تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح السادس – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح السادس

اسمعوا أيها الملوك وافهموا

يوجه الحكيم كلامه لكل أحد ومن ضمنهم الملوك وقضاة الأرض المتسلطين وذوي الكرامات لأن الله لم يخلق الإنسان عبدا بل ملكا صاحب سلطان لكن بسقوط الإنسان أصبح عبدا للخطية ولإبليس.
طلب من المتسلطين على الجماهير والذين يفتخرون أنهم ملوك وعدد عبيدهم كثير فليس بالطبيعة حسب خلق الله إنسانا عبدا أو آخر سيد لكن الإنسان هو الذي أوجد هذا النوع.
طلب منهم أن يكونوا مثل الآباء لأبنائهم يحوطوا الكل بمحبتهم فالقيادة هي بالحب والبذل.
فمعلمنا بولس قاد العالم كله ليس لذاته لكن لربنا يسوع بواسطة عمل روح الله فيه بكلامه وعظاته ومحبته وأعماله وتجواله خلص الكل من أسر إبليس وجعلهم أبناء لسيد واحد هو ربنا يسوع وصار لهم أباً (١كو٤: ١٥).
أوضح سليمان الحكيم أن سلطان الملوك والقضاة هو من الرب لأنه في الطبيعة جميعنا بشر وليس هنا سيد وعبد لكن السلطان والقوة هما بالإمكانيات البشرية التي يعطيها الله لكل إنسان ليخدم بها الآخرين سواء ذكاء أو عمل ما أو حكمة وبالحكمة يستطيع الإنسان أن يحب كل إنسان ويكسب كل إنسان حتى أعدائه، وأوصاهم سليمان الحكيم بمخافة الله لأنه هو الذي يفحص أعمالهم ومشوراتهم.
وأعطاهم الحكيم مشورة هي العمل بشريعة الله وبمشورة الله حتى يكون الحكام والمتسلطون هم خدام لله وليس مترأسين أو متغطرسين.
فإن المتسلطين والحكام لهم سيد هو الذي يحكم على أحكامهم بالعدل ولا يشفق إذا كانوا مدانين، وحكمه مخوف وسريع ولا يحابي الوجوه.
فإن الصغير والمتواضع أهلا لرحمة الله لكن القوي والمتعظم بقوته خصوصا من القيادات فهو يُفحص بشدة، وما يُحاسب عليه الصغير برحمة يُحاسب عليه القوي بشدة نظرا لأنه أخذ مواهب أكثر وقوة أكثر، كل حسب ما أخذ.
الله في دينونته لا يتراجع أمام أحد ولا يخشى عظمة إنسان مثل البشر في حكمهم لأنه هو صانع الصغير والكبير، هو الذي يقدم اعتناء بالصغير كما الكبير على السواء، بمقدار ما يعطي كل واحد بمقدار ما يحاسب على عطيته إن كان استخدمه للبنيان أو للهدم.
فإن أصحاب القوة والسلطان حسب ما أعطي لهم أيضا سيدانوا بما أعطي لهم بدقة وبشدة.
لكن إن أصغى الإنسان للتعلم إلى نهاية حياته ويتعلم الحكمة كل يوم لا يزل وينجوا من الدينونة إذ يعمل بما يتعلم من حكمة فيصير حكيما مفتديا الوقت لأن الأيام شريرة.
فالذي يحفظ القداسة تشهد له القداسة يوم الدينونة والذي يحفظ ما تعلمه أي يعمل به يجد دفاعا له يوم الدينونة ويستطيع أن يبرهن بأفعاله على ما تعلمه من حكمة الله.
دعى الحكيم هؤلاء الملوك ليقتنوا حياة القداسة والتعلم باشتياق إذ هو يرغب في فائدتهم وإلى تأدبهم بالقداسة والتلمذة.
الحكمة كأقنوم وهو ربنا يسوع يقول عنها الحكيم أنها مجيدة ولهذا قال معلمنا بولس عن ربنا يسوع أقنوم الحكمة ” الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره” (عب١: ٣).
والحكمة ليست زمنية تزول بل سرمدية أزلية أبدية.
الذي يرغب فيها ويسعى ويجاهد لأجلها تعلن ذاتها له لهذا قال ربنا يسوع ” الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي… أن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وأنا أحبه… وإليه نأتي وعنده نصنع منزلا” (يو١٤: ٢١، ٢٣).
لهذا قال الحكيم أن الحكمة سباقة للإعلان عن ذاتها للذين يرغبونها إذ تعلن نفسها لهم.
من يطلب الحكمة (ربنا يسوع) باجتهاد ويبكر لها يجدها، هي لا تدخل عنوة لكن من الضروري أن يسمح لها الإنسان بكل قلبه إلى الدخول، لذا يقول في سفر الرؤيا “هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه واتعشى معه وهو معي” (رؤ٣: ٢٠).
فالله الكلمة أقنوم الحكمة قريب من قلبنا عند أبوابنا من يطلبه يجده “لا تقل من يصعد إلى السماء ليأتي به أو ينزل إلى الجحيم ليصعد ربنا يسوع (رو١٠: ٦) فالذي يبكر إلى الله يجده (أم٨: ١٧؛ مز٦٣: ١).
فالذي يتأمل الحكمة في هدوء بعيدا عن الضوضاء يجدها في كمالها والذي يسهر طالبا إياها يكون معتمدا عليها خالي من الهموم، لذا يوصينا الآباء بالسهر لأنه ينقي العقل لذا تعمل كنيستنا الأرثوذكسية سهرات كثيرة في جميع المناسبات وباستمرار بالتسبحة في نصف الليل لكي تعلمنا السهر حتى نصير مثل الملائكة ننير ليلنا أو ليل العالم المظلم بضياء نهار التسبيح.
فالحكمة تجول في الطرق فمن يرق لها ويسمع لصوتها يجدها بل في كل فكر إن طلبها في عقله تأتي لملاقاته، وهنا أهمية الأفكار المقدسة كما قال الآباء عن قائد المائة الذي قال لربنا يسوع أنا أيضا إنسان تحت سلطان لي جند تحت يدي أقول لهذا يأتي فيأتي ولهذا اذهب فيذهب، هكذا علمنا الآباء أن نقول للفكر الحسن والحكمة أن يأتوا فيأتوا وللشر أن يذهب فيذهب.
الحكمة الكاملة تأتي أولا بتأديب أي تقبل تأديب الرب بفرح حتى نتحرر من الخطية.
والدرجة الثانية هي أن تجعلنا الحكمة نحبها أي نحب أقنوم الحكمة ربنا يسوع حيث يأتي البيت وعندنا يصنع منزلا (يو١٤: ٢٣).
والمحبة هي حفظ وصايا الله عمليا وتنفيذها. وتنفيذ الوصية يأتي بنا إلى الطهارة وعدم الفساد وهذا يجعلنا نقوم من موت الخطية وهذا الاشتياق يؤهلنا للقيامة الثانية والحياة الأبدية أي الخلود وإلى الملكوت الأبدي ملكوت السموات.
ثم يعود الحكيم بالتنبيه على ملوك الأرض أن الأرض غير دائمة وملكها غير دائم فلا تطيب لنا الحياة الأرضية لكن نكرم الحكمة التي تؤهلنا إلى ملكوت السموات والملك الأبدي مع ربنا يسوع ينبوع الحكمة.
يود الحكيم أنه كما عرف الحكمة وطلبها منذ صغره فأعطاها له الله يود أن تصل هذه الحكمة لكل إنسان ويفصح عنها وعن أسرارها عن طريق معرفته للحق والحق هو ربنا يسوع لهذا قال ربنا يسوع ” أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو١٤: ٦).
وطريق معرفة الحكمة هو الحب الذي يجمع، محبة الله والبشر فلا يسلك في طريق الحسد أي الكره الذي يجعل الإنسان مهلهلا ومظلما لأنه لا شركة للنور مع الظلمة ولا الحكمة مع الظلمة بل طريقها مملوء نورا (١يو٢: ١٠)، ويأتي هذا أيضا بحياة التأمل والعمل الذي تمثله راحيل وليئة زوجات يعقوب.
إن كثرة المرشدين والحكماء بالحكمة الروحية تخلص العالم فكلما زاد عددهم ازدادت البشرية معرفة بالله كلي الحكمة والله هو الذي يعطي بواسطتهم خلاصا، والملك الأرضي هو بحكمته يثبت شعبه في البر مثل الروح للجسد فهي التي تعطي حياة وثبات للجسد ومثل الملح للطعام هكذا أيضا المسيحيون في العالم هم خلاصا للعالم أي بواسطتهم الله يخلص العالم لأنهم يرشدوا العالم إليه وهذا ما قالته رسالة إلى ديوجنيتس في العصر الرسولي.
ثم يكرر الحكيم أن الاستفادة من الحكمة تبدأ بالتأدب وقبول تأديب الرب.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment