كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح الثامن – القمص مكسيموس صموئيل

 

الأصحاح الثامن

جواب بلدد الشوحي: إلى متى تقول هذا ؟

وتكون أقوالك ريحا شديدة ؟

  • ” ​فَأَجَابَ بِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَقَالَ: إِلَى مَتَى تَقُولُ هذَا، وَتَكُونُ أَقْوَالُ فِيكَ رِيحًا شَدِيدَةً؟”:-
  • لم يعتبر بلدد هو الآخر أن أيوب يصرخ من التجربة من مرارة نفسه بل اعتبره مثل أليفاز يعاقب على خطايا ارتكبها، بل أن أبناءه أيضا أخذوا عقوبة لارتكابهم خطايا فقد أدان أيوب واعتبره مخطئ إذ يقول أقوال شديدة كثيرة مثل الريح فكان أفضل له أن يقدم توبة.
  • وأن أيوب حتى لو كان قد أخطأ فقد طلب المغفرة من الله (أي٧: ١٢).
  • كثرة كلام بلدد أوقعه في إدانة أيوب ظلما فظلم من هو منكوب ومكسور فلو لجم لسانه فكان لم يخطئ إلى أيوب.
  • كان على بلدد أن يخرج الخشبة من عينه قبلما يحاول أن يخرج القذى من عين أيوب.
  • ​”هَلِ اللهُ يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ، أو الْقَدِيرُ يَعْكِسُ الْحَقَّ؟ إذ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ، دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِمْ”:

إذ يشبه أصحاب أيوب كما قال ق. إغريغوريوس الكبير الهراطقة يظهرون أنهم يدافعون عن الله، قائلين أن الله لا يعوج القضاء ولا يكون عنده عكس الحق أي الظلم.
هنا اتهام آخر لأيوب أنه قال أن الله لا يحكم بالعدل فلم يقل أيوب هذا.
يظن بلدد أنه عائش في رغد فيظهر أنه لم تلم به تجربة في حياته فهذا دليل على بره، وكثيرا ما نرى الآخرين زاهرين وبهذا يفتخرون أنهم أبرار لكن الحقيقة أن الذي يحبه الرب يؤدبه فلهذا يرى بلدد أن أيوب يعاقب لأنه أخطأ إلى الله وأن الله عادل لأنه الإله القدير، وكأن (بلدد) أستاذ اللاهوت الذي جاء باسم الله ليدين البار أيوب.
بل أضاف إلى آلام أيوب اتهاما أكثر قسوة أن أولاده كانوا مخطئين إلى الله فعاقبهم الله وأوقعهم بيد مبغضيهم، فلم يكتفي بإدانة أيوب بل تسلل إلى أبنائه الذين لم يراهم ولا عرفهم واتهمهم بالخطية، هكذا كثيرون يدينوا ليس عن حق بل حسب الظاهر لذلك دينونتهم باطلة لكن الله هو الذي يدين حسب الباطن الذي سينير خفايا القلوب.
لم يعلم بلدد أن أيوب كان دقيقا حتى أنه كان يقدم ذبائح عن أولاده لئلا يكونوا أخطئوا إلى الله في قلوبهم، هل هذا هو الثمر على فعل أيوب!! هكذا الأشرار يحجبوا الطرق بالإدانة والكبرياء على المكسورين.

  • ​” فإن بَكَّرْتَ أَنْتَ إِلَى اللهِ وَتَضَرَّعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ “:-

هنا تبدو كنصيحة رائعة لكنها تحمل في طياتها فخاً بجانب انحراف عن هدف الصلاة.

  • فخاً : إذا صلى إلى الله وبكر إلى الله فاستجاب الله له وأعطاه ما كان يملكه فيكون مستقيما أما إذا لم يعطه فهو غير مستقيم أي أيوب يصبح غير مستقيم، وهو قال هذا لأنه كان متأكدا أن الله لا يعطيه.
  • انحراف : جعل بلدد هدف الصلاة العطايا المادية وليس الله ذاته.

فالصلاة هي التهاب الشوق إلى الله.
الصلاة تلهب القلب وبالتالي الفكر وبالتالي العمل مع الله.
الله لا يمنعنا كأب أن نطلب منه العطايا المادية لكنها ليست الهدف الأساسي للصلاة، لهذا يقول ربنا يسوع “اطلبوا أولا ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم”.
ألم يكن أيوب يبكر ويرفع ذبائح عن أولاده بل ويصلي سبع مرات بل ويصلي كل حين إلى الله !! (مز١١٩: ٣٧، ١٦٤؛ لو١٨: ١؛ أي١: ٥).

  • ​” إن كُنْتَ أَنْتَ زَكِيًّا مُسْتَقِيمًا، فَإِنَّهُ الآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّكَ”:-

ينصحه أنه لو بدأ في بداية تجربته الأولى بالصلاة لكان رد له الله كل شيء ويكون تخلص من تجربته، هذا طبعا فيه خطأ لأن الإنسان قد يجرب مرات عديدة وقد تمتد التجارب كل حياته حتى تفيده، فهل الصلاة في بداية التجربة للخلاص منها هي كل شيء! واضح أن بلدد سطحي في خبرته مع الله، يصلي لكي ينهي الله التجربة هذا هو هدف الصلاة بالنسبة لبلدد.

  • ​” وإن تَكُنْ أُولاَكَ صَغِيرَةً فَآخِرَتُكَ تَكْثُرُ جِدًّا “:-

ينكر على أيوب بره بأنه لو صلى إلى الله لكان أعطاه أعظم مما كان له، فإذا كان في بداية حياته صغيرا وصلى لأعطاه الله وأصبح عظيما، هذا هو هدف الصلاة عند بلدد العظمة وإنكار بر واستقامة أيوب الذي يتظاهر بنصحه، لم يكن يعلم أن الله سيرد له ما كان لديه أضعاف ويعطيه حياة أبدية لكن الآلام هي تعبير عن محبة أبناء الله لله أبيهم وبها يكللون في السماء.

  • ​” اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأُولَى وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ “:-

يصر أصحاب أيوب على استخدام الأمور الصالحة في غير محلها فأليفاز يؤكد شر أيوب بما حل به أما بلدد فيؤكد شره بأن يرجع إلى الآباء الأول، والتاريخ يثبت شر أيوب هكذا حال الهراطقة أن يستخدموا كلمات القديسين مبتورة لإثبات عقائدهم الخاطئة.
فإن كان هابيل فقد حياته بسبب شر أخيه فإن صوت دم هابيل ظل يصرخ إلى الله وإن كان هابيل لم ينل مكافأته على الأرض، أليس هذا هو الرجوع الصحيح إلى الآباء القدامى ؟

  • ​” لأَنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلاَ نَعْلَمُ، لأَنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأَرْضِ ظِلٌّ “:-

الكلمات صحيحة لكن قلب قائلها لم يكن مستقيما لأن فعلا أيام الإنسان كظل تمضي سريعا وعلينا أن نرجع للتاريخ وللآباء لنتعلم لكن باستقامة قلب وهذا ما قاله داود النبي باستقامة قلب في صلاته الوداعية في نهاية حياته (١ أي١٥: ٢٩).
​” فَهَلاَّ يُعْلِمُونَكَ؟ يَقُولُونَ لَكَ، وَمِنْ قُلُوبِهِمْ يُخْرِجُونَ أَقْوَالاً قَائِلِينَ “:-
هنا يقدم تعليما رائعا لكن لإنسان بار وقديس، كان يجب أن يقدمه لنفسه أولا ولإنسان جاهل فلهذا يقول ق. إغريغوريوس الكبير: بلدد مثل إنسان أرضه جافة يصب ماء في النهر.
ولهذا تسلمت الكنيسة من آبائها وحافظت على ما تسلمته منهم كوديعة على أساس قداسة حياتهم وعمل الروح القدس معهم لكنها لا تمنع من وجود أحيانا بعض أخطاء لهم في التعليم وكأنهم آلهة لكنها تأخذ عنهم كل ما هو صحيح ومطابق لتعاليم الكتاب المقدس مثلما دافع ق. أثناسيوس ضد الأريوسيين معتمدا على الآباء السابقين، والقديس كيرلس ضد نسطور معتمدا على ما تسلمه من ق. أثناسيوس، والقديس باسيليوس الكبير على ما تسلمه من الكنيسة وآبائها.

  • ​” هَلْ يَنْمُي الْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ الْغَمِقَةِ (المستنقع)، أو تَنْبُتُ الْحَلْفَاءُ بِلاَ مَاءٍ؟”:-

يعطي بلدد تعليما لأيوب لكنه دون أن يدري يتكلم عن نفسه في رأيه، فشبه أيوب بالتشبيهات الآتية :-

  1. نبات بردي أو حلفاء على المياه ينمو لكن دون ثمر.
  2. شجرة مورقة تقطع بالفأس فتموت.
  3. بيت العنكبوت الذي يهلك سريعا.
  4. الحجارة التي تعثر الآخرين فيسقطون.

فهو يعتبر أن نبات البردي ينمو في الوحل والطين ويعطي شكله خضرة لكن دون نفع هكذا أيوب.
ولم يدري أن المياه الكثيرة هي رمز لعمل الروح القدس الذي يعمل في قلوب المؤمنين (يو٧: ٣٧)، فلما اعتمد ربنا يسوع لم يتطهر هو بل طهر مياه نهر الأردن هكذا نحن نصير مقدسين به.
لكن في فكر بلدد أن أيوب يورق ويثمر لأجل مديح الآخرين فلهذا هو يجف بسرعة رغم أنه له مظهر الخضرة وموجود على منابع المياه، فهو يذم البار لكنه في الحقيقة يتكلم عن قلبه المملوء غشاً.

  • ​” وَهُوَ بَعْدُ فِي نَضَارَتِهِ لَمْ يُقْطَعْ، يَيْبَسُ قَبْلَ كُلِّ الْعُشْبِ “:-

فهو يظهر البردي بلونه الأخضر ثم يجف سريعا حتى قبل أن يقطع (مز١٢٩: ٦) هكذا أيوب عند بلدد.

  • ​” هكَذَا سُبُلُ كُلِّ النَّاسِينَ اللهَ، وَرَجَاءُ الْفَاجِرِ يَخِيبُ “:-

يقول ق. إغريغوريوس الكبير أن الإنسان عندما يحتضن الزائل يزول معه لكن عندما يتمسك بالأبديات تبقى ثماره تدوم إلى الأبد.
هكذا شبه بلدد أيوب أنه بغى مديح الآخرين فلهذا سرعان ما نضب هكذا رجاء الفاجر الذي يتظاهر بالتدين لكنه لم يعلم أنه بار وهو “مثل شجرة مغروسة على مجاري المياه تعطي ثمرها في حينه” (مز١: ٣).

  • ​” فَيَنْقَطِعُ اعْتِمَادُهُ، وَمُتَّكَلُهُ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ! “:-

يصب بلدد مثلا على أيوب إذ يعتبره مرائي فإن المرائي يبذل مجهودا كبيرا حتى يمدح من الناس مثل امرأة قبيحة تضع مساحيق لتخفي قبحها، هكذا من يحاول أن يظهر للناس دون علاقة مع الله هو مثل بيت العنكبوت رجاؤه يذهب سريعا لكن أيوب صبر أيضا على هذا الاتهام الذي ينبع من نفس متكبرة تصف نفسها دون أن تدري.

  • ​” يَسْتَنِدُ إِلَى بَيْتِهِ فَلاَ يَثْبُتُ. يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلاَ يَقُومُ “:-

كل ما تحبه النفس وتتكل عليه يكون بيتا لها، فإن اتكلت على مديح الآخرين تغش نفسها ويكون بيتها ينقض سريعا، هكذا من يتكل على شيء غير الله يكون له بيتا ساقطا لأن الله هو الوحيد الذي يخلص، هو مدحه يكون حقيقيا للنفس وليس حسب رأي الناس.

  • ​” هُوَ رَطْبٌ تُجَاهَ الشَّمْسِ وَعَلَى جَنَّتِهِ تَنْبُتُ أغصانه”:-

يشبه بلدد الإنسان المتكل على ذاته وليس على الله أو المتكل على الناس والذي يلهث وراء الشهرة بنبات رطب عندما تشرق عليه أشعة شمس البر (مل٤: ٢) في يوم الدينونة تحرقه إذ تذيب كل رياء ولا يكون لذكر المشهور في العالم مثل المشهور عند الله وليس عند الناس.

  • ​” وَأُصُولُهُ مُشْتَبِكَةٌ فِي الرُّجْمَةِ، فَتَرَى مَحَلَّ الْحِجَارَةِ “:-

الحجارة يشبه بها الناس في الكتاب المقدس مثلما جاء في (إش٥٤: ١٢)، ولكن لكي نكون أحياء بالروح نكون حجارة حية مثلما قال معلمنا بطرس في (١ بط٢: ٥).
لكن هنا يقصد الحجارة، الحجارة التي تكون في الطريق يتعثر فيها الآخرون فالإنسان الذي لا يعمل وصايا الله يتعثر في وصاياه ويسقط فلهذا علينا أن ننقي أنفسنا من حجارة الطريق وهي العثرات حتى نستطيع أن نكون حجارة حية مع حجر الزاوية فى بيت الرب.

  • ​” إن اقْتَلَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ، يَجْحَدُهُ قَائِلاً: مَا رَأَيْتُكَ! “:-

هنا يشبه المرائي بالحجر الذي يقتلع من مكانه أو بالشجرة التي لها شكل مورق وأثمار واهية فيأتي فأس الرياء يقلع الشجرة من أصلها فلا يعود لها وجود على سطح الأرض هكذا يأتي يوم الدينونة ويقلع المرائي ويدان من الله.
​” هذَا هُوَ فَرَحُ طَرِيقِهِ، وَمِنَ التُّرَابِ يَنْبُتُ آخَرُ “:-
يفرح المرائي بنفسه ولكن يأتي يوم الدينونة فيقلع مثل الشجرة ويوضع مكانه آخر.

  • ​” هُوَذَا اللهُ لاَ يَرْفُضُ الْكَامِلَ، وَلاَ يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ “:-

يقول بلدد أن الله عامة لا يرفض الإنسان السالك بالكمال أي إذا كنت كاملا لا يرفضك الله لكن إذا كنت شريرا سيبيدك الرب لأنك تفعل الشر سرا.
ولكنه يحكم على نفسه إذ الله لا يرفض أيوب لأنه فعلا كامل وأصحابه الثلاثة المعتقدين بكمالهم سيظهروا في شرهم عندما يظهر الله آراء القلوب.
في يوم الدينونة يرفع الله البسطاء والمرذولين من الناس ليمجدهم ويهبط الممجدين من الناس والممجدين أنفسهم إلى أسفل بالخزي.

  • ​” عِنْدَمَا يَمْلأُ فَاكَ ضِحْكًا، وَشَفَتَيْكَ هُتَافًا، يَلْبِسُ مُبْغِضُوكَ خَزْيًا، أما خَيْمَةُ الأشرار  فَلاَ تَكُونُ “:-

في يوم الدينونة سيفرح الأبرار الباكين في العالم عندما يكتمل نوحهم في رحلة غربتهم في العالم والشفتان تهتف بالله الصانع البر للمظلومين والمجاهدين.
وأيضا الإنسان الروحي فرحه داخله لا يضحك بصوت عال علامة عدم مخافة الله لكنه في داخله فرح سماوي هذا الذي به تنمو النفس إلى فوق حيث تعيش عربون ملكوت السموات كما قال الأنبا أنطونيوس، وكما قال الأنبا أبوللو لنترك الكآبة للأشرار أما بنو الملكوت يفرحوا لأنهم مدعوون للفرح لهذا سمي إبراهيم إسحق الذي يعني ضحكاً.
في يوم الدينونة يلبس الشياطين الخزي عندما يكلل الأبرار الذين حاربوهم طوال سنين عمرهم، والأشرار أو المبغضين عندما يروا الله يعضد الأبرار يخزون، وخيمة الأشرار لا تكون أي لا يثبت بيته ولا يكون جسده موجودا أصلا لأن الخيمة ترمز للجسد كما قال معلمنا بولس الرسول.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment