تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الثامن – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) نقل تابوت العهد وتجلى مجد الرب (ع 1-11).
(2) نشيد سليمان (ع12-13).
(3) خطاب سليمان (ع14-21).
(4) صلاة سليمان (ع22-53).
(5) سليمان يبارك الشعب (ع54-61).
(6) الملك والشعب يعيدون للرب ويذبحون الذبائح (ع62-65).
(7) الشعب ينصرف بسلام (ع66).
1 – حينئذ  جمع سليمان شيوخ إسرائيل وكل رؤوس الأسباط رؤساء الآباء من بنى إسرائيل إلى الملك سليمان فى أورشليم لإصعاد تابوت عهد الرب من مدينة داود هى صهيون.
تمت جميع عمليات بناء البيت المقدس وتأثيثه بمشتملاته المقدسة، وبقيت أهم المراحل وهى نقل تابوت عهد الرب ليستقر فى مكانه فى البيت، وهى النقطة الأساسية التى بنى البيت لأجلها، لأن وجود التابوت فى مكانه يعنى حلول الرب فى بيته ووسط شعبه.
ولم يشأ سليمان أن يقوم وحده بهذا العمل العظيم بل أراد أن يشترك جميع الشعب فى نقل التابوت، ثم فى تدشين بيت الرب. وكان التابوت فى مدينة داود (صهيون) فى الخيمة المؤقتة التى كان داود قد وضعه فيها. وكان جبل المريا الذى أقيم عليه الهيكل قريباً من موضع التابوت. وقوله ” لإصعاد تابوت عهد الرب ” يشير إلى علو موضع الهيكل نسبياً ليكون مميزاً عن باقى المنطقة، وبالأكثر إلى السمو الروحى والمعنوى لبيت الله الذى أعد ليكون مسكناً للتابوت.
وقد دعا سليمان (شيوخ إسرائيل) وهم السبعون شيخاً الذين كونوا المجلس الأعلى للشعب، و (رؤوس الأسباط) الاثنى عشر لأن كل سبط له رئيس ينوب عنه، وقد دعوا أيضاً (رؤساء الآباء) لأن كل سبط كان يمثل أباً من الآباء الاثنى عشر الذين تناسلوا من أبينا يعقوب، وكان هؤلاء الرؤساء. ومعنى رؤساء الآباء (رؤساء بيوت أو أسباط الآباء).
2 – فاجتمع إلى الملك سليمان جميع رجال إسرائيل فى العيد فى شهر إيثانيم هو الشهر السابع.
كانت عمليات البناء قد تمت فى الشهر الثامن (شهر بول) من السنة الحادية عشرة من ملك سليمان (ص6: 38)، واختار سليمان أنسب فرصة للاحتفال بنقل التابوت وتدشين الهيكل، وكان هذا فى الشهر السابع من السنة التالية، وهو شهر (إيثانيم) الذى دعى فيما بعد (تشرين الأول). وقد انتظر سليمان هذه الأحد عشر شهراً ربما لإعداد الأثاثات إعداداً كاملاً، وعلى الأرجح لكى تكون الاحتفالات فى عيد المظال حيث كان يجتمع جميع الشعب أمام بيت الرب.
والواقع إن الشهر السابع كان مليئاً بالأعياد المقدسة، ففى أوله كان عيد الهتاف، وفى اليوم العاشر كان عيد الكفارة العظيم، وفى اليوم الخامس عشر كان عيد المظال يبتدئ حيث يستمر سبعة أيام. وفى هذا الموسم المقدس الذى يكون الشعب فيه فى حرارة روحية عظيمة، رأى سليمان أن يتمتعوا جميعاً ببركة الاحتفال بعيد عظيم آخر، وهو نقل تابوت العهد إلى بيته وتدشين البيت ليكون معداً لعبادتهم الجمهورية بعد أن ظلوا يعبدون الرب فى خيمة لمدة أربعمائة وثمانين سنة (ص6: 1).
3 – وجاء جميع شيوخ إسرائيل وحمل الكهنة التابوت. 4 – وأصعدوا تابوت الرب وخيمة الاجتماع مع   جميع آنية القدس التى فى الخيمة فأصعدها الكهنة واللاويون.
(1) صرحت التوراة للاويين أن يحملوا تابوت العهد فى الظروف العادية مثل إرتحالاتهم المستمرة فى البرية (عد4) وفى الغالب كان هذا بسبب قلة عدد الكهنة وقتئذ، ولكن فى المناسبات الهامة كان الكهنة يحملوه وقد حملوه فى عبور الأردن فى عهد يشوع (يش3)، وفى الطواف حول أريحا (يش6)، وكذلك كان عليهم أن يحملوه بأنفسهم بعد أن زاد عددهم.
ونقل التابوت لوضعه فى الهيكل الجديد كان مناسبة عظيمة جداً، فحمل الكهنة التابوت وحضر المهرجان الرسمى الشيوخ والرؤساء بينما كان لجميع الشعب نصيب فى رؤية الاحتفال والاشتراك فى الفرح الروحى العظيم. وقد ذكر فى (2أى5: 3) أن اللاويين حملوا التابوت ويقصد بهم الكهنة لأن الكهنة من سبط لاوى وحذف التفصيل فى الأمور المعلومة جائز.
(2) ولم يصعدوا التابوت وحده، بل أصعدوا أيضاً (خيمة الاجتماع) التى عملها موسى فى جبل سيناء، وكانت الخيمة لا تزال فى جبعون، ونقلوا معها مشتملاتها، واشترك فى نقل هذه وتلك الكهنة واللاويون، وأودعوها فى بعض المخادع والحجرات الملحقة بالبيت المقدس، لأنها من الآثار المقدسة التى تباركت بعبادة الرب والتى ظلت تحمل إليهم الذكريات لمحبة الرب لهم ومراحمه عليهم. والمؤمنون يعتزون جداً بالآثار المقدسة والأشياء التى تباركت حينا بعبادة الرب، وبأجساد القديسين وذخائرهم، وفى حفظ كل هذه الأشياء والتأمل فيها بركة عظيمة للمؤمنين وتذكيراً لهم بأمور ومعانِ روحية تنهض هممهم وتبنى أرواحهم.
5 – والملك سليمان وكل جماعة إسرائيل المجتمعين إليه معه أمام التابوت كانوا يذبحون من الغنم والبقر ما لا يحصى ولا يعد من الكثرة.
شمل الفرح الروحى الملك وشعبه فذبح الكثيرون منهم أعداداً وفيرة ذبائح سلامة لا تعد من الكثرة من الغنم والبقر تعبداً للرب من جهة وتعبيراً أيضاً عن شكرهم العظيم له وفرحهم ببيته الجديد ونقل تابوت العهد ليستقر فى موضع راحته فى المكان الذى اختاره الرب.
6 – وأدخل الكهنة تابوت عهد الرب إلى مكانه فى محراب البيت فى قدس الأقداس إلى تحت جناحى الكروبين. 7 – لأن الكروبين بسطا أجنحتهما على موضع التابوت وظلل الكروبان التابوت وعصيه من فوق.
وضعوا التابوت بين الكروبين العظيمين اللذين عملهما سليمان (ص6), وقد كان الكروبين باسطين أجنحتهما فظللا التابوت وكانت أجنحة الكروبين كغطاء للتابوت وللعصوين اللتين كان يحمل بهما.
8 – وجذبوا العصى فتراءت رؤوس العصى من القدس أمام المحراب ولم تر خارجاً وهى هناك إلى هذا اليوم.
(1) لم يكن فى الإمكان رؤية التابوت أو عصيه لأن قدس الأقداس كان مظلماً لأنه لم تكن فيه نوافذ ولا سرج للإضاءة فضلاً على أن أجنحة الكروبين ألقت عليه ظلاً(ع6).وقد كان رئيس الكهنة يدخل مرة فى السنة إلى قدس الأقداس فى يوم عيد الكفارة ليرش الدم على التابوت وأمامه عن نفسه ثم عن الشعب، ولكى لا يرى التابوت كان يدخل ومعه المجمرة ويجعل بها بخوراً كثيراً لينتشر كسحابة كثيفة جداً من البخور تحجب التابوت عن الرؤية (لا16). ولكى يهتدى رئيس الكهنة إلى موضع التابوت دون أن يراه بعينيه جذب الكهنة العصى قليلاً إلى الخارج دون أن يخلعوها من الحلقات، فابتعدت رؤوس العصى عن التابوت وعن منطقة الظل التى لأجنحة الكروبين، وتراءت (ظهرت) رؤوس العصى للداخل من باب قدس الأقداس دون أن تظهر خارج القدس، وبذلك كان رئيس الكهنة فى دخوله فى يوم الكفارة يرى رأس العصوين المغشاتين بالذهب تلمعان فى الظلام وترشدانه إلى موضع التابوت فيتجه نحوه ليؤدى طقس الخدمة المقدسة.
(2) وظلت العصى فى وضعها التى جعلها الكهنة فيه (إلى هذا اليوم) أى إلى يوم كتابة السفر.
9 – لم يكن فى التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى هناك فى حوريب حين عاهد الرب بنى إسرائيل عند خروجهم من أرض مصر.
(1) دعى التابوت (تابوت الشهادة)،و(تابوت عهد الرب) لأنهما لوحا الشريعة اللذان كتب الرب عليهما الوصايا العشر وسلمهما لموسى فى جبل حوريب (خر34), وكانت هذه الوصايا عهداً للرب مع شعبه وشهادة لمحبته لهم وشهادة أيضاً عليهم ليحفظوا عهده. وعندما وضع الكهنة التابوت فى هيكل سليمان كان اللوحان لا يزالان فيه كما وضعا فى أيام موسى.
(2) ويذكر القديس بولس أن التابوت كان به أيضاً قسط المن وعصا هرون التى أفرخت (عب9: 4)، وليس هناك أى تناقض لأن الرسول يكتب بالإيجاز لأنه يريد أن يبين محتويات القدس وقدس الأقداس التى كانت ظلاً لأمور العهد الجديد. وتفصيل الأمر أن كلا من قسط المن وعصا هرون كان وضعهما الطبيعى أمام التابوت بناء على أمر الرب (خر16: 13، عد17: 10)، وكانا يوضعان داخله فى بعض الظروف مثل ارتحالهم من مكان إلى مكان، ونقل التابوت من موضعه لوضعه فى مكان جديد، وربما عند خوفهم من أعداء شعبهم إلى غير ذلك. والمرجح أنهم بعد استقرار شعبهم جعلوا هذه الحلقات فى صندوق وجعلوا الصندوق بجانب التابوت للحفظ والتذكار.
“حين عاهد الرب بنى إسرائيل” : يشير إلى العهد الذى قطعه الرب معهم على يد موسى فى سيناء (خر23).
10 – وكان لما خرج الكهنة من القدس أن السحاب ملأ بيت الرب.
(1) كانت الخدمة المقدسة توزع بالتناوب على الكهنة بحسب فرقهم، ولكن فى تلك المناسبة العظيمة اشترك جميع الكهنة فى الخدمة (2 أى 5 : 11). وقد حمل تابوت العهد أربعة منهم ربما كان من بينهم صادوق رئيس الكهنة وربما أبياثار الرئيس الآخر الذى كان سليمان قد حدد إقامته (ص4), وندب بعضهم لتقديم البخور وبعضهم لإيقاد الذبائح على مذبح المحرقة فى الخارج، وبعضهم كان يرش الدم على مذبح المحرقة وعلى مذبح البخور فى داخل القدس وهكذا بعد إراحة التابوت خرج معظمهم من القدس وإذ بالسحاب العظيم يملأ البيت جميعه كعلامة على حلول مجد الرب فى بيته كما ترى ذلك فى العدد التالى.
11 – ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب لأن مجد الرب ملأ بيت الرب.
(1) بهر جمال مجد الرب الكهنة الذين يؤدون الخدمة المقدسة وملأ قلوبهم خوفاً ورهبة روحية فلم يستطيعوا أن يواصلوا خدمتهم وخرجوا من القدس. وقد وقع مثل هذا بعد إقامة خيمة الاجتماع حيث غطت السحابة الخيمة وملأ بهاء مجد الرب البيت فلم يستطع موسى نفسه أن يدخله (خر 40 : 34، 35).
(2) وقد دعا بنو إسرائيل مجد الله فى تجليه (ظهورهم) فى صورة منظورة، دعوه (الشخينة) أو (الشاخيناه – السكينة)، Shekhinah .
(3) وقد كان مجد الرب يتجلى بطرق متنوعة ولا سيما فى شكل سحاب عظيم. ولعل الرب اختار أن يتجلى مجده فى صورة السحاب :
( أ ) لأن السحاب يشير إلى السمو والعلو والرب عال وسام فى طبيعته وفى جميع أموره.
(ب) والسحاب نقى لأنه ماء نقى قد يتبخر بعد أن يترك جميع الشوائب، والرب نقى وقدوس.
(ج) والسحاب يحجب ما وراءه عن الرؤية والرب خفى غير مفحوص وأسراره وأفكاره خفية عن الإدراك.
(4) والرب يسمح بتجلى مجده أمام شعبه :
( أ ) كعلامة على حلوله فى وسطهم.
(ب) وعلى رضاه على البيت الذى بنوه لجلاله وعن شعبه وملكهم وكهنوتهم وعبادتهم.
(5) وتجلى مجد الرب بأنواع وطرق متنوعة كان يعد أذهان البشر فى العهد القديم لقبول سر تجسد ابن الله بصورة أوضح فى العهد الجديد، حينما تجسد الله لا فى سحاب بل فى إنسان كامل ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب (يو1: 14).
12- حينئذ تكلم سليمان قال الرب إنه يسكن فى الضباب 13- إنى قد بنيت لك بيت سكنى مكاناً لسكناك إلى الأبد.
بدأ سليمان حديثه عندما رأى مجد الرب بهذا النشيد القصير الجميل، وهو يشتمل على شطرين :
( أ ) ” قال الرب إنى أسكن فى الضباب “،  ولم تكتب هذه العبارة فى الأسفار السابقة ولكن موسى والأنبياء بعده سلموا للشعب أحاديث كثيرة حفظها الشعب بالتقليد، ومعنى العبارة إن الرب لسموه وعظمته يتجلى أمامهم فى سحاب وضباب.
وقد أضافت الترجمة السبعينية عبارة أخرى مما حفظه الآباء أيضاً بالتقليد وهى : (الرب قد وضع الشمس فى السموات، ولكنه قال إنى أسكن فى الضباب) وقد وضعوا هذه العبارة كمقدمة للجزء الذى ذكره سليمان لتكون حاشية تفسيرية للنص.
(ب) ويعلن سليمان تنازل الرب وسكناه فى الضباب بقوله ” إنى بنيت لك بيت سكنى مكانا لسكناك إلى الأبد “، وهو يشير بذلك إلى محبته للرب حتى أقام له هذا الهيكل ليحل فيه فى وسط شعبه (وإلى الأبد) أى إلى زمان طويل.
وقد كان الهيكل فعلاً مسكناً للرب فى العهد القديم، وظلت الكنيسة وستظل مسكناً له حتى أواخر الدهور. وما الكنيسة إلا امتداد للخيمة التى أقامها موسى وللهيكل الذى شيده سليمان، والصورة الحقيقية لهما، كما أن الكنيسة المنظورة الآن هى الرمز للكنيسة العتيدة فى السماء.
14 – وحول الملك وجهه وبارك كل جمهور إسرائيل وكل جمهور إسرائيل واقف.
بدأ خطابه إلى شعبه بإعطائهم البركة أى بالتماس البركة لهم من الرب، وكانوا جميعاً وقوفاً بفرح وخشوع أمام الرب.
15 – وقال مبارك الرب إله إسرائيل الذى تكلم بفمه إلى داود أبى وأكمل بيده قائلاً :
بعد أن باركهم بارك الرب الإله، وقد ذكر مواعيد الله الصادقة لأبيه داود بأن ابنه الذى يملك بعده يقيم للرب بيتاً (2صم7)  وقد أكمل الرب وعده بالفعل على يد سليمان.
16 – منذ يوم أخرجت شعبى إسرائيل من مصر لم أختر مدينة من جميع اسباط إسرائيل لبناء بيت ليكون اسمى هناك إنما اخترت داود ليكون على شعبى إسرائيل.
ذكر سفر صموئيل الثانى موجزاً لحديث داود مع ناثان النبى عن رغبته فى بناء بيت للرب وعن حديث الرب إلى ناثان الذى بلَّغه إلى داود (2صم7). والعبارة الواردة هنا من العبارات التى قالها الرب لناثان أيضاً وذكرها داود لابنه سليمان وربما لمحبيه أيضاً وحفظها سليمان عن أبيه بالتقليد، ومعناها أن الرب وإن كان لم يختر مدينة يبنى فيها بيته إلا أنه قد اختار داود ملكاً على شعبه.
17 – وكان فى قلب داود أبى أن يبنى بيتاً لاسم الرب إله إسرائيل.
وكان داود وفياً للرب إلهه وقدّر عمله العظيم معه برغبة فى بناء بيت للرب وقد ذكر رغبته للنبى ناثان (2صم7).
18 – فقال الرب لداود أبى من أجل أنه كان فى قلبك أن تبنى بيتاً لاسمى قد أحسنت بكونه فى قلبك.
وإن كان داود لم يبن البيت بنفسه فعلا، ولكن الرب سر به لأنه كان راغباً فى ذلك من كل قلبه، والرب دائماً ينظر إلى قلوب عبيده وإلى أفكارهم ونواياهم.
19 – إلا أنك أنت لا تبنى البيت بل ابنك الخارج من صلبك هو يبنى البيت لاسمى.
إن الرب أعلن لداود أنه لن يبنى البيت بنفسه لأن داود كان مشغولاً فى مشاغل وحروب كثيرة لازمة للمملكة وقتئذ، ولكنه مع ذلك بمحبته وعده أن ابنه سيقوم ببنائه لأنه سيجلس على العرش فى وقت يكون الشعب فيه فى سلام واستقرار ويكون هو فى تفرغ كامل لتنفيذ هذا العمل العظيم.
20 – وأقام الرب كلامه الذى تكلم به وقد قمت أنا مكان داود أبى وجلست على كرسى إسرائيل كما تكلم الرب وبنيت البيت لاسم الرب إله إسرائيل.
” أقام الرب كلامه ” أى تمم وعده، لأن الرب صادق وأمين فى مواعيده، فأقامنى ملكاً على شعبه، وأعطانى أيضاً أن أبنى الهيكل ليكون بيتاً لاسمه.
21 – وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذى فيه عهد الرب الذى قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر.
أقمت قدس الأقداس ليكون موضعاً للتابوت الذى فيه “عهد الرب” الذى أعطاه الرب لشعبه بعد خروجهم من مصر. و(عهد الرب) يقصد به هنا لوحى الشريعة وقد مر توضيح هذا فى شرح (ع9).
22 – ووقف سليمان أمام مذبح الرب تجاه كل جماعة إسرائيل وبسط يديه إلى السماء.
(1) بعد أن نطق بنشيده وتكلم إلى الشعب ابتدأ يصلى إلى الرب صلاة طويلة روحية عميقة تدل على ما كان عليه من التقوى والنضج الروحى. وقد كان واقفاً وهو يلقى خطابه ويتلو صلاته على منبر نحاسى كبير أعد لمثل هذه الأغراض، وفى صلاته (بسط يديه إلى السماء) أى رفعها، ورفع اليدين من الإشارات التى يفعلها المؤمنون كثيراً فى تأدية صلواتهم، وهو يشير إلى اعتراف المؤمنين بأن النعم التى يتمتعون بها هى من الرب، والى بسط حاجاتهم إليه، وإلى استمطار مراحم الرب ليعطيهم كل ما يحتاجون إليه من العطايا الروحية والمادية.
(2) وقف ” أمام مذبح الرب ” ويقصد مذبح البخور الذى كان فى القدس وهو المذبح الذى كان الكهنة يرفعون البخور ويؤدون الصلاة عليه، وكان وقوفه على المنبر المقام خارج القدس وكان وقوفه (تجاه كل جماعة إسرائيل)أى أمامهم وفى حضورهم جميعاً. وما أجمل أن يكون الملوك والرؤساء والقادة قدوة لشعوبهم ومثالاً طيباً فى التقوى ومتقدمين أمامهم فى الصلاة وعبادة الرب وعمل الصلاح.
وقد كان المنبر شرقى البيت لأن مدخل البيت كان من الشرق، واتجه سليمان فى صلاته نحو الغرب حيث كان البيت وكان مذبح البخور وتابوت عهد الرب.
(3) ويرى بعض المفسرين أن سليمان كان قد كتب هذه الصلاة الطويلة وحفظها أو قرأها مكتوبة. وإن كان قد ارتجلها أو أعدها وكتبها من قبل فإن روح الرب هو الذى أرشده فى الصلاة وسانده فكانت صلاته تمجيداً للرب، وبركة له ولشعبه وللأجيال بعده.
(4) ويمكن تقسيم صلاة سليمان إلى العناصر الآتية :
( أ ) تمجيد الرب الحافظ العهد (ع23، 24).
(ب) الصلاة من أجل بيت داود (ع25، 26).
(ج) الصلاة من أجل رعاية الرب لبيته ومن أجل استجابة صلوات شعبه (ع27- 30).
(د ) من أجل إنصاف المظلومين (ع31، 32).
(ها) من أجل الشعب فى وقت الحرب أو السبى (ع33، 34).
(و) من أجل المطر فى وقت الجفاف (ع35، 36).
(ز) من أجل الجوع والآفات والحصار والأمراض (ع 37-40).
(ح) من أجل الأجانب (ع41-43).
(ط) من أجل الشعب فى وقت الحرب أيضاً (ع44، 45).
(ى) من أجل الشعب إذا أخطأ وهزم أو سبى بسبب خطيته (ع46-53).
(5) وبالجملة كانت صلاة سليمان صلاة شاملة، وخدمة القداس الإلهى فى الكنيسة المقدسة خدمة كاملة شاملة، وقد وضعه الرسل والآباء بإرشاد الروح القدس، وضمَّنوه كل ما يلزم المؤمنين من الأمور الروحية والمادية، يسمعون فيه كلمة الله المحببة، ويصور لهم قصة الفداء العجيبة، ويرسم أمامهم صورة تقديس سر الشكر كما رسمه مخلصنا الصالح، ويشتركون فيه فى الصلاة من أجل الكنيسة والوطن والحكام والخطاة والمرضى والراقدين والزروع والمياه والأمطار والأهوية ومن أجل العالم كله. ولست أظن أن تستوفى أى صلاة ارتجالية المعانى الروحية والصلوات العميقة التى يشملها القداس الإلهى.
(6) وما أجمل أن نتأمل فى العناصر التى اشتملت عليها صلاة سليمان :
( أ ) تمجيد الله الحافظ العهد.
23 – وقال أيها الرب إله إسرائيل ليس إله مثلك فى السماء من فوق ولا على الأرض من أسفل. حافظ العهد والرحمة لعبيدك السائرين أمامك بكل قلوبهم.
يستهل سليمان صلاته بتمجيد الرب والإقرار بوحدانيته وأمانته :
( أ ) لأنه ليس إله مثله ” فى السماء من فوق ولا على الأرض من أسفل” وليس معنى هذا وجود آلهة غير الله، ولكنه تنديد بالآلهة الكاذبة الباطلة التى تتعبد لها الشعوب بعضها مما فى السماء كالشمس والقمر والنجوم وبعضها من الكائنات التى تعيش على الأرض.
(ب) والرب فى أمانته “حافظ العهد والرحمة ” لعبيده، ولكن لمن من العبيد؟ للسائرين أمامه بكل قلوبهم، لأن مواعيد الرب ومراحمه مشروطة دائماً بسير الإنسان فى طريق الرب وطاعته.
ولقد بدأ سليمان صلاته يذكر مواعيد الرب لأنه تذكر مواعيد الرب للآباء القديسين إبراهيم وإسحق ويعقوب ليجعل منهم شعباً مقدساً له، ثم لعبده داود ليجعله سراجاً لشعبه كما سيجئ.
24 – الذى قد حفظت لعبدك داود أبى ما كلمته به فتكلمت بفمك وأكملت بيدك كهذا اليوم.
يمجد سليمان الرب لأنه حقق لعبده داود مواعيده الصالحة إذ سبق ووعده بأن يدوم الملك فى بيته وأن ابنه يبنى له بيتاً. والرب الصادق فى مواعيده قد تكلم بفمه وتمم بيده كل ما وعد به. ويد الرب هنا يكنى بها عن قدرته وعمل محبته.
(ب) الصلاة من أجل بيت داود
25 – والآن أيها الرب إله إسرائيل احفظ لعبدك داود أبى ما كلمته به قائلاً لا يعدم أمامى رجل يجلس على كرسى إسرائيل إن كان بنوك إنما يحفظون طرقهم حتى يسيروا أمامى كما سرت أنت أمامى.
سبق الرب فأعلن مسرته بعبده داود وأعلن له على لسان ناثان النبى إن عوجوا طرقهم فإن الرب يؤدبهم بقضيب الناس وضربات بنى آدم فقط ولكنه لا ينزع منهم رحمته إلى التمام (2صم7: 4- 17).
ويتوسل سليمان فى صلاته أن يحقق كل ما وعد به عبده داود.
وقد حقق الرب مواعيده لداود لأن نسله ملك من بعده، وحتى بعد أن أخطأ رحبعام أبقى الرب سبطين تحت حكم بيت داود (ص12), ثم تحقق الوعد بصورة أجلى وأعظم بمجئ المسيح الملك بالجسد من بيت داود حيث يملك إلى الأبد ولا يكون لملكه انقضاء.
26 – والآن يا إله إسرائيل فليتحقق كلامك الذى كلمت به عبدك داود أبى.
يطلب من الرب أن يحقق مواعيده بشأن داود، وبشأن البيت المقدس الذى ساعده الرب فبناه، حسب وعد الرب الصادق الذى قاله : (أقيم بعدك نسلك الذى يخرج من أحشائك وأثبت مملكته. هو يبنى بيتاً لاسمى) (2صم 7 : 12، 13).
(ج) الصلاة من أجل رعاية الرب لبيته
27 – لأنه هل يسكن الله حقاً على الأرض. هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك. فكم بالأقل هذا البيت الذى بنيت.
(1) إن الرب سر أن يقيم عبده موسى خيمة لتكون مسكناً لجلاله يتجلى فيها بمجده ويعلن منها مقاصده، وسر أن يقوم سليمان ببناء بيت أكبر من الخيمة، وسليمان يتعجب أن الرب الغير المحدود الذى لا تسعه “السموات” المادية والروحية ولا “سماء السموات” أى أعلاها وأسماها التى تدعى (كرسى الله)، يتعجب أنه يتنازل ويسكن فى بيت محدود بناه عبده سليمان، ويسأل سؤاله متعجباً لمراحم الله وممجداً لمحبته التى لا يمكن لفعل الإنسان أن يدركها.
(2) ما أجمل مراحم الرب إذ وهو الإله العالى الذى لا يحد يرضى أن تقام بيوت لاسمه لتكون له مسكناً، ويرضى أن يجعل من كل قلب بيتاً لذاته وهيكلاً لروحه القـدوس (1كو3: 16), بل تجلت محبته أعظم وأعظم إذ سر أن يتجسد ويتأنس ويتخذ ناسوتاً كاملاً فنراه بيننا فى صورة إنسان (يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً). (كو2: 9).
28 – فالتفت إلى صلاة عبدك والى تضرعه أيها الرب إلهى واسمع الصراخ والصلاة التى يصليها عبدك أمامك اليوم.
يتوسل سليمان إلى الرب أن يستجيب جميع الطلبات التى يقدمها إليه فى ذلك اليوم، ويدعو طلباته (صلاة، وتضرعاً، وصراخاً) مما يدل على أنه قدمها بخشوع وتعبد وتوسل ولجاجة.
29 – لتكون عيناك مفتوحتين على هذا البيت ليلاً ونهاراً على الموضع الذى قلت إن اسمى يكون فيه لتسمع الصلاة التى يصليها عبدك فى هذا الموضع.
إن الرب قد سر أن يكون اسم الرب فى هذا البيت وفى مدينته أورشليم لأنه اسمه المبارك قد أطلق عليهما، وسليمان يتوسل أن تكون عينا الرب (مفتوحتين) دائماً نحو بيته ومدينته، وهو تعبير بشرى يعنى أن يتطلع دائماً إليهما ويصغى إلى الصلاة التى يقدمها إليه اليوم فى بيته.
30 – واسمع تضرع عبدك وشعبك إسرائيل الذين يصلون فى هذا الموضع. واسمع أنت فى موضع سكناك فى السماء. وإذا سمعت فاغفر.
(1) إن الرب يملأ كل مكان، ولأجل عظمته وسموه تعتبر السماء موضع سكناه لأنها الموضع الذى يتجلى فيه مجده بين ملائكته، وبالرغم من سكنى الرب فى السماء فإن سليمان يتوسل إليه أن يتنازل ويصغى إلى صلواته وإلى صلوات جميع شعبه التى يرفعونها نهاراً وليلاً فى بيته الذى بنوه على الأرض، وأن يتعطف عليهم فيغفر خطاياهم وزلاتهم حتى تكون صلواتهم مقبولة أمام عزته.
(2) إن سليمان فى صلاته الطويلة نراه يطلب من الرب أن يرعى بيته وأن يستجيب صلوات عبيده التى يصلونها فيه، وحتى إن كانوا بعيدين وصلوا إلى الرب موجهين قلوبهم وعيونهم نحو بيته، يستجيب لهم من أجل البيت، والواقع إن الرب يسر بالكنائس المقدسة التى تبنى باسمه، والمؤمنون فى كل الأجيال يشعرون أنهم يكسبون بركة عظيمة فى وجودهم فى بيت الرب، وفى زيارتهم للمواضع المقدسة التى عاش فيها مخلصنا بالجسد، وللأماكن المقدسة التى عاش فيها الآباء القديسون الذين كانوا من أبطال الإيمان وأمثلة صالحة للتقوى مثل الكنائس القديمة والأديرة التى كانت يوماً ما موضعاً لتعبدهم للرب وعبقت ببخور صلواتهم وتماجيدهم وتسابيحهم.
(د ) من أجل إنصاف المظلومين
31 – إذا أخطأ أحد إلى صاحبه ووضع عليه حلفا ليحلفه وجاء الحلف أمام مذبحك فى هذا البيت. 32 – فاسمع أنت فى السماء وأعمل واقض بين عبيدك إذ تحكم على المذنب فتجعل طريقه على رأسه وتبرر البار إذ تعطيه حسب بره.
إذا حاول شخص ما أن يظلم شخصاً آخر وأقسم كل منهما أو أحدهما أمام مذبحك ليدعى كل واحد أن الحق معه، فتطلع أيها الرب من السماء، وأظهر حق المظلوم فيتبرأ وظلم الظالم (فتجعل طريقه على رأسه) أى فلينل العقاب منك أيها الرب مباشرة أو من القضاء.
من أجل الشعب فى وقت الحرب والسبى
33 – إذا انكسر شعبك إسرائيل أمام العدو لأنهم أخطأوا إليك ثم رجعوا إليك واعترفوا باسمك وصلوا وتضرعوا إليك نحو هذا البيت. 34 – فاسمع أنت من السماء واغفر خطية شعبك إسرائيل وارجعهم إلى الأرض التى أعطيتها لآبائهم.
قد يخطئ شعبك إليك فتسمح بأن ينكسر أمام أعدائهم فى الحرب وقد يسبونهم بعيداً عن أرض الموعد التى أعطيتها لهم، فإذا عاد شعبك واعترفوا وتابوا ووجهوا قلوبهم نحو بيتك وصلوا إليك، فاغفر خطاياهم وانصرهم وأعدهم إلى ديارهم.
(و) من أجل المطر فى وقت الجفاف
35 – إذا أغلقت السماء ولم يكن مطر لأنهم أخطأوا إليك ثم صلوا فى هذا الموضع واعترفوا باسمك ورجعوا عن خطيتهم لأنك ضايقتهم. 36 – فاسمع أنت من السماء واغفر خطية عبيدك وشعبك إسرائيل فتعلمهم الطريق الصالح الذى يسلكون فيه وأعط مطراً على أرضك التى أعطيتها لشعبك ميراثاً.
وقد يخطئ إليك شعبك أيضاً فتمنع عنهم المطر وتضرب أرضهم بالجفاف والجدب وتسمح بوقوعهم فى الضيق، فإذا اجتمعوا فى بيتك وصلوا إليك معترفين باسمك ومقرين بخطاياهم فاغفر لهم وأعطهم المطر فيروى الأرض التى وهبتها لهم.
(ز) من أجل الجوع والآفات والحصار والأمراض
37 – إذا صار فى الأرض جوع إذا صار وبأ. إذا صار لفح أو يرقان أو جراد جردم أو إذا حاصره عدوه فى أرض مدنه فى كل ضربة وكل مرض. 38 – فكل صلاة وكل تضرع تكون من أى إنسان كان من كل شعبك إسرائيل الذين يعرفون كل واحد ضربة قلبه فيبسط يديه نحو هذا البيت. 39 – فاسمع أنت من السماء مكان سكناك واغفر واعمل وأعط كل إنسان حسب طرقه كما تعرف قلبه لأنك أنت قد عرفت قلوب كل بنى البشر.
فى زمن الجوع، أو الوبأ (المرض) أو اللفح واليرقان، وفى وقت هجوم الجراد أو الجردم، أو إذا حاصر العدو مدن شعبك، وفى كل الضربات والأمراض. إذا لجأ إليك شعبك فى أى ظرف من هذه الظروف فاسمع صلاة كل فرد يصلى إليك فى بيتك وهو عارف بضعفاته وأخطائه.
( أ ) (فاغفر) لهم.
(ب) (واعمل) بمحبتك ورحمتك على إنقاذهم.
(ج) و(أعط) كل واحد حسب قلبه وطريقه لأنك العالم بقلوب الجميع.
(اللفح) ويقصد به الأمراض التى ترفع حرارة الجسم وتسبب الذبول والإعياء، و(اليرقان) ويقصد به الأمراض التى تسبب الإعياء وتغير لون الإنسان فيصفر وجهه أو يصير قاتماً بسبب الضعف أو فقر الدم الشديد.
(الذين يعرفون كل واحد ضربة قلبه): كل منهم يعرف ضعفاته ونقائصه وشاعر بخطاياه.
(الجراد) الحشرة المعروفة التى تفتك بالزرع و (الجردم) يرى البعض أنه حشرة فتاكة كالجراد، وفى الغالب هو الجراد الصغير بعد خروجه من البيضة.
40 – لكى يخافوك كل الأيام التى يحيون فيها على وجه الأرض التى أعطيت لأبائهم.
إذ نظرت إلى شعبك الذين يصلون إليك وأعطيت كل واحد حسب قلبه وحسب طرقه خافك الجميع ورجعوا إليك بكل قلوبهم وعاشوا فى شركة معك مدى الأجيال.
(ح) من أجل الأجانب
41 – وكذلك الأجنبى الذى ليس من شعبك إسرائيل هو وجاء من أرض بعيدة من أجل اسمك. 42 – لأنهم يسمعون باسمك العظيم وبيدك القوية وذراعك الممدودة فمتى جاء وصلى فى هذا البيت. 43 – فاسمع أنت من السماء مكان سكناك وافعل حسب كل ما يدعو به إليك الأجنبى لكى يعلم كل شعوب الأرض اسمك فيخافوك كشعبك إسرائيل ولكى يعلموا أنه قد دعى اسمك على هذا البيت الذى بنيت.
متى صلى الأجنبى فى بيتك فلا تخذله، بل اسمع “حسب كل ما يدعو به” أى لكل ما يصلى من أجله، وحينئذ :
( أ ) يتمجد اسمك العظيم يهوه فى جميع الشعوب، فيؤمنون بك ويعيشون فى مخافتك مثل شعبك إسرائيل الذى يعيش فى مخافتك.
(ب) ويعرفون أيضاً أن هذا البيت مبارك وله كرامته وجلاله لأن اسمك قد دعى عليه فسمى بيت الرب وموضع قدسه.
(ط) من أجل الشعب فى وقت الحرب أيضاً
44 – إذا خرج شعبك لمحاربة عدوه فى الطريق الذى ترسلهم فيه وصلوا إلى الرب نحو المدينة التى اخترتها والبيت الذى بنيته لاسمك. 45 – فاسمع من السماء صلاتهم وتضرعهم واقض قضاءهم.
كان الشعب فى كثير من الأحيان يتعرض لمحاربة أعدائهم، وكثيراً ما كان الأعداء، يحاولون أن يهاجموهم ويعتدوا عليهم، وكان شعب الله فى معظم الأحيان يستشيرون الرب ويطلبون إرشاده فكان يسمح لهم بالخروج لملاقاة أعدائهم فى الطريق. ويطلب سليمان من الرب من أجل شعبه وهم فى الحرب أو وهم متوجهون إليها، إذا صلوا إليه موجهين قلوبهم وأفكارهم وأنظارهم نحو مدينته المقدسة أورشليم ونحو بيته أن يستجيب لهم و (يقضى قضاءهم) أى ينصفهم من أعدائهم وينصرهم عليهم ويرد كيد الأعداء إلى نحورهم.
( أ ) من أجل الشعب إذا أخطأ وهزم أو سبى بسبب خطيته
46 – إذا أخطأوا إليك لأنه ليس إنسان لا يخطئ. وغضبت عليهم ودفعتهم أمام العدو وسباهم سابوهم إلى أرض العدو بعيدة أو قريبة.
قد يخطئ الشعب إلى الرب لأن كل إنسان معرض للخطأ، وليس بار تماماً إلا الله وحده، وقد يغضب الرب على شعبه بسبب خطيته فيؤذيهم بتسليمهم لأيدى أعدائهم فينتصر عليهم الأعداء ويسبوهم إلى أرض الأعداء سواء أكانت هذه الأرض بعيدة أو قريبة عن أرضهم المقدسة.
وقد تحقق قول سليمان فى فترات كثيرة من الزمان فسباهم الأشوريون ثم البابليون وبقوا فى سبيهم حتى قيام دولة الفرس. وبسبب غضب الرب عليهم فى العهد الجديد بسبب عدم إيمانهم بالرب يسوع المسيح هزمهم الرومانيون وتبددوا فى جميع جهات العالم.
(سابوهم) أى الأعداء الذين يسبوهم. و(السبى) هو الأسر والإبعاد عن الوطن.
47 – فإذا ردوا إلى قلوبهم فى الأرض التى يسبون إليها ورجعوا وتضرعوا إليك فى أرض سبيهم قائلين قد أخطأنا وعوجنا وأذنبنا. 48 – ورجعوا إليك من كل قلوبهم ومن كل أنفسهم فى أرض أعدائهم الذين سبوهم وصلوا إليك نحو أرضهم التى أعطيت لآبائهم نحو المدينة التى اخترت والبيت الذى بنيت لاسمك.يصور سليمان هذا الخطوات التى يتخذها المؤمن فى توبته ورجوعه إلى الله فيقول عن الشعب فى محنته وسبيه :
( أ ) “فإذا ردوا إلى قلوبهم” وردهم إلى قلوبهم يعنى انتباههم إلى حالتهم وتذكرهم ماضيهم الزاهر ومقارنته بحاضرهم الأليم، وتذكرهم خطاياهم التى سببت لهم كل البلوى والكوارث، وبمعنى آخر يعنى رجوعهم إلى أنفسهم مثلما رجع الابن الضال إلى نفسه  (لو 15 : 17).
(ب) (ورجعوا وتضرعوا إلى الرب): رجعوا إلى الرب إلههم ، والتجأوا إليه بالصلوات والتوسل.
(ج) “قائلين قد أخطأنا وعوجنا وأذنبنا”: وفى توبتهم وتضرعهم اعترفوا أمام الرب بخطاياهم واعوجاجهم وذنوبهم.
(د ) “ورجعوا إليك من كل قلوبهم ومن كل أنفسهم” : كانت توبتهم عملية إيجابية لأنهم رجعوا إلى الرب من كل القلب ومن كل النفس، ويعنى هذا أنهم عزموا عزماًَ صادقاً بكل قوة وعزيمة واستعداد على أن يغيروا مجرى حياتهم، وقد غيروه فعلاً.
(ها) “وصولا إليك نحو الأرض… ونحو المدينة… ونحو البيت…”: وجهوا قلوبهم وأفكارهم وأنظارهم نحو الأرض المقدسة التى أعطاها الرب لآبائهم ونحو مدينة أورشليم الغالية فى نظر الرب ونحو بيته المقدس الذى سر به، وهم بذلك يستدرون مراحم الرب لأجل خاطر الآباء القديسين الذين أرضوه، ولأجل الأرض المقدسة والمدينة العظيمة وبيته الذى تجلى فيه مجده، ويطلبون إلى الرب أن يتذكر مواعيده الصالحة التى أعطاها لشعبه.
49 – فاسمع فى السماء مكان سكناك صلاتهم وتضرعهم واقض قضاءهم.
اسمع من علو سمائك تضرعهم وانصفهم من خصومهم.
50 – واغفر لشعبك ما أخطأوا به إليك وجميع ذنوبهم التى أذنبوا بها إليك وأعطهم رحمة أمام الذين سبوهم فيرحموهم. 51 – لأنهم شعبك وميراثك الذين أخرجت من مصر من وسط كور الحديد.
اسمع صلاتهم واغفر لهم خطاياهم وحنن عليهم قلوب المتولين عليهم لأنهم شعبك المختار الذى أخرجته من العبودية المرة.
(كور الحديد): شبه الضيق الشديد الذى قاسوه فى مصر بالأتون الذى يوقد فيه الحداد النار ليصهر الحديد أو يحميه ويلينه.
52 – لتكون عيناك مفتوحتين نحو تضرع عبدك وتضرع شعبك إسرائيل فتصغى إليهم فى كل ما يدعونك. 53 – لأنك أنت أفرزتهم لك ميراثاً من جميع شعوب الأرض كما تكلمت عن يد موسى عبدك عند إخراجك آباءنا من مصر يا سيدى الرب.
(1) إننا نتضرع إليك أن تنظر دائماً إلى صلواتى وصلوات شعبك فى كل ما يطلبونه، لأنك أنت الذى سررت بهذا الشعب واخترته من جميع الشعوب كما عرفت موسى عبدك عندما أخرجت الشعب بقوتك من مصر.
(2) يذكر الوحى فى (2أى7: 1-3) أن سليمان لما انتهى من صلاته نزلت النار المقدسة من السماء وأكلت المحرقة والذبائح وملأ مجد الرب البيت حتى لم يستطع الكهنة أن يدخلوا، ورأى الشعب مجد الرب وخروا ساجدين أمام الرب. وقد كان هذا علامة على مسرة الرب بشعبه وعلى استجابته لصلاة عبده سليمان وقبوله لعبادتهم وذبائحهم.
54 – وكان لما انتهى سليمان من الصلاة إلى الرب بكل هذه الصلاة والتضرع أنه نهض من أمام مذبح الرب من الجثو على ركبتيه ويداه مبسوطتان نحو السماء.
55 – ووقف وبارك كل جماعة إسرائيل بصوت عال قائلاً :
(1) صلى سليمان صلاته الطويلة وهو جاث على ركبتيه ورافع يديه نحو السماء وناظر نحو مذبح البخور.وجثوه على ركبتيه يشير إلى تواضعه وتذللـه أمام الرب، وبسط اليدين يعنى إقراره بحاجته إلى مراحم الرب وأنه يلتمس فيه كل النعم والبركات، ومذبح البخور هو الذى كان يبخر عليه الكهنة ويقدمون صلواتهم وكان الشعب فى نفس الوقت يصلون نحوه ضارعين إلى الرب أن ينقى صلواتهم لتكون مقبولة لديه مثل رائحة البخور الطيبة وهذا المذبح يرمز إلى المسيح الشفيع فى شعبه بدالة دمه المسفوك على الصليب.
(2) انتهى سليمان من صلاته وقام واتجه نحو شعبه ليباركهم، أى يلتمس لهم البركة من الرب.
56 – مبارك الرب الذى أعطى راحة لشعبه إسرائيل حسب كل ما تكلم به ولم تسقط كلمة واحدة من كل كلامه الصالح الذى تكلم به عن يد موسى عبده.
بدأ بركته لشعبه بقوله “مبارك الرب” وهى عبارة لتمجيد الرب وحمده وشكره، وهو يمجد الرب لأنه أراح شعبه من كل الوجوه كما سبق ووعد عبده موسى مخلصه أولاً من عبودية فرعون، ثم من أعدائه الكثيرين، وأدخل شعبه أرض الموعد، وكان معهم ومع قضاتهم، إلى أن أقام عليهم ملكاً صالحاً هو داود عبده، ثم سليمان ابنه، وجعل استقراراً وطمأنينة فى الأرض حتى بنى سليمان بيت الرب، وهكذا تمت جميع مواعيد الله ولم تسقط منها كلمة واحدة.
57 – ليكن الرب إلهنا معنا كما كان مع آبائنا فلا يتركنا ولا يرفضنا. 58 – ليميل بقلوبنا إليه لكى نسير فى جميع طرقه ونحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه التى أوصى بها آباءنا. 59 – وليكن كلامى هذا الذى تضرعت به أمام الرب قريباً من الرب إلهنا نهاراً وليلاً ليقضى قضاء عبده وقضاء شعبه إسرائيل أمر كل يوم فى يومه.
بارك سليمان الرب ثم طلب البركة لشعبه فالتمس لهم :
( أ ) أن يكون الرب معهم ولا يهملهم كما كان مع آبائهم.
(ب) وإذا كان الرب معهم فإنه يعطيهم النعمة لكى يميلوا بقلوبهم إليه ويحبوه ويطيعوه ويسيروا دائماً فى طريقه.
(ج) كما يطلب من الرب أن يقبل جميع الصلوات التى قدمها إليه أمام مذبحه ويجعلها الرب نصب عينيه دائماً نهاراً وليلاً ” ليقضى قضاءه وقضاء شعبه ” أى ينظر فى أمورهم واحتياجاتهم وينصفهم فى مشاكلهم جميعها.
“أمر كل يوم فى يومه” أى يحسب ما يحتاجون إليه فى كل يوم بدون انقطاع لأنه هو الذى يعطى عبيده وخلائقه كل شئ فى حينه الحسن، وهو الذى يعطينا كل يوم خبزنا كفافنا وخبزنا الذى للغد.
60 – ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر.
إن سليمان يصلى لا لكى يتمجد الرب ويتبارك فى شعبه فقط، بل لكى يتمجد أيضاً بين جميع الشعوب، لأن الرب إذ يستجيب إلى صلواته من أجل شعبه ويرعاهم ويعطيهم كل بركاته ونعمه، يرى ذلك الشعوب فتمجد الرب إله إسرائيل ويغبطون هذا الشعب الذى يعتنى به إلهه كل هذا الاعتناء، وقد تؤمن الشعوب بالله وتوقن أنه هو الإله الحقيقى وحده.
61 – فليكن قلبكم كاملاً لدى الرب إلهنا إذ تسيرون فى فرائضه وتحفظون وصاياه كهذا اليوم.
بارك سليمان الرب (ع 56)، ثم بارك شعبه كما هو مفصل فى الأعداد السابقة، ثم لم يفته أن يعظ شعبه بنصيحة ختامية فحثهم على أن تكون قلوبهم كاملة أمام الرب بسيرهم فى طريقه ووصاياه طول حياتهم.
“كهذا اليوم” : ليكن حماسهم فى سيرهم فى طريق الرب وطاعته مثل حماسهم فى ذلك اليوم البهيج الذى حضروا فيه لتدشين الهيكل. والمؤمنون كثيراً ما يشعرون بحماس روحى وحرارة روحية ورغبة فى أن يعيشوا فى حياة توبة ونقاوة فى مواسم وظروف خاصة، مثل أيام الأصوام، أو بعد تناولهم من الأسرار المقدسة أو استماعهم إلى عظة مؤثرة أو تحت تأثير تجربة من التجارب أو اختيار روحى اختبروه، وسرعان ما تفتر عزائمهم ويبرد حماسهم، ولكن سليمان يحث شعبه أن يكون حماسه الروحى وحرارته الروحية وميل قلبه إلى الرب وسلوكه بالكمال… أن تكون كل هذه مشتعلة ومتوقدة دائماً “كهذا اليوم”.
62 – ثم إن الملك وجميع إسرائيل معه ذبحوا ذبائح أمام الرب. 63 – وذبح سليمان ذبائح السلامة التى ذبحها للرب من البقر اثنين وعشرين ألفاً ومن الغنم مئة ألف وعشرين ألفاً فدشن الملك وجميع بنى إسرائيل بيت الرب.
(1) كان الملك والشعب فرحين جداًُ ببناء بيت الرب وتدشينه فذبحوا للرب ذبائح كثيرة جداً، بعضها كان محرقات، وهى تعنى تكريس الحياة كلها للرب ومعظمها كان ذبائح سلامة، وربما كان بعضها ذبائح خطية.
(2) وقد بلغت ذبائح السلامة التى قدمها الملك اثنين وعشرين ألفاً من البقر ومائة وعشرين ألفاً من الغنم ربما قدم معظمها من ماله الخاص وربما كان بعضها من الشعب وجاءوا بها إلى الملك ليعرضوها عليه فوافق على تقديمها، ولا يشترط أن تكون كلها قد قدمت فى يوم واحد، بل قدمت فى الأربعة عشر يوماً التى كان الشعب مجتمعين فيها أمام الرب.
وذبائح السلامة كان يقدم منها نصيب الرب على المذبح ويأخذ الكهنة نصيبهم، وباقى الذبيحة كان يأكله أصحاب الذبيحة ويشركون معهم اللاويين والأصدقاء والفقراء والمساكين. وكان الملك والشعب أسخياء جداً فأكرموا الرب بمقادير وفيرة من الذبائح أكلوا منها وأكل منها كهنة الرب وخدامه وفقراء الشعب وضيوفهم وأصدقاؤهم.
(3) وهكذا بهذا الاحتفال الروحى المجيد دشن بيت الرب.
(وتدشين) الشئ هو استعماله لأول مرة. و(تدشين) بيت الرب هو تكريسه ليقدس لعبادة الرب. وقد تم التدشين بالصلاة وتقديم الذبائح ووعظ سليمان لشعبه ومباركتهم، وفى حفل التدشين كان الكهنة واللاويون ينفخون أيضاً فى أبواقهم ويرنمون للرب وهم يعزفون على آلات الغناء بفرح وبهجة (2أى7: 6).
64 – فى ذلك اليوم قدس الملك وسط الدار التى أمام بيت الرب لأنه قرب هناك المحرقات والتقدمات وشحم ذبائح السلامة لأن مذبح النحاس الذى أمام الرب كان صغيراً عن أن يسع المحرقات والتقدمات وشحم ذبائح السلامة.
كانت المحرقات توقد كلها للرب والتقدمات من الدقيق وغيره توقد منها أجزاء للرب مع اللبان والزيت وسكيب الخمر، وذبائح السلامة كان يوقد منها الشحم والكليتان والكبد وزيادة الكبد، ومذبح المحرقة الذى عمله سليمان مع أنه كان أكبر بكثير من المذبح الذى عمله موسى (خر38، 2 أى4)، إلا أنه كان لا يكفى بأى حال أن توقد الألوف من الذبائح أو أجزاء الذبائح التى قدمت فى هذه المناسبة السعيدة، ولهذا اضطر سليمان إلى تقديس (تكريس) وسط الدار (الساحة) الخارجية التى أمام الهيكل لتقدم الذبائح عليها كلها أو على جزء كبير منها. وفى الغالب أقام مذابح وقتية من الحجارة أو من التراب وأوقد الحطب الذى عليها من النار المقدسة الدائمة التى كانت على المذبح الأصلى (خر40).
65 – وعيَّد سليمان العيد فى ذلك الوقت وجميع إسرائيل معه جمهور كبير من مدخل حماة إلى وادى مصر أمام الرب إلهنا سبعة أيام وسبعة أيام أربعة عشر يوماً.
كان عدد الشعب مضاعفاً، لأنهم عيدوا فى أورشليم أمام بيت الرب سبعة أيام احتفالاً بتدشين الهيكل، وسبعة أيام أخرى احتفالاً بعيد المظال الذى كان يبدأ فى اليوم الخامس عشر من الشهر السابع وتنتهى فى اليوم الـ21 أما اليوم الثامن منه فكان اعتكاف (لا23)  وقد حضر العيد جميع شعب الله من (مدخل حماة إلى وادى مصر) أى من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. و(حماة) تقع على نهر العاصى شمالى دمشق بنحو 253 كيلو متر. و (مدخل حماة) إما المكان المؤدى إليها أو علم لمكان فى ذلك الوقت. واعتبر (مدخل حماة) الحد الشمالى لإسرائيل. و(وادى مصر) هو وادى العريش. وهو مجرى موسمى يمتلئ بالماء شتاءً ويجف صيفاً يعتبر الحد بين مصر وإسرائيل واسمه القديم (سينحور).
66 – وفى اليوم الثامن صرف الشعب فباركوا الملك وذهبوا إلى خيمهم فرحين وطيبى القلوب لأجل كل الخير الذى عمل الرب لداود عبده ولإسرائيل شعبه.
انتهت الاحتفالات العظيمة، وفى اليوم الثامن من عيد المظال وهو يوم الاعتكاف ويوافق اليوم الثانى والعشرين من الشهر، صرف سليمان شعبه فطلبوا له البركة وعادوا إلى مدنهم ومساكنهم وهم فرحون وقلوبهم مسرورة وراضية لأجل عمل الله العظيم لأجل (داود عبده) إذ أقام من نسله ملكاً حكيماً يخاف الرب ويتقيه، ولأجل (إسرائيل شعبه) إذ رضى الرب أن يكون معه ويسكن فى وسطه.
 
 

Leave a Comment