، وليس فى الاسقيط بالمعنى الحصرى.
[80]– مدينة كانت توجد بشمال سيناء، وتخربت فى القرن الثانى عشر الميلادى. وتوجد على انقاضها الآن مدينة العريش.
[81] – كشفت فعلا الحفريات التى تمت فى العقود الأخيرة عن أثار ثلاثة أو أربعة كنائس فى هذه المنطقة ترجع إلى العصر البيزنطى. أنظر المدخل الشرقى لمصر، يسرية عبد العزيز سنة 2003.
[82] – قلنا أن هذه الكلمة عند سوزمينوس تعنى حياة الرهبنة، وبالتالى يقصد أنه اعتنق حياة الرهبنة منذ شبابه.
[83] – كان ذلك فى الفترة التى تكلم عنها سوزمينوس، ولكننا نسمع بعد ذلك عن زينون Zenon اسقف رينوكوررا الذى حضر مجمع خلقيدونية خلافا لجيرانه المصريين ووقَّع على قراراته. كما صار رهبان سيناء خلقيدونيين. أنظر: “الرهبنة فى سيناء”، مذكرات للمعرب.
[84] – هذه الكلمة لها هجاءات مختلفة فى المصادر الأجنبية مثل besantuke ، bezantuke. على أية حال تشير المصادر إلى أنها تقع فى زمام اسرائيل الحالية. والبعض يرى أنها “تل جوفن”.
[85] – مدينة رومانية فى فلسطين على مسافة نحو 53 كم إلى الجنوب الشرقى من اورشليم.
[86] – أى فى الفترة محل كلام سوزمينوس هنا.
[87] – وهو الذى يُلفظ أيضا، سلوانس.
[88] – الكلمة بهذا الشكل Gerari يصعب التعرف عليها، ولكننى حافظت على الشكل الذى أورده المترجم الانجليزى لنعرف كيف تكون التخمينات أحيانا ظنية وليست تقريرية مثلما حدث فى تصور أن “طبانيسى” جزيرة فى النيل نتيجة كتابة سوزمينوس لإسمها بالخطأ فى اليونانية. وفى الواقع إسم هذه المدينة فى الانجليزية عن العبرية هو هكذا Gerar، وفى العربية “جرار”. وهى الواردة فى العهد القديم فى عدة مواضع (انظر قاموس الكتاب المقدس). وهى بالفعل إحدى المدن الفلسطينية القديمة، وقد وردت فى “خريطة مادبا” فى الجنوب الغربى من بئر سبع. وهناك بالطبع عدة محاولات لتحديد مكانها، كلها افتراضات، لأنها اندثرت. بعض العلماء يرون أنها فى الجنوب الغربى لبيت جبرين الآن (مثل “قاموس الكتاب المقدس”، منشورات مكتبة المشعل، بيروت.).
[89] – واضح فعلا أن سوزمينوس من غزة ويعرف تضاريسها، فجرار كانت فعلا وادى.
[90] – هذا الإسم وبالتالى الدير المذكور، يرِد فى تاريخ اليونانيين أنه تابع لهم، أى أنه صار خلقيدونيا فيما بعد، ويقولون أنه كان تابعا لإيبارشية البتراء. ونلاحظ أن زخارياس هذا هو الذى سيشير إليه سوزمينوس فى ك 17:9، على أنه عثر على وثيقة قديمة بالعبرية.
[91] – المزمع مجيئه.
[92] – “phylarch“، “فيلارخ” كلمة يونانية مكونة من archein بمعنى زعيم وphyle بمعنى قبيلة. وبذلك تعنى “زعيم قبيلة”، أى “شيخ القبيلة”.
[93] – ورد هذا الإسم لدى سقراتيس بالشكل Mavia. وتُكتب فى مواقع التصفح الآلى “ماوية”. وهي بالفعل ملكة عربية قديمة عاشت في القرن الرابع الميلادي. كانت تحكم على الأعراب (وفى مصدر آخر على قبيلة تنوخ) في البلاد التي كانت تمتد من جنوبي سوريا القديمة حتى تخوم مصر، وذلك بعد وفاة زوجها “مالكوس بودو ساكس” Malechus Podosacis. وربما هو مَن يصفه المؤرخ “أمياني مارسلليني” (Ammiani Marcellini) بأنه (Phylarchus Saracenorum Assanitarum). وقد حاربت هذه الملكة العربية الامبراطورية الرومانية الشرقية  فى حوالى عامي373 و378 ميلادية أيام الإمبرطور “فالنس”, في محاولة للاستقلال والسيطرة. وشنت حربا مظفرة ضدها في فلسطين وفنيقية.
[94] – “العربية”، إسم لمنطقة جغرافية فى الطرف الجنوبى الغربى لقارة أسيا يختلف مدلوله فى الكتاب المقدس وكتابات القرون الميلادية الأولى عن المدلول الذى ينصرف إليه ذهن المستمع الحالى. ففى أسفار “العهد القديم” كان يُقصَد به أساسا الأجزاء الشمالية لشبه الجزيرة العربية الحالية، حيث كان العبرانيون القدماء يُطلقون إسم “جبل المشرق” (تك30:10) وأرض المشرق وأرض بنى المشرق (تك6:25 و1:29). وورد كذلك الإسم، بكلمة “العربة” فى(غل 25:4). وجدير بالذكر أن سيناء والعربة كانتا تُعتَبران جزءً من شبه الجزيرة العربية أيضا. وكان سكانها ( وهم الاسماعيليون، والعمالقة والمديانيون والعينيون) ضمن العرب. أنظر قاموس الكتاب المقدس، مادة العربية. وإذا كانت كلمة “عربية” كلمة سامية تعنى أساسا “قفر”، فإن كلمة “العربة” أو “العرابة” كلمة عبرانية معناها أيضا القفر. وكانت الإسم الذى أطلقه العبرانيون على الأراضى الواقعة من البحر الميت إلى البحر الأحمر، أى إلى شمال شبه جزيرة سيناء الحالية. وبالفعل يُطلَق عرب اليوم على هذه المنطقة إسم العربة. أنظر الخريطة المرفقة بالكتاب المقدس (مع دراسات للنمو فى الحياة المسيحية)، نشر مكتبة المنار، ط/1، 2005م.
[95] – “فينيقية”، كانت قديما ضمن الأراضى السورية، ولكنها حاليا دولة لبنان.
[96] – هذه وجهة نظر سوزمينوس. ومن المفيد أن نعرف التطور التاريخى لهذه الكلمة عبر العصور. فهى اساسا كانت تطلق فى العصر البيزنطى على شعوب البتراء وهى المنطقة الواقعة فى اقصى شمال شرق شبه جزيرة سيناء وقد دخلت هذه المنطقة الآن فى زمام الأردن. ثم فى العصور الوسطى صارت تطلق على كل بدو الجزيرة العربية. ولكن من القرن الثانى عشر الميلادى صار الكُتَّاب الغربيون يقصدون بها المسلمين، وحاكهم فى ذلك بعض الكُتَّاب العرب. ولذلك من الخطأ أخذ هذه الكلمة بهذا المعنى الأخير، وخاصة فى الأعمال التاريخية السابقة على ظهور الاسلام. وعلينا إما أن نستخدمها بهذا الشكل وإما أن نترجمها بالعرب.
[97] – أى اولاد اسماعيل بن ابراهيم.
[98] – يتوهم الكثيرون أن شبه الجزيرة العربية كانت كلها وثنية إلى وقت ظهور الإسلام فى منتصف ق7م. ولكن الحقيقة غير ذلك فقد كانت هناك قبائل يهودية مِثل تلك القبيلة التى قتل مَلِكها المسيحيين فى نجران. وكانت هناك قبائل أخرى تعتنق بدعا مختلفة من البدع التى ظهرت فى الشرق الرومانى ضد المسيحية. وهذه البدع هى التى دعاها العرب الوثنيون قبل الاسلام “النصرانية”. لذلك عندما هاجم الاسلام “النصرانية”، فهو فى الحقيقة لم يهاجم المسيحية الارثوذكسية وإنما هاجم البدع التى وُجِدَت آنذاك فى شبه الجزيرة العربية وكانت ملتحفة بإسم المسيحية. وبالطبع شرح وتوضيح ذلك يخرج عن مجالنا هنا. وعن أشهر المراكز “النصرانية” هذه فى شبه الجزيرة العربية، انظر أطلس العالم المسيحى.
[99] – بل وأيضا لدى اليهود أنفسهم، كما نرى فى العهد القديم. بل وحتى فى الدولة الرومانية، نسمع(فى سيرة الاربعين شهيدا شيوخ شيهيت) عن شكوى أحد الأباطرة من عدم الانجاب ورغبته فى الزواج بأخرى على أمل الانجاب.
[100] – هو البابا بطرس الثانى (373- 379م)، الاسكندرى الواحد والعشرون فى عداد البابوات الاسكندريين.
[101] – يقصد الاعتراف بسيامته.
[102] – الذين سبق وأن تحالفوا معه.
[103] – هى درنه الآن بتركيا.

Leave a Comment