تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح الثامن – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح الثامن

الحكمة الممتدة من أقاصي المسكونة

يتكلم الحكيم سليمان عن الحكمة أو أقنوم الحكمة أنه موجود في كل المسكونة لا يخلو منه مكان ويعمل بقوة إذ هو خلق المخلوقات وكل شيء ويرعاها وينسق بينها بتناسق مذهل وترتيب عجيب.
تستخدم كنيستنا القبطية هذا التعبير من أقصى العالم إلى أقصاه أو من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها في أوشية السلامة في القداس الكيرلسي.
لقد أحب سليمان الحكمة منذ كان شابا صغيرا وفعلا طلب من الله هذا لأنه لا يستطيع أن يحكم أو يميز بين عدد كبير كونه ملكا على إسرائيل بعددهم الكبير هذا واستجاب له الله فأعطاه حكمة وسعة صدر مثل رمل البحر.
لقد اتخذ الحكيم الحكمة زوجة له مثلما اتخذ أبرام ساراي زوجة له التي تعني أميرتي فأصبح هو إبراهيم أب لجمهور كثير وأصبحت هي سارة وقد أوصاه الله أن يسمع لها في كل ما تقوله له (تك٢١: ١٢).
هكذا النفس عندما تتحد بأقنوم الحكمة تنتج فضائل كثيرة مثلما قال الرسول بولس: محبة فرح سلام…
أقنوم الحكمة ذات أصل كريم لأنه الله الكلمة وهو شريك مع الله الآب في الربوبية والحياة الأزلية لذلك قال ربنا يسوع ” كل ما هو لك هو لي” (يو١٧: ٩)، وأنه له الحياة في ذاته (يو٥: ٢٦)، لذلك في مطلع صلاة الصلح في القداس الإغريغوري يقول (أيها الكائن الذي كان الذاتي والمساوي والجليس مع الآب) وقد أحب الآب الابن من قبل إنشاء العالم (يو١٧: ٢٤).
الله الحكمة أو حكمة الله كلي المعرفة عالم بكل شيء وهذا ما قيل في (يو١٦: ٣٠)، وهو (أقنوم الحكمة) محب لأعمال الله بل ويعمل أعمال الله “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يو٥: ١٧).
إذا كان في العالم الغنى مثل المُلك مرغوبا فيه من البشر هكذا من يحب الله أو حكمة الله الغنية تعطي كل شيء للبشر وتغنيهم عن الغنى الزمني لذلك قيل عن أقنوم الحكمة فيه مذخور كل كنوز الحكمة.
أقنوم الحكمة يعمل كل عمل بفطنة وضمن ما يعمله بفطنة هو عمله في الخليقة هو نموها وجعلها تحقق الغرض من خلقتها في سمو وازدهار دائما بل وإبداع دائما.
يتكلم الحكيم عن الفضائل التي تلدها الحكمة في النفس وهي :-
١- البر وحياة القداسة.               ٢- الفطنة أي حكمة التصرف العملي.
٣- ضبط النفس بغير انفعال.         ٤- الشجاعة وعدم الخوف.
الحكمة تعرف الماضي وتعيش الحاضر بالفطنة وتعرف ما سوف يحدث من معجزات فهذا هو أقنوم الحكمة الذاتي لأن الله وحده هو العارف بالماضي والحاضر والمستقبل فقد عرف ربنا يسوع أن اليهود قتلوا زكريا بن برخيا بين الهيكل والمذبح وأكد أنه سوف يُصلب في (مر٨: ٣١؛ ٩: ٣٢؛ ١٠: ٣٣)، وقد تعطي الحكمة بعض البشر نعمة هذه النبوة.
عزم الحكيم أن يتخذ أقنوم الحكمة مثل زوجة يقترن بها إذ اثنين خير من واحد (جا٤: ١٠) لأنها تشير عليه لعمل الخير وتعزيه في وقت الحزن والغم.
كأن سليمان يتحدث عن موهبة الحكمة التي وهبها إياه الله كيف جعلته مرهوبا عند كل ملوك الأرض وكيف كان كل ملوك الأرض يهابونه ويأتون إليه يستشيرونه في أمور مملكاتهم ويعطوه هدايا فصار أغنى ملوك الأرض رغم صغر سنه.
تعطي الحكمة الحكيم أن يحكم بحكم صائب يتعجب منه الحكماء والعظماء مثلما أتت إلى سليمان امرأتان متزوجتان برجل واحد وكان لكل منهما طفل فاضجعت واحدة على ابنها فمات فراحت ووضعته للمرأة الأخرى وأخذت ابنها كابن لها فذهبوا إلى سليمان ليقضي بينهما فطلب سليمان سيف وأمر أن يشطر الطفل إلى اثنين وتأخذ كل منهما نصف فحنت أحشاء الأم الحقيقية ورفضت فعرف أنها أمه.
عندما يتحد الإنسان بالحكمة يصير بها حكيما يتتلمذ عليه كثيرون سواء عندما يصمت أو يتكلم فعندما يصمت يتعلمون أن اللسان شر إذا انحرف، وإذا تكلم يصغون باهتمام ويتعلم الآخرون كتلاميذ حتى إن أفاض في الكلام لا يتكلمون بل يكونون مصغين “فم الحكيم كنهر متدفق” (أم١٨: ٤).
أقنوم الحكمة عندما يتحد بالإنسان (روحيا) يعطي روحه أن تكون خالدة تدخل الفردوس وفي يوم الدينونة تدخل ملكوت السموات أما على الأرض يترك الإنسان المتحد بأقنوم الحكمة سيرة طيبة تنقلها الأجيال جيل بعد جيل.
قد جعل الله سليمان بموهبة الحكمة التي له صارت مملكته سلام واستشارة جميع ملوك الأرض وكأنه كان يحكم على كل الأرض، هكذا صار القديسون إذ باتحاد الأنبا أنطونيوس بالحكمة صار أبا لكل رهبان العالم من جميع أنحاء الأرض وكانوا يأتون ليتعلموا من رهبان مصر.
إذ سمع ملوك الأرض عن حكمة سليمان جاءوا إليه وسمعوا حكمته وخافوه وصار مثالا صالحا يقتدوا به وسط جموع الشعب ووسط ملوك الأرض.
يصير الإنسان الذي يتقي الله حكيما حتى وسط الحرب فقد نزل يهوشافاط الحرب في راموت جلعاد شرق الأردن مع أخاب فأحاط به جنود آرام لأن ملك آرام أراد قتل ملك إسرائيل فقط فلما أحاطوا بيهوشافاط صرخ إلى الرب فأعانه الرب وتنحوا عنه إذ عرفوا أنه ليس هو أخاب الذي تنكر في زي جندي (٢ أخ١٨: ٣٢).
اتخذ الحكيم الحكمة رفيقة وزوجة له لكنها فاقت مستوى أي شخص بشري إذ جلبت السرور والفرح الدائم وعدم الألم.
بعدما فكر سليمان الحكيم أن أي قرابة جسدية أو نسبه كابن لداود لن يفيده شيئا لكن إن اتخذ موهبة الحكمة يصير له الخلود لأن أقنوم الحكمة هو ربنا يسوع هو خالد هكذا قاده الفكر الصالح وكل من يكون فكره صالح أو قلبه صالح يفكر بهذا الفكر أن يحيا إلى الأبد لأن القلب يعبر عنه بالعقل Nouc .
في البحث عن ربنا يسوع والجهاد لذة إذ يجده صديقا له بل أيضا يأخذ ثمرة الجهاد طهارة وغنى روحي وحكمة وسمعة طيبة بين السمائيين (لو ١٥) وحتى الأرضيين.
أيضا من علاقة الحكيم بأقنوم الحكمة يصير بسيطا مثل الأطفال وذو نفس صالحة إذ يهب أقنوم الحكمة من يتمسك به من صفاته.
صيرت الحكمة سليمان الحكيم صالحا ذو جسد غير خاطئ لأن الجسد في حد ذاته ليس سببا لأي خطية لكن طريقة سلوكه وعقله أو روحه التي تقوده هي سبب أي تصرف صالح.
وقد أدرك سليمان الحكيم أن الحكمة موهبة ليس بقدرة الإنسان الذاتية وكل موهبة هي نازلة من عند أبي الأنوار، الله، فصلى إليه وسأله الحكمة من كل قلبه فأعطاها له الله بوفرة (مز٣٧: ٥، ٦).
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment