تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح السابع – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح السابع

أنا أيضا إنسان قابل للموت

 

  • يوضح الحكيم أنه ليس لميزة فيه اقتني أو وهبت له الحكمة وذلك للأسباب الآتية :-

أنه إنسان قابل للموت مثل سائر البشر.
أنه يشترك في نفس طبيعة البشر بالتساوي.
هو منحدر من آدم وهو أول من خلقه الله على الأرض.
وهنا يؤكد أن الامتيازات أو المواهب التي وهبها الله للبشر هي من جوده فإن إيليا رغم ما وصل إليه من منع المطر ٣.٦ سنة وصعوده في مركبة نارية هو إنسان تحت الآلام مثلنا كما قال معلمنا يعقوب (يع٥: ١٧).
أيضا معلمنا بولس الذي غزا المسكونة كلها وفتنها بكرازته هو إنسان أيضا له آلامه التي سجلها في (٢ كو١١) في إصحاح كامل لكنه كان يؤمن أن الآلام لها مجد أبدي ولا تساوي شيئا مقارنة بالمجد (٢ كو٤: ١٧).
أوضح معلمنا سليمان كيف أنه تكون كجنين في رحم أمه لمدة ١٠ أشهر حسب التقويم القمري الذي يعتبر الشهر ٢٨ يوما فتكون مدة الحمل ٢٨٠ يوما أي ٢٧٠ يوما (٩ أشهر) مضافا إليها ١٠ أيام.
تكوَّن أو تغذى من دم أمه وهو ناتج من زرع البشر من العلاقة الزوجية ومن اللذة الجسدية لكن ليست لذة أثيمة لأن الله يقدس الإنسان مثلما قيل عن إرميا النبي في (إر١: ٥) أنه قدسه وهو في رحم أمه.
تكلم الحكيم عن عطايا الله العامة وهي التي يشترك فيها الأغنياء والفقراء وهي ذات أهمية كبرى في حياتهم على الأرض وترك المقتنيات الكمالية للملكية الخاصة.
فقد ولد يتنفس الهواء مثل كل البشر وهذا يشترك فيه الفقير والغني، وعاش على الأرض بسبب الجاذبية الأرضية.
ولما ولد استهل صارخا وهذا نتيجة الصدمة التي تصاحب أول تنفس للطفل.
وهذا كله، التنفس والحياة على الأرض يتساوى فيها الجميع لئلا كان يأخذها الأغنياء ويُحرم منها الفقراء لكن الكماليات للأغنياء حتى يعطوا الفقراء والفقراء يأخذوا ويشكروا الله.
أوضح الحكيم أنه رغم أنه ملك ولد في القماط وكأن القماط قيود لذلك ذكر بعدها كلمة الهموم.
فيؤكد الحكيم أنه رغم أنه ملك لكنه يتساوى بطريقة الحياة مع كل البشر لأن بدء وجودهم كان بطريقة متساوية.
بل أن مدخل الجميع ومخرجهم واحد إذ دخل الجميع بالميلاد عراة ويخرجون بالموت عراة أيضا كما قال أيوب (أي١: ٢١).
أوضح سليمان كيف اقتنى الحكمة حيث صلى إلى الله أن ينالها وفعلا ظهر له الله لأجل اتضاعه ولأجل أنه لم يطلب غنى أو شيئا آخر فأعطاه الله حكمة أفضل من كل من على الأرض ليس في جيله فقط بل في كل الأجيال وأضاف إليه غنى مادي فصار أغنى ملوك الأرض وهيبته على كل ملوك الأرض، فأعطاه الله موهبة الحكمة النازلة من فوق من عند أبي الأنوار (يع١: ١٧) لأن الحكمة نور.
ولما عرف قيمتها فضلها على السلطان ومجد العروش وعن الغنى لأنها أفضل منه لأنها هي أقنوم الحكمة.
فهي أفضل من الأحجار الكريمة والذهب بالنسبة لها كمثل الرمل والفضة كالطين لأن الحكمة روحية فهي أثمن بما لا يقاس بالماديات التي هي أرضية من طين ورمل الأرض (أم١٦: ١٦).
فضل الحكيم أقنوم الحكمة ربنا يسوع أن يقتنيه عن أي شيء مادي حتى لو كانت الصحة والجمال المادي الذي يذبل بعد حين.
والعجيب أنه آثر أن يتخذها قبل النور، وهنا إشارة لاهوتية رائعة إذ أن أقنوم الحكمة كان موجودا قبل خلقة النور بل أن النور ناتج من خلقة أقنوم الحكمة له بالإضافة إلى بهاء مجد النور المنبعث من أقنوم الحكمة كما قال معلمنا بولس الرسول عن ربنا يسوع ” الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره” (عب١: ٣).
وهنا فضل الحكيم اقتناء ما هو ثابت لا يزول عن ما يزول ومادي، فجمال الروح أفضل من جمال الجسد وصحة الروح أفضل من صحة الجسد.
عندما يقتني الإنسان الحكمة الأزلية أو أقنوم الحكمة الأزلي لا يكون فارغا بل يأتي ومعه كل الخيرات لأنه ينبوع كل الخيرات سواء خيرات روحية أو مادية بغنى لا يحصى من وفرة عطائه.
إذ سُر الحكيم بالخيرات التي صاحبت الحكمة لكن عرف أن الحكمة هي مصدر الخيرات بل هي صانعة الخيرات لهذا تصلي كنيستنا القبطية في صلاة الشكر وتقول (فلنشكر صانع الخيرات) لكن هنا يؤكد أن الحكمة سابقة على الخيرات لأن الخيرات مخلوقة أما الحكمة فهي أزلية.
ما علمته الحكمة للحكيم سليمان قدمه سليمان ليشترك فيه الآخرون بسخاء حتى يذيع غنى حكمة الله ربنا يسوع.
الحكمة هي كنز لا يفنى لجميع الناس على السواء والذين اقتنوا كنز الحكمة الأزلية صاروا أصدقاء الله لأنها هي الله ذاته، ألم يكن إبراهيم خليل الله وصديقه عندما اقتنى الحكمة بالطاعة وترك أهله وعشيرته وأرضه؟ ولما أراد الله أن يهلك سدوم وعمورة أخبر إبراهيم، ألم يتعهد الله بأصدقائه لأن الحكمة الأزلية اقتنوها حتى في ساعة الخطأ مثلما كذب إبراهيم على فرعون وقال عن سارة أنها أخته وعرف فرعون أنها زوجته فتعهدته الحكمة وأخلى فرعون إبراهيم بغنى كثير من أرضه.
وأيضا الحكمة تعطي مواهب روحية لأصدقاء الله فقد علم فرعون أن إبراهيم نبي فطلب أن يصلي عنه، هكذا الحكمة مواهبها أيضا روحية لأصدقاء الله.
والحكمة تجعل من البشر أصدقاء لله أي أنها مصالحة العالم بالله وهذا ما فعله ربنا يسوع إذ تجسد وفدى البشرية لكي يصالحها على الله.
طلب الحكيم سليمان من الله كلي الحكمة أن يعطي له أن يتكلم عن الحكمة بما يليق بها وأن ينشغل بها في فكره حتى يكون أهلا لما أعطته الحكمة من مواهب لأن الله هو مرشد ودليل الحكمة للذين يطلبونها.
لأن الله في يده البشر والحكيم ذاته (سليمان) وأيضا أقواله، بل هو الذي يعطي الحكمة لمتعلمي علوم الأرض أو السماء وكل صناعة هي بمواهب حكمة الله المتنوعة مثلما أعطى الله حكمة لبصلئيل لعمل ما يلزم لخيمة الاجتماع.
فقد وهب الله سليمان حكمة غير عادية وعِلما يقينا أي أكيد واضح وليس وهما ولا ادعاء.
فقد عرف أن العناصر مكونة من المواد المختلفة.
وعرف حساب الأزمنة وتعاقب فصول السنة بين الشتاء والصيف والاعتدالات التي بينهم مثل الاعتدال الربيعي في ٢١ مارس وقبل الشتاء اعتدال آخر هو فصل الخريف.
وعرف أيضا دورات السنة بواسطة النجوم مثلما عرف قدماء المصريين نجم الشعر اليماني وارتباطه بفيضان النيل.
وعرف طبائع كل حيوان، فترة كمونه وفترة نشاطه ونوعية طعامه وغيره، وحاليا يدرس هذا العلم في كليات الطب البيطري بنفس الاسم (طبائع الحيوان).
وعرف أيضا علم الطقس أي أنواع الرياح متى تهب ومن أين وإلى أين تذهب.
وعرف أيضا طريقة أو طرق تفكير البشر.
بل عرف جميع أنواع النباتات من الحشائش إلى الأشجار المعمرة كما ذكر في (١مل٤: ٣١- ٣٤) وكان له ٣٠٠٠ مثل و١٠٠٥ نشيد كوسيلة تعليمية لعلمه الذي وهبه الله له.
فقد عرفه الله كل ذلك بل كل ما هو ظاهر في الطبيعة بل وما هو خفي أيضا فيها من معادن ومن أسرار الحيوانات ولغتها كما قال العلامة أوريجانوس عن التقليد اليهودي.
يصف أقنوم الحكمة في الآيتين ٢٢ و ٢٣ بــ ٢١ صفة عبارة عن (٣ إشارة للثالوث X  ٧ إشارة أو رمز للكمال) وهي :-

  1. روح : فالله في طبيعته روح كما تكلم ربنا يسوع مع السامرية في (يو٤: ٢٤) عندما كلمها عن السجود بالروح والحق.
  2. فطــــن : أي ثاقب النظر يعمل برؤيته الكلية للأشياء التي لا يعرفها غيره إذ أقنوم الحكمة هو حكمة الله (١ كو١: ٢٤).
  3. قـــدوس : وهذه طبيعة الله وهي كلمة تعني سامي عن الأرضيات وكلي القداسة، وهي تعني أيضا بالنسبة للإنسان: المفرز لعمل يخص الله (كو٣: ١، ٢).
  4. وحــــيد : إذ دعي أقنوم الحكمة بالوحيد أي ابن الله الوحيد من جهة اللاهوت حيث أنه مولود من الآب قبل كل الدهور من نفس ذاته الإلهية وهو مساوي لأقنوم الآب وأيضا للروح القدس.
  5. متشــعب : أي متنوع لكن غير منقسم فهو يحكم كل شيء في العالم والخليقة فبالتالي يقوم بوظائف غير محدودة أي لا نهائي في كل شيء.
  6. لطــــيف : هذه هي طبيعة الروح أي غير مادي أو كثيف بل من طبيعة روحية غير مادية.
  7. متحـــرك : أي دائم العمل كما كلم ربنا يسوع اليهود بعد معجزة مفلوج بركة بيت حسدا في (يو٥: ١- ١٧) وقال ” أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يو٥: ١٧).
  8. ثاقــــب : أي ناظر إلى أعماق الأشياء التي لا تستطيع أي خليقة أن تراها وأيضا تعني قمة الحكمة في كل عمل. وتعني أنه يخترق كل مكان أي لا يحده مكان أي غير مُحوى كما تقول الكنيسة القبطية في قسمة صوم الميلاد.
  9. طاهـــــر : فهو أي أقنوم الحكمة كلي الطهر بل كل الخليقة السماوية والأرضية غير طاهرة أمامه.
  10. واضـــح : فالله روح بسيط وهذه طبيعة الروح أما طبيعة المادة فهي مركبة من عناصر كثيرة.
  11. سلـــيم : أي ليس فيه عيب أو نقص ما أي كامل.
  12. محب للخير ومحسن : أي دائما عمله خير لأنه قدوس وليس به شر كما قال معلمنا بولس في (عب ١) “قدوس وبلا شر قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات”، وطبيعة الله العطاء بلا حدود.
  13. حــــــاد : أي عادل وحازم.
  14. حــــــر : أي لا ينغلب من شيء لأنه هو الظافر على كل شيء من المخلوقات سواء أرضية أو سماوية، وقد قيل عن ربنا يسوع ” خرج غالبا ولكي يغلب”.
  15. محب البشر : وهي من صفات الله الرائعة إذ قيل عن الله أن لذته في بني البشر.
  16. واستخدمت كنيستنا هذا اللفظ vilan`qrwpe في المزمور ١١٨ في الخدمة الأولى في صلاة نصف الليل كمرد لقطعه الــ ٢٢ كما تستخدم كمرد لمعظم قطع Ten qhnou (قوموا يا بني النور) في أول تسبحة نصف الليل.
  17. ثابت في ذاته : أي في كينونته ثابت غير متغير وهذه طبيعة اللاهوت أما ما هو متغير فهو يخص المخلوقات لكن الله هو هو أمس واليوم وإلى الأبد هذا ما قيل عن ربنا يسوع في (عب١٣: ٨).
  18. آمـــــن : إذ لا يستطيع أي مخلوق أو أي شيء أن يهدده مثل المخلوقات لأنه كلي القوة والقدرة فهو آمن ويؤمن مخلوقاته التي تطيعه.
  19. مطمـــئن : إذ هو ينبوع السلام وربنا يسوع هو رئيس السلام لهذا كان مطمئنا لا ينزعج مثل بني البشر.
  20. قـــــدير : أي كلي القدرة لا تعلوه قدرة وقادر على كل شيء (رؤ١٩: ٦).
  21. ضابط الكل ويراقب كل شيء : أي هو يجعل المسكونة وجميع خلائقه تسير حسب أمره لا تشذ عن ما رسم لها، ولهذا تضع الكنيسة القبطية أيقونة شرقية الهيكل ربنا يسوع الجالس على العرش الذي تحمله الــ ٤ كائنات غير المتجسدة وتسميها الــ Pantokratwr أي الضابط الكل حيث يمسك فيها ربنا يسوع قضيب ملكه إذ هو ملك الملوك ورب الأرباب.
  22. أقنوم الحكمة أكثر حركة من أي شيء متحرك : فأقنوم الحكمة ربنا يسوع دائم الحركة والعمل فهو موجود في كل مكان ويعمل في كل مكان (مز١٣٨: ٢٧) وهو وعدنا أنه يكون معنا ونحن معه دائما (يو١٧: ٢٣).

إن الحكمة روح فبالتالي هي روح الله الذي هو نسماته كما نفخ الله قديما في التراب فصار نفسا حية وكان آدم، هكذا طبيعة الله حياة وأيضا الله كأقنوم الحكمة له مجده كما قال معلمنا بولس ” الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره” (عب١: ٣).
فالله ليس فيه أي شيء غير طاهر بل هو قدس كل خليقته وليس في خليقته شيء دنس إلا إذا اختار الإنسان الفساد فيفسد طبيعته فكل شيء طاهر للطاهرين (تي١: ١٥).
فأقنوم الحكمة هو بهاء النور الذي هو طبيعة الله أو الله الآب والبهاء هو أقنوم الابن، فلا يوجد نور دون بهاء هكذا لا يوجد الآب دون الابن وهذا يعبر عن قوته وصلاحه لذلك يدعى الابن قوة الله وحكمة الله (١كو١: ٢٤).
الحكمة تقدر على كل شيء إذ أقنوم الحكمة ربنا يسوع قادر على كل شيء لأنه الله.
هو يغير ويجدد في الخليقة دون أن يتغير فهي لباس يطوى أما هو فسنيه لا تبلى مثلما قيل في (مز١٠٢: ٢٧؛ عب١: ١٢).
على مر السنين وعلى مر الأجيال تصادق القديسين مثلما صادق الله إبراهيم (تك١٨: ١٧)، وموسى النبي (خر٣٣: ١١)، وصادق الرب أيوب وقال عنه ليس كامل مثله في كل الأرض (أي١: ٨)، وأيضا صادق الله صموئيل وناداه وهو صبي ٣ مرات وأعلمه بالقضاء على بيت عالي وكان صموئيل أمينا في خدمته، وأيضا تصادق الله مع داود وقيل أن الله وجد قلب داود حسب قلبه، وهكذا صادق الأنبياء مثل إشعياء ودانيال الذي كان محبوبا جدا.
وقد حدد الحكيم سليمان أن الله يحب من يحب الحكمة أي الذي يضع قلبه في محبة الله فهو الذي يجد الله في قلبه محلا لسكناه.
قارن الحكيم بين ضياء نور الحكمة أو ضياء نور أقنوم الحكمة وأكبر ضوء يُرى في الأرض وهو الشمس فالشمس في اليوم تغرب أي يأتي بعد نورها ليل أما الله أقنوم الحكمة فثابت في نوره الأزلي.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment