تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الثامن – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]
كان الرب قد أعطى موسى فى صعوده الأول إلى جبل سيناء تعليمات مفصلة عن إقامة خيمة الاجتماع، وعن ملابس رئيس الكهنة والكهنة، وعن كل ما يتعلق بتكريسهم للخدمة الكهنوتية المقدسة وعن إعداد ما يتعلق بالخدمة (خر25-30).
وقد أقيمت الخيمة بالفعل وتجلى مجد الرب فيها (خر 40)، كما أعدت جميع ثياب هرون وبنيه وجميع ما تحتاج إليه الخدمة من البخور وزيت الإضاءة وغيرهما، ومن داخل الخيمة أعطى الرب لموسى التعليمات عن الذبائح والتقدمات بأنواعها كما هو واضح فى السبعة أصحاحات الأولى من سفر اللاويين. ودبر الله بحكمته أن يقوم موسى، بعد إعداد كل هذه، برسامتهم ليقوموا بخدمة الكهنوت ولعل الله بتدبيره وحكمته لم يشأ أن يكرسوا للكهنوت قبل أن يعطى موسى جميع التعليمات الخاصة بطقوس العبادة، وقبل أن تقام خيمة الاجتماع بمشتملاتها بالفعل حتى لا تمر بهم فترة من الوقت بدون عمل وبدون تأدية وظيفتهم المقدسة، لأن خدام الله يجب أن يقضوا حياتهم العملية من أولها إلى آخرها فى العمل فى خدمة الرب ورعاية عبيده حتى لا يكونوا كالعبيد البطالين (مت20: 3-6). وفعلاً فإن هرون وبنيه كهنة الله العلى بعد تقديمهم للكهنوت الذى استغرق طقسه سبعة أيام ابتدأوا يمارسون عملهم الكهنوتى فى اليوم الثامن بمجرد أن تسلموا عملهم المبارك (ص9). ويتضمن الأصحاح الثامن أمرين :
( أ ) تقديس (رسامة) هرون وبنيه كهنة.
(ب) مسح المسكن المقدس وجميع مشتملاته. ويعتبر موضوع هذا الأصحاح من الحوادث التاريخية القليلة المذكورة فى هذا السفر.

الاستعداد لتقديس هرون وبنيه (ع1-5)

1- كلم الرب موسى قائلاً.
كان كلام الرب له من خيمة الاجتماع (ص1:1) وذلك بعد إقامتها وحلول مجد الرب بها، حتى لم يستطع موسى أن يدخلها (خر40: 34،35).
2 – خذ هرون وبنيه معه والثياب ودهن المسحة وثور الخطية والكبشين وسل الفطير.
1- كان على موسى أن يقوم بنفسه بتقديس هرون وبنيه لينالوا نعمة الكهنوت. فموسى كان الكاهن للشعب، ويعتبر كهنوته اتصالاً بين الكهنوت القديم الذى كان يكهن فيه رأس الأسرة أو العشيرة، وبين الكهنوت اللاوى الذى رسمه الله وحدد فيه أن يكون الكهنوت خاصاً بهرون وبنيه الذين من سبط لاوى، وأن يكون باقى نسل لاوى لاويين يخدمون خدمة الاجتماع. وقد قال الكتاب عن كهنوت موسى (موسى وهرون بين كهنته مز99: 6) كما دعاه الوحى (ملكاً) (تث33: 5)، واعتبره الله (خادماً) أميناً فى بيته المقدس حيث قال الله عنه فى حديثه إلى هرون ومريم (وأما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين فى كل بيتى عد12:7)، وقد ذكر القديس بولس أيضاً هذه الحقيقة فقال إنه كان (أميناً فى كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلم به عب3: 5).
2- من ثم فقد أمره الرب أن يأخذ هرون وبنيه وجميع المعدات التى تلزم فى رسامتهم وفى مسح المسكن المقدس، وهى ثياب الكهنوت المقدسة التى سبق فوضحها له فى (خر28) وقد صنعت بالفعل (خر39)، ودهن المسحة ولقد شرحه له فى (خر30: 22-33)، والثور الذى يقدم ذبيحة خطية، والكبشين اللذين يقدم أحدهما محرقة والآخر ذبيحة ملء والتقدمة الطعامية التى تقدم فى رسامتهم أيضاً (خر29: 1-3). والمقصود بأخذ موسى للجميع، أخذهم إلى باب خيمة الاجتماع استعداداً لإجراء طقس الرسامة المجيد.
3- واجمع كل الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع.
1-كانت الرسامة أمام باب خيمة الاجتماع لأنه لم يكن يسوغ لهرون وبنيه أن يدخلوا إلى الخيمة أى إلى القدس أو قدس الأقداس لأنهم لم يكونوا قد أقيموا كهنة بعد، وكان لايسوغ دخول الخيمة إلا لتأدية شعائر الخدمة للرب.
2- أمر الرب موسى أن يجمع كل جماعة بنى إسرائيل إلى باب خيمة الاجتماع لكى يشهدوا طقس الرسامة المقدس. ولأن دار الخيمة (الفناء المحيط بها) لم يكن ليسع كل الشعب، فيغلب أن الذين اجتمعوا داخل الدار هم شيوخ الشعب ورؤساء الأسباط كنواب عن الشعب، وباقى الشعب وقف خارج أسوار الدار الخارجية، ولأن الرسامة استغرقت سبعة أيام (ع33،34)، فربما استطاعت كل جماهير الشعب أو معظمها أن تدخل إلى داخل الدار بالتناوب.
3- كان على الجماعة أن تحضر لدى باب الخيمة لحكم إلهية منها:
( أ ) أن يتأكد بنو إسرائيل أن إقامة هرون وبنيه كهنة لم يكن من أنفسهم ولا تدبيراً عائلياً دبروه مع موسى، ولكنه كان بتدبير الله وقصده، وقد مر بنا قول الرسول (ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضاً عب5: 4).
(ب) لكى يقف الشعب على رهبة الكهنوت المقدس وجلاله فيحترموا كهنتهم ويحبوهم ويطيعوهم ويحترموا كل ما يتعلق بعبادة الرب وبالخدمة المقدسة.
(ج) ومن ناحية أخرى لكى يرى رئيس الكهنة والكهنة الذين يقدسون معه جماعة الشعب الذين ائتمنهم الله لرعايتهم وخدمتهم، والنفوس الوفيرة التى أصبحوا مسئولين عنها أمام الله. فهم لم يقاموا لخدمة أنفسهم بل لخدمة ورعاية كل هذه النفوس الغالية، صغيرها وكبيرها، فقيرها وغنيها.
(د) ولكى يكون الاجتماع المقدس جامعاً لكل الأطراف، لموسى وسبط العهد المقدس، وللأشخاص الذين انتدبهم الله ليكونوا كهنة، وللشعب نفسه، وفوق الكل وأولهم الله الذى يحل بشخصه تبارك وتعالى بينهم، ويبارك لهم اجتماعهم، ويعمل بروحه فى طقس الرسامة الجليل الرهيب وفى الذين أهلوا له.
4- ففعل موسى كما أمره الرب. فاجتمعت الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع.
أحضر موسى إلى باب خيمة الاجتماع هرون وبنيه وجميع المعدات التى أمره الرب بإحضارها. ودعا الجماعة فحضرت حسب أمر الرب.
5- ثم قال موسى للجماعة. هذا ما أمر الرب أن يفعل.
1- قال موسى للشعب (هذا ما أمر الرب أن يفعل)، أى أعلن لهم أن إقامة هرون وبنيه كهنة ليس من وضعه بل بأمر من الرب، لأنه تبارك اسمه هو الذى دعاهم لذلك، كما أن جميع طقوس الرسامة التى سيشاهدونها كانت أيضاً بترتيب من الله.
2- (ثم قال موسى للجماعة) إن موسى كان راعياً للشعب، والراعى الأمين يجب أن يعلن للشعب أوامر الله، ويكلمهم بكلمته المقدسة، ويوضح لهم شرائعه الإلهية، ويشرح لهم كل ما فيه بنيان ونفع لنفوسهم، لأنه المسئول عن تعليمهم وتهذيبهم ورعايتهم.

غسل هرون وبنيه (ع6)

6- فقدم موسى هرون وبنيه وغسلهم بماء.
1- كان طقس الرسامة يقوم بأربع خطوات.
( أ ) غسل هرون وبنيه.
(ب) إلباسهم ثياب الكهنوت.
(ج ) مسحهم بالدهن المقدس.
(د ) تقديم الذبائح المعينة من الله لهذا الغرض.
2- (قدم موسى هرون وبنيه) أى أخذهم إلى باب خيمة الاجتماع لتقديسهم، لكى يكون العمل المقدس من خلال بيت الرب حيث تجرى جميع طقوس العبادة، ولكى يكون هذا أمام الشعب كما عرفنا.
(وغسلهم بماء) كان الاغتسال بالماء لائقاً ومناسبا لخدمة الله، وفى نفس الوقت كان يشير إلى الطهارة الداخلية وإلى غسل القلب من الخطية، وأولاد الله يجب أن يعبدوا الله بنقاوة قلب وبضمائر طاهرة. وقد خصصت المرحضة للاغتسال اليومى، حيث كان الكهنة يغسلون أيديهم وأرجلهم قبل ممارسة طقوس العبادة (خر30: 17-21). أما فى هذه المرة فإن موسى غسل أجسامهم كلها إشارة إلى العمل الجديد الذى سيتسلمونه، وكان هذا فى حوض معد ومن وراء حجاب. والكهنة فى العهد الجديد يغسلون أيديهم فى مواضع مختلفة فى القداس الإلهى تكريماً للخدمة المقدسة من جهة، وإشارة إلى طهارة الروح من جهة أخرى، ومن ناحية ثالثة إشارة إلى تبرئة ذمتهم أمام الله. وفى كل هذا هدف روحى نافع مزدوج، فإن غسل الأيدى يذكرهم بأن يكونوا أطهاراً ويسلكوا فى القداسة التى تليق بكرامة الخدمة المقدسة كما يقول الوحى الإلهى (تطهروا يا حاملى آنية الرب اش52: 11)، كما يذكرهم أيضاً بأن يبذلوا أقصى جهدهم فى خدمة النفوس التى يرعونها حتى تكون ضمائرهم مستريحة ويكونوا هم أبرياء قدام الله.

إلباس هرون الثياب (ع7-9)

7- وجعل عليه القميص ونطقه بالمنطقة وألبسه الجبة وجعل عليه الرداء ونطقه بزنار الرداء وشده به.
8- ووضع عليه الصدرة وجعل فى الصدرة الأوريم والتميم.
9- ووضع العمامة على رأسه ووضع على العمامة إلى جهة وجهه صفيحة الذهب الإكليل المقدس كما أمر الرب موسى.
ذكرت هذه الأجزاء فى (خر28). وقد كانت ثياب هرون رئيس الكهنة تشتمل على ثمانى قطع كما سنرى، بينما كانت ثياب كل من بنيه الكهنة تشتمل على أربع قطع فقط. ذلك بالنسبة لرئاسة هرون لباقى الكهنة ومركزه الخاص فى تدبير الخدمة ومسئولياته الجسيمة. والثياب الكهنوتية بوجه عام تشير إلى:
( أ ) جلال الكهنوت ومجد الخدمة المقدسة (خر28: 2).
(ب) عبادة الله فى زينة مقدسة (مز96: 9).
(ج ) وجوب تنقية قلوبنا وتطهيرها لتكون بهية ونظيفة أمام العلى.
( د ) إظهار رهبة الكهنوت والمركز الممتاز لرجال الله وخدام المذبح.
(هـ ) كما أنها تشير إلى ثياب المجد التى يلبسها أولاد الله فى السماء (رؤ4:4،19: 8..الخ). ومما هو جدير بالذكر أن كل قطعة وكل مادة وكل لون تقريباً تحمل معانى روحية سامية. وكانت ثياب هرون تشتمل على :
1- السراويل وقد لبسها وراء الحجاب.
2- القميص (خر28: 39)، وكان مصنوعاً من البوص (الكتان) النقى ويشير إلى طهارة الحياة وإلى بر المسيح والبر الذى يعطيه الله لأولاده لأن البز هو تبررات القديسين (رؤ19: 8).
3- منطقة القميص (خر28: 39) وتشير إلى الاستعداد للخدمة بعزم وبحزم.
4- الجبة وكانت مصنوعة من الأسمانجونى وهو اللون الأزرق الذى يذكرنا بأن الخدمة المقدسة خدمة سمائية وتختص بإله الجنود الساكن فى السماء (خر28: 31-35)
5- الرداء (الأفود) (خر28 :6-8) وكان مصنوعاً من نفس المنسوجات والألوان التى عمل منها المسكن المقدس وهى البوص (البز) ولونه أبيض جميل يشير إلى النقاوة كما ذكرنا، والأسمانجونى والأرجوان الذى يلبسه الملوك ويشير هذا إلى السلطان الروحى الذى للكهنة، ثم القرمز ويشير إلى الدم الذى يكون به التكفير عن الخطايا، وبالتالى يشير إلى استعداد الخادم لتقديم ذبائح التكفير عن نفسه وعن شعبه، وإلى استعداده حتى بتضحية ذاته وتقديم نفسه ذبيحة مقدسة لأجل مجد الله وخدمة أولاده. هذا بالإضافة إلى خيط الذهب وهو يشير إلى ملك الله ومجده، والى مجد خدمته المقدسة وكهنوته المبارك، وإلى الملك الروحى الذى يعطى لخدامه الأمناء.
وقد كان جزء الرداء الأمامى والخلفى يتدليان من الأمام  ومن الخلف ويتصلان عند الكتفين. وهذا إشارة إلى تحمل رئيس الكهنة المسئوليات، واستعداده لحملها على عاتقه، وقد مر فى (خر 28: 9-14) أن حجرين من الجزع كانا موضوعين فى طوقين (إطارين) من الذهب كانا يحملان أسماء الأسباط الاثنى عشر ويثبتان على كتفى الرداء إشارة إلى حمله مسئولية شعبه وأعبائه على كتفيه أيضاً.
6- منطقة الرداء  (الزنار) وكانت هى والرداء من قطعة واحدة ومن نفس المنسوجات والألوان (خر 28: 8) وتشير إلى الاستعداد الدائم للخدمة بنشاط، وإن كان رئيس الكهنة يلبس منطقتين الواحدة فوق قميصه والثانية فوق الرداء فهذا يوضح له جسامة مسئولياته ويذكره أن يضاعف نشاطه باستمرار.
7- الصدرة التى تشير إلى مركزه فى القضاء لأنه كان يطلب من الله أن يتفضل فيعلن له مقاصده بطريق الأوريم والتميم فيقضى بموجب حكمه تعالى، كما أنه كان يقضى للشعب أيضاً بموجب شريعة الله. وقد ذكرت الصدرة فى (خر28: 15-30). وكما كان رئيس الكهنة يحمل أسماء الأسباط على كتفيه إشارة إلى حمل أثقال شعبه بكل عزم وقوة، كانت أسماؤهم أيضاً منقوشة على اثنى عشر حجرا كريما مثبتة على الصدرة إشارة إلى حمل شعبه بأسمائهم فى قلبه، الذى هو مركز الحب والحنان.
8 ــ العمامة وعليها الإكليل (صفيحة الذهب) التى تثبت (إلى جهة وجهه)، أى إلى العمامة فوق جبهته (خر 36:28ــ 38)، وتشير كلتاهما إلى الملك والسلطان والرئاسة. وقد كتب على الإكليل (قدس للرب) إشارة إلى أن الكهنوت المقدس، والخدمة المقدسة، والبيت المقدس،ورئيس الكهنة نفسه،والكهنة الذين تحت إرشاده،والشعب كله الذى يمثله رئيس الكهنة أمام العلى، كلها مقدسة ومكرسة للرب.
(كما أمر الرب موسى) : لم يكن هذا من عمل موسى لكى يمجد أخاه هرون أمام الشعب، بل كما أمره تبارك اسمه على جبل سيناء (خر 28).

مسح المسكن والمذبح (ع10-11)

10- ثم أخذ موسى دهن المسحة ومسح المسكن وكل ما فيه وقدسه.
المسح يشير إلى تقديس الأشخاص أو الأشياء لخدمة الله، كما أن الدهن والزيت بوجه عام يشيران إلى الروح القدس. ولقد مسح موسى خيمة الاجتماع ومشتملاتها بالدهن المقدس لكى تكون مقدسة للرب، ولكى تكون الخدمة المقدسة، وعبادتهم لله، وجميع أنشطتهم الروحية، ممسوحة بالروح القدس.
11- ونضح منه على المذبح سبع مرات ومسح المذبح وجميع آنيته والمرحضة وقاعدتها لتقديسها.
مسح أيضاً مشتملات الدار الخارجية للخيمة وتتضمن مذبح المحرقة والمرحضة. والنضح (الرش) سبع مرات يشير إلى كمال التقديس، لأن المذبح كان الموضع الذى تقدم عليه الذبائح فكان مركز العهد بين الله وبين البشر. ويرى بعض العلماء أن السبعة مجموع الثلاثة التى تشير إلى الثلاثة أقانيم فى الله الواحد والأربعة التى تشير إلى الإنسان بحسب اصطلاح البشر من قديم الزمان حيث قال الفلاسفة قديماً أن فى الإنسان أربعة طبائع هى طبيعة الهواء وطبيعة الماء وطبيعة التراب وطبيعة النار، فهى بذلك عدد كامل وتشير هنا إلى عبادة الإنسان الكاملة لله وعلاقته الكاملة بشخصه المبارك.

مسح هرون (ع12)

12- وصب من دهن المسحة على رأس هرون ومسحه لتقديسه.
صب الدهن صباً على رأس هرون فنزل على لحيته وإلى طرف ثيابه (مز133: 2) بينما مسح الكهنة فقط، وهذا بالنسبة إلى جسامة مسئولية هرون واحتياجه إلى نعم خاصة ومواهب عظيمة من مواهب الروح القدس لتدبير أمور الخدمة الواسعة. ويقول المؤرخون أن مسح رئيس الكهنة كان دائماً بصب الدهن على رأسه ومسح جبهته بحرف الكاف العبرية التى تشير إلى أنه كاهن كما يمسح كهنة العهد الجديد المؤمنين بالزيت بعلامة الصليب المقدس. كما يقول المؤرخون أيضاً أن أولاد هرون وحدهم هم الذين مُسحوا بالدهن مسحاً كاملاً (ع30) أما خلفاؤهم من الكهنة فكان يكتفى بمسحهم مسحاً بسيطاً على جباههم، ولعل المفسرين استنتجوا هذا من قول الوحى أن مسحتهم تصير لهم (كهنوتاً أبدياً خر40: 15)

تقديم بنو هرون وإلباسهم (ع13)

13- ثم قدم موسى بنى هرون وألبسهم أقمصة ونطقهم بمناطق وشد لهم قلانس كما أمر الرب موسى.
1- قدم موسى بنى هرون الأربعة إلى باب خيمة الاجتماع ليقدسهم كهنة.
2- ثم ألبسهم ثيابهم التى كانت تشتمل على أربع قطع وهى السراويل وقد لبسوها من قبل وراء حجاب بعد ما غسلهم، والقميص، والمنطقة  والقلنسوة التى تقابل عمامة رئيس الكهنة.

تقديم ثور الخطية (ع14-17)

14- ثم قدم ثور الخطية ووضع هرون وبنوه أيديهم على رأس ثور الخطية.
(ثم قدم ثور الخطية) قدمه موسى إلى باب خيمة الاجتماع لأن كل طقوس الرسامة تتم هنالك (خر29: 10).
(ووضع هرون وبنوه أيديهم على ثور الخطية) وضع الأيدى على رأس الثور كان اعترافاً بالخطايا وإقراراً بالنقص والضعف، وقبولاً للحيوان البرىء ليكون نائباً عنهم فى حمل خطاياهم، والتماساً من الله أن يقبل ضحيتهم ويجعل حياته البريئة فداءً لحياتهم الأثيمة. وكانوا يضعون أيديهم بكل قواهم على الحيوان كأنهم يلقون بكل أثقالهم وأحمالهم ونقائصهم وخطاياهم على كاهله واثقين فى مراحم الله أنه سيرفعها عنهم بموت هذا الحيوان.
وكان من اللازم أن يقدم هرون وبنيه ذبيحة خطية قبل تقديسهم للكهنوت حتى يُطهروا أولاً من خطاياهم، ومن ثم يُؤهلوا لقبول هذه الخدمة الطاهرة. وكانت ذبيحة الخطية فى هذه المرة مخالفة من عدة وجوه لباقى الذبائح :
(أ) فإنها لم تكن عن سهو أو جهل معين (ص4: 1-2) وإنما كانت عن خطايا هرون وبنيه عامة، وعما قد يكون قد لحق بحياتهم من الشوائب والنقائص والزلات بمعرفة أو بغير معرفة حتى يستعد كل منهم لعمله الروحى الجديد.
(ب) لم يدخل بدمها إلى القدس كذبيحة رئيس الكهنة (ص4: 5-7،16: 3،11-14) لأن هرون لم يكن قد أخذ الوظيفة بعد.
(ج) لم يقم هرون أو بنوه بمراسيم الطقس المقدس بل قام به موسى لأن هرون وبنيه أُعتبروا كأناس خطاة معترفين بخطاياهم ومقدمين الذبيحة تكفيراً عنها، وكان موسى هو الخادم الذى يرفع اعترافهم ويقدم ذبيحتهم إلى الله الحى.
15- فذبحه وأخذ موسى الدم وجعله على قرون المذبح مستديراً بأصبعه وطهر المذبح ثم صب الدم إلى أسفل المذبح وقدسه تكفيراً عنه.
1- ذبح موسى الثور بنفسه أمام باب خيمة الاجتماع حسب أمر الرب (خر29: 11)
2- أخذ الدم وجعله على قرون المذبح الأربعة، ثم صب الباقى إلى أسفل المذبح، وكانوا يستقبلون الدم فى الطشوط المعدة لذلك. والقصد من وضع الدم على المذبح:
(أ) تطهيره والتكفير عنه حتى يكون لائقاً لخدمة الله القدوس لأن رجاسات الناس وخطاياهم قد تلوث حتى الأماكن والأشياء المقدسة فتجعلها غير لائقة فى نظر الله. ويقول اليفاز التيمانى إنه حتى السموات غير طاهرة فى عينيه (أى15: 15)، كما أن الرسول يعلن أنه نتيجة لفساد البشر قد أخضعت للبطل (رؤ8: 20)، وقد سبق الرب فلعن الله الأرض بسبب شر الإنسان (تك3: 17)، وقد غضب الله على بيته المقدس وتركه خرابا بسبب تعديات شعبه إسرائيل (مت23: 38)، ولكن شكراً للرب لأنه سمح أن يكفر عن هذه الأشياء قديماً بدم الذبائح الحيوانية، وفى هذا يقول الرسول (كل شئ تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة عب9: 22)، وشكراً لمحبته الفائقة أيضاً لأن دماء كل هذه الذبائح كانت رمزا إلى دم يسوع المسيح وحده الذى يطهرنا من كل خطية (1يو1: 7).
16- وأخذ كل الشحم الذى على الأحشاء وزيادة الكبد والكليتين وشحمهما وأوقده موسى على المذبح.
كان الشحم والأجزاء الداخلية المذكورة نصيب الرب الذى يوقد على المذبح (شرح ص3: 3-5)، أما باقى الثور فكان يحرق بالنار كما هو واضح فى العدد القادم.
17- وأما الثور جلده ولحمه وفرثه فاحرقه بنار خارج المحلة كما أمر الرب موسى.
عوملت هذه الذبيحة مثل ذبيحة الخطية التى لرئيس الكهنة والتى للجماعة كلها (ص4: 1-21) فلم يأكل أحد من لحمها بالنسبة لخطورة الغرض الذى ذبحت من أجله لأنها ذبيحة من أجل هرون المزمع أن يكون رئيساً للكهنة، وعن خطايا بنيه الذين دعوا ليكونوا كهنة كلهم يمثلون شعب الله ويحملون إثمه. وقد مر شرح هذا النص فى تفسير (ص4: 11-12).

تقديم كبش المحرقة (ع18-21)

18- ثم قدم كبش المحرقة فوضع هرون وبنوه  أيديهم على رأس الكبش.
قدمت المحرقة إكراماً وتمجيداً لله لتكون رائحة سرور للرب، وقد قدمت إلى باب خيمة الاجتماع أيضاً ووضع هرون وبنوه أيديهم عليه كما فعلوا فى ذبيحة الخطية (ع14).
19- فذبحه ورش موسى الدم على المذبح مستديراً.
قام موسى بذبح الخروف بنفسه (خر29: 16) ورش الدم حول المذبح من أعلى إلى أسفل إشارة إلى سكب الحياة كلها أمام الرب وتكريسها لجلاله (شرح ص1: 5).
20-  وقطع الكبش إلى قطعه وأوقد موسى الرأس والقطع والشحم.
21 – وأما الأحشاء والأكارع فغسلها بماء وأوقد موسى كل الكبش على المذبح. إنه محرقة لرائحة سرور وقود هو للرب كما أمر الرب موسى.
1- إن كانت ذبيحة الخطية قد قدمت إظهاراً لعدم استحقاق هرون وبنيه للخدمة المقدسة، فإن ذبيحة المحرقة التى أحرقت كلها على المذبح قد قدمت إظهاراً لاستعدادهم الكلى لخدمة الرب وتقديم ذواتهم ذبائح حية لأجل مجد اسمه القدوس. ونحن مع ضعفاتنا وعيوبنا وخطايانا، إن كنا نتقدم للرب باستعداد مقدمين ذواتنا لإرادته يقبل خدمتنا وتكون أعمالنا رائحة بخور زكية تصعد إلى مذبحه الطاهر السمائى.
2- يغلب أن يكون الجلد قد أخذه موسى باعتباره خادم الطقس المقدس، أو خصص ثمنه لخدمة خيمة الاجتماع.

تقديم كبش الملء (ع22-36)

22- ثم قدم الكبش الثانى كبش الملء فوضع هرون وبنوه أيديهم على رأس الكبش.
1-هذا كبش الملء أو التقديس للكهنوت، وهو ذبيحة السلامة التى قدمت لله، ونلاحظ الترتيب العجيب فى تقديم الذبائح. حيث قدمت أولاً ذبيحة الخطية للتكفير عن خطايا هرون وبنيه ليكونوا لائقين للتقدم إلى الله، ثم قدمت ذبيحة المحرقة إكراماً وتمجيداَ لله، ومن ثم قربت ذبيحة السلامة التى يشتركون فى أكلها مع الله ومع عبده موسى كخادم لله العلى.
والمؤمن لكى يقدم لله شكراً وتمجيداً، ولكى ينال المصالحة ويحظى بالشركة المقدسة معه، عليه أن يؤمن بدم يسوع ابنه الذى ذبح لأجل خطايا العالم، ويتقدم إلى الرب معترفاً بخطاياه ونادماً وتائباً، فيقبل الرب اعترافه وتوبته بدالة الدم المقدس.
وقد دعيت الذبيحة (كبش الملء) وبالعبرية (ملوئيم) بصيغة الجمع، التى تعنى الامتلاء بجميع نعم الكهنوت وتسلم صاحبها سلطان الكهنوت المعطى له من الرب. ومن ثم يكون له الحق فى تأدية جميع شعائر الخدمة المقدسة وأعمال الكهنة واختصاصاتهم، ويستطيع أن يتسلم القرابين والتقدمات من الشعب ليقدم للرب نصيب منها، ويأخذ هو أيضاً نصيبه المقرر منها، بالإضافة إلى جميع الحقوق الكهنوتية الأدبية والمادية الواجبة. وقد كان (ملء اليد) اصطلاحاً لتقليد الإنسان وظيفته الكهنوتية، ففى عهد القضاة مثلاً قيل إن ميخا ملأ يد ابنه ليكون كاهناً، ثم ملأ يد الغلام اللاوى (قض17: 5،12)، ومراسيم تقديم كبش الملء تشبه مراسيم تقديم ذبيحة السلامة العادية إلا فى بعض الأمور هى :
( أ ) إن الذبيحة العادية كان يذبحها مقدم الذبيحة وذبيحة الملء ذبحها موسى.
(ب) دهن موسى آذان وأباهم هرون وبنيه بدم الذبيحة وهذا ما لا نراه فى ذبيحة السلامة العادية.
(ج) فى الذبيحة العادية كان يوقد على المذبح الشحم والأجزاء الداخلية المقررة وكان نصيب الكهنة من الذبيحة ساق الرفيعة وصدر الترديد، أما فى ذبيحة الملء فقد قدمت على المذبح ساق الرفيعة علاوة على الشحم والأجزاء الداخلية وأخذ موسى الصدر لنفسه.
( د) كان الخبز المختمر يصحب التقدمة الطعامية المعتادة (ص7: 11-13) أما التقدمة التى قدمت مع ذبيحة الملء فكانت فطيراً فقط.
(هـ) وكان الكاهن يأخذ لنفسه واحدة من كل من الأنواع التى تقدم فى ذبيحة السلامة، أما فى ذبيحة الملء فكانت هذه الخبزات التى تؤخذ توقد على المذبح.
(و ) وكان يجوز لمقدمى ذبيحة السلامة التى للنذر أو النافلة أن يأكلوا الباقى من لحم الذبيحة فى اليوم التالى، ولكن فى ذبيحة الملء لم يصرح لهرون وبنيه أن يأكلوا إلا فى اليوم الأول الذى تقدم فيه وهى فى ذلك شبيهة بذبيحة السلامة التى للشكر (ص7: 11-18)
( ز) كان لا يجوز لغير هرون وبنيه أن يأكلوا من التقدمة ومن اللحم، فى حين أنه كان لا يجوز لبنيهم الذكور أن يأكلوا منهما فى الذبائح العادية.
2- (قدم كبش الملء) إلى باب خيمة الاجتماع، (ووضع هرون وبنوه أيديهم عليه) كما هو المتبع فى تقديم باقى الذبائح (شرح ص1: 4).
23- ذبحه وأخذ موسى من دمه وجعل على شحمة أذن هرون اليمنى وعلى إبهام يده اليمنى .
24- ثم قدم موسى بنى هرون وجعل من الدم على شحم آذانهم اليمنى وعلى أباهم أيديهم اليمنى وعلى أباهم أرجلهم اليمنى. ثم رش موسى الدم على المذبح مستديراً.
1- ذبح موسى الخروف وجعل من دمه على شحم آذانهم وأباهم أيديهم وأرجلهم يشير بوجه عام إلى تكريس حياتهم وأجسادهم كلها لله، وتكريس الأذن يشير إلى استعدادهم الكامل لسماع كلمة الله، وتكريس أباهم الأيدى يشير إلى استعدادهم للعمل الجاد فى كرم الرب وتطهير أيديهم من الخطية، وتكريس أباهم الأرجل إشارة إلى تطهير مسالكهم والاستعداد الكامل فى السلوك فى طريق الرب. واختيرت الأعضاء اليمنى لأن اليمين تشير إلى أحسن ما فى الإنسان، وإلى الخير وإلى القوة.
2- رش أيضاً دم الذبيحة على المذبح مستديراً، أى حوله من جميع الجهات وكان هذا للتكفير عن المذبح وتطهيره (ع14،15)، وإشارة إلى تكريس الحياة كلها للرب.
25- ثم أخذ الشحم الألية وكل الشحم الذى على الأحشاء وزيادة الكبد والكليتين وشحمهما والساق اليمنى.
يمكن أن تكون (الإلية وكل الشحم…) بدلاً مطابقاً من كل كلمة الشحم الأولى فى قوله (ثم أخذ الشحم) ويمكن أيضاً أن تكون العبارة هكذا (ثم أخذ الشحم والإلية وكل الشحم…) وهذه الأشياء وضعت على كفوفهم مع الساق اليمنى وواحد من كل الخبزات لتردد أمام الرب ثم توقد على المذبح. ومن المعروف أن الساق اليمنى وهى فى الغالب الساق الأمامية كانت فى ذبائح السلامة من نصيب الكاهن الذى يخدم، كما أن الصدر كان من نصيب باقى الكهنة (خر29: 27،لا: 31،32)، أما فى هذه المرة فقد أوقدت الساق اليمنى على المذبح للرب لأن هرون وبنيه لم يكونوا قد تقلدوا الكهنوت بعد، كما أن الذبيحة مقدمة من أجلهم. ومن الأمور الروحية أن هذه الساق اليمنى والخبزات التى تؤخذ من كل منها واحدة، وكلها أعتبرت من وقائد الرب ومن نصيبه فى طقس رسامة هرون وبنيه أى قبل تقلدهم وظيفة الكهنوت (ع28)، قد صارت كلها من نصيب الكهنة فيما بعد، وهذا يدل على إكرامه العظيم لكهنته، وليس فى هذا غرابة فإن الرب لم يعطهم بعض أنصبته من القرابين قط، بل هو نفسه نصيبهم (عد18: 20)
26- ومن سل الفطير الذى أمام الرب أخذ قرصاً واحداً فطيراً وقرصاً واحداً من الخبز بزيت ورقاقة واحدة ووضعها على الشحم وعلى الساق اليمنى.
27- وجعل الجميع على كفى هرون وكفوف بنيه ورددها ترديداً أمام الرب.
1- كان السل يشتمل على التقدمة الطعامية، وهى عبارة عن خبز فطير (غير مختمر)، وأقراص (قرص) فطير ملتوتة بالزيت، رقاق فطير (غير مختمر) مدهونة بزيت، وكلها مصنوعة من دقيق الحنطة لأنه أنقى أنواع الدقيق، كما أن الزيت زيت زيتون نقى. وقد أخذ موسى واحداً من كل هذه الأنواع ليرددها مع الشحم والساق على كفوف هرون وبنيه. وقد مر بنا أن هذا النصيب مخصص للكاهن الخديم فى ذبائح السلامة العادية (لا7: 14)، ولكنها هنا أوقدت للرب لأن كهنوت هرون وبنيه لم يكمل بعد. ولم يقدم خبز مختمر كما هو الحال فى بعض التقدمات، بالنسبة لأن مركزهم يحتاج إلى طهارة ونقاوة كاملتين.
2- وضعها موسى على أيديهم، ووضع يديه تحت أيديهم، وردد أيديهم بيديه أمام الرب، إقراراً بأن النعم من الله وإليه، وإلى بسط ذبائحهم وتقدماتهم وجميع حياتهم وحاجاتهم وأمرهم أمامه، وإلى استعدادهم لبذل حياتهم وكل ما يملكون لأجل مجده وخدمته. وقد كان الترديد برفع الأيدى إلى فوق ثم إلى الجهات الأربع، ورفعها إلى فوق إشارة إلى رفع حياتنا وتقدماتنا إلى الله، وترديدها إلى كل الجهات إشارة إلى أن الله موجود ومالك وممجد فى كل مكان (شرح الخروج ص29: 24،لا7: 30).
28- ثم أخذها موسى عن كفوفهم وأوقدها على المذبح فوق المحرقة. إنها قربان ملء لرائحة سرور وقود هى للرب.
أخذها موسى عن كفوفهم وأوقدها على المذبح لأنه هو وسيط عهد الناموس بين الله وبين شعبه، والخادم لطقس تقديسهم لخدمة الكهنوت المجيدة. وقوله (فوق المحرقة) أى حيث قدمت المحرقة.
(إنها قربان ملء) بهذا الطقس المبارك الذى يتكرر سبعة أيام يتم تكريسهم ويتقلدون الوظيفة الكهنوتية.
(لرائحة سرور) أى أن الرب يقبل من أيديهم أجزاء الذبيحة التى أوقدوها على المذبح كرائحة رضى ومسرة. وهذا يشير إلى مسرته تعالى بخدمتهم وكهنوتهم.
29- ثم أخذ موسى الصدر وردده ترديداً أمام الرب من كبش الملء لموسى كان نصيباً كما أمر الرب موسى.
1- كان الصدر فى ذبائح السلامة من نصيب باقى الكهنة، والصدر يعتبر من الأجزاء الفاخرة فى الذبيحة. وقد أعطاه الرب لموسى لأنه كان خادم الذبيحة لأن “الذين يعملون فى الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون. الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح” (1كو9: 13)، والرب يعطى دائماً خدامه أفخر العطايا الروحية والحقوق الأدبية والمادية. وإن كان موسى خادم الطقس ولكن الرب  أعطاه الصدر عوضا عن الساق بخلاف ما هو مقرر فى ذبائح السلامة الأخرى، وقد يكون هذا لعاملين أحدهما يتعلق بموسى والثانى يتعلق بالذبيحة  نفسها :
( أ ) فمن جهة لأن كهنوت موسى لم يُعطَ له بطريق الرسامة التى تقلد بها هرون وبنوه كهنوتهم حسب الشريعة التى سنها الرب والتى لها حقوق ومراسيم خاصة قررها الرب، ولكن كهنوت موسى كان له وضع خاص وكان من الرب مباشرة وبدون المراسيم العادية، وربما أراد الرب أيضاً أن يعطيه نصيباً أثمن وهو الصدر.
(ب) ومن جهة أخرى فإن ذبيحة الملء كانت ذبيحة خاصة ولها ظرفها الخاص لأنها ذبيحة تكريس للكهنوت. وقد وضع الله لها شريعة خاصة من جهة توزيع الأنصبة التى توقد على المذبح، والتى يأخذها الكاهن الذى يخدم، والتى يأخذها باقى الكهنة.
2- (وردده موسى أمام الرب)  ردده قبل أن يأخذه لنفسه إقراراً بأن النعم من يدى الله، وشكراً وتمجيدا له على عطاياه.
30- ثم أخذ موسى من دهن المذبح ومن الدم الذى على المذبح ونضح على هرون وعلى ثيابه وعلى بنيه وعلى ثياب بنيه معه وقدس هرون وثيابه وبنيه وثياب بنيه معه .
يظهر من هذا أن موسى قد حفظ جزءاً من الدم علىالمذبح فى إناء وكان هذا بأمر الرب. وقد أخذ من دهن المسحة المقدس ومن الدم ومسح هرون وبنيه وثيابهم، ربما مسح بكل على حده، وربما مزج الدم والدهن ومسح بهما معاً. وقد مسحهم لتقديسهم لخدمة الرب، كما أن الدهن والزيت يشيران إلى الروح القدس وعمله فى الأشخاص وفى الخدمة وفى عمل الرب. والكنيسة فى العهد الجديد تمس أولادها والأوانى والأدوات المقدسة وبيت الله بدهن الميرون للتقديس واستمداد نعم الروح القدس من السماء.
31- ثم قال موسى لهرون وبنيه  اطبخوا اللحم لدى باب خيمة الاجتماع وهناك تأكلونه والخبز الذى فى سل قربان الملء كما أمرت قائلاً هرون وبنوه يأكلونه.
1- كانت الذبيحة مقدمة عن هرون وبنيه، كما أنهم اعتبروا أصحابها، ولذلك أمر الرب موسى أن يطبخوا الباقى من لحم الذبيحة أمام باب الخيمة ليأكلوه مع باقى الخبز الذى فى السل (خر29: 32). وكان هذا علامة على الشركة المقدسة بينهم وبين الله، وعلامة على إضافة الرب لهم فى وليمة محبة، وإكرامه لهم بإطعامهم من القربان الذى قدم لجلاله، كما كان فى نفس الوقت علامة على إضافتهم للرب فى الذبيحة المقدمة عنهم كما مر بنا فى التمهيد للأصحاح الثالث.
2- لم يكن مصرحاً لغير هرون وبنيه الكهنة أن يأكلوا من اللحم والخبز، حتى ولا لبنى بنيه الذين صرح لهم بأكل اللحم والخبز من بعض الذبائح الأخرى. بل كان أكلها قاصراً على هرون وبنيه فقط، لأن الذبيحة والتكفير بها كانا خاصين بهم شخصياً، والطقس كان خاصاً بتكريسهم (خر29: 33).
32- والباقى من اللحم والخبز تحرقونه بالنار.
1- كانت ذبائح السلامة العادية التى للشكر تؤكل فى يوم تقديمها فقط، أما التى للنذر أو النافلة فكان المتبقى منها يؤكل فى اليوم الثانى (ص7: 15-17)، وفى ذبيحة الملء كان اللحم والخبز يؤكلان فى نفس اليوم الذى تقدم فيه الذبيحة ولا يبقون منه شيئاً إلى اليوم التالى، ذلك لأنها ذبيحة شكر وتمجيد للرب لها مكانتها الخاصة من جهة، كما أنه لم يكن ثمة حاجة إلى إبقاء شيئاً منها للغد لأنها تتكرر سبعة أيام. ولعل فى هذا درساً ثميناً يعلم هؤلاء الأشخاص الذين قلدهم الله نعمة الكهنوت أن الله متكفل بحاجتهم اليومية، ويذكرهم أن يلقوا بهمهم عليه وهو يعتنى بهم.
2- كان الباقى يحرق بالنار لأن النار طاهرة، فلا يتعرض لأى فساد أو تلف، بالنسبة للقداسة الكاملة لطقس رسامتهم.
33- ومن لدن باب خيمة الاجتماع لا تخرجون سبعة أيام إلى يوم كمال ملئكم لأنه سبعة أيام يملأ أيديكم.
1- كان عليهم أن يمكثوا فى دار خيمة الاجتماع سبعة أيام، لأن طقس تقديسهم كان يستغرق هذه المدة. ووجودهم فى حضرة الرب هذه المدة علامة على إخلاء قلوبهم من مشاغل العالم وهمومه، واستعدادهم لتقديم حياتهم لله، لأن السبعة من الأعداد التى يعبر بها عن الكمال. وفى خلال هذه السبعة أيام لم يكن مصرحاً لهم أن يخرجوا خارج الدار، ولا أن يدخلوا إلى القدس لأن تقديسهم لم يكن قد كمل بعد.
2- ووجودهم هذه المدة يدربهم على الاحتمال والصبر والاستعداد لتنفيذ وصايا الرب.
3- ويعلق بعض مفسرى الكتاب على هذا بأن انتظارهم سبعة أيام يذكرهم بالسبعة أيام الأولى حيث خلق الله العالم فى ستة أيام واستراح فى اليوم السابع، فكأنهم بنعمة الكهنوت قد خلقوا خلقاً جديداً واستقروا فى حياة الخدمة والتكريس.
4- ويعلق بعضهم أيضاً على أن انتظارهم صورة لانتظار التلاميذ فى أورشليم بعد صعود الفادى حتى يأتيهم الروح القدس (اع1: 4).
5 – والكنيسة المقدسة تفرض على أبنائها الذين يرسمون كهنة أن ينتظروا بعيداً عن بيوتهم وعن مشاغل الحياة فترة من الوقت لكى يتفرغوا للتأملات والعبادة ويأخذوا شحنات مباركة من الله العلى ويعدوا أنفسهم لحياة الخدمة والجهاد التى كرسوا لأجلها.
(لأنه سبعة أيام يملأ أيديكم) أى يجرى لهم الطقس  المقدس لتقديسهم.
34- كما فعل فى هذا اليوم قد أمر الرب أن يفعل للتكفير عنكم.
هذا تفصيل لقوله (لأنه سبعة أيام يملأ أيديكم)، أى أنه من الواجب على موسى أن يكرر كل خطوات الخدمة المقدسة من غسلهم، إلى إلباسهم الثياب، إلى تقديم الذبائح إلى المسح، إلى الأكل من الذبائح سبع مرات مرة فى كل يوم من الأيام السبعة. وقوله للتكفير عنكم أى لتغطية خطاياكم وحجبها لتكونوا لائقين لخدمة الكهنوت.
35- ولدى باب خيمة الاجتماع تقيمون نهاراً وليلا سبعة أيام وتحفظون شعائر الرب فلا تموتون لأنى هكذا أمرت.
كرر موسى عليهم الأمر بالمكوث أمام بيت الله سبعة أيام نهاراً وليلاً لأن الله أمره بذلك. والراعى الأمين يجب أن يعظ شعبه مراراً وتكراراً وينهضهم بالتذكرة حتى لا ينسوا وصايا الله (2بط1: 13)، ويجب على الشعب أيضاً ألا يمل أو يتضايق من إلحاح راعيه وتكرار إرشاداته لهم لأن هذا من واجبه. (وتحفظون شعائر الرب فلا تموتون) شعائر الرب أى وصاياه، ويأمرهم موسى أن يكونوا حريصين جداً على حفظ شعائر الرب ونواميسه وعلى العمل بها وإطاعتها لئلا يغضب عليهم الرب فيعاقبهم بالموت لأن أجرة الخطية هى موت (رو6: 23). ولقد كان الله فعلاً يعاقب بالموت السريع من يتجاسر على كسر نواميسه، كما فعل مع ابنى هرون اللذين قدما ناراً غريبة (ص10: 1-2)، وكما فعل مع عزة الذى تجاسر فأمسك تابوت العهد بيده (2صم6:6-7).
36- فعمل هرون وبنوه كل ما أمره به الرب علي يد موسى.
1- عمل هرون وبنوه بكل ما أمر به الرب موسى. وقد حرص الوحى على تكرار قوله (كما أمر الرب موسى)  حيث ذكرها مرات متعددة فى كل خطوة من خطوات الخدمة المقدسة، لكى يبين أن رسالة هرون وبنيه كانت مرتبة من الله وبحسب أمره، وأن موسى لم يأت بشىء من عنده، بل تسلم من الله طقس الخدمة المقدسة، وكان حريصاً على تنفيذه بدقة وأمانة.
2- إن الكنيسة المقدسة قد رتبت ترتيباتها وعباداتها وخدماتها المقدسة على ضوء كلمة الله المقدسة، وعلى الرعاة أن يكونوا حريصين على تأدية خدمتهم المقدسة بطقوسها وترتيبها بأمانة ودقة ومخافة الرب، وعلى المؤمنين من ناحيتهم أن يحترموا ترتيبات الكنيسة التى تعمل كل شئ بإرشاد روح الرب لأجل البنيان والخير الروحى.
 
 
 

Leave a Comment