التاريخ الكنسي لسوزومين – الكتاب الثامن – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”التاريخ الكنسي لسوزومين – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس” field=name]

الكتاب الثامن: الفصل الأول

(خلفاء ثيودوسيوس الكبير. مقتل روفينوس البريتوريان. رؤساء كهنة المدن الرئيسية. الاختلافات بين الهراطقة. رواية سيسنيوس اسقف النوفاتيين)

(8/1/1) هكذا كانت وفاة ثيودوسيوس([1])الذى ساهم بشكل فعَّال جدا فى تعظيم شأن الكنيسة. لقد توفى فى الستين من عمره، وفى السنة السادسة عشر من حكمه. وخلفه ابنيه اركاديوس، الابن الأكبر لحكم الشرق، وهونوريوس لحكم الغرب. وكانا كلاهما يعتنقان نفس المفاهيم الدينية لوالدهما.
(8/1/2) وكان داماسوس، قد توفى. وفى هذه الفترة، كان سيركيوسSiricius  زعيما لكنيسة روما. ونكتاريوس لكنيسة القنسطنطينية. وثيوفيلس لكنيسة الاسكندرية. وفلافيانFlavian  لكنيسة انطاكية، ويوحنا لكنيسة اورشليم. وكانت ارمينيا والمقاطعات الشرقية فى هذه الفترة تُدار بواسطة الهون البرابرة.
(8/1/3) وأُشتبه فى روفينوس حاكم الشرق بأنه قد دعاهم سرا لتخريب المقاطعات الرومانية لتعزيز طموحاته الخاصة لأنه قيل أنه كان يتطلع إلى الطغيان. ولهذا السبب قُتِل بعد فترة وجيزة، لأنه بعد عودة القوات من غزوة يوجينس، خرج اركاديوس، وفقا للعادة من القنسطنطينية للقائها. فانتهز الجنود هذه الفرصة وذبحوا روفينوس. وقد أدت هذه الظروف إلى امتداد المسيحية على نطاق كبير.
ونسب الامبرطوران سهولة القضاء على الطاغية، وفشل مؤامرة روفينوس للاستيلاء على السلطة إلى تقوى أبيهما. ولذلك أكدا بسهولة كل القوانين التى سُنَّت من قِبل أسلافهما لصالح الكنائس، ووهبا هبات خاصة من عندهما علاوة على ذلك. واستفاد رعاياهما من مثالهما لدرجة أن الوثنيين قد اهتدوا إلى المسيحية بيُسر، وانضم الهراطقة إلى الكنيسة الجامعة.
(8/1/4) ونظرا للنزاعات التى ثارت بين الأريوسيين والانومنيين والتى أشرتُ إليها سابقا، تناقص عدد هؤلاء الهراطقة يوميا. ذلك أن كثيرين منهم إذ تمعنوا فى المفاهيم التى سادت بينهم توصلوا إلى قناعة بأن حقيقة الله لا يمكن أن تكون حاضرة لديهم، فذهبوا إلى أولئك الذين يأخذون بإيمان الأباطرة([2]).
وتأثرت مصالح المقدونيين فى القنسطنطينية على نحو ملموس لكونهم بلا اسقف فى هذه الفترة، ذلك أنهم كانوا يُسَاسون بواسطة الكهنة فقط منذ أن حُرِمُوا من كنائسهم بواسطة يودكسيوس فى عهد قنستانتيوس، وظلوا كذلك إلى العهد التالى. أما النوفاتيون من ناحية أخرى فإنه على الرغم من أنهم قد تطوحوا بالجدل الخاص بعيد الفصح الذى ابتدعه ساباتيوس، إلاَّ أنهم فى معظمهم قد ظلوا هادئين فى كنائسهم ولم يتعرضوا لأى تحرش من أحدٍ أو أية عقوبات، أو قوانين تُسَّن ضدهم كتلك التى تُسّن ضد الهراطقة الآخرين، لأنهم حافظوا على مساواة الأقانيم الثلاثة فى الثالوث فى ذات الجوهر. كما مالت فضيلة قادتهم أيضا إلى حفظ الوئام فيما بينهم إلى حد كبير.
(8/1/5) وبعد رئاسة آجليوس، حَكَمهُم ماركيان([3]) وهو رجل جيد، وعند وفاته قبل الوقت محل النظر الآن بقليل آلت الاسقفية إلى سيسنيوس Sisinius، وهو رجل بليغ جدا وضليع فى عقائد الفلسفة([4]) والكِتاب المقدس، وخبير جدا فى المناظرة لدرجة أن يونوميوس الذى كان متمرسا جيدا على هذا الفن ومؤِّثر فى هذا العمل، كان يرفض فى كثير من الأحيان المناقشة معه. وكان نمط حياته فطنا وفوق كل شبهة، غير أنه كان منغمسا فى الترف وحتى فى الملذات لدرجة أن أولئك الذين كانوا يعرفونه كانوا يرتابون فيما إذا كان يقدر أن يبقى معتدلا وسط هذا الخضم الوفير، وكانت اخلاقه كريمة ودمثة فى المجالس. ولهذا السبب كان محترما من قِبل اساقفة الكنيسة الجامعة، ومن قِبل الحُكام والمتعلمين. وكانت دعاباته تزخر بالطبيعة الجيدة وكان يمكنه تحمَّل السخرية دون أن يبدى أدنى إستياء. وكان سريع البديهة وبارعا فى تعقيباته. فعندما سُئِل ذات مرة عما إذا كان يستحم مرتين يوميا وهو اسقف، أجاب لأننى لا استحم ثلاث مرات. وفى مناسبة أخرى، إذ تعرَّض للسخرية من أحد أعضاء الكنيسة الجامعة لأنه يرتدى زيا أبيض، سأله أين ورد أمرُ بأن يرتدى زيا أسود([5]). وعندما تردد الآخر فى الاجابة، استطرد قائلا إنك لا تستطيع أن تقدِّم أية حجة لدعم موقفك، أما أنا فأحيلك إلى سليمان أحكم الرجال([6])الذى يقول “لتكن ثيابكم دائما بيضاء”([7]) وأكثر من ذلك يُوصَف السيد المسيح بأنه تجلى للرسل فى ثياب بيضاء، وأيضا كان موسى وايليا بثياب بيضاء.
(8/1/6) ويبدو لى أن الرد التالى كان بارعا جدا. فعندما كان ليونتيوس([8]) اسقف انقيرا بغلاطية يقيم بالقنسطنطينية بعد أن كان قد حَرم النوفاتيين من كنائسهم فى مقاطعته، ذهب إليه سيسنيوس ليلتمس منه استرداد الكنائس، ولكنه كان أبعد ما يكون عن الامتثال، وسبَّ النوفاتيين وقال أنهم لا يستحقون امتلاك كنائس لأنهم بإبطالهم لفريضة التوبة قد اعترضوا بذلك على محبة الله للبشر. فأجاب سيسنيوس على هذا، ليس هناك مَن يُكفِّر عن الذنب مثلما أفعل أنا. فسأله ليونتيوس بأية طريقة فعل ذلك، فرد سيسنيوس بحسم، بمجيئى إليك.
(8/1/7) ولقد نُسِب إليه العديد من الخُطب البارعة الأخرى، ويُقال أن له أعمال عديدة مكتوبة بشىء من البلاغة. ولكن هناك خُطبة حازت على قدر أكبر من الاستحسان عن كُتبه، إذ كان أفضل فى الخطابة وقادرا على جذب السامع بواسطة صوته ونظرات محياه السارة. هذا وصف مختصر يمكن أن يكون دليلا على نمط حياة هذا الرجل العظيم.

الكتاب الثامن: الفصل الثانى

(تعليم وتدريب وسلوك وحكمة فم الذهب العظيم. اعتلائه للكرسى. ثيوفيلس اسقف الأسكندرية خِصمه)

(8/2/1) وفى حوالى هذه الفترة، تُوفى نكتاريوس. فعُقِدت مباحثات طويلة بشأن سيامة خلف له، وصوَّت الجميع لأفراد مختلفين، وبدا من المستحيل أن يتفق الجميع على شخص واحد، ومرَّ الوقت على نحو ثقيل.
(8/2/2) ومع ذلك كان هناك كاهن ما فى انطاكية على [نهر] اورانتوس([9]) يُدعَى يوحنا. وهو رجل نبيل المولد وذو حياة مثالية، ويمتلك قوة بلاغة عجيبة، وقدرة على الإقناع أشاد بها ليبانيوس الفيلسوف السورى الذى فاق جميع خُطباء عصره. فعندما سُئِل وهو على فراش الموت من قِبل أصدقائه عمن ينبغى أن يشغل مكانه أجاب: يوحنا لو لم يأخذه المسيحيون منا.
وكثيرون ممن سمعوا عظاته فى الكنيسة تحمسوا لحب الفضيلة، واعتناق مفاهيمه الدينية. إذ أنه بعيشته للحياة التقوية غرس الغيرة من فضائله الخاصة فى سامعيه. ووَلَّد فيهم قناعة مماثلة لقناعته هو، لأنه لم يفرضها عليهم بقوة البلاغة، لكنه كان يشرح الكتب المقدسة بصدق وأمانة، لأن الكلام المزين بالأعمال يُظهِر، عادة، نفسه أنه مستوجبٌ للتصديق. ولكنه بدون ذلك([10]) يَظهر المتكلم كدجال وخائن لكلامه، حتى وإن كان يُعلِّم بجدية. وكان الاستحسان فى كليهما ينطبق على يوحنا. فقد كرَّس نفسه لحياة فَطنة، ولمهمة عامة شاقة، بينما استخدم أيضا اسلوب إلقاء واضح متحدا بالتأنق فى الخطاب.
(8/2/3) كانت قدراته الطبيعية ممتازة، وجَوَّدها بالدراسة على يد أفضل المعلِّمين. فقد تعلّم البلاغة على يد ليبانيوس، والفلسفة من أندراجاثيوس. وعندما كان من المتوقع أنه سيتبنى مهنة القانون والمشاركة فى الحياة المهنية كمحامى، عزم على تدريب نفسه بالكُتُب المقدسة وممارسة الفلسفة وفقا للقانون الكنسى، فاتخذ له كمُعلِّمين لهذه الفلسفة اثنين من أشهر رؤساء المؤسسات الرهبانية: كارتيريوس  Carteriusوديودورس Diodorus. فقد أدار ديودورس فيما بعد كنيسة طرسوس. وقد عَلِمتُ أنه قد ترك كُتبا كثيرة من كتاباته يشرح فيها دلالات الكلام المقدس، وتجنّب الرمزية.
(8/2/4) ولم يتلق يوحنا تعليم هؤلاء الرجال بمفرده، بل اقنع ثيودور ومكسيموس اللذين كانا رفقائه فى التعلم لدى ليبانيوس بإصطحابه. وقد صار مكسيموس بعد ذلك اسقفا على سلوقية فى ايسوريا، وثيودور اسقفا على موبسستيا فى كيليكية. وكان ثيودور مُلِّما جيدا بالكُتب المقدسة، وببقية تهذيب البلغاء والفلاسفة. وبعد دراسة القوانين الكنسية والتردد على مجتمعات الرجال القديسين، امتلأ اعجابا بنمط الحياة النسكية وأدان حياة المدينة. غير أنه لم يثابر على هذا الغرض، إذ عاد إلى حياته السابقة. ولكى يبرر سلوكه هذا، أورد أمثلة كثيرة من التاريخ القديم والتى كان على دراية تامة بها، وعاد إلى المدينة.
(8/2/5) ولما سمع يوحنا أنه قد انشغل بالأعمال التجارية وعزم على الزواج، ألف رسالة أكثر تقوى فى اللغة والفكر عما يمكن أن ينتجه عقل انسان وأرسلها إليه. فلما قرأها ندِم وتخلى فى الحال عن ممتلكاته، وعن عزمه على الزواج، وخَلُص بنصيحة يوحنا، وعاد إلى مهنة الفلسفة([11]).
(8/2/6) وهذه الحالة المدهشة تبدو لى برهانا على قوة بلاغة يوحنا حتى أنه أقنع بسهولة عقل واحدٍ كان هو نفسه معتادا على إقناع الآخرين.
(8/2/7) بهذه البلاغة، جذب يوحنا إعجاب الناس، فى حين أنه أدان بشدة الخطاة حتى داخل الكنائس، وعادى بجرأة كل أعمال الظُلم كما لو كانت قد أُرتُكِبت ضده هو شخصيا. وهذه الجرأة بالطبع سرَّت الناس، لكنها أحزنت الأثرياء والأقوياء الذين كانوا مُذنبين بالأكثر بالرذائل التى نَدَّد بها.
(8/2/8) وإذ حاز يوحنا على هذا التقدير مِن قِبل أولئك الذين عرفوه من خلال الخبرة، ومن قِبل أولئك الذين كانوا على دراية به من خلال تقارير الآخرين، فقد حُسِب من قِبل جميع رعايا الإمبراطورية الرومانية بأنه الأجدر فى القول والفعل لأن يكون اسقفا لكنيسة القنسطنطينية. وأجمع الكهنة والشعب على انتخابه، وصدَّق الإمبراطور على اختيارهم وأرسل أيضا بعثة لمباشرة السيامة، ولإضفاء جدية أكبر عليها عقد مجلسا.
ولم يمض وقت طويل على وصول خطاب الإمبراطور إلى استيريوس  Asteriusجنرال الشرق، حتى أرسل إلى يوحنا يطلب منه الحضور إليه كما لو كان محتاجا إليه.
(8/2/9) وعندما وصل أركبه على الفور فى مركبته، ونقله مع رسالة إلى مركز حربى يُدعَى باجراس Pagras حيث سَلَّمه للضباط الذين أرسلهم الإمبراطور لإحضاره. ولقد تصرف استيريوس بفطنة شديدة فى استدعائه ليوحنا قبل أن يُعلِم مواطنو انطاكية بما كان على وشك الحدوث. إذ كان من الممكن أن يُثيروا شغبا، ويُلحِقوا الضرر بالآخرين، أو يُعرِّضوا أنفسهم لأعمال عنف أكثر مما كان سيعانيه يوحنا عندما كان سيُؤخذ منهم.
(8/2/10) وعندما وصل يوحنا إلى القنسطنطينية، واجتمع الكهنة معا، عارَض ثيوفيلس سيامته واقترح عِوضا عنه مرشحا من كنيسته يُدعَى اسيدورس([12]) الذى كان يهتم بالغرباء وبالفقراء بالاسكندرية. وقد عَلِمتُ من أشخاصٍ كانوا على معرفة تامة باسيدورس، أنه قد مارس الفضائل الفلسفية([13]) منذ شبابه فصاعدا بالقرب من الاسقيط. ويقول آخرون أنه قد اكتسب صداقة ثيوفيلس لكونه قد شارك وساهم فى القيام بمهمة كانت محفوفة بالمخاطر. وهى أنه أثناء الحرب ضد مكسيموس، عَهَد ثيوفيلس إلى اسيدورس بحَمل رسائل وهدايا موجهة إلى الإمبراطور وإلى الطاغية على التوالى، وأرسله إلى روما وطلب منه البقاء هناك إلى انتهاء الحرب، فيُسلِّم الرسائل إلى المنتصر. وتصرَّف اسيدورس وفقا لتعليماته، ولكن الحيلة انكشفت فهرب إلى الأسكندرية خوفا من إلقاء القبض عليه. ومنذ ذلك الحين أبدى ثيوفيلس كل اهتمام له، ومن باب تعويضه على خدماته، جاهد فى ترقيته إلى اسقفية القنسطنطينية([14]).
(8/2/11) ولكن سواء أكانت هذه الرواية حقيقية أم لا، وسواء أكان ثيوفيلس قد رغب فى سيامته بسبب امتيازه أم لا، فإنه من المؤكد أنه قد أذعن فى نهاية المطاف لأولئك الذين صوَّتوا ليوحنا. وخشى من يوتروبيوس الذى كان متحمسا بشدة لهذه السيامة. وكان يوتربيوس Eutropius آنذاك يرأس دار الإمبراطورية، ويُقال أنه هدد ثيوفيلس أنه ما لم يصوت مع الاساقفة الآخرين، فعليه أن يُدافِع عن نفسه ضد أولئك الذين سيتهمونه بإتهامات مكتوبة قبل وقت هذا المجلس.

الكتاب الثامن: الفصل الثالث

(الترقية السريعة ليوحنا للأسقفية، صراعات عنيفة بشأنها. إعادة التهذب للكنائس الأخرى فى كل مكان. ازالة عداوة فلافيان بإرساله لبعثة إلى روما)

(8/3/1) وبمجرد أن رُقِىَّ يوحنا إلى كرامة الاسقفية كرَّس اهتمامه أولا لإصلاح سيرة الإكليروس الخاص به، فوبَّخ وقوَّم طُرُقهم ونظَّم غذائهم وكل إجراءات معاملاتهم المتعددة الخاصة بهم. وطرد أيضا بعض الاكليروس من الكنيسة. وكان يتصرف طبيعيا فى شجب سلوك الآخرين، وفى مُعاداة، بعدلٍ، أولئك الذين يتصرفون بغير عدلٍ، وأفسح المجال لهذه الشخصيات لأن تظل أكثر فى الاسقفية. لأن طبيعته، وقد حاز على سلطة، جَعلتْ لسانه مهيأً للتأنيب، وحركَّت غضبه بسهولة نحو الأعداء. إنه لم يدخر جهده الرامى إلى إعادة تشكيل كنيسته الخاصة، ولكنه كرجل جيد وواسع الفكر، سعى إلى تصحيح الانتهاكات فى سائر انحاء العالم.
(8/3/2) وفور دخوله إلى الاسقفية، سعى إلى وضع نهاية للخلاف الذى نشأ بشأن بولينوس، بين الاساقفة الغربيين والمصريين وبين اساقفة الشرق. إذ لمَّا كان الشقاق العام قد ساد على الكنائس فى الإمبراطورية كلها فى هذا الصدد، فقد طلب من ثيوفيلس مساعدته فى مصالحة فلافيان مع اسقف روما. ووافقه ثيوفيلس على التعاون معه فى استعادة الوئام، فأرسل اكاكيوس اسقف بيرية، واسيدورس الذى كان ثيوفيلس قد رشحه للسيامة بدلا من يوحنا فى بعثة إلى روما. وسرعان ما حققوا الغرض من سفرهم، وابحروا عائدين إلى مصر. وتوجه اكاكيوس إلى سوريا حاملا رسائل تصالحية لمشايعى فلافيان من كهنة مصر والغرب. ووَضعت الكنائس، بعد زمن طويل، عدم الوئام جانبا واشتركت مع بعضها بعضا.
(8/3/3) غير أن أولئك المدعوين يوستاثيين فى أنطاكية قد استمروا لبعض الوقت فى عقد اجتماعات منفصلة على الرغم من أنه لم يكن لهم اسقف. ولم يعش ايفاجريوس خليفة بولينوس طويلا، كما دونا. وأظن أن المصالحة صارت أكثر سهولة للاساقفة نظرا لعدم وجود أى معارضة. وذهب العلمانيون بتوجيه من فلافيان، للإجتماع مع الجمهور، وتدريجيا مع مرور الزمن صاروا أكثر اتحادا.

الكتاب الثامن: الفصل الرابع

(مشروع جايناس القوطى البربرى. الشرور التى ارتكبها)

(8/4/1) وكان هناك بربريٌ اسمه جايناس Gaïnas، كان قد إلتجأ إلى الرومان وصعد من أدنى رتب الجيش إلى رتبة القيادة العسكرية. هذا خطط لإغتصاب عرش الإمبراطورية الرومانية. ومن هذا المنطلق استدعى مواطنيه القوط من بلدهم للقدوم إلى الأراضى الرومانية، وعيَّن أقاربه فى وظائف التربيون ورؤساء ألوف chiliarchs. وجعل تربنجيلوس  Tirbingilusأحد اقاربه، وكان يرأس فرقة كبيرة من القوات فى فريجية، يبدأ بتمرد. وبدا لكل شخص مسئول أنه كان يُعِد الطريق. وتحت زعم الاستياء من تخريب مدن فريجية كثيرة كانت قد وُضِعت تحت حراسته توجه جايناس لمساعدتها. ولكن عند وصوله، وعندما كان البربر مسلحون للحرب، كشف عن خطته التى كان قد اضمرها سابقا، ونهب المدن المُكلَّف بحراستها، وكان على وشك مهاجمة الأخرى. وتوجه بعد ذلك إلى بيثينية وحلَّ عند حدود خلقيدون وهدد بشن الحرب.
(8/4/2) وصارت بهذا مدن شرق أسيا، وكذلك الكثيرون الذين يعيشون بين هذه الاقاليم، إلى حوالى يوكسين Euxine، فى خطر.
ورأى الإمبراطور ومستشاروه أنه ليس من الآمان المغامرة بأى عمل خطر، بدون إعداد الرجال الذين كانوا بالفعل يائسين. فأعلن الإمبراطور أنه مستعد للموافقة على شروطه، وأرسل إلى جايناس ليطلب ما يريد.
(8/4/3) فطلب جايناس أن يُسلَّم له اثنان من القناصل هما ساتورينينوس واورليان اللذين شكَّ فى كونهما معادين له، ولما صارا تحت سلطته عفا عنهما. وعقد اجتماعا مع الإمبراطور بالقرب من خلقيدون فى بيت صلاة كان به قبر مودع فيه اوفيميا الشهيدة، وتبادلا فيه بأقسام الوعود بالصداقة لبعضهما البعض. وعند ذاك ألقى سلاحه وعاد إلى القنسطنطينية، وعُيّن بموجب مرسوم امبراطورى قائدا للقوات والفُرسان.
(8/4/4) وعم الازدهار إلى ما وراء الصحارى أكثر مما كان يمكن أن يكون بالاعتدال. ولما نجح هكذا بشكل عجيب على غير المتوقع فى مشروعه السابق، صمم على تقويض سلام الكنيسة الجامعة.
فلقد كان يعتنق، مثل بقية البرابرة، الهرطقة الاريوسية. فطلب من الإمبراطور، إما نتيحة لحث من رؤساء شيعته، وإما مدفوعا بإيحاءات طموحه الخاص، أن يضع تحت يد الاريوسيين إحدى كنائس المدينة([15]) متذرعا بأنه ليس من الصواب ولا من العدل أنه وهو جنرال للقوات الرومانية، أن يكون مضطرا للخروج خارج أسوار المدينة عندما يرغب فى الصلاة.
(8/4/5) فلما أُحيط يوحنا عِلما بهذا الأمر، لم يقف مكتوفى اليدين فجمع عندئذ سائر الاساقفة الذين كانوا موجودين آنذاك بالمدينة، وذهب معهم إلى القصر. وتحدث طويلا فى حضور الإمبراطور وجايناس، موبخا الأخير لكونه فارا من العدالة، وغريبا. وذَكَّره بأن حياته قد أُنقِذَت بواسطة والد الإمبراطور الذى أقسم بالإخلاص له، وبالمثل لأولاده وللرومان وللقوانين التى يسعى الآن إلى جعلها بلا فاعلية.
(8/4/6) وعندما تكلم هكذا أراه القانون الذى سنه ثيودوسيوس، ويحظر حيازة أى كنيسة للمبتدعين داخل الأسوار. ثم وجه خطابه للإمبراطور وحثه على الحفاظ على القوانين التى اصدرها ضد الهراطقة. وأخبره أنه سيكون من الأفضل أن يكون مجردا من الإمبراطورية عن أن يكون مذنبا بالكفر، وخائنا لبيت الله.
هكذا تحدث يوحنا بجرأة كرجل، ولم يدع مكانا للإبتداع فى الكنيسة التى تحت رعايته.
(8/4/7) ومع ذلك هاجم جايناس دون النظر إلى القسَم الذى أقسمه، المدينة. وقد اتضح قصده مُسبقا بظهور مُذَنَّب فوق المدينة مباشرة، وكان حجمه غير عادى، ويُقال أنه كان أكبر من أىٍ مما شوهِد سابقا، ووصل تقريبا إلى الأرض ذاتها.
وكان جايناس يهدف إلى الاستيلاء أولا على مخازن الصيارفة، وأَمُل فى جمع ثرواتهم الطائلة. ولكن عندما انتشرت الاشاعة بخطته اخفى الصيارفة ثرواتهم، ولم تعد هناك فضة على الموائد كما اعتادوا أن يفعلوا علنا.
فأرسل جايناس بعض البرابرة ليلا ليُضرموا النار فى القصر. ولكنهم كانوا غير ماهرين وغلبهم الخوف فارتدوا إلى الوراء. إذ أنهم عندما اقتربوا من الصرح، توهموا أنهم رأوا العديد من الرجال المدججين بالسلاح ذوى قامة هائلة. فعادوا ليُخبروا جايناس أن قوات جديدة قد وصلت.
ولم يُصدق جايناس كلامهم لأنه كان على ثقة من عدم دخول أى قوات للمدينة. ومع ذلك عاد الأفراد الآخرون الذين أرسلهم فى الليلة التالية لنفس الغرض بنفس التقرير. فذهب بنفسه كشاهد عيان  لهذا المشهد غير العادى.
(8/4/8) وإذ ظن جايناس أن القوات التى تحت إمرته قد سُحِبَت من المدن الأخرى لحماية المدينة والقصر ليلا ثم الاختفاء نهارا، تظاهر بأن عليه شيطان. وتحت هذا الزعم ذهب إلى الكنيسة التى شيّدها والد الإمبراطور تكريما ليوحنا المعمدان فى هبدوموس  Hebdomosليرفع صلاة، وبقى بعض البرابرة فى القنسطنطينية، ورافق آخرون جايناس وحملوا خفية أسلحة وأوانى مملوءة بالسهام فى مركبات السيدات. ولكن عندما أُكتُشِفت، ذبح الحراس الذين على الأبواب [اُولئك] الذين حاولوا عرقلة حمل الأسلحة. وامتلأت المدينة من البلبلة والضجة كما لو كانوا قد أُسِروا فجأة.
(8/4/9) وبرزت فكرة جيدة فى هذه اللحظة الرهيبة، إذ أعلن الإمبراطور بدون إبطاء أن جايناس عدو عام، وأمر بقتل سائر البرابرة([16]) الذين تركهم فى المدينة. وبمجرد صدور هذا الأمر الرسمى اندفع الجنود بسرعة على البرابرة وقُتِل العدد الأكبر منهم، ثم أضرموا النار فى الكنيسة التى سُميت على القوط، إذ كانوا يلتجأون إليها كالعادة، إذ ليس لهم ملجأ آخر حيث أُغلِقَت بوابات المدينة.
(8/4/10) وعندما سمع جايناس بهذه المصيبة، توجه إلى تراقيا ثم تقدم صوب خيرونسيس Cherronesus، عازما على عبور هللسبونت لأنه ظن أنه إذا استطاع التغلب على ساحل أسيا المقابل يمكنه إخضاع كل مقاطعات الإمبراطورية فى الشرق بسهولة.
ولكن كل هذه الظنون باءت بالفشل. لأن الرومان كانوا معضدين هنا بقوة إلهية.
(8/4/11) لأن الجيش الذى كان قد أرسله الإمبراطور كان فى متناول اليد برا وبحرا، تحت قيادة فلافيتا Flavita الذى كان رجلا جيدا، رغم أنه كان بربري المولد وكان جنرالا مقتدرا.
وإذ لم يكن لدى البربر سفنا فقد اضطروا إلى عبور هيلسبونت إلى القارة المقابلة على طوافات rafts([17]).
وهبت فجأة ريح عنيفة فبددتهم ودفعتهم بعنف قبالة السفن الرومانية. فغرق الجزء الأكبر منهم ومن خيولهم، وقُتِل العديد منهم على يد الجيش. ولكن جايناس وعدد قليل من اتباعه قد هربوا. ولكن بعد فترة ليست بطويلة بينما كانوا يفرون خلال تراقيا وقعوا فى يدىّ مفرزة أخرى من الجيش الرومانى، ولقى جايناس حتفه مع كل البربر الذين معه. وهكذا كانت نهاية مخططات جايناس الجريئة وحياته.
(8/4/12) وهكذا برز فلافيتا بوضوح شديد فى هذه الحرب، وبالتالى عُيٍّن قنصلا. وخلال قنصليته وقنصلية فنسنتيوس Vincentius وُلِد ابنٌ للامبراطور. ودُعِى الأمير الشاب على اسم جده([18])، وأُعلِن عند بدأ القنصلية التالية، أوغسطس.

الكتاب الثامن: الفصل الخامس

(يوحنا يؤثر على الشعب بتعليمه.المرأة تابعة مقدونيوس التى تَحوَّل الخبز إلى حَجرٍ فى فمها)

(8/5/1) وساس يوحنا كنيسة القنسطنطينية بفطنة نموذجية دفعت العديدين من الهراطقة والوثنيين إلى الاتحاد معه. ولجأت حشود من الناس إليه يوميا، البعض بقصد التعلّم بالاستماع إلى احاديثه، والبعض بغرض تجربته. ومع ذلك، كان يَسُّر الجميع ويجذبهم إلى تبنى نفس المفاهيم الدينية مثله. وكان الناس يحتشدون حوله، ولا يَشبعون من كلامه لدرجة أنهم كانوا يتدافعون هنا وهناك، ويضغط الواحد الآخر على نحو خطر. وكان كل واحد يشق طريقه ليذهب إلى أبعد ويكون قريبا ليسمع بأكثر دقة ما يقوله يوحنا.
لذلك جعل يوحنا مقعده فى وسطهم فوق منصة  platform القراءة ([19]) ليعلّم الجموع.
ويبدو لى أنه من المناسب أن أروى هنا معجزة قد حدثت خلال حياة يوحنا.
(8/5/2) كان هناك رجل من أتباع هرطقة مقدونيوس يعيش مع زوجة بنفس الاعتقاد. فتصادف أن سمِع عظة ليوحنا بخصوص الرأى الذى ينبغى الأخذ به بالنسبة للطبيعة الإلهية. واقتنع بالحجة التى سمعها، وسعى إلى إقناع زوجته لتبنى نفس الاعتقاد. ولكن عادات ذهنها السابقة وأحاديث النساء اللواتى تعرفهن قد منعتها من الامتثال لرغبته.
وعندما وجد أن سائر جهوده فى إقناعها ذهبت أدراج الرياح، قال لها أنه ما لم تكن معه فى وحدة رأى بالنسبة للموضوعات الإلهية، فلا يجب أن تستمر فى العيش معه. لذلك وعدَت المرأة أن تفعل ما طلب منها، ولكن فى نفس الوقت أعلمت إحدى خادماتها، والتى كانت تثق فيها، بالأمر واستخدمتها كأداة فى خداع زوجها.
(8/5/3) وفى وقت الاحتفال بالسرائر الإلهية (سيفهم المُعمَّدون ما أعنيه)، احتفظت هذه المرأة بما أُعطِي لها([20])، وأحنت رأسها كما لو كانت منهمكة فى الصلاة، فوضعت خادمتها التى كانت تقف خلفها فى يدها قطعة خبز كانت قد أحضرتها معها. ولكن بمجرد أن وضعتها بين اسنانها تحولت إلى حجر.
ولما حدث لها هذا الأمر الإلهى صارت خائفة جدا لئلا تحل عليها مصيبة أشد، وركضت إلى الاسقف واعترفت بنفسها وأرته الحجر الذى يحمل أثار اسنانها وكان يتكون من مادة غير معروفة ومميز بلون غريب. وطلبت المغفرة بدموع، واستمرت فى نفس الاعتقاد الدينى مع زوجها فيما بعد.
وإذا لم يُصدِّق أىُ شخصٍ هذه الرواية فليذهب ويفحص الحجر محل الحديث لأنه ما زال محفوظا فى خزانة كنيسة القنسطنطينية.

الكتاب الثامن: الفصل السادس

(اجراءات يوحنا فى اسيا وفريجية. هيراقليدس اسقف افسس، وجرونتيوس اسقف نيقوميديا)

(8/6/1) وإذ عَلِم يوحنا أن كنائس اسيا والمناطق المجاورة تُدار بواسطة اشخاص غير لائقين، وأنهم  يقايضون الكهنوت بالايرادات([21]) والهدايا الواردة، أو يمنحون هذه الكرامة من باب المجاملة، توجه إلى افسس وخلع ثلاثة عشر اسقفا بعضهم فى ليكيا وفريجيا، وآخرون فى أسيا نفسها، وعيَّن آخرون محلهم([22]).
وكان اسقف افسس قد توفى، فرسم هيراكليدس([23])Heraclides  على الكنيسة. وكان مواطنا قبرصيا وأحد الشمامسة تحت يوحنا وقد انضم سابقا لرهبان الاسقيط وكان تلميذا لإيفاجريوس الراهب. وطرد يوحنا أيضا جرونتيوس اسقف كنيسة نيقوميديا.
(8/6/2) وهذا الأخير كان شماسا مع امبروسيوس فى كنيسة ميلانو. وقد اَعلَن، لا اعرف لماذا، سواء بقصد ابتداع معجزة أو لأنه هو نفسه كان مخدوعا بحيل وأوهام الشيطان أنه قد أمسك ليلا بشىء ما يشبه الأتان وقطع رأسه وألقى بها فى طاحونة. فاعتبر امبروسيوس مثل هذا الحديث غير لائق بشماس الله. وأمر جرونتيوس بالاعتكاف إلى أن يكفر عن خطيته بالتوبة. ومع ذلك كان جراتيوس طبيبا ماهرا جدا وبليغا مُقنِعا ويعرف جيدا كيف يكسب الاصدقاء، وبالتالى سخر من امبروسيوس، وتوجه إلى القنسطنطينية. وهناك خلال مدة قصيرة حصل على صداقة بعض من أقوى رجال الحُكم، ورُقىَّ إلى اسقفية نيقوميديا ليس بعد ذلك بوقت طويل. ورسمه هيلاريوس اسقف قيصرية كبادوكية الذى انجز هذه المهمة له بأكثر استعداد لأنه كان له دور فعال من خلال معارفه بالبلاط فى الحصول على وظيفة عالية فى الجيش لإبنه([24]).
(8/6/3) وعندما سمع امبروسيوس عن سيامته، كَتَب إلى نكتاريوس رئيس كنيسة القنسطنطينية يرغّبه فى خلع جرونتيوس من الكهنوت، ولا يسمح بإنتهاك الرتب الكهنوتية. وكان نكتاريوس راغبا فى وضع هذه الرغبة موضع التنفيذ غير أنه اخفق فى تنفيذها بسبب المقاومة الشديدة من قِبل شعب نيقوميديا.
(8/6/4) ولكن يوحنا خلع جرونتيوس ورسم بانصوفيوس Pansophius الذى كان سابقا مهذبا لزوجة الإمبراطور، والذى كان غير مرغوبٍ فيه من النيقوميديين رغم أنه كان رجلا تقيا ولطيفا ومعتدلا فى سلوكه. فأثاروا شغبا متكررا وعقدوا لقاءات علنية وسرية مع جرونتيوس وصرحوا بالمزايا الناجمة عن عِلمه وكرمه ونشاطه من أجل الاغنياء والفقراء على السواء.
(8/6/5) وكما هى العادة عندما نمدح مَن نحبهم، نسبوا إليه العديد من الفضائل الأخرى، وطافوا فى شوارع مدينتهم، وفى القنسطنطينية وكأن زلزالا أو وباءً أو افتقاد ما من افتقادات الغضب الإلهى قد حلّ، وأنشدوا المزامير متضرعين أن يكون جرونتيوس اسقفا لهم. ولكنهم امتثلوا فى نهاية المطاف للضرورة، وابتعدوا بحزن وآهات عن جرونتيوس، وقبلوا عوضا عنه اسقفا يوقرونه عن خوف ونفور.
(8/6/6) وتكلم جميع الاساقفة المخلوعين عن يوحنا كقائد ثورة فى الكنائس، ومُغيِّر لحقوق السيامات ضد شرائع السلف وأدانوا، تحت تأثير حُكمهم، الأعمال التى قام بها والتى كانت محل ثناء معظم الناس. ومن بين الأمور الأخرى، وبخوه على الاجراءات التى اتخذها ضد يوتروبيوس.

الكتاب الثامن: الفصل السابع

(بشأن يوتربيوس رئيس الخصيان، والقانون الصادر ضده. موته عند خروجه من الكنيسة. الهمهات ضد يوحنا)

(8/7/1) كان يوتروبيوس  Eutropiusأساسا رئيس الخصيان، وكان الشخص الأول والوحيد الذى نسمع عنه أو نعرف أنه حصل على كرامة قنصل ونبيل. وعندما رُقى إلى هذه السلطة الزمنية لم يُفكر فى المستقبل، ولا فى عدم استقرار الشئون البشرية، ولكنه تسبب فى نزوح أولئك الذين يلتجأون إلى الكنيسة إلى الخروج منها. وعامل بنتاديا  Pentadiaزوجة تيماسيوسTimasius  بهذه الطريقة.
(8/7/2) وكان تيماسيوس جنرالا فى الجيش مقتدرا ومرهوبا جدا ولكن يوتروبيوس استصدر مرسوما بنفيه إلى باسيس Pasis فى مصر بذريعة أنه تآمر على السلطة. وقد علِمتُ أن تيماسيوس قد سقط ضحية العطش أو الجفاف، لئلا شئ ما أسوأ يكون مدخرا، وقد أُمسِك فى الرمال هناك ووُجِد ميتا.
(8/7/3) وسنَّ يوتروبيوس قانونا بأن أحدا ما لا يتخذ الكنائس مَلجأ له، وأنه يلزم طرد أولئك الذين فروا إليها بالفعل.
ومع ذلك كان هو أول مَن يخرق هذا القانون.
إذ أنه ليس بعد صدور هذا القانون بوقت طويل، أن ارتكب هو ذنبا ضد الإمبراطورة، فترك القصر على الفور، وفرّ إلى الكنيسة كلاجىء.
(8/7/4) وبينما كان راقدا تحت المائدة، ألقى يوحنا عظته التى وبخ فيها كبرياء السلطة، ولفت فيها انتباه الناس إلى عدم دوام العظمة البشرية.
(8/7/5) ومن ثم انتهز أعداء يوحنا هذه الفرصة، وألقوا باللوم عليه لأنه وبخ بدلا من أن يُشفِق على ذاك الذى كان يعانى من مصائب سوء القدر.
وسرعان ما حصد يوتروبيوس عواقب خطته الشريرة، وقُطِعت رأسه. والقانون الذى استصدره نُفِّذ عليه من العامة.
(8/7/6) وافتقد هكذا سخط الله فورا ذاك الذى انتهك الكنيسة. وعاد الرخاء لها وزادت العبادة لله. وصار شعب القنسطنطينية أكثر غيرة من ذى قبل فى المواظبة على ترتيل تسابيح الصباح والمساء.

الكتاب الثامن: الفصل الثامن

(طريقة التسبيح بالمجاوبة التى أدخلها يوحنا ضد الاريوسيين. تعاظم منافع الارثوذكس بتعليم يوحنا، وتضخم الثروة أكثر وأكثر)

(8/8/1) ولما حُرِم الاريوسيون من حيازة كنائس داخل اسوار القنسطنطينية خلال عهد ثيودوسيوس، عقدوا اجتماعاتهم الدينية خارح اسوار المدينة. فقد كانوا يجتمعون سابقا فى الاروقة العامة ليلا، وكانوا ينقسمون إلى فريقين لكى ما يُنشِدون بالمناوبة antiphonally، وكوَّنوا قرارا معينا يعكس عقيدتهم الخاصة، ثم ينصرفون عند الفجر فى موكب وهم يُنشِدون التراتيل، إلى الأماكن التى يعقدون فيها اجتماعاتهم. وهم يتبعون هذا الاسلوب فى سائر احتفالاتهم الوقورة، وفى اليوميَن الأول والأخير من كل اسبوع.
وكانت المفاهيم المغروسة فى هذه الترانيم من النوع الذى يثير المنازعات الشديدة. فعلى سبيل المثال ما يلى: مَن ذا الذى يقول أن الأقانيم الثلاثة يملكون ذات القُدرة؟!. وعبارات أخرى لاذعة مُدرَجة فى تآليفهم.
(8/8/2) وخشى يوحنا من أن يضل أحدٌ مِن شعبه عندما يُشاهِد هذا الاستعراض، ولذلك أمرهم بترنيم التسابيح بنفس الطريقة. وصار الارثوذكس أكثر تميزا، وفاقوا فى وقت قصير الهراطقة المقاومين فى العدد والمواكب، إذ كانوا يحملون الصلبان المعدنية والشموع المضاءة أمامهم. وعُيِّن خصيان الإمبراطورة لتنظيم هذه المواكب ودفع نفقات ما يلزم مهما كانت، ولإعداد التراتيل.
وإضطر الاريوسيون، إما من الغيرة وإما من الانتقام إلى مهاجمة اعضاء الكنيسة الجامعة. وسُفِكت دماء كثيرة من الجانبين، وجُرِح بريسو Briso (وهذا اسم الخصى الإمبراطورى) فى جبهته بحجر أُلقِىَّ عليه. فإستشاط الإمبراطور غضبا، وأمر بإيقاف اجتماعات الاريوسيين.
(8/8/3) وإذ بدأت عادة التسبيح بالمناوبة بالطريقة وللسبب المشروح عاليه استمر أعضاء الكنيسة الجامعة يمارسونها وأبقوها إلى وقتنا الحاضر([25]). إن تأسيس هذه المواكب والخدمات فى الكنيسة حببت الشعب فى يوحنا، ولكنه كان مكروها من الكهنة وذوى السلطة بسبب جرأته إذ لم يكف قط عن توبيخ الاكليروس عندما يَعلَم عنهم اعمالا ظالمة، ولا أن يحض الاقوياء على الرجوع إلى ممارسة الفضيلة عندما يُسيئون استعمال ثروتهم ويرتكبون شرا، أو يستسلمون للشهوات.

الكتاب الثامن: الفصل التاسع

(سيرابيون رئيس الشمامسة والقديسة اوليمبياس. وبعض الرجال المشهورين الذين تحاملوا بوقاحة على يوحنا)

(8/9/1) وتزايدت عداوة الاكليروس ضد يوحنا بشدة بواسطة سيرابيون رئيس شمامسته. هذا كان مصريا ميالا طبيعيا للغضب، ومستعدٌ دائما لإهانة معارضيه. وازدادت مشاعر الكراهية بسبب المشورة التى تلقتها اوليمبياس  Olympiasمن يوحنا. وكانت اوليمبياس واحدة من أعظم المواليد شرفا، وعلى الرغم من أنها قد ترملت وهى بعد شابة وانضمت بحماس إلى ممارسة الفلسفة الرهبانية وفقا لشرائع الكنيسة، إلاَّ أن نكتاريوس قد رسمها شماسة([26]).
(8/9/2) وإذ رأى يوحنا أنها تهب كل ما تملك بحرية لكل مَن يسألها، وأنها تحتقر كل شىء ما عدا خدمة الله، قال لها إننى اُقدِّر مقاصدك، ولكن ألا تعرفين أن أولئك الذين يتطلعون إلى كمال الفضيلة بحسب الله، ينبغى عليهم توزيع ثروتهم بتدبير. أنتِ تهبين مع ذلك ثروتك للأثرياء الأمر الذى هو بلا نفع، وكأنكِ تلقين بها فى البحر. آلا تعرفين أنكِ قد كرستِ بإرادتكِ، كل ممتلكاتك لخدمة الفقراء لأجل الله، لذلك عليكِ أن تعتبرى ثروتك أنها مملوكة لسيدك وأن تتذكرى أنك منوطة بتوزيعها. فإن اقتنعتِ بى([27]) فنظمى فى المستقبل هباتك حسب حاجات أولئك الذين يلتمسون الحاجة. وبذلك تكونى قادرة على توسيع نطاق خيريتك، فتنالى المكافأة من الله [جزاء] رحمتك واهتمامك الأكثر غيرة.
(8/9/3) وكان ليوحنا منازعات مع كثيرين من الرهبان وبالأخص مع اسحق. فقد كان يُقدِّر كثيرا أولئك الذين يقيمون فى هدوء الأديرة، ويمارسون الفلسفة([28]) هناك. وكان يدافع عنهم ضد أى ظلم، ويمدهم بكل الضروريات التى يحتاجون إليها. ولكن الرهبان الذين كانوا يخرجون خارج الأديرة ويظهرون فى المدن، كان يوبخهم ويعتبرهم يُهينون الفلسفة([29]).
ولهذه الاسباب اكتسب عداوة الاكليروس وكثيرين من الرهبان الذين دعوه بالرجل القاسى والشهوانى والمتكبر والعنيد. ولذلك أرادوا الاساءة إلى سمعته بتقرير، كما لو كانوا أهل ثقة، بأنه لا يأكل مع أى أحدٍ وأنه يرفض أى دعوةٍ إلى الطعام تُعرَض عليه.
(8/9/4) وإننى لا أعرف أية حجة يمكن أن تثير مثل هذا الادعاء سوى أن يوحنا كما أكد لى شخص موثوق في مصداقيته كان له نظام تقشف صارم كان يُعرِّضه لوجع الرأس والمعدة، وكان بذلك ممنوعا عليه التواجد فى بعض المآدب المختارة. ومع ذلك أثير هذا الاتهام العجيب ضده.([30])

الكتاب الثامن: الفصل العاشر

(سيفريانوس اسقف جابليا، وانتيوخس اسقف بتولمايس. المنازعة بين سيرابيون وسيفريان. المصالحة بينهما بواسطة الإمبراطورة)

(8/10/1) كذلك تكبد يوحنا عداوة الإمبراطورة من خلال دسائس سيفريانوس Severian اسقف جابليا([31])Gabalia  فى سوريا. كان سيفريانوس، وانتيوخس([32]) اسقف بتولمايس مدينة فى فينيقية كلاهما متعلمان ومؤهلان جيدا للتعليم فى الكنائس. وكان لأنتيوخس صوت جميل وإلقاء حتى أن بعض الناس لقبوه بفم الذهب. ولكن سيفريانوس من ناحية أخرى كانت له خشونة السوريين فى خطابه ولكن من جهة معرفة الكتب المقدسة والبرهنة عليها كان يفوق انتيوخس. ويبدو أن انتيوخس قد زار القنسطنطينية أولا وحاز مديحا عاليا بسبب أحاديثه، وجمع ثروة ما وعاد إلى مدينته.
(8/10/2) فتبع سيفريانوس مثاله وذهب إلى القنسطنطينية وكوَّن صداقة مع يوحنا، وتحدث كثيرا فى الكنائس وكان محل إعجاب وتكريم، وصار معروفا جيدا لكثيرين ممن فى السلطة وللإمبراطور والإمبراطورة. وعندما ذهب يوحنا إلى اسيا عهد بالكنيسة لرعايته لأنه كان مخدوعا بدرجة كبيرة بتملق سفريانوس له كصديق غيور. ومع ذلك، كان سفريانوس يفكر فقط فى كيفية ارضاء الشعب وإدخال السرور لهم بواسطة أحاديثه. فلما عَلِم يوحنا بذلك امتلأ غيرة، ويُقال أنه استشاط غضبا من تصاوير سيرابيون.
(8/10/3) وبعد عودة يوحنا من اسيا، تصادف أن رأى سيرابيون سفريانوس وهو مار، ولكنه بدلا من أن يقوم لتحيته ظل جالسا لكى ما يُظهِر إزدرائه التام للرجل. وصُدِم سفريانوس من هذا الإزدراء الواضح، وتعجب[وقال] إذا كان سيرابيون الاكليريكى قد مات فإن المسيح إذن لم يتجسد. فأبلغ سيرابيون يوحنا بهذا الكلام. وبالتالى طرد يوحنا سفريانوس من المدينة بوصفه وقحا ومجدفا ضد الله، ولأن الشهود قد أكدوا أن هذا الكلام قد قيل فعلا منه. وذهب بعض أصدقاء سيرابيون إلى ما هو أكثر من ذلك، وشوشوا جزءَ من كلام سيفريانوس، وأكدوا أنه قال أن المسيح لم يتجسد.
ولام يوحنا سفريانوس وسأله ما إذا كان سيرابيون قد مات بين الاكليروس أم لا، فهل يستتبع ذلك أن المسيح لم يتجسد؟.
(8/10/4) وبمجرد أن علِمت زوجة الإمبراطور من اصدقاء سفريانوس ما قد حدث حتى ارسلت على الفور من خلقيدون من أجله. ولكن يوحنا رفض بشدة أى صِلة معه، على الرغم من احتجاجاتها.
فوضعت الإمبراطورة ابنها ثيودوسيوس على ركبتيه فى الكنيسة المدعوة بإسم الرسل، وتوسلت إليه بإلحاح، فوافق على قبول صداقة سفريانوس؟.
هذه هى الرواية التى تلقيتها بشأن هذه الأحداث.

الكتاب الثامن: الفصل الحادى عشر

( المسألة التى ثارت فى مصر بشأن ما إذا كان الله له شكل جسدى أم لا. ثيوفيلس اسقف الأسكندرية وكُتُب اورجينوس)

(8/11/1) فى هذه الفترة، ثارت فى مصر مسألة كانت قد سبق أن طُرِحت، وهى هل من الصواب أن نعتقد أن الله له شكل بشرى([33])أم لا؟.
لأنهم يفهمون الكلام المقدس ببساطة وبدون أى فحص. وكان معظم الرهبان فى ذلك الجزء من العالَم، من أصحاب هذا الرأى، فافترضوا أن لله عينان ووجه ويدان وأعضاء الجسم الأخرى.
(8/11/2) أما أولئك الذين يبحثون عن المعانى الخفية لكلام الكِتاب المقدس فكان لهم رأى مضاد. واعتبروا أن الذين ينكرون أن الله غير مادى([34]) هم مذنبون ومجدفون.
(8/11/3) وكان من أصحاب هذا الرأى ثيوفيلس، وتحدث به فى الكنيسة وفى الرسالة التى كان يكتبها، حسب العادة، بشأن الاحتفال بعيد الفصح([35])، حيث انتهز الفرصة ودوَّن أن الله ينبغى النظر إليه على أنه كائن غير جسمانى، وغريب عن الشكل البشرى.
(8/11/4) وعندما أُوحِى للرهبان أن ثيوفيلس يتبنى هذه المفاهيم، ذهبوا إلى الأسكندرية وجمعوا الشعب معا فى مكان واحد وأثاروا جلبة، وصمَّموا على قتل الاسقف بوصفه رجل كافر. ومع ذلك، خرج ثيوفيلس إلى الثائرين فى الحال، وقال لهم عندما أراكم  فكأنى أعاين وجه الله.
(8/11/5)  وكان هذا الكلام كافيا لراحة الرجال وإخماد غضبهم. فأجابوا إذا كنتَ تتمسك حقا بالعقائد الارثوذكسية، فلماذا لا تحرم كُتُب اورجينوس، ما دام أن مَن يقرأها يقول مثل هذه الآراء؟. فأجابهم، لقد كان ذلك فى نيتى منذ زمن طويل، وسأفعل كما تشيرون فإننى لستُ أقل منكم فى لوم كل مَن يتبع تعاليم اورجينوس. وبهذا الكلام صرف الإخوة([36]) وأخمد الشعب([37]).

الكتاب الثامن: الفصل الثانى عشر

(الاخوة الطوال الأربعة، والأحداث الخاصة بهم)

(8/12/1) وكان الجدل سينتهى على أكثر ترجيح، لو لم يتجدد من ثيوفيلس نفسه بسبب مشاعر البغضة ضد آمونيوس وديوسقورس ويوسيبيوس ويوثيميوس الذين دُعِيوا بالطوال. لقد كانوا إخوة، وكما سبق أن دونا قد صاروا مشهورين بين الفلاسفة([38]) فى الاسقيط. وكانوا محبوبين، ذات يوم، من ثيوفيلس فوق سائر رهبان مصر والآخرين. وكان يسعى إلى رفقتهم، ويُقيم معهم مرارا. بل حتى رشح ديوسقوروس لأسقفية هرموبوليس. ولكنه امتلأ بغضة لهم بسبب عداوته لاسيدورس الذى كان قد سعى لترشيحه للرسامة على القنسطنطينية بعد نكتاريوس.
(8/12/2) ويقول البعض أن امرأة ما كانت تنتمى للهرطقة المانوية قد اهتدت إلى ايمان الكنيسة الجامعة. فوبخ ثيوفيلس، رئيسَ الكهنة (ضمن أسباب أخرى لمشاعر البغضة) لأنه سمح لها بالاشتراك فى تناول السرائر المقدسة قبل أن تجحد هرطقتها السابقة. فدافع بطرس رئيس الكهنة([39])– فهذا كان اسمه- بأنه قد قبِل المرأة فى الشركة طبقا لقوانين الكنيسة، وبموافقة ثيوفيلس. وأشار إلى اسيدورس كشاهِد عدلٍ على ما تصرف به. وتصادف أن كان اسيدورس عندئذ فى روما فى بعثة. ولكن عند عودته شهد مُؤكِدا على صدق بطرس. فاستاء ثيوفيلس من هذه المجاهرة واعتبرها افتراءً عليه، وطرده هو وبطرس من الكنيسة.
هذه هى الرواية المقدَّمة من بعض الأشخاص.
(8/12/3) ومع ذلك، سمعتُ من رجل موثوق فى مصداقيته كان أليفا جدا مع الرهبان المذكورين عاليه أن عداوة ثيوفيلس لإسيدورس نشأت من سببين. أحدهما يخص بطرس الكاهن وهو أنه قد رفض الشهادة بوجود تعهد كان ينطوى على ميراث مستحق لشقيقة ثيوفيلس. والثانى الذى صرح به نفس الشخص وهو أن اسيدورس قد رفض تسليم مال معين كان قد أُودِع لديه من أجل إراحة الفقراء، والذى كان ثيوفيلس يرغب فى الحصول عليه لتشييد الكنائس، قائلا له من الأفضل أن نستر الأجساد المعتبرة، بصواب أكثر، هياكل الله من المعاناة والتى من أجلها قُدِّم المال، عن بناء الجدران([40]).
(8/12/4) وأيا كان السبب، فإن عداوة ثيوفيلس لإسيدورس كانت ولابد أن تمتد بعد حرمه إلى رفقائه رهبان الاسقيط. وتوجه امونيوس مع قلة آخرين إلى ثيوفيلس وتوسلوا إليه أن يرد اسيدورس إلى الشركة. ووعدهم ثيوفيلس باستعداده لعمل طلبهم. ولكن لما انقضى الوقت ولم يتم شىء لهم، صار من الواضح أن ثيوفيلس يتظاهر، فتوجهوا إليه ثانية وكرروا التماسهم، وضغطوا عليه لكى يكون صادقا فى تعهداته. وبدلا من الامتثال لطلبهم ألقى ثيوفيلس بأحدهم فى السجن بغرض ترويع الآخرين([41]). ولكنه أخطأ فى هذا، إذ ذهب امونيوس وباقى مَن معه إلى السجن، حيث استقبلهم السجان بترحاب، إذ ظن أنهم جاءوا ليُحضِروا طعاما للسجين، ولكنهم ما أن أخذوا إذنا بالدخول حتى رفضوا الخروج من السجن.
(8/12/5) وعندما عَلِم ثيوفيلس برغبتهم الطواعية فى الحبس، أرسل طالبا منهم الحضور إليه. فأجابوا أنَّ عليه أن يأتى هو بنفسه ليُخرجهم من السجن. لأنه ليس من العدل بعدما أخضعهم للمهانة العامة أن يتركوا السجن سرا، ولكنهم أذعنوا أخيرا وذهبوا إليه.
(8/12/6) فإعتذر لهم عما حدث وصرفهم كما لو كان ليس فى نيته الإساءة لهم ثانية، ولكنه كان فى قرارة نفسه مشحونا بالغيظ وعازما على إلحاق الضرر بهم. ومع ذلك كان فى حيرة كيف يُلحق الأذى بهم، فهُم ليس لهم ممتلكات وازدروا بكل شىء عدا الفلسفة([42])، إلى أن خطر على باله ازعاج سلام خلوتهم.
(8/12/7) فمن خلال حديثه السابق معهم علِم أنهم يلومون أولئك الذين يعتبرون أن الله به شكل بشرى وأنهم يشايعون آراء اورجينوس، فأوقعهم فى صدام مع جمهرة الرهبان المؤيدين لوجهة النظر المضادة. وساد نزاع رهيب على الرهبان، لأنهم لم يظنوا أنه من الصواب اقناع بعضهم بعضا بالحجج الواضحة لكل منهم وبطريقة منظمة بل انحدروا إلى الشتائم، ونعتوا أولئك الذين يتمسكون بأن الألوهية ليست لها شكل مادى بالاوريجانيين بينما دُعِى الذين يتمسكون بالرأى المضاد المجسمِّين([43]).

الكتاب الثامن: الفصل الثالث عشر

(الاربعة يتوجهون إلى يوحنا. غضب ثيوفيلس لذلك. استعداده للحرب ضد يوحنا)

(8/13/1) وإذ اكتشف ديوسقورس والرهبان الآخرون دسائس ثيوفيلس، توجهوا إلى اورشليم ومن هناك إلى اسكيثوبوليس([44]) إذ رأوا أن الاقامة هناك ستكون مفيدة لهم بسبب النخيل الكثير الذى يحتاج  الرهبان إلى سعفه لعملهم المعتاد. وقد صحب ديوسقورس وامونيوس إلى هناك نحو ثمانين راهبا آخرين([45]). وفى نفس الوقت ارسل ثيوفيلس رسلا إلى القنسطنطينية لتقديم شكوى ضدهم ولمعارضة أية التماسات تُرفَع للإمبراطور.
(8/13/2) وعندما علموا بهذه الحقيقة ابحر امونيوس والرهبان إلى القنسطنطينية وأخذوا اسيدورس معهم والتمسوا عرض قضيتهم امام الإمبراطور والاسقف لأنهم فكروا فى أن يوحنا بجرأته وحرصه على عمل الصواب سيكون قادرا على مساعدتهم فى حقوقهم.
(8/13/3) ولكن يوحنا على الرغم من أنه قد استقبلهم برفق وعاملهم بإكرام، ولم يمنعهم من الصلاة فى الكنيسة، إلاَّ أنه رفض قبولهم فى شركة السرائر المقدسة لأنه لم يكن من الممكن عمل ذلك شرعيا، قبل الفحص. وكتب إلى ثيوفيلس طالبا منه قبولهم فى الشركة مرة أخرى لأن عقائدهم بشأن الطبيعة الإلهية ارثوذكسية . وأنه إن كان يعتبر ارثوذكسيتهم مشكوك فيها، فعليه أن يُرسِل شخصا من طرفه كمُدعِّى ضدهم. ولكن ثيوفيلس لم يُحِر جوابا على هذه الرسالة.
(8/13/4) وبعد ذلك بوقت ما، ظهر امونيوس ورفقاؤه أمام زوجة الإمبراطور وهى راكبة فى الخارج، وشكُوا لها من مكائد ثيوفيلس ضدهم. وكانت تَعلَم بما قد أُحِيك ضدهم، وتعاطفت معهم، وهزت رأسها وقالت صلُّوا من أجل الإمبراطور ومن أجلى ومن أجل أولادنا ومن أجل الإمبراطورية. ومن جانبى سأطلب عقد مجمع يستدعى ثيوفيلس.
(8/13/5) وانتشرت اخبار زائفة فى الأسكندرية من أن يوحنا قد قبِل ديوسقورس ورفقاءه فى الشركة، ووفر لهم كل ما فى وسعه من مساعدة وتشجيع. وبدأ ثيوفيلس يفكر بأية طريقة ممكنة فى خلع يوحنا من اسقفيته.

الكتاب الثامن: الفصل الرابع عشر

(شكاسة ثيوفيلس. القديس ابيفانيوس. الإعداد لإثارة الشغب ضد يوحنا)

(8/14/1) واحتفظ ثيوفيلس بمخططاته ضد يوحنا سرا كلما امكن. وكَتب إلى اساقفة كل مدينة مُدينا لكُتُب اورجينوس. وبد له أيضا أنه من الجيد أن يكسب ابيفانيوس اسقف سلاميس بقبرص إلى صفه، فهو رجل مُكرَّم لحياته، واكثر المتميزين لمعاصريه، ولذلك كَوَّن صداقة معه على الرغم من أنه كان قد لامه سابقا لتأكيده أن لله شكل بشرى.
(8/14/2) وكما لو كان قد ندم على أخذه بأى مفاهيم أخرى، كَتَب ثيوفيلس إلى ابيفانيوس ليُحِيطه عِلما بأنه يأخذ الآن بنفس الآراء، وأنه يبدأ الهجوم على كُتُب اورجينوس بإعتبارها مصدر مثل هذه التعاليم الشائنة. وكان ابيفانيوس ينظر إلى كتابات اورجينوس منذ زمن طويل بنفور غريب، ولذلك كان من السهل أن يثق بخطاب ثيوفيلس. وسرعان ما جمع اساقفة قبرص معا بعد فترة وجيزة وحظر فحص كتب اورجينوس. وكَتَب كذلك إلى اساقفة آخرين، ومن بينهم اسقف القنسطنطينية، يحضهم على عقد مجمع لإتخاذ نفس القرار.
(8/14/3) وإذ أدرك ثيوفيلس أنه لن يكون هناك أى خطر من اتباع مثال ابيفانيوس الذى كان محل ثناء شعبى والذى كان محل اعجاب لفضيلة حياته، أيا كان الرأى الذى يأخذ به، ضم صوته لصوت ابيفانيوس بإتفاق الاساقفة الذين تحت ولايته.
(8/14/4) ولكن يوحنا، من ناحية أخرى، أوْلَى اهتماما قليلا بخطابات ابيفانيوس وثيوفيلس. وأدرك الأقوياء من الاكليروس المُعارضين له أن خِطط ثيوفيلس تهدف إلى خلع يوحنا من الاسقفية، ولذلك سعوا للحصول على موافقة عقد مجمع فى القنسطنطينية من أجل تنفيذ هذا الاجراء.
(8/14/5) وعندما عرف ثيوفيلس ذلك، اجتهد للغاية لعقد هذا المجمع. فأمر اساقفة مصر أن يُبحِروا إلى القنسطنطينية، وكَتب إلى ابيفانيوس والاساقفة الشرقيين الآخرين أن يتوجهوا إلى تلك المدينة بأقل تأخير ممكن، وشرع هو بنفسه فى السفر برا.
(8/14/6) وكان ابيفانيوس أوَّل من ابحر من قبرص، وحط رحاله فى هبدوموس، إحدى ضواحى القنسطنطينية. وبعد أن صلى فى الكنيسة التى أُقيمت هناك  توجه لدخول المدينة.
(8/14/7) ولكى ما يُقدِّم له الاكرام، خرج يوحنا خارجا مع كل الاكليروس التابعين له لإستقباله. ومع ذلك أظهر ابيفانيوس بوضوح من خلال سلوكه أنه يعتقد فى الاتهامات الموجهة ضد يوحنا، لأنه على الرغم من دعوته للإقامة فى الدار الكنسية، فإنه رفض الاستمرار فيها والالتقاء بيوحنا.
(8/14/8) وجمع سرا كل الاساقفة الذين كانوا يقيمون فى القنسطنطينية، وأظهر لهم المراسيم التى كانت قد صدرت ضد أحاديث اورجينوس، وأقنع بعض الاساقفة على التوقيع عليها بالموافقة، بينما اعترض آخرون عليها.
(8/14/9) وقد قاوم بشدة ثيوتيموس  Theotimusاسقف سكيثيا اجراءات ابيفانيوس، وقال له: ليس من الصواب أن تُلقى الاهانات على ذكرى مَن هو فى عداد الراقدين منذ زمن طويل، ولا هى بدون كفر أن تُغِير على خاتمة قد خلص إليها القدماء بالنسبة لهذا الموضوع، وأن تُنَّحِى جانبا قراراتهم. وبينما هو يتكلم بهذا المنوال أخرج كتابا من كُتُب اورجينوس كان قد أحضره معه، وبعد أن قرأ بصوت عالٍ فقرة تتناول تعليم الكنيسة، أشار إلى أولئك الذين أدانوا مثل هذه المفاهيم بتصرف سخيف، وآراهم كم هٌم فى خطر إهانة الموضوعات ذاتها التى تتناولها هذه الفقرة.
(8/14/7) وظل يوحنا يحترم ابيفانيوس ويدعوه للإشتراك فى اجتماع كنيسته، وأن يقيم معه، ولكن ابيفانيوس صرَّح أنه لن يقيم مع يوحنا ولن يصلى معه علنا ما لم يشجب أعمال اورجينوس ويطرد ديوسقورس ورفقائه.
وبدون الالتفات إلى هذا الأمر المطلوب اتخاذه قبل فحص القضية، حاول يوحنا تأجيل النظر فى الأمور.
8/14/8) وعندما كان الاجتماع على وشك الانعقاد فى كنيسة الرسل، خَطَّط أولئك المستاؤن من يوحنا أن يذهب ابيفانيوس مُسبقا ويشجب علنا أمام الشعب كُتُب اورجينوس، وديسقورس ورفقائه بإعتبارهم من أنصار هذا الكاتِب، وأن يهاجم أيضا اسقف المدينة بإعتباره يأوى هؤلاء الهراطقة. وافترض البعض أن هذه الوسائل ستجعل محبة الشعب لأسقفهم تفتر.
(8/14/9) وفى اليوم التالى عندما كان ابيفانيوس يَهِم بدخول الكنيسة لتنفيذ مخططه، أوقفه سيرابيون بأمر من يوحنا الذى كان قد أُحِيط عِلما بالمؤامرة. وأوضح سيرابيون لإبيفانيوس أنه بينما المشروع الذى يُفَكر فيه ظالمٌ فى حد ذاته، إلاَّ أنه لن يحقق أية منفعة شخصية له، لأنه إن أدى إلى قيامة عامة فإنه سيكون مسؤولا عن الشغب الذى سيلى ذلك. وبهذه الحجج اضطر ابيفانيوس إلى التخلى عن هجومه.

الكتاب الثامن: الفصل الخامس عشر

(ابن الإمبراطور وابيفانيوس. اللقاء بين الإخوة الطوال وابيفانيوس. ابحار ابيفانيوس إلى قبرص. ابيفانيوس ويوحنا)

(8/15/1) وفى حوالى هذه الفترة هاجم مرض خطير ابن الإمبراطور، وخشيت الأم من العواقب، فأرسلت إلى ابيفانيوس لكى ما يصلى من أجله، فرد ابيفانيوس أن المريض سيحيا شريطة أن تتجنب الإتصال بالهراطقة ديوسقورس ورفقائه.
فردت الإمبراطور على هذه الرسالة كما يلى: إن كانت هذه هى مشيئة الله أن يأخذ ابنى، فإن مشيئته ستتم. والرب الذى أعطانى طفلى يمكنه أن يرُده لى ثانية. أما أنتَ فليست لديك القوة أن تُقيم الميت، وإلاَّ ما كان رئيس شمامستك قد مات.
وكانت بذلك تُلمِّح إلى كريسبيون رئيس الشمامسة الذى كان قد مات قبل ذلك بوقت قصير. وكان أخا لفوسكون وسلامانوس اللذين اتيحت لى الفرصة لأذكرهما عند روايتى لتاريخ الأحداث فى عهد فالنس، وكان رفيقا لإبيفانيوس فعيَّنه رئيس شمامسة.
(8/15/2) وذهب امونيوس ورفقاؤه إلى ابيفانيوس بإذن من الإمبراطورة. واستعلم منهم ابيفانيوس مَن يكونوا؟. فأجابه امونيوس نحن أيها الأب الإخوة الطوال، وجئنا بكل احترام لنعرف ما إذا كنتَ قد قرأتَ أيا من أعمالنا أو أعمال تلاميذنا أم لا؟.
(8/15/3) وعندما أجاب ابيفانيوس أنه لم يرها، استطرد قائلا: إذن كيف تعتبرنا هراطقة وأنتَ لا تملك أىَّ دليل على ماهية المفاهيم التى نتمسك بها؟. فقال ابيفانيوس أنه كوَّن حُكمه بناءَ على التقارير التى سمعها عن هذا الموضوع. فأجاب امونيوس، لقد انتهجنا خطا مختلفا جدا عن سلوكك. فنحن تحاورنا مع تلاميذك،  وقرأنا اعمالك مرارا ومن بينها “المرساة”([46]). وعندما كنا نلتقى بأشخاص يسخرون من آرائكم ويؤكدون أن كتاباتك تذخر بالهرطقة، كنا نستاء من أجلك وندافع عنك كأب لنا. أفينبغى إذن أن تلوم الغائب من مجرد أخبار، ولا تعرف عنه شيئا يقينا ومطمئنا، أو أن ترد نيابة عن أولئك الذين تحدثوا عنك جيدا؟. فاقتنع ابيفانيوس للغاية وصرفهم([47]).
(8/15/4) وبعد ذلك بفترة وجيزة، أبحر ابيفانيوس قافلا إلى قبرص، إما لأنه اقتنع بعدم جدوى سفره إلى القنسطنطينية، أو لأن الله قد كشف له قرب وفاته. وهناك سبب لتصديق ذلك([48]) وهو أنه قد تُوفى بالفعل وهو فى طريق عودته إلى قبرص. ولقد قيل أنه قد قال للأساقفة الذين رافقوه إلى موضع الإقلاع، ها أنا أترك لكم المدينة والقصر والاستاد لأننى راحلٌ قريبا.
(8/15/5) ولقد بلغنى من قِبل العديدين من الأشخاص أن يوحنا قد توقع أن ابيفانيوس سيتُوفى فى عرض البحر، وأن هذا الثانى قد توقع خلع يوحنا. لأنه عندما كان النزاع بينهما، على ما يبدو، فى أَوَجِه قال ابيفانيوس ليوحنا إننى آمل ألاَّ تموت كأسقف، فرد عليه يوحنا وإننى آمُل ألاَّ تعود إلى ايبارشيتك.([49])

الكتاب الثامن: الفصل السادس عشر

(النزاع بين يوحنا والإمبراطورة. وصول ثيوفيلس من مصر. كيرنوس اسقف خلقيدون)

(8/16/1) وبعد رحيل ابيفانيوس، وعندما كان يعظ يوحنا فى الكنيسة كالعادة، تصادف أن هاجم الرذائل التى تتصف بها النساء بصفة خاصة. وتصُور الناس أن هذا النقد اللاذع مُوجه على نحو محير ضد زوجة الإمبراطور.
(8/16/2) ولم يتوان اعداء الاسقف فى نقل حديثه بهذا المفهوم إلى الإمبراطورة. ولمَّا تصَورتْ أنها هى المقصودة بهذه الاهانة، شكَت إلى الإمبراطور وحثته على ضرورة سرعة استدعاء ثيوفيلس، وعقد مجمع. وتعاون سفريانوس اسقف جابليا الذى لم يُغيِّر حتى الآن استيائه السابق من يوحنا فى تعزيز هذه الاجراءات.
(8/16/3) وأنا لا املك بيانات كافية فى تحديد ما إذا كان فى حديث يوحنا المذكور عاليه حقيقة أى اشارة صريحة إلى الإمبراطورة أم لا، لأنه كان يُشتبَه فى أنها هى التى حرضت ابيفانيوس ضده.
(8/16/4) ووصل ثيوفيلس بعد فترة وجيزة إلى خلقيدون فى بيثنية وتبعه هناك كثيرون. وانضم إليه بعض الاساقفة تلبية لدعوته الخاصة، وآخرون طاعة لأوامر الإمبراطورة. وتوجه إلى خلقيدون الاساقفة الذين كان قد خلعهم يوحنا فى اسيا بمنتهى الهمة، وبالمثل جميع أولئك الذين كانوا ممتلئين بمشاعر العداء ضده.
(8/16/4) وعندما اجتمعوا معا مرة أخرى فى نفس المكان، وكانت السفن التى كان من المتوَّقع وصولها من مصر من قِبلهم، قد وصلت بالفعل إلى خلقيدونية، تناولوا كيفية إحالة يوحنا إلى المحاكمة. فتكلم كيرنوس([50]) Cyrinus قائد كنيسة خلقيدون، وكان مصريا([51]) وقريبا لثيوفيلس وكانت له بالإضافة إلى ذلك مشكلة أخرى مع يوحنا، على نحو مسىء جدا ضده.
(8/16/5) ولكن العدالة([52]) سرعان ما تعقبته إذ أن ماروثاس  Maruthasوهو مواطن من بلاد ما بين النهرين، وكان يرافق الاساقفة، قد داس على قدمه فتألم كيرنوس بشدة لدرجة أنه لم يستطع التوجه مع الاساقفة إلى القنسطنطينية على الرغم من أن مساعدته كانت ضرورية لتنفيذ الخطط المدبرة ضد يوحنا. وكان الجرح ينبىء بالخطر حتى أن الجراحين اضطروا إلى أداء عدة عمليات فى الرجل. وأخيرا انتشر الصديد فى الجسم كله، بل وانتقل إلى القدم الأخرى، وقُضِيَت حياته أخيرا بعد عذاب عظيم .

الكتاب الثامن: الفصل السابع عشر

(المجمع المنعقد من ثيوفيلس  فى رفينيانا. استدعاء يوحنا للحضور. عزله بواسطتهم)

(8/17/1) عندما دخل ثيوفيلس القنسطنطينية لم يذهب أحدٌ من الاكليروس لاستقباله، لأن عداوته للأسقف قد صارت معروفة علنا. ومع ذلك تجمّع  بعض البحارة من الأسكندرية الذين تصادف وجودهم مع آخرين من مراكب الشحن وتوجهوا لاستقباله بصيحات الابتهاج. وإذ مرَّ بالكنيسة توجه مباشرة إلى القصر حيث كان قد أُعِدَّ له فيه مكان إقامة. وأدرك بسرعة أن كثيرين من الناس بالمدينة متضررين بشدة من يوحنا ومستعدون لتقديم الاتهامات ضده واتخاذ التدابير اللازمة لذلك. فتوجه إلى مكان يُدعى البلوطة، إحدى ضواحى خلقيدون.
(8/17/2) وهذا المكان يحمل الآن اسم روفينوس الذى كان قنصلا وشيَّد هنا قصرا مهيبا وكنيسة عظيمة تكريما للرسولين بطرس وبولس، ولذلك دُعِيَت ابوستوليم، وعقد اجتماعا للرهبان لأداء الخدمة الاكليريكية فى الكنيسة.
(8/17/3) وعندما التقى ثيوفيلس والاساقفة الآخرين فى هذا المكان للمداولة، وَجد أنه من الملائم عدم الاشارة مرة أخرى إلى اعمال اورجينوس، ودعا رهبان الاسقيط إلى التوبة واعدا أنه لن يكون هناك أى تذكر للأخطاء أو إلحاق الأذى. وأثنى أنصاره بحماس على جهوده، وطلبوا منهم أن يلتمسوا العفو من ثيوفيلس عن مسلكهم.
(8/17/4) ولمَّا كان جميع أعضاء الاجتماع قد وافقوا على هذا الطلب، اضطرب الرهبان. ولمَّا رأوا أنه من الضرورى عمل ما يُريده العديدون من الاساقفة منهم، استخدموا ذات الكلمات المعتادين عليها حتى عندما يُضارُون، وهى اغفر لنا([53]). واستقبلهم ثيوفيلس بطيب خاطر، وردهم إلى الشركة، وانتهت المسألة المتعلقة بالضرر الذى لحق برهبان الاسقيط([54]).
(8/17/5) وإننى مقتنعٌ بأن هذه المسألة ما كانت لتنتهى بهذه السرعة لو كان ديسقورس وأمونيوس حاضرين مع الرهبان الآخرين. ولكن ديسقورس كان قد تُوفى منذ وقت ما سابقا، ودُفن فى الكنيسة المُكرَّسة للقديس موقيوسMocius  الشهيد. ومَرِض أيضا أمونيوس فى نفس الوقت الذى جرت فيه الاستعدادات لدعوة المجمع. وعلى الرغم من أنه قد أصرَّ على التوجه إلى البلوطة، إلا أن مرضه قد إزداد كثيرا وسرعان ما توفى عقب سفره. وأقيمت له جنازة كبيرة من رهبان تلك المنطقة حيث دُفِن. ويُقال أن ثيوفيلس قد ذرف عليه الدمع عند سماع وفاته، وصرَّح أنه على الرغم من أنه كان عِلة الحيرة الكبيرة فليس هناك راهب أكثر من امونيوس فى سماته الممتازة.
ومع ذلك يلزم لنا أن نعترف بأن وفاة هذا الراهب قد سهلت بالأكثر من نجاح خِطط ثيوفيلس.
(8/17/6) واستدعى اعضاء المجمع، جميع اكليروس القنسطنطينية للمثول امامهم، مُهددين بعزل اولئك الذين لن يلبونَ أمر الاستدعاء. وذكروا يوحنا وأيضا سيرابيون وتيجرس القس، وبولس القارىء، وكان يوحنا يعرفهم من خلال ديمتريوس اسقف بيسينوس، وبعض الاكليروس الآخرين الذين كانوا اصدقاء له. لقد كان مستعدا إذا ذُكِرَت له أسماء متهميه وموضوع اتهاماتهم أن يَرُد عليهم ويدافع عن الاجراءات التى اتخذها أمام مجمع أكبر، لأنه لم يختر أن يكون مجنونا ويَظهر أمام قضاة أعداء. وامتلأ الاساقفة بسخط شديد على عدم امتثال يوحنا لهم، لدرجة أن بعض الكهنة الذين ارسلهم إلى المجلس قد تعرضوا للترهيب، ولم يعودوا إليه. وغادر المجمع ديمتريوس وأولئك الذين فضلوا مصالحته عن كل اعتبار آخر، وعادوا إليه.
(8/17/7) وفى نفس اليوم وصل ساعى من القصر وكَتَبة الاختزال إلى يوحنا يأمره بالتوجه إلى الاساقفة، ويحثون الاساقفة على مناقشة قضية يوحنا بدون مزيد من التأخير. وبعد أن أُستُدعِىَّ يوحنا من المجمع أربع مرات، ولم يكن هناك اتهام آخر يمكن توجيهه له سوى رفض المثول أمام المجمع، عزلوه على هذا الاساس.

الكتاب الثامن: الفصل الثامن عشر

(شغب الشعب ضد ثيوفيلس. التشهير بالحُكّام. استدعاء يوحنا إلى كرسيه مرة أخرى)

(8/18/1) وعَلِم شعب القنسطنطينية بمرسوم المجمع نحو المساء، وعلى الفور أثاروا شغبا. وعند مطلع الفجر، ركضوا إلى الكنيسة وبدأوا يصيحون، ضمن خِطط أخرى كثيرة، بأنه ينبغى عقد مجمع أكبر لفحص الموضوع، ومنعوا الضباط الذين أرسلهم الإمبراطور لنقل يوحنا إلى المنفى من تنفيذ المرسوم.
(8/18/2) وإذ خشى يوحنا من توجيه اتهام آخر ضده بحجة عصيان الأمر الرسمى للإمبراطور، أو إثارة التمرد بين الناس، هرب من الكنيسة خفية وقت الظهر عندما تفرقت الجموع بعد خلعه بثلاثة أيام. وعندما وعى الناس بأنه قد ذهب إلى المنفى، صار الشغب خطيرا وألقيت كلمات إهانة ضد المجلس والإمبراطور وبصفة خاصة ضد ثيوفيلس وسيفريانوس بوصفهما الفاعلين الرئيسين للمؤامرة.
(8/18/3) وتصادف أن كان سيفريانوس يُعلِّم فى الكنيسة فى نفس الوقت عن الأحداث التى جرت، وانتهز الفرصة ليُثنِى على عزل يوحنا، ويقرر أنه حتى بإفتراض أنه برىء من جرائم أخرى، فإن يوحنا يستحق العزل بسبب كبريائه لأنه بينما يغفر الله للبشر سائر الخطايا الأخرى فإنه يقاوم المستكبرين. فصار الشعب بسبب هذا الحديث أكثر اضطرابا، وتجدد سخطهم، وسقطوا فى ثورة لا تُقاوَم، وركضوا إلى الكنائس والأسواق، وحتى إلى قصر الإمبراطور وبآهات وعويل يطلبون عودة يوحنا. وأخيرا غُلِبت الإمبراطورة من لجاجتهم، واقنعت زوجها بالامتثال لرغبات الشعب.
(8/18/4) فأرسلَتْ بسرعة خصيا يُدعَى بريسو كانت تثق فيه ليُحضِر يوحنا من برنثوس مدينة فى بثينية، وادعت أنه لم يكن لها أىَّ دور فى المكائد التى جرت ضده، بل على العكس كانت تحترمه ككاهن ومُعمِّد ابنها.
(8/18/5) وعندما وصل يوحنا فى طريق عودته إلى مدينته، إلى ضواحى تخص الإمبراطورة توقف بالقرب من انابلوس Anaplus، ورفض دخول المدينة مرة أخرى إلى أن يتم فحص عزله الظالم مِن قِبل مجمع أكبر من الاساقفة. ولكن لمَّا أدى هذا الرفض إلى إثارة الشعب أكثر ضد الإمبراطور والإمبراطورة، فقد سَمح لنفسه الاقتناع بدخول المدينة.
(8/18/6) وذهب الشعب للقائه وهم ينشدون المزامير المناسبة للظرف، وحمل الكثيرون الشموع واقتادوه إلى الكنيسة. وعلى الرغم من أنه قد رفض وأكَّد كثيرا على أن مَن أدانوه يجب أولا أن يُعيدوا النظر فى تصويتهم، لكنهم ألزموه([55]) بالجلوس على كرسى الاسقفية، وعلى أن يُلقِى كلمة السلام للشعب حسب عادة الكهنة.
(8/18/7) فألقى عندئذ خطابا مرتجلا أعلن فيه، بأسلوب رمزى مُبهِج أن ثيوفيلس قد قصد إلحاق الضرر بكنيسته مثلما فكر ملك مصر فى اغتصاب سارة زوجة البطريرك ابراهيم المسجلة فى كتب العبرانيين. ثم شرع بعد ذلك فى الثناء على حماس الشعب وتمجيد الإمبراطور والإمبراطورة على طيبة نياتهما نحوه، وحرَّك الناس إلى التصفيق الحاد والهتاف المناسب للإمبراطور وزوجته إلى حد أنه اضطر إلى الكف عن الحديث قبل نهايته.

الكتاب الثامن: الفصل التاسع عشر

(مكابرة ثيوفيلس. العداوة بين المصريين ومواطنى القنسطنطينية، هروب ثيوفيلس. نيلامون الناسك الغزاوى. مجمع بشأن يوحنا)

(8/19/1) وعلى الرغم من أن ثيوفيلس قد فكَّر فى توجيه اتهام إلى يوحنا بحجة أنه قد أعاد نفسه إلى الاسقفية بشكل غير قانونى، إلاَّ أنه لم يجرؤ على وضع هذا الفِكر موضع التنفيذ خشية أن يصطدم بالامبراطور الذى وجد نفسه مضطرا إلى إرجاع يوحنا لقمع التمرد الشعبى. ومع ذلك تلقى ثيوفيلس اتهاما ضد هيراقليدس اثناء غياب المُتهم على أمل تعزيز حُكم الادانة الصادر ضد يوحنا. ولكن اصدقاء هيراقليدس تدخلوا واعلنوا انه من غير العدل وضدا لقوانين الكنيسة الحُكم على شخص فى غيابه.
(8/19/2) وانحاز ثيوفيلس وانصاره إلى الجانب الآخر من المسألة، وانضم اليه شعب الأسكندرية ومصر، ووقف ضدهم شعب القنسطنطينية. واصبح الصراع بين الطرفين أكثر عنفا، وسُفكِت الدماء، وجُرِح الكثيرون، وقُتِل آخرون فى النزال.
(8/19/3) وخاف سيفريانوس وجميع الاساقفة المقيمين فى القنسطنطينية الذين لم يدعموا يوحنا فى قضيته على حياتهم الشخصية، فغادروا المدينة بسرعة. وفرَّ أيضا ثيوفيلس من المدينة([56]) فى بداية فصل الشتاء بصحبة اسحق الراهب مُبحرا إلى الأسكندرية. وهبت ريح دفعت بالسفينة إلى جيرا Gera، وهى مدينة صغيرة تبعد نحو خمسين ستاديا من بِلوزيوم([57])Pelusium. وكان اسقف هذه المدينة قد توفى.
(8/19/4) وعلِمتُ أن سكان هذه المدينة قد اختاروا نيلامون Nilammon ليرأس كنائسهم، وكان رجلا صالحا، وبلغ قمة الفلسفة الرهبانية. وكان يعيش خارج المدينة فى قلاية بابها مسدود بالحجارة، ورفض قبول كرامة الكهنوت. لذلك زاره ثيوفيلس شخصيا ليحثه على قبول السيامة على يديه. فكرر نيلامون رفضه للكرامة، وإذ لم يقبل ثيوفيلس أى رفض منه قال له غدا يا أبى سأفعل كما يحلو لك، أما اليوم فألتمس منك ترتيب أمورى. وتوجه ثيوفيلس فى اليوم التالى إلى قلاية الراهب وطرق الباب ليفتح. ولكن نيلامون هتف من الداخل، دعونا نصلى أولا. فامتثل ثيوفيلس وبدأ فى الصلاة. وبالمثل صلى نيلامون من داخل قلايته، وفى أثناء الصلاة توفى. ولم يعرف ثيوفيلس والواقفون معه خارج القلاية متى تم ذلك. ولكن عندما انقضى الشطر الأكبر من النهار، ونادوا إسم نيلامون بصوتٍ عالٍ مرارا دون جواب، نقضوا الباب الحجرى فوجدوا الراهب متوفيا. فكرَّموه بجنازة عامة بعد أن ألبسوه الملابس اللازمة، وشيَّد له السكان بيت صلاة فوق قبره. وهم يحتفلون بيوم وفاته بطريقة ملحوظة للغاية، حتى يومنا هذا.
وهكذا توفى نيلامون إن كنا ندعوا ترك هذه الحياة إلى الأخرى موت([58])، عن أن يقبل الاسقفية التى كان يعتبر نفسه بتواضع غير عادى ليس أهلا لها.
(8/19/5) وظهر يوحنا بعد عودته إلى القنسطنطينية محبوبا من الشعب أكثر من أى وقت مضى. وتجمع ستون اسقفا معا فى هذه المدينة، وألغوا مراسيم مجمع البلوطة وأكدوا اسقفية يوحنا، وواجبه فى القيام بمهامه ككاهن، ومنح السيامات، وانجاز سائر الواجبات الكنسية المعتادة المسنودة للرئيس. وعُيِّن فى هذا الوقت سيرابيون اسقفا على هيراكليا فى تيراقيا.

الكتاب الثامن: الفصل العشرون

(تمثال الإمبراطورة. ما حدث هناك. تعليم يوحنا. الدعوة لمجمع آخر ضد يوحنا. عزله)

(8/20/1) وبعد هذه الاحداث بفترة ليست بطويلة، نُصِب تمثال فضى للامبراطورة، مازال يُشاهَد إلى الجنوب من الكنيسة مقابل قاعة المجلس الكبيرة، فوق عمود من الرخام السماقى على منصة عالية. واحتفل الناس هناك بالتصفيق والمشاهدة والرقص والتمثيل الصامت كما كانت العادة عند نَصب تماثيل الاباطرة.
(8/20/2) فشجب يوحنا فى حديثه العام للشعب هذه الاجراءات ووصفها بأنها تجلب العار على الكنيسة. فأعادت هذه الملاحظة الغضب القديم للامبراطورة واستاءت جدا من هذه الاهانة لدرجة أنها صممت على عقد مجمع آخر.
ولم يُذعِن، بل أضاف وقودا إلى سخطها عليه بالتصريح العلنى المستمر ضدها فى الكنيسة. وهذه الفترة هى التى قال فيها فى حديثه التذكارى أنه من الواضح أن هيرودويا ترقص مرة أخرى طالبة رأس يوحنا على طبق.([59])
(8/20/3) وسرعان ما وصل اساقفة عديدون إلى القنسطنطينية بعد فترة وجيزة ومن بينهم لينتيوس اسقف انقيرا، واكاكيوس اسقف بيرية، وكان عيد ميلاد ربنا قد حل. وبدلا من أن يذهب الإمبراطور كالمعتاد إلى الكنيسة أرسل إلى يوحنا يُخبره أنه لا يستطيع الاشتراك معه قبل أن يُطهِّر نفسه من الاتهامات الموجهة ضده. فأجاب يوحنا بثبات أنه مستعدٌ لإثبات براءته. وهذا أرهب المُدعين عليه إلى حد أنهم لم يجرأوا على متابعة هذه الاتهامات.
(8/20/4) وقرر القضاة أنه وقد عُزِل مرة لا ينبغى اخضاعه لمحاكمة ثانية، ولكنهم طلبوا من يوحنا الدفاع عن نفسه فى هذه النقطة فقط وهى أنه بعدما عُزل، جلس ثانية على كرسى الاسقفية قبل أن يُعيده مجمع كنسى.
فطعن فى دفاعه ضد قرار الاساقفة الذين كانوا حاضرين سابقا فى مجمع البلوطة، بأنهم مشتركون معه[الآن]. فرفضوا قبول هذا الطعن بذريعة أن المشتركين معه الآن أقل عددا من الذين حكموا بعزله، ومن ثم كان الحُكم ساريا بقوة القانون.
ومن ثم عزلوه على الرغم من أن القانون الخاص بهذه المسألة كان قد اصدره الهراطقة بعد ان استفاد الاريوسيون من المزايا العديدة الناجمة من طرد أثناسيوس من كنيسة الأسكندرية، فشرَّعوا هذا القانون خشية من التغيُر فى الشؤون العامة، أذ جاهدوا من أجل بقاء سريان القرارات الصادرة ضده.

الكتاب الثامن: الفصل الواحد والعشرون

(المصائب التى حَّلت على الشعب بعد طرد يوحنا. مؤامرة لإغتياله)

(8/21/1) وبعد عزله، لم يعد يوحنا يعقد اجتماعا عاما بل ظل فى سكون فى دار الاسقفية. وفى  نهاية الصوم الأربعينى، وفى ذات الليلة التى نحتفل فيها بتذكار قيامة المسيح. طُرِد اتباع يوحنا من الكنيسة بواسطة الجنود وأعدائه الذين هاجموا الناس، وهم لا يزالون يحتفلون بالسرائر.
ولما وقعت هذه الحادثة غير المتوقعة حدث اضطراب كبير فى المعمودية، وبكت النساء وناحت، وارتعد الاطفال وضُرِب الكهنة والشمامسة، وطُرِدوا بقوة من الكنيسة بملابس الخدمة الكهنوتية التى كانوا يخدمون بها. ووُجِهت إليهم تهمة ارتكاب أعمال غير منضبطة يمكن تصُورها بسهولة من قِبل أولئك الذين قبِلوا السرائر.
ولكن الذى أراه أنا يتطلب العبور عليه فى صمت لئلا يقع عملى فى يدى غير المُعمَّدين.
(8/21/2) وعندما أدرك الشعب المؤامرة، لم يحضروا الكنيسة فى اليوم التالى، ولكنهم احتفلوا بعيد الفصح فى الحمامات العامة الواسعة جدا والتى تُدعَى على اسم الإمبراطور قنستانتيوس. وكان معهم اساقفة وكهنة وكل مَن لهم حق خِدمة الأمور الكنسية. وحضر مع الشعب أولئك الذين تبنوا قضية يوحنا. ومع ذلك طُرِدوا من هناك، فاجتمعوا فى بقعة خارج أسوار المدينة كان الإمبراطور قنسطنطين قد أمر بتسويتها قبل بناء المدينة، وتسويرها بحواجز بغرض الاحتفال هناك بسباق الخيل. ومنذ تلك الفترة والشعب يعقد اجتماعاته المنفصلة، كلما أمكن ذلك فى تلك المنطقة، وأحيانا فى مكان آخر. وفى حوالى هذه الفترة دُعِيوا باليوحانيين.
(8/21/3) وحدث أن رجلا كان عليه شيطان، أو ادعى أن عليه واحد، قد قُبِض عليه وهو معه خنجرا، وكان ينوى اغتيال يوحنا. واعتقله الشعب بوصفه مأجورا لهذه المؤامرة، واقتادوه إلى الحاكم. ولكن يوحنا ارسل بعض الاساقفة من طرفه لإطلاق سراحه من الحبس قبل أن يتعرض للتعذيب.
(8/21/4) وبعد ذلك بوقت ما شوهد عبد البيديوس الكاهن والذى كان عدوا لدودا للشماس، يركض بسرعة نحو مقر الاسقفية. فحاول أحد المارة إيقافه ليتيقن من علة عجلته، ولكن بدلا من أن يجيبه العبد طعن خنجره فيه. وإذ فزع شخص آخر تصادف وقوفه من مشاهدة منظر الجريح، طُعِن هو أيضا بنفس الطريقة من العبد، وبالمثل شخص ثالث من المارة. وعندما رأى كل الناس فى الجوار ما قد حدث صاحوا بالقبض على العبد. فاستدار وهرب. وعندما صاح الذين كانوا يطاردونه على الذين كانوا قبله ليقبضوا علي الآبق، حاول شخص خارج للتو من الحمام أن يمسكه فأصابه بجرح خطير أدى إلى موته فى الحال. وأخيرا، أحاط به الناس وطوقوه وقبضوا عليه ونقلوه إلى قصر الإمبراطور، وسلموه للحاكِم مصرّحين بأنه كان ينوى قتل يوحنا، وأنه ينبغى أن يلقى القصاص. ولكى يُهدِّأ الحاكِم من غضب الشعب أمر بحبسه وأكد لهم أن العدالة ستأخذ مجراها ضده.

الكتاب الثامن: الفصل الثانى وعشرون

(الطرد الظالم ليوحنا من ايبارشيته. المتاعب التى تلت ذلك. احتراق الكنيسة بنار من السماء. نفى يوحنا إلى كوكوسس)

(8/22/1) ومنذ هذه الفترة تحمس الشعب أكثر لحراسة يوحنا بالتناوب، وتمركزوا بمقر الاسقفية ليلا ونهارا. واشتكى الاساقفة الذين حَكموا عليه من هذا المسلك، واعتبروه انتهاكا لقوانين الكنيسة [كذا!!]، واعلنوا أنه يمكنه الرد على عدالة الحُكم الصادر ضده، وأكدوا أن الهدوء لن يعود إلا بعد طرده من المدينة.
(8/22/2) ووصل رسول إليه حاملا أمرا رسميا من الإمبراطور بمغادرته فورا. وأطاع يوحنا وهرب من المدينة دون أن يلاحظه أحدٌ من قِبل أولئك المُعيَّنين لحراسته. ولم يستنكر شيئا سوى إرساله للنفى بدون محاكمة قانونية أو أى شكل قانونى. وعومل بأكثر قسوة عن القتلة والسحرة والزناة. فقد نُقِل فى قارب صغير إلى بيثينية، ومن هناك، استمر فى سفره فى الحال، وقد خشى بعضٌ من اعدائه من سماع الشعب برحيله لئلا يسعون خلفه ويردوه بالقوة، لذلك أمروا بغلق بوابات الكنيسة.
(8/22/3) وعندما سمع الناس الذين كانوا فى الأماكن العامة للمدينة بما قد حدث ثارت فوضى عظيمة. فقد ركض البعض إلى شاطىء البحر كما لو كانوا سيتبعونه، وفرَّ آخرون هنا وهناك وكانوا فى رعب عظيم إذ كانوا يتوقعون أن يحل عليهم غضب الإمبراطور بسبب الجلبة والعصيان. وأولئك الذين كانوا داخل الكنيسة مُنِعوا من الخروج، فتدافعوا بشدة معا وضغطوا على بعضهم بعضا، إلى أن استطاعوا بصعوبة فتح الأبواب بقوة كبيرة وقذفهم فريق بالحجارة ، وآخرون قد دُفِعوا ضد بعضهم وبذلك أُجبِر الحشد على الرجوع إلى المبنى.
(8/22/4) وفى نفس الوقت احترقت الكنيسة فجأة من كل جوانبها بنار وامتد اللهب فى سائر الاتجاهات، وانهار البيت الكبير لمجلس الشيوخ المتاخم للكنيسة من جهة الجنوب. واتهم الفريقان كل منهما الآخر بالإحراق عن عمد. إذ أكد أعداء يوحنا أن انصاره هم المذنبون بإرتكاب الفعِل بدافع الانتقام بسبب تصويت المجمع ضده. بينما أكد الآخرون، من ناحية أخرى أنهم قد أفتُرِىَّ عليهم، وأن الفعل قد أُرتُكِب بواسطة أعدائهم بقصد احراقهم داخل الكنيسة.
(8/22/5) وبينما كانت النيران تنتشر من وقت متأخر بعد الظهر إلى مطلع النهار، وتمتد صوب المواد التى كانت ما زالت قائمة، كان الضباط الذين يقبضون على يوحنا ينقلونه إلى كوكوسسCucusus  مدينة بأرمينيا([60]). والتى حددها الإمبراطور فى رسالته كمحل إقامة للرجل المحكوم عليه، كما كُلِّف ضباط آخرون بإلقاء القبض على سائر الاساقفة والاكليريكيين المتعاطفين مع قضية يوحنا، وسجنهم فى خلقيدون. وقُبِض على سائر المشتبه فيهم من المواطنين بأنهم متعاطفون مع يوحنا وسُجِنوا، وأُجبَروا على النطق بالحرم ضده.

الكتاب الثامن: الفصل الثالث والعشرون

(انتخاب ارساكيوس ليحل محل يوحنا. الشرور التى جرت ضد اتباع يوحنا. القديسة نيكاريت)

(8/23/1) ورُسِم ارساكيوس اخو نكتاريوس الذى ادار شؤون الاسقفية قبل يوحنا، بعد ذلك ليس بوقت طويل، اسقفا على القنسطنطينية. وكان مدبرا وديعا جدا، وعلى قدر كبير من التقوى، ولكن السمعة التى حازها ككاهن قد هبطت بسبب سلوك بعض الكهنة الذين فوضهم سلطته والذين فعلوا ما يشاءون بإسمه، إذ نُسِبت الاعمال الشريرة إليه. ومع ذلك لم يكن هناك شىء معيب له أكثر من الاضطهاد الذى جرى ضد اتباع يوحنا.
(8/23/2) فقد رفضوا التناول أو حتى الانضمام فى الصلاة معه، وإذ داوموا، كما دونا سابقا، فى عقد اجتماعاتهم خارج اسوار المدينة، اشتكى للامبراطور من سلوكهم. فأمر تربيون بالهجوم عليهم بفرقة من الجنود وتفريقهم عن طريق إلقاء الحجارة عليهم. وقُبِض على الأكثر تميزا منهم من جهة الرتبة، وعلى الاكثر حماسا من المشايعين ليوحنا، وطُرِحوا فى السجن.
وكما هو معتاد فى هذه المناسبات، ذهب الجنود إلى أبعد من الأوامر المعطاة لهم، وجرَّدوا النساء بالقوة من الحُلِّى الخاص بهن، وسلبوهن من قلائدهن وأساورهن وحلقان آذانهن الذهبية كأنها غنائم حرب. وكانوا ينزعون الاقراط مع الآذان.
(8/23/3) وعلى الرغم من أن كل المدينة قد امتلأت هكذا من المتاعب والعويل، ظلت محبة الناس ليوحنا كما هى، وأحجموا عن الظهور فى الأماكن العامة، ونأى الكثيرُ منهم بأنفسهم عن التواجد فى الاسواق والحمَّامات العامة، بينما هرب آخرون من المدينة إذ اعتبروا انفسهم غير آمنين حتى فى منازلهم.
(8/23/4) وكان من بين الرجال والنساء الممتازين والغيورين الذين تبنوا هذا التدبير الأخير نيكاريت Nicarete. وهى سيدة بيثينية كانت تنتمى إلى عائلة نبيلة مشهورة، وكانت مُكرَّمة لحياتها الفاضلة وعذراويتها الدائمة([61]). وكانت أكثر تواضعا من جميع العذارى الغيورات، اللواتى عرفناهن فى أى وقت مضى، وكانت منضبطة جيدا فى السلوك والكلام. وكانت تفضل طوال حياتها خدمة الله بصفة دائمة عن سائر الاعتبارت الدنيوية. وأظهرت قدرة وشجاعة على تحمل الانتكاسات المفاجئة الضارة. لقد تحملت سلب الجزء الأكبر من إرثها ظلما دون إظهار أى سخط. وتدبرت فى القليل الذى تُرِك لها بأكثر اقتصاد. حتى أنها على الرغم من أنها كانت متقدمة فى العمر كانت مهتمة بتوفير كل طلبات بيتها وأن تمُد الآخرين أيضا. إذ أحبت الروح الانسانية، فكانت توفر الأدوية أيضا للفقراء المرضى، ونجحت فى كثير من الاحيان فى علاج أولئك الذين لم يستفيدوا من مهارة الأطباء المعروفين. ومع قوة الورع التى ساعدتها فى الوصول إلى افضل النتائج، اغلقت شفتيها.
ولتلخيص كل ذلك فى كلمات قليلة [نقول] أننا لم نعرف من قبل امرأة مُكرَّسة وُهِبَت بمثل هذا السلوك والجاذبية وبكل فضيلة أخرى. وعلى الرغم من أنها كانت غير عادية جدا، إلا أنها اخفت الجزء الأكبر من طبيعتها واعمالها لأنها بوداعة شخصيتها وفلسفتها كانت تثابر دائما على الإخفاء. ولم تقبل رتبة شماسة، ولا مُعلِّمة للعذارى والمُكرَّسات([62]) لخدمة الكنيسة إذ اعتبرت نفسها غير مستحقة، على الرغم من ضغط يوحنا مرارا عليها بهذه الكرامة.
(8/23/5) وبعد أن قُمِعت الانتفاضة الشعبية، ظهر حاكم المدينة علنا كما لو كان يستعلم عن سبب الحريق، واحتراق قاعة المجلس، وعاقب كثيرين بشدة. ولكن إذ كان وثنيا([63]) فقد ازدرى بمصائب الكنيسة وابتهج بسوء مصيرها.

الكتاب الثامن: الفصل الرابع وعشرون

( يوتروبيوس القارىء، واولمبياس الشماسة، وتيجرس الكاهن يُضطَهدون بسبب التصاقهم بيوحنا. البطاركة)

(8/24/1) وطُلِب من يوتروبيوس Eutropius القارىء([64]) أن يُدلى بأسماء الاشخاص الذين اضرموا النار فى الكنيسة، ولكن على الرغم من جَلْده بقسوة، وتمزيق جنبيه وخديه بالمسامير، وعلى الرغم من لسعه بالنار فى أعضاء جسده الأكثر حساسية، لم يتمكنوا من انتزاع أى اعتراف منه بالرغم من شبابه ورقة تكوينه. وبعد أن تعرَّض لهذه العذابات أُلقِى فى المطابق، وسرعان ما انتهت حياته بعد ذلك.
(8/24/2) ومن المفيد أن نُدرِج فى هذا التاريخ، الحلم الذى رآه سيسينوسSisinius  بشأن يوتروبيوس. لقد رأى سيسينوس اسقف النوفاتيين فى نومه رجلا رائع الجمال والقامة واقفا بالقرب من مذبح الكنيسة التى شيدها النوفاتيون تكريما لاستفانوس أول الشهداء، واشتكى الرجل من ندرة الابرار وقال أنه بحث فى سائر انحاء المدينة بأكملها، ولم يجد سوى بار واحد وهو يوتروبيوس. وإذ اندهش سيسينوس مما قد رآه، أعلم أكثر كهنة كنيسته ثقة بالحلم، وأمره بالبحث عن يوتروبيوس أينما كان. وخمن الكاهن بصواب أن يوتروبيوس هذا لن يكون سوى ذاك الذى تعرّض للتعذيب بوحشية من قِبل الحاكم، وانتقل من سجن إلى سجن بحثا عنه. وأخيرا عثر عليه، وفى حواره معه، أعلمه بحلم الاسقف وتوسل إليه منه بدموع أن يصلى من أجله.
هذه هى التفاصيل التى نمتلكها بشأن يوتروبيوس.
(8/24/3) وقد تجلى الجلَد العظيم فى خضم هذه المصائب، من قِبل اولمبياس الشماسة. إذ جُرَّت لهذا السبب أمام المحكمة، وتم استجوابها بواسطة الحاكِم عن دوافعها لإضرام النار فى الكنيسة. فأجابت: إن حياتى الماضية كافية بإستبعاد أية شبهة عنى، فإننى كرَّستُ الشطر الأكبر من ممتلكاتى لترميم هياكل الله. فادعى الحاكِم أنه يعرف جيدا حياتها الماضية، فاستطردت قائلة ينبغى أن توضع أنتَ موضع الشاكى، وتدع قاضٍ آخر يحاكمنا.
(8/24/4) ولما كان هذا الاتهام لها ليس له اساس بتاتا من الأدلة، ووجد الحاكِم أنه ليس لديه أية أرضية يمكنه على أساسها إدانتها بعدل، غيَّر التهمة إلى تهمة أخف كما لو كان يرغب فى تقديم المشورة لها وللنساء الأخريات لأنهن رفضن الاشتراك مع الاسقف على الرغم من أنه من الممكن لهن أن يتُبن ويغيّرن من أحوالهن الخاصة. فامتثلن جميعا لمشورة الحاكِم بسبب الخوف، ولكن اولمبياس قالت له، ليس من العدل أنه بعد أن أُفتُرِى علىَّ علنا وبدون أى دليل ضدى فى المحاكمة، أن أكون مُلزَمة بتبرئة نفسى من تُهم لا علاقة لها بتاتا بالإتهام محل الاستجواب. دعنى اسمع بالأحرى مشورة بشأن الاتهام الأصلى الموجه ضدى، لأنك حتى لو لجأت إلى إكراه غير قانونى، فإننى لن اشترك مع أولئك الذين ينبغى علىَّ أن انفصل عنهم، ولن أوافق على أى شىء ليس تقيا شرعيا.
(8/24/5) وإذ وجد الحاكِم أنه لن يستطيع أن يفرض عليها الاشتراك مع اكاكيوس، صرفها لكى تتشاور مع محاميها. ومع ذلك أرسل إليها مرة أخرى، وحَكَم عليها بغرامة ثقيلة ظنا منه أنه بهذه الوسيلة ستضطر إلى تغيير رأيها. ولكنها ازدرت تماما بخسارة ممتلكاتها، وغادرت القنسطنطينية إلى سيزيكوس Cyzicus.
(8/24/6) وكان تيجريوسTigrius  الكاهن قد جُرِّد فى نفس الفترة من ملابسه وتم جلده على ظهره، وقُيِّدت يداه ورجلاه ومُدِّد على سير.([65]) لقد كان بربرى الجنس، وخصى ولكن ليس بالمولد، فقد كان عبدا لرجل من رجال السلطة، وبسبب خدمته الأمينة حصل على حريته. فرُسِم بعد ذلك كاهنا وتميز يإتضاعه ووداعة سلوكه ومحبته للغرباء والفقراء. هذه كانت الاحداث التى وقعت فى القنسطنطينية.
(8/24/7) وفى نفس الفترة، توفى سيركيوس بعد أن أدار اسقفية روما خمسة عشر سنة. وشغل اناستاسيوس نفس الاسقفية ثلاث سنوات ثم توفى وخلفه انسنت. وتوفى أيضا فلافيان الذى رفض الموافقة على عزل يوحنا، وحل محله بورفيرى فى إدارة كنيسة انطاكيا، حيث اتفق مع أولئك الذين أدانوا يوحنا، فإنفصل كثيرون فى سوريا عنه وإذ عقدوا اجتماعات خاصة بهم تعرضوا لقسوة شديدة.
(8/24/8) ومن أجل فرض الشركة مع اكاكيوس ومع بورفيرى هذا ومع ثيوفيلس اسقف الأسكندرية صدر قانون من قِبل ذوى السلطة فى البلاط بألا يجتمع الارثوذكس خارج الكنائس، وطُرِد أولئك الذين لا يشتركون معهم.

الكتاب الثامن: الفصل الخامس والعشرون

(انحطاط الشؤن المدنية. امور ستيلكو جنرال هونوريوس)

(8/25/1) وفى نفس الفترة، اعقبت الشقاقات التى حلت بالكنيسة، كما هو الحال فى اغلب الاحوال، قلاقل واضطرابات فى الدولة. فعبَر الهون استر  Isterوخرَّبوا تراقيا Thrace. وتجمع اللصوص فى ايشورياIsauria  بأعداد كبيرة ونهبوا المدن والقرى إلى كاريا وفينيقية.
(8/25/2) وادرك استيلكو Stilicho، جنرال هونوريوس، وهو رجل حاز على سلطة كبيرة، إن كان شخص ما قد حازها، وكان تحت امرته زهرة الجنود الرومان والبرابرة، مشاعر العداء ضد الحُكام الذين شغلوا الوظائف فى عهد اركاديوس، فعزم على وضع الامبراطوريتيَن فى عداء لبعضهما البعض فجعل هونوريوس يُعيِّن آلاريك زعيم القوط فى وظيفة جنرال القوات الرومانية، وأرسله إلى ايلليريا، حيث أرسل أيضا جوفيوس الحاكم العام ووعهدهما بالانضمام إليهما مع الجنود الرومان بقصد ضم تلك المقاطعة إلى سلطة هونوريوس فزحف آلاريك على رأس قواته من الاقاليم البربرية التى على حدود دالماتيا وبانونيا وجاء إلى ابيروس، وبعد أن انتظر لبعض الوقت هناك عاد إلى ايطاليا. ومُنِع استيلكو من الوفاء بإتفاقه مع آلاريك بالانضمام إليه، بسبب بعض الرسائل التى أرسلِت إليه من هونوريوس.
وهذه الاحداث قد وقعت كما هو مروى [بعده]

الكتاب الثامن: الفصل السادس والعشرون

(رسائل انسنت اسقف روما إلى يوحنا وكهنة القنسطنطينية، كلٌ على حدة)

(8/26/1) كان انسنت اسقف روما ساخطا للغاية عندما علِم([66]) بالإجراءات التى أُتُخِذت ضد يوحنا، وأدان هذه الاجراءات كلها. وبدأ يهتم بالدعوة إلى عقد مجمع مسكونى وكَتَب إلى يوحنا، وإلى كهنة القنسطنطينية، كلٌ على حدة. وها أنا أرفق الرسالتين كما وجدتهما، مترجمتيَن بالضبط من اللاتينية إلى اليونانية.
“انسنت إلى الأخ الحبيب يوحنا. على الرغم من أن وعى الانسان ببرائته الخاصة يجعله يطلب البركة والرحمة من الله، إلاَّ أنه يبدو جيدا لنا أن نرسل لك خطابا بيد كيرياكوس الشماس ليعزيك فى معاناتك لئلا ثِقل البلية الحالة بك توهن بالأكثر من شجاعتكم، ومن شهادة ضميركم الصالح، وتُضعِف رجاءكم.
ليس مطلوبا منى أن اُعْلِم مُعَلِّمًا وراعيًا لشعب عظيم بهذا القدر، أن الله يُجرِّب دائما أفضل الرجال لمعرفة ما إذا كانوا سيستمرون فى أقصى صبر ولا يستسلمون للمعاناة، ومدى صدق الضمير فى الثبات ضد كل المظالم التى تصيبنا. فما لم يتحلَّ المرء بالصبر على هذه المصائب، فإنه يوفر أرضية للظن الشرير. لأنه ينبغى علي ذاك الذى يثق أولا بالله، وثانيا بضميره الخاص، أن يَتحمَّل كل شىء. وعندما يكون بالأخص رجلا ممتازا وبارا ومتدربا على الجَلَد، لا يُمكن التغلب عليه. لأن الكِتاب المقدس يحرس فكره، فالقراءات الورعة التى نشرحها للشعب تربطنا. هذه الكُتُب المقدسة تؤكد لنا أن جميع القدسين تقريبا قد عانوا من تجارب متعددة ومستمرة، وقد أُختُبِروا بنوع ما من الفحص، فنالوا اكليل الصبر. فليتشجع ضميرك بالحب أيها الأخ المُكرَّم بالأكثر، لأن هذه المَلَكة فى وسط المحن تمثل شجاعة الفضيلة. لأنه عندما ننظر إلى المسيح مُعلمنا، فإن الضمير النقى سيُحِط بنا فى ميناء السلام”.
(8/26/2) [والى كهنة القنسطنطينية ]
“انسنت الاسقف، إلى الكهنة والشمامسة وكل الاكليروس وشعب القنسطنطينية تحت اشراف يوحنا الاسقف. التحية لكم، ايها الاخوة الاحباء.
من رسائل محبتكم التى أرسلتموها لى بيد جرمانوس الكاهن وكاسيانوس([67]) الشماس  علمتُ بإهتمام بالغ بمشاهِد الشر الماثل أمام عيونكم. لقد رأيتُ من القراءة المتكررة أية مصائب ومعاناة تعرَّض لها ايمانكم. إن تعزيات الصبر هى وحدها التى ستُشفِى حالة الامور هذه، وسوف يُنهِى إلهنا قريبا هذه المحن، وستؤول فى الحال إلى خيركم الخاص.
ولكننا نعترف ونستحسن اقتراحكم الذى قدمتموه فى بداية رسالتكم المحبوبة، والتى تشهد بأن هذه التعزية ضرورية، وتُقدِّم أدلة كثيرة على صبركم لأن تعزيتنا التى علينا أن ننقلها لكم قد توقعتها مُقدَّما فى رسالتكم، فالله معتاد أن يهب الصبر على هذه الآلام لكى عندما نقع فى محن يتشجع خدام المسيح، ويعقلون فى ذواتهم أن كل ما يعانوه قد حدث سابقا للقديسين. وحتى نحن أنفسنا قد استمددنا راحة من رسالتكم لأننا غرباء عن آلامكم، ولكننا تهذبنا بكم أنتم الذين شاهدتم، فى الواقع متاعب أولئك المتحمسين للسلام والهدوء والوفاق.
ولكن بعيدا عن حفظ السلام، طردوا كهنة بلا ذنب من المقاعد الأولى فى كنائسهم. وكان يوحنا اسقفكم، أخونا وشريكنا فى الخدمة، أول من يعانى من هذه المعاملة الظالمة دون السماح له بجلسة استماع. فبدون اتهام لا يُسمَع أحدُ. فأى افتراض قُدِّم حتى يتم إلغائه، لكى ما يظهر الحُكم الصادر والمطلوب؟. وجلس آخرون  فى مقاعد الكهنة الأحياء، كما لو كان أولئك الذين قد بدأوا بعدم الوفاق هذا، قادرون على امتلاك أو فعل أى شىء بالصواب فى تقدير أى أحد.
إننا لم نسمع أبدا عن أحدِ من آبائنا قد فعل مثل هذه الابتداعات. بل بالأحرى حظروا مثل هذه الابتداعات برفض اعطاء السلطة لأى أحدٍ أن يَرسِم أى شخص فى مكان آخر، مادام شاغله ما زال حيا، إذ أنه لا يمكنه أن يكون اسقفا ذاك الذى تم استبداله ظلما. أما بخصوص مراعاة القوانين([68]) فإننا نصرح أن الذين يعترفون بنيقية هم فقط المستوجَبين للطاعة والذين تعترف بهم الكنيبسة الجامعة. وأى فرد يحاول إدخال قوانين أخرى تختلف عن تلك التى لنيقية، مثل تلك التى من تأليف الهراطقة، مثل هذه القوانين ينبغى رذلها من الكنيسة الجامعة لأنه ليس شرعيا إضافة ابتداعات الهراطقة إلى القوانين الجامعة، إذ أنهم يحاولون دائما الاستخفاف بقرارات آباء نيقية بواسطة رجال مقاومين وفوضويين. إذن نحن نقول أن القوانين التى استنكرناها لا يجب فقط اهمالها، بل أيضا يجب ادانتها مع كل تعاليم الهراطقة والمُنشقين، مثلما أُدِينت من قبل فى مجمع سارديكا بواسطة الاساقفة الذين كانوا اسلافنا. لأنه سيكون من الافضل يا اخوتنا المُكرَّمين أن تُدان هذه الاعمال عن أن يتأكد أى عمل من الاعمال المضادة للقوانين.
والآن ماهى التدابير التى يجب علينا اتخاذها فى ظل الظروف الراهنة ضد مثل هذه الافعال؟. من الضرورى أن يكون هناك تحقيق مجمعى، وأن ينعقد المجمع الذى طالما تكلمنا عنه منذ زمن طويل مضى. وليست هناك أية وسيلة أخرى للقضاء على غضب المُجرِّب. ولكى ما نتمكن من تحقيق هذا، فإنه من المفيد فى نفس الوقت [الحصول] على الشفاء الذى يأتى من مشيئة الله العظيم ومسيحه ربنا. وبهذا نعاين زوال الويلات التى أثارها حسد الشيطان، والتى كانت بمثابة امتحان لإيماننا. فإن ظللنا راسخين فى الايمان، فلن يكون هناك شىء لا نتوقعه من الرب. ونحن نراقب بإستمرار فرصة مواتية لعقد مجمع مسكونى به توضع، وفقا لإرادة الرب، نهاية لهذه الاضطرابات المزعجة. فلنثق فى معونة إلهنا لاسترداد كل الأشياء.
لقد أُحِطنا مسبقا عِلمًا بكل ما قد رويتموه بشأن تجاربكم من قِبل الاساقفة ديمتريوس وكيرياكوس وبوليسيوس وبالاديوس([69]) الذين زاروا روما فى أوقات مختلفة. وهم الآن معنا. فمنهم عَلِمنا كل التفاصيل بوضوح تام”.

الكتاب الثامن: الفصل السابع وعشرون

(الاحداث المرعبة التى حدثت نتيجة لمعاملة يوحنا. موت افدوكسيا. موت اركاديوس. اتيكوس البطريرك: محل ميلاده وشخصيته)

(8/27/1) تلك هى رسائل انسنت والتى يُمكن منها أن نستدل بسهولة على آراءه بشأن يوحنا.
وفى حوالى نفس الفترة، سقطت على القنسطنطينية وضواحى المدينة كتل من الجليد بحجم غير عادى.
وبعد أربعة أيام من ذلك ماتت زوجة الإمبراطور. فاعتبر الكثيرون هذه الاحداث مؤشرات على الغضب الإلهى بسبب الاضطهاد الذى جرى ضد يوحنا.
(8/27/2) وكان كيرينوس([70]) أحد أولئك المفترين الاساسيين على يوحنا، قد مات عقب عذاب جسدى كبير، الذى نجم عن حادثة قدمه وترتب عليها بتر ساقه حسب تقرير الاطباء. ومات أيضا ارساكيوس بعد أن ترأس لفترة قصيرة جدا على كنيسة القنسطنطينية، ورُشح كثيرون، ورُسِم بعد أربعة أشهر من وفاته، آتيكوس القس أحد كهنة القنسطنطينية، وأحد أعداء يوحنا.
(8/27/3) هذا كان مواطنا من سبسطية بأرمينيا. وقد تدرب منذ شبابه على مبادىء الفلسفة الرهبانية على يد رهبان الهرطقة المقدونية. وكان هؤلاء الرهبان يتمتعون آنذاك بسمعة عالية جدا فى سبسطية للفلسفة التى كانت يتهذب بها يوستاثيوس الذى اشرنا إليه كأسقف هناك، وكقائد من افضل الرهبان. وعندما بلغ اتيكوس سن الرجولة، اعتنق تعاليم الكنيسة الجامعة، وكان يقتنيها بالطبيعة أكثر منه بالتعلم، وصار أحد المشاركين فى الأمور، وكان ماهرا فى القيام بالمؤامرات، كما فى التهرب من مكائد الآخرين. وكان يُجيد التصرف جدا، ومحبوبا من الكثيرين. غير أن الأحاديث التى ألقاها فى الكنيسة لم ترتفع عن مستوى الرداءة. فعلى الرغم من أنها لا تخلوا كلها من سعة الاطلاع، إلاَّ أنها لم تُعتَبر مِن قِبل السامعين أن لها قيمة كافية للحفاظ عليها كتابة. وقد عزم، على التمرس على المؤلفين اليونان المُعتمَدين بالأكثر، متى سنحت له فرصة فى أى مكان، حتى لا يبدو أميا عند الحديث عن هؤلاء الكتّاب، فقد أخفى فى كثير من الأحيان ما لا يعرفه. ويُقال أنه قد أظهر حماسا كبيرا بالنسبة لأولئك الذين يأخذون بنفس التعاليم التى له، وأنه أظهر حظرا على غير الارثوذكس وأشار بأنه سيلقيهم بسهولة فى التهلكة، ولكنه تحول فى الحال وبدا وديعا. هذه هى المعلومات التى زودنى بها أولئك الذين يعرفون الرجل.
(8/27/4) وحظى يوحنا بتكريم عظيم حتى وهو فى منفاه. فقد امتلك موارد مالية وفيرة. وإذ تزود بمال وفير من اوليمبياس الشماسة وأخريات، فقد اشترى حرية كثيرين من اسرى اللصوص الايسوريين وردهم إلى عائلاتهم. وكذلك دبَّر ضروريات العديدين من المعوزين. وأراح بكلامه الرقيق أولئك الذين لم يكونوا فى حاجة إلى مال. ومن ثم صار محبوبا للغاية ليس فقط فى ارمينيا حيث كان يقيم، ولكن من قِبل جميع الناس فى الدول المجاورة وسكان انطاكية. وأجزاء أخرى من سوريا، وكيليكية التى اعتبرها مجتمعه.

الكتاب الثامن: الفصل الثامن وعشرون

(جهود انسنت لإرجاع يوحنا بواسطة مجمع. اولئك الذين ارسلهم لأجل هذا. وفاة يوحنا)

(8/28/1) وكان انسنت اسقف روما مهتما جدا، كما يظهر من خطابه السابق، بالعمل على إرجاع يوحنا. فأرسل خمسة اساقفة وكاهنين من الكنيسة الرومانية مع الاساقفة الذين فوضهم كسفراء له من الشرق إلى الأباطرة هونوريوس واركاديوس، ليطلبوا عقد مجمع وتحديد المكان والزمان.
(8/28/2) فقدَّم أعداء يوحنا فى الشرق اتهاما بأن هذا الأمر فيه إهانة للإمبراطور الشرقى، وتسببوا فى صرف السفراء بطريقة مُخزية كما لو كانوا قد غزوا حكومة أجنبية.
(8/28/3) وحُكِم على يوحنا، فى نفس الوقت، بنفيه إلى مكان أبعد. وأُرسِل الجنود لنقله إلى بتيوس Pityus، وسرعان ما استعد الجنود لتنفيذ أمر النقل. ويُقال أنه فى أثناء هذا السفر ظهر له الشهيد باسيليسكوس  Basiliscusفى كومانى بأرمينيا وأعلَمه بيوم وفاته. وإذ تعرَّض لألم فى الرأس ولم يستطع تحمل حرارة الشمس، لم يستطع مواصلة سفره، ختم حياته فى تلك البلدة.([71])
[1] – الكبير، أو الأول.
[2] – عبارة سوزمينوس هذه تعطينا الأصل التاريخى، فى نظرى، لنعت “الملكييين” الذى ساد بعد ذلك عن الكنائس الخلقيدونية. مع ملاحظة أن سوزمينوس كان يفرق به فى البداية بين ايمان الكنيسة الجامعة وبين مفاهيم الهراطقة. ولكن بعد سوزمينوس انحرف هذا النعت عن قصده الأول وصار مقصود به اتباع خلقيدونية فى مواجهة غير الخلقيدونيين.
[3] – ويلفظها البعض مرقيان.
[4] –  يقصد الرهبنة.
[5] – كون أن ذاك قد سخر منه لأنه يرتدى زيا أبيض، وأن هذا رد بالاستفسار عن مرجع الزى الاسود، فهذا يجعلنا نتساءل هل كان الزى الاسود زيا مميزا لاكليروس القنسطنطينية آنذاك قبل العصور الاسلامية؟؟.
[6] –  تعبير “سليمان أحكم الرجال” يتردد أيضا فى كتابات زكريا البليغ.
[7] –  لم استطع العثور على شاهد لهذا القول، أو قريبا منه.
[8] – ويكتبه البعض لاونديوس ومنه جاء الاسم لاوندى.
[9] – العاصى الآن.
[10] – أى بدون الاعمال الجيدة.
[11] – أى إلى الحياة الرهبانية.
[12] – هذا الاسم له أشكال عديدة فى الكتابات العربية: اسيدور(وهو الشكل المصرى المجرد والذى يعنى “عبد ايزى” أى ازيس بالشكل اليونانى). اسيدوروس، ايسيدورس، ايسيذور، ايسيذوروس، ايسيذورس، ايزيدور. وأخيرا صُحِّف إلى الشكل سيداروس فى الاسماء العامية. وقد أُستُبدِل هذا الشكل، عند سيامة صاحب النيافة اسقف ورئيس دير سيدة براموس فى العقد الأخير من القرن العشرين، بايسوذورس ليعنى “عبد المسيح”.
[13] – يقصد الرهبانية.
[14] – يلزم الوعى التام بأن المؤرخ سوزمينوس (1) قد بدأ ذِكره لهذه الواقعة بعبارة “ويقول آخرون”. (2) ثم يعود فيقول فى (8/2/11) “ولكن سواء أكانت هذه الرواية حقيقية أم لا”. مما يعنى أنه ينقل فقط ما قد اُشيع عن البابا ثيوفيلس آنذاك، ولا سيما بعد موقفه من القديس يوحنا فم الذهب فى الأحداث التى انتهت بنفى الثانى (انظر عن ذلك، كتاب الأنبا بالاديوس،حوار عن فم الذهب، للمعرب على مواقع الحاسب).
[15] – يقصد القسطنطينية.
[16] – أى الجنود التابعين له.
[17] –  الطوافات جمع طُوف rafts، هى أبسط وسائل الانتقال على سطح الماء. وهى الوسيلة الأولى التي استخدمها الإنسان ليتمكن من الانتقال مُستخدِما المسطحات المائية كالمستنقعات والبحيرات والأنهار والبحار. فهو عبارة عن مسطبة لها إمكانية العُوم، إما لقلة كثافة مادتها بالنسبة للماء كالخشب، وإما لأنها أوعية معدنية ممتلئة بالهواء، مثل الصفائح أو البراميل الفارغة. حيث تُربَط عِدة براميل فارغة بعضها ببعض ثم تُغطَي بألواح خشبية، يمكن بعد ذلك الجلوس عليها أو تزويدها بقلاع فتتحرك بالريح. أنظر اللوحة المرفقة عاليه.
[18] – أى ثيودوسيوس وهو الملقب بالثانى أو الصغير.
[19] – المقصود هنا فوق منصة خورس الشمامسة، وبالطبع كان هذا الخورس كما نشاهده الآن فى الكنائس يرتفع درجة أو درجتين عن أرضية صحن الكنيسة ومن هنا دُعِيَّت منصة لإرتفاعها النسبى.
[20] – أى الجسد المقدس. وواضح أن التناول من السرائر الإلهية كان فى هذه الحقبة فى اليد.
[21] – وهو الاسلوب المعروف بالسيمونية.
[22] – كان من البديهى أن يشكل هؤلاء المخلوعين جبهة معارضة شرسة ضده فيما بعد، والتى انتهت بنفيه كما سنرى، لأن المصالح الدنيوية كانت محور إهتماماتهم الدينية.
[23] – ويُكتب أيضا هيراقليدس.
[24] – واضح أنه كان فى ذلك الوقت ما زال هناك اساقفة متزوجون، كما نلاحط فى هذه الاشارة، وأيضا من روايته عن اسبيريدون اسقف قبرص(أنظر 1/11 هنا).
[25] – أى إلى أيام سوزمينوس. وفى الحقيقة، مازالت هذه الطريقة مُستخدَمة حتى الآن فى الكنيسة القبطية كإحدى الطرق المعروفة للترتيل.
[26] – ألاحظ هنا ان سوزمينوس يقول أن نكتاريوس قد”رسمها” ولم يقل عينها، إذن يمكننا أن نستدل من عبارة سوزمينوس هذه على وجود طقس ما لسيامة الشماسات المكرسات على الأقل فى القرن الرابع الميلادى.
[27] – أى إن اقتنعتِ بكلامى.
[28] – أى الحياة الرهبانية عند سوزمينوس.
[29] – أى النظام الرهبانى.
[30] – ليس عجيبا، ألم يقل الكتاب “طبلنا وزمرنا لكم، فلم ترقصوا. نُحنا لكم فلم تبكوا”. فلو كان قد قبل المآدب التى أرادوها لقالوا “هوذا أكول وشريب، وصديق للأغنياء”، ولما مارس حياته النسكية حتى وهو اسقف، صار متعاليا على الناس. حقا العين غير المختتنة تفسر كل شىء حسب هواها المريض.
[31] – تقع حاليا إلى الشمال الشرقى من مدينة غزة. ويجب ملاحظة الخطأ الذى ورد بالسنكسار القبطى طبعة دير السريان، من نِسبة جابليا إلى اليونان، بدلا من سوريا. لذا لزم التنويه.
[32] – ويمكن أن يُكتب أيضا انتيوكس.
[33] – وتعرف بإسم التجسيمية anthropomorphic أنثروبومورفيت. أى المجسِّمين. أى الذين ينسبون إلى الله أعضاء بشرية ومادية. أنظر ايفلين هوايت، “تاريخ أديرة وادى النطرون” للمعرب. و”دير سيدة براموس” رسالة ماجستير للمعرب.
[34] – التى ترِد فى الأجبية”غير هيولى”.
[35] – والتى تُعرَف بالرسائل الفصحية.
[36] – أى الرهبان.
[37] –  كان ذلك حوالى سنة 399م وغادر على إثرها يوحنا كاسيان الاسقيط. وينقل سوزمينوس هذه الحدث عن كاسيان الذى كان شاهد عيان. انظر مح1:10، فى “المحاورات”، ترجمة المعرب، تحت الطبع.
[38] – نُذكِّر أن نعت “الفلاسفة” هنا يعنى عند سوزمينوس “الرهبان”.
[39] – واضح هنا أن عبارة “رئيس الكهنة” عند سوزمينوس تقابل كلمة “قمص” المستخدمة حاليا والتى تعنى بالفعل “رئيس قسوس” وبالتالى تختلف عبارة “رئيس الكهنة” هنا عن استعمالها لدى زكريا البليغ الذى كان يقصد بها أسقف المدينة العاصمة، أى رئيس اساقفة، وبالتالى “بطريرك” أو “بابا” بمفهومنا الحالى. لأن بطرس كاهن الاسكندرية محل حديث سوزمينوس هنا لم يكن آنذاك اسقفا.
[40] – أدان البعض الهوس المعمارى عند ثيوفيلس، فى مقابل اهتمام اسيدورس بخدمة الفقراء وحرصه على تتميم رغبة الذى أودع لديه المبلغ، كل حسب اشتياق قلبه. ولكننى فى الواقع، ألتمس العذر لثيوفيلس على الصعيد البشرى للمسؤول. فليس صحيحا أن كل مسؤول له قامة الأنبا ابرآم اسقف الفيوم فيفضل الخدمة المستترة على العمل المعمارى الظاهر الذى يجلب بالطبع استحسان الشعب، وإعجاب المسؤلين الأعلى. ويكفى أن يتصفح المرء صفحات تاريخ الأديرة لإيفلين هوايت لنرى المعادلة الصعبة بين “الهوس المعمارى” والبناء الروحى والخدمى. ومَن يا ترى من الكهنة مَن يمكنه أن يردد هذا الرد. أعرف أحد المسؤلين استولى بوصفه الرئاسى على مال مودع فى إحدى الكنائس لخدمة المحتاجين، ليستخدمه بنفس الاسلوب فى اغراض معمارية لا ترتبط حتى بذات الكنيسة.
[41] – نلاحظ هذا الاجراء رغم ما عانته الكنيسة من اضطهاد الاريوسيين أيام البابا أثناسيوس على مدى ستين سنة، وما كانت ستعانيه فى العصر الخلقيدونى بعد ذلك.
[42] – أى الرهبنة.
[43]Anthropomorphists. ذهب أحد الكتَّاب القبط إلى أن سوزمينوس هو وسقراتيس كانا متحامِليَن على ثيوفيلس، ويُظهِران له العداء. وقد تعجبتُ بشدة من هذا الرأى. ذلك أن المصدر الرئيسى لسوزمينوس وسقراتيس لهذا الحدث كان ثلاثة مصادر أولية ورئيسية واصحابها كانوا معاصرين له لعل اهمها يوحنا كاسيان وجرمانيوس اللذان كان فى الاسقيط لحظة اندلاع هذه البدعة، ثم روفينوس المؤرخ، وبالاديوس فى كتابه “دفاع عن يوحنا فم الذهب”. اللهم إلاّ إذا كان هذا الكاتب القبطى يأخذ بمبدأ عصمة البابا والاساقفة!!.
[44] – هى مدينة بيسان اليوم على مسافة نحو 83 كم شمال شرق اورشليم.
[45] – من التاريخ الرهبانى، نعلَم أن ذلك كان على إثر هجمة البابا ثيوفيلس على رهبان نتريا. انظر ايفلين هوايت، للمعرب.
[46] –  ‘The Anchored””
[47] – ما أجمل هذا العتاب الروحى الواضح فيه بجلاء، النفَس الهادىء والحجة الرزينة. فلا هم خدشوا حياء الأب، ولا هو إزداد تصلفا. عكس موقف ثيوفيلس!!.
[48] – يقصد سوزمينوس الاحتمال الثانى.
[49] – لاحظ هنا أن سوزمينوس فى (ك27:7) تحدث عن فضائل ابيفانيوس كقديس له آيات كرجل لله، وأعمال جديرة بالتسجيل، ولكنه فى نفس الوقت لم يتردد فى تسجيل الضعف البشرى عندما صدر منه. وبهذا أظهر سوزمينوس ذاته كمؤرخ محايد.
[50] – يلفظه البعض سيرينوس.
[51] – هذه إشارة تستوجب الوقوف عندها، أنه فى العصر الإمبراطورى، إن جاز التعبير، كانت هناك وحدة بالمعنى الحالى للبلاد الخاضعة للسلطة الرومانية، شبيهة بالإتحاد الاوربى حاليا، حيث هناك حرية انتقال للأفراد والبضائع، وعملة نقدية واحدة. ومن هنا كان من الممكن للمصرى أن يكون اسقفا فى القنسطنطينية، وأن يكون اليونانى اسقفا فى مصر. كما نرى فى هذا الاسقف وفى سيرابيون رئيس شمامسة القسطنطينية.
[52] – يقصد سوزمينوس العدالة الإلهية أو عدالة السماء.
[53] – هذا المسلك هو فعلا، عملا بالقول الرهبانى القائل “سواء أخطأتَ أو لم تُخطأ فقل: أخطأتُ”.
[54] – يعترض أحد الدارسين على النقد التاريخى البحت لثيوفيلس. ربما، حسبما أتصور، لأنه يأخذ من طرف خفى بمبدأ “عصمة البابا” التى لا تأخذ به الكنيسة القبطية الارثوذكسية!!. ولكننى وجدتُ تعليقا بين السطور يُعبِّر تماما عما أريد أن أذكره، أدلى به أبى القمص تادرس يعقوب فى عرْضِه لسيرة يوحنا فم الذهب، ص 88 وهو (وقال[ أى البابا ثاوفيلس] أن المشكلة قد انتهت. لم يطلب منهم أن يعترفوا بالإيمان الارثوذكسى، ولا أن يتخلوا عن قراءة كتب أوريجانوس… فقد ظهَر أن المشكلة لم تكن حول “كتابات أوريجين”، لكنها دوافع شخصية… انتهت مشكلة “الإخوة الطوال” وعاد الرهبان مع البابا ثاوفيلس بعد أن لطَّخ [ثاوفيلس] تاريخه بهذا المجمع الذى دعاه بالاديوس “مجمع المتوحشين”.. إذ صار ثاوفيلس أداة لتحقيق رغبات الامبراطورة الشريرة). تُرى مَن كان الواجب عليه أن يُطبِق المبدأ الرهبانى السابق ذِكره عاليه ؟!. وأقول أيضا كيف كان له أن يُدين كُتُب اورجينوس التى ترفض التجسيمية؟؟، والتى كان يداوم على قرائتها (أنظر سقراتيس17:6)؟!!.
[55] – أى شعب القسطنطينية.
[56] – وفى موضع آخر لا يتردد القمص تادرس يعقوب ملطى عن القول غادر ثاوفيلس القنسطنطينية إلى الأسكندرية (حاملا معه جريمته فى حق البطريرك يوحنا ذهبى الفم التى لم يغفرها له المؤرخون. مع أنه قد أعلن فى أواخر حياته ندمه على ما فرط منه بخصوص ذهبى الفم). ولعل ذلك هو السبب الذى جعل البابا كيرلس عمود الدين يُسرِع فور إعتلائه للكرسى الأسكندرى بعقد مجمع يُعلِن فيه قداسة فم الذهب.
[57] – تم اكتشاف خرائب هذه المدينة بالفعل فى العقد الأول من القرن الحالى. أنظر المدخل الشرقى لمصر، يسرية عبد العزيز سنة 2003.
[58] – لاحظ هذا التعبير لسوزمينوس، وما نقوله فى الصلاة من أجل الراقدين بالقداس القبطى، “لأنه ليس موت لعبيدك، بل هو انتقال”. من حياة الشقاء “إلى موضع الراحة، فى أحضان ابراهيم واسحق ويعقوب”.
[59] – من الصعب علينا الآن أن نحكُم على هذا المسلك من قِبَل فم الذهب وهل كان حكيما فى هذا أم افتقر فيه بحُكم الضعف البشرى إلى الحكمة؟. وهل كان عليه أن يتجنب الصدام مع السلطة الزمنية، أم أن يتكلم ضد ما رآه من سلبيات سلوكية اجتماعية يُمكن أن تقلدها العامة من الشعب. هل كان اسلوب يوحنا المعمدان مناسِبا فى حالته هذه، أم كان يتعيَّن عليه استخدام الاحتمال إلى الميل الثانى. كلها نقاط للتأمل. ولذلك صمتَ سوزمينوس فى هذه المرة عن التعليق عليها.
[60] – تقع حاليا فى ارمينيا التركية بالقرب من البحر المتوسط. ويكتبها البعض كوكوزة.
[61] – سبق أن ذكرنا أن الراهبات كان يُطلق عليهن فى النصوص القديمة عذارى.
[62] – عبارة رتبة شماسة، ثم مكرسات. توضح لنا أن نظام المُكرسات كنظام مميز عن الشماسات، كان بارزا فى وقت سوزمينوس.
[63] –  يلاحظ أنه فى ذلك الوقت، على الاقل فى عصر هونوريوس لم يكن الدين شرطا فى التعيين للوظائف القيادية فى الدولة، فها هو حاكم مدينة، أى رئيس مجلس مدينة بتعبيرنا الحالى، أو “عمدة” حسب النظام الانجليزى، وثنيا فى ظل دولة مفروض أن نظام الحُكم فيها دينيا.
[64] – “القارىء” هنا هى رتبة من رتب الشموسية، والمعروفة باليونانية بأوغنسطس. وإسم يوتربيوس يلفظه البعض أيضا أوتروبيوس.
[65] – أداة للتعذيب فى ذلك الزمان.
[66]– عن الوفد الذى اطلع اسقف روما بما فعله ثيوفيلس الاسكندرى ضد يوحنا، انظر كتاب بالاديوس “حوار عن حياة فم الذهب”، والذى كان ضمن هذا الوفد. كما كان مِن ضمنه روفينوس الاكويللى صاحب النسخة اللاتينية لهستوريا موناخورم. وكذلك يوحنا كاسيان (والذى كان فم الذهب قد رسمه شماسا. أنظر مقدمة المعرب لكتاب الأنظمة لكاسيان) وصديقه جرمانوس(انظر الفقرة8/26/2 بعده توا).
[67] –  صاحب المحاورات والأنظمة، انظر مقدمة المعرب لترجمة الانظمة.
[68] – الكلمة الواردة هنا مقصود به القوانين الكنسية وليست المدنية.
[69] – صاحب التاريخ اللوسسى، وكان قد سيم وقتها اسقفا بيد فم الذهب. وقد أدانه نفس المجمع مع القديس فم الذهب، ونفاه إلى سين (اسوان) بمصر حيث بقى فى صعيد مصر من حوالى 406م إلى 412م. كتب فيها كتابه البليغ”حوار عن حياة القديس يوحنا”(وهو قيد الاعداد بهذه السلسلة إنشاء الرب وعشتُ) الذى يمدنا بسيرة ضافية وافية عن سنوات العذاب فى مشوار حياته الأخير إلى أن تنيح فى الطريق. أنظر مقدمتنا لترجمة عمله “التاريخ الرهبانى..”، نشر دار باناريون.
[70] – أو سيرينوس، حسب لفظ آخرون.
[71] – عن المعاناة الشديدة التى لقاها فم الذهب بسبب الغيرة البشرية للبطريرك ثاوفيلس، والتى لا تقل عن معاناة باباوات الاسكندرية على يد الاساقفة الخلقيدونيين الدخلاء فيما بعد، بل والتى ذاقوها من الاساقفة الاريوسيين، انظر خطابات القديس يوحنا إلى الشماسة اولمبياس والتى يرد فيها وصفا مسهبا للأحداث التى اجتازها فى الطريق إلى المنفى(أنظر عرضا ملخصا لها بكتاب القديس يوحنا ذهبى الفم، للقمص تادرس يعقوب). وقد دام فى النفى وهو فى شيخوخته وسِقمه من حوالى 404م إلى أوخر 407م. حيث لفظ أنفاسه فى الطريق بالقرب من كومانا، وهو يردد “ليكن الله مباركا فى كل شىء آمين”. ولما كان الجزء الأخير من مخطوطة سوزمينوس والذى يتناول عهد ثيودوسيوس الصغير مفقود، لذا يلزم التنويه هنا إلى أنه بعد حوالى واحد وثلاثين سنة من وفاته اهتم ثيودوسيوس الصغير(حوالى سنة 438م) بنقل جسده من كومانا إلى القسطنطينية بإحتفال عظيم وإنسحاق شديد طالبا بدموع الغفران لوالديه. أنظر سقراتيس، “ت.ك.”، 45:7. للمعرب.

Leave a Comment