التاريخ الكنسي لسوزومين – الكتاب التاسع – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”التاريخ الكنسي لسوزومين – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس” field=name]

الكتاب التاسع : الفصل الأول

( موت اركاديوس. حُكم ثيودوسيوس الأصغر. أخواته المتبتلات)

(9/1/1) تلك كانت التفاصيل الخاصة بيوحنا.
وعقب وفاته، ليس بوقت طويل، وبعد ثلاث سنوات من ارتقاء اتيكوس Atticus لأسقفية القنسطنطينية، وخلال قنصلية باسوس Bassus وفيليب،  مات اركاديوس([1]) وترك ثيودوسيوس([2]) إبنه الذى كان مفطوما توا كخليفة للإمبراطورية. كذلك ترك ثلاث بنات فى عمر غض يُدعوَن بولخريا  Pulcheria واركاديا ومارينا.
(9/1/2) ويبدو لى أن ذلك كان خِطة الله ليُظهِر بواسطة الأحداث التى وقعت فى هذه الفترة أن التقوى وحدها كافية لخلاص الأمراء، وأنه بدون التقوى تصبح الجيوش والامبراطورية القوية وكل مورد آخر بلا جدوى. إن القوة الإلهية الحارسة للكون قد سبقت فرأت أن الإمبراطور([3]) سيتميز بتقواه، ولذلك قرر أن تكون بولخريا أخته وصية عليه وعلى حكومته.
(9/1/3) وكانت هذه الأميرة لم تبلغ بعد الخامسة عشر من عمرها، ولكن كان لها عقل أكثر حِكمة وأكثر تقوى من سنوات عمرها. فقد كرَّست أولا بتوليتها لله، وحثت أخواتها على نفس مسار حياتها. ولكى تتجنب كل سبب للغيرة والدسيسة، لم تسمح بدخول أىُ رجلٍ إلى القصر. وللتأكيد على عزمها اتخذت الله والكهنة وسائر رعايا الإمبراطورية الرومانية شهودا على تكريسها الذاتى. وكعلامة على بتوليتها ورئاستها لأخيها، كرَّست فى كنيسة القنسطنطينية مائدة مقدسة رائعة الصنع وجميلة المنظر جدا مصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة، ونقشت هذه الأمور على واجهة المائدة لكى ما تكون جلية للجميع. وبعد أن استعادت العناية بشؤون الدولة بهدوء، حَكَمت الإمبراطورية الرومانية بإمتياز وانتظام كبير. وأدارت الأمور حسنا بحيث كانت تُصدِر بسرعة المراسيم الخاصة بالشؤون المطلوب تنفيذها والانتهاء منها.
(9/1/4) وكانت الفتاة قادرة على الكتابة والتحدث بدقة مثالية باللغات اليونانية واللاتينية. ولكنها جعلت كل الأمور تتم بإسم أخيها. وأولَت اهتماما كبيرا بتنشئته كأمير بأفضل الطرق الممكنة، وبالمعلومات المناسبة لعمره. فعلَّمته الكتابة والفروسية واستعمال الأسلحة على يد أمهر  الرجال. ولكنه كان يدرس بشكل منهجى على يد أخته كيف يسلك بلياقة وترتيب كأمير. فعلَّمته كيف يجمع ثيابه، وكيف يجلس وكيف يسير. ودربته على كبح جماح الضحك، وكيف يكون وديعا أو حازما حسب متطلبات المناسبة. وكيف يستفسر بأسلوب متحضر عن الحالات التى تُقدَّم إليه إلتماسات خاصة بشأنها. وسعت بصفة خاصة إلى أن تقوده إلى التقوى. فكانت تصلى بإستمرار وتعلِّمه التردد على الكنيسة بإنتظام، وكيف يُكرِّم بيوت الصلاة بالهبات والأموال. وألهمته احترام الكهنة والرجال الصالحين الآخرين. وأولئك الذين كرَّسوا حياتهم حسب الشريعة المسيحية للفلسفة ([4]). واشترطت بحماس وحكمة ألاَّ تتعرض الديانة للخطر بسبب ابتداع العقائد الباطلة.
وكُون أن البدع الجديدة لم تَسُد فى زماننا هذا، فذلك يعود إليها بصفة خاصة، كما سنرى لاحقا.
(9/1/5) أما إلى أى حد كانت تعبد الله بخشية، فهذا يستغرق وقتا طويلا من أى أحدٍ للكلام عنه. فكم من بيوت صلاة هائلة قد شُيِّدت، وكم من دورٍ للضيافة ومستوطنات رهبانية قد أُسسِّت، وكم من ترتيبات وُضِعت، ونفقات لدعمها المستمر. ووفرت المؤن للسجناء. وإذا أراد أى شخص غير مقتنع بكلامى التحقق من حقيقة هذه الأعمال، فسوف يَعلَم متى تفحص الوثائق المكتوبة بواسطة أمناء بيتها، ومتى استعلم من السجلات الحقيقية، أنها لم توصف باطلا من قِبَلى لصالحى الخاص، وما إذا كانت [هذه] حقائق تتفق مع تاريخى أم لا. وإذا كانت هذه الأدلة ليست كافية وحدها بإقناعه لكى يُصدِّق، فإن الله نفسه هو الذى سيجعله يقتنع، ذاك الذى أظهر رضائه عنها تماما فى كل مكان بسبب سلوكها. فكان يسمع صلاتها بسهولة، ويوجهها مسبقا لإتخاذ ما ينبغى أن يُتخَذ.([5])
إن مثل هذه المؤشرات للحب الإلهى لا تُمنَح للناس ما لم يكونوا مستحقين بأعمالهم لذلك.
(9/1/6) ولكننى سأعبر بطيب خاطر، فى الوقت الحاضر، عن الكثير من إعلانات الحب الإلهى المتعددة التى منحها لأخت الإمبراطور، والتى تدل على أنها كانت محبوبة من الله حتى لا يلومنى أحدٌ بأننى دونتُ أمورا أخرى، والتفتُ إلى التقريظ. وسأروى هنا فقط حادثة واحدة خاصة بها تبدو، مع ذلك، أنها مناسبة جدا فى ذاتها ولتاريخى الكنسى، ودليل على محبة الله لها، على الرغم من أنها قد حدثت فى وقت ما بعد ذلك، وهى كالآتى:

الكتاب التاسع: الفصل الثانى

(اكتشاف رفات الاربعين شهيدا القديسين)

(9/2/1) كانت لإمرأة اسمها يوسيبيا Eusebia، وهى شماسة من الشيعة المقدونية، بيت وحديقة خارج أسوار القنسطنطينية، احتفظت فيه برفات الاربعين جنديا([6]) الذين استشهدوا على يد ليسينيوس([7])  Liciniusفى سبسطةSebaste  بأرمينيا. هذه، عندما شعرت بدنو أجلها، أورثت المكان المذكور لبعض الرهبان الارثوذكس، وربطتهم بقسَم أن يدفنوها هناك، وأن ينقبوا موضعا منفصلا فوق رأسها فى الجزء العلوى من نعشها، ويودعوا فيه رفات الشهداء معها، ولا يُعلِموا أحدا. وفعل الرهبان هذا، ولكن لكى ما يُقدِّموا التكريم اللائق بالشهداء سرا، حسب اتفاقهم مع يوسيبيا، صنعوا سردابا بالقرب من قبرها وجعلوه بيت صلاة([8]) وكان هذا البيت مكشوفا للرؤية وصرحا مشيدا فوق الاساس، ومسوَّرا بطوب محروق، وبه درج سرى يُوصِّل إلى [مقبرة] الشهداء.
(9/2/2) وبعد فترة وجيزة، فقد سيزاريوس Cæsarius أحد رجال السلطة، وكان يحظى سابقا بشرف قنصل وحاكم، زوجته، فأمر بدفنها بالقرب من قبر يوسيبيا لأن السيدتين كانتا تربطهما علاقة صداقة قوية، ولهما نفس الفكر والموضوعات الدينية والعقائدية. ولذلك سعى سيزاريوس إلى شراء هذا المكان ليُدفَن هو أيضا بالقرب من زوجته. وكان الرهبان السابق ذكرهم يقيمون فى مكان ما دون أن يفشوا أى شىءٍ عن الشهداء.
(9/2/3) وبعد ذلك عندما تخرب المبنى وتناثرت القمامة من حوله على الأرض، وسُوّيت الارض كلها. وشيَّد سيزاريوس نفسه هناك هيكلا رائعا لله إكراما لسيرثوس  Thyrsusالشهيد. ويبدو من المحتمل أن الله قد شاء أن يختفى ذلك المكان المذكور سابقا لفترة طويلة من الزمن عن قصد لكى ما يكون اكتشاف [رفات] الشهداء حدثا أكثر بروزا وروعة، ودليلا على رضاء الله على المُكتشِف.
(9/2/4) وكان المكتشف فى الواقع هو بولخريا شقيقة الإمبراطور. فقد ظهر لها سيرثوس الرائع ثلاث مرات وكشَف لها عن أولئك المخفيين تحت الأرض، وأمرها بأنه يتعين إيداعهم بالقرب من قبره لكى ما يشتركوا فى نفس المكانة والشرف. وأيضا ظهر لها الاربعين شهيدا بأنفسهم، وهم يتدثرون بثياب رائعة.
(9/2/5) ولكن الواقعة بدت رائعة للغاية على نحو لا يُصدَّق ومستحيل معا. لأن كهنة ذلك الإقليم المتقدمين فى العمر، بعد الاستفسار الدقيق منهم مرارا، لم يكونوا قادرين على الاشارة إلى موضع الشهداء، ولا أىُ أحدٍ آخر فى الحقيقة. وأخيرا عندما صار كل شىء ميؤسا منه، تذكَّر بواسطة الله، قس ما يُدعى بوليخرونيوس Polychronius كان فيما سبق خادما فى بيت سيزاريوس، أن الموقع محل البحث كان مسكونا ذات مرة من رهبان. ولذلك ذهب إلى كهنة شيعة المقدونيين ليستفسر منهم عنهم. ولكن جميع الرهبان كانوا قد ماتوا فيما عدا واحد يبدو أن حياته قد حُفِظت من أجل الاشارة إلى الموقع الذى كانت رفات الشهداء القديسين مخفية فيه. فاستعلم منه بوليخرونيوس عن كثب عن الموضوع. وإذ وجد أن إجابته بسبب الاتفاق الذى تم مع يوسيبيا غير محددة إلى حد ما، أعلمه بالإعلان الإلهى وبإهتمام الامبراطورة وأيضا[بعواقب] فشل مساعيها. وعندئذ اعترف الراهب أن الله قد أعلن الحقيقة للإمبراطورة لأنه يتذكر بالضبط أنه عندما كان فتى بعد، وكان يتعلم الحياة الرهبانية على يد قادتها الطاعنين فى العمر، أن رفات الشهداء قد أودِعَت بالقرب من قبر يوسيبيا، ولكن بمرور الزمن حرمته التغيرات التى حدثت بهذا الموقع من تذكر ما إذا كانت الرفات مودعة أسفل الكنيسة أم فى بقعة أخرى.
(9/2/6) فأضاف بوليخرونيوس، ولكننى لم أعانى من وهن الذاكرة بعد لأننى أتذكر أننى كنتُ حاضرا عند دفن زوجة سيزر، وعلى قدر ما يمكننى أن أحكم من الموقع النسبى للطريق الرئيسى، استنتج أنها لابد وأنها قد دُفِنت اسفل الامبل ambo، وهو منصة الشمامسة. لذلك، أردف الراهب، إذن لابد أن يكون البحث بالقرب من مقبرة رفات زوجة سيزر وقبر يوسيبيا، لأن السيدتين عاشتا برباط ألفة وصداقة معا، واتفقتا معا على أن يُدفنا بجوار بعضهما بعضا.
(9/2/7) وعندما كان من الضرورى الحفر وفقا للمعلومات السالفة الذكر، وتعقب أثر الرفات المقدَّسة، أُعلِمَت الإمبراطورة بالحقائق، فأمرتهم ببدء العمل.
(9/2/8) وعند الحفر عند الإمبل أُكتُشِف تابوت زوجة سيزر وفقا لتخمين بوليخرونيوس. وعُثِر على مسافة قصيرة منها، على رصيف من الطوب المحروق، وعلى لوح من الرخام متساوى الابعاد اسفل هذا الطوب، وتحته مودع تابوت يوسيبيا. وبالقرب منها مُصَلَّى مُحاط بأناقة بالرخام القرمزى والأبيض. وكان غطاء القبر على شكل المائدة المُقدَّسة، عملا بآية سفر الرؤيا “وكانت نفوس الشهداء تحت المذبح”، وفى قمته حيث أُودِع الرفات، شُوهِدت فتحة صغيرة. وتصادف أن أحد رجال القصر كان واقفا هناك، وكان يُمسِك فى يده قصبة، فأدخلها فى الفتحة ثم سحبها وشمها، فاستنشق رائحة حلوة من نبات المر، مما ألهم العمال ثقة منعشة.
(9/2/9) وعندما فتحوا بفارغ صبر التابوت وجدوا رفات يوسيبيا. وبالقرب من رأسها وُجِد جزء بارز من القبر مكون على شكل صندوق بالضبط، ومخفى داخل غطائه الخاص، وكان الحديد الذى يحيط به من كل جانب قد ثُبِتت أطرافه بالرصاص. ومرة أخرى ظهرت فى الوسط نفس الفوهة، وكشفت بأكثر وضوح عن الرفات المخفية فيه فى الداخل([9]).
(9/2/10) وحالما تم إعلان الاكتشاف، ركضوا إلى كنيسة الشهيد واستدعوا الحدادين ليحلوا القضبان الحديد، وينزعوا الرصاص بسهولة. وعثروا على روائح عطرية عديدة أسفل، وبين العطور على ناوسيَن من الفضة بهما الرفات المقدسة. فشكرت الأميرة الله الذى حسبها أهلا لهذا الإعلان العظيم، وللحصول على اكتشاف الرفات المقدسة. وبعد أن كرَّمت الشهداء بناووس باهظ الثمن، وُضِعَت هذه الرفات المقدسة بإحتفال عام وبالتكريم اللائق وبموكب مرافق بالمزامير، إلى جانب المطوَّب ثيرسوس، وكنتُ أنا حاضرا. ويُمكن أن يشهد أيضا الآخرون الذين حضروا، بهذه الأمور التى وصفتها لأن معظمهم تقريبا مازالوا أحياء.
وقد حدثت الواقعة فى وقت لاحق لذلك بكثير عندما كان بروكلس([10]) يدير كنيسة القنسطنطينية.

الكتاب التاسع: الفصل الثالث

(فضائل بولخريا وشقيقاتها)

ويقال أن الله قد كشف للأميرة، فى كثير من الأحيان، عن حالات أخرى عديدة كانت عتيدة أن تحدث. وأن معظم ما جرى لها ولشقيقتَيها كان شهادة على الحب الإلهى. فكلهن قد سلكن ذات النمط من الحياة. وكلهن مواظبات على بيوت الصلاة والكهنة، وأسخياء على الغرباء والمحتاجين والفقراء. وكن يتناولن وجباتهن بصفة عامة معا، ويَسِرن معا، ويقضين نهارهن ومعظم لياليهن فى صحبة معا، مرنمين المزامير لله. وكما هو المعتاد للسيدات المثاليات، كن يُشغلِن أنفسهن بالنسج والأعمال المماثلة. وعلى الرغم من أنهن أميرات وُلِدن وتربين فى قصُور، إلاَّ أنهن تجنبن الهزل والكسل اللذين اعتبروه أمرا لا يليق بالعذارى. لذا أبعدن الكسل عن حياتهن الخاصة. ولهذا السبب تجلت رحمة الله وسادت على بيتهن. ونمى الإمبراطور فى السن وفى الحُكم. وفشلت كل مؤامرة أو حرب ضده من تلقاء ذاتها.

الكتاب التاسع: الفصل الرابع

(الهدنة مع فارس. هونوريوس واستيلكو. اعمال روما ودالماتيا)

(9/4/1) على الرغم من أن الفارسيين كانوا قد أعدوا جيوشا، إلاَّ انهم انتهوا إلى إبرام هدنة مع الرومان لمدة مائة عام.
(9/4/2) وأشتبه فى استيلكو Stilicho([11]) قائد قوات هونوريوس فى أنه يتآمر لإعلان ابنه يوخاريوس  Eucherius امبراطورا للشرق، ولذا قُتِل بالتالى من الجنود فى رافينا([12])Ravenna. وقد كانت له مشاعر مريرة من العداء، عندما كان اركاديوس مازال حيا، ضد ضباطه. وسبَّب بذلك الاصطدام بين الإمبراطوريتين. وهو الذى تسبب فى شغل آلاريك زعيم القوط منصب القائد العام [للقوات] الرومانية، وأشار عليه بالإستيلاء على ايلليريا. وهو الذى أرسل جوفيانوس الحاكم المُعيَّن مُقدَّما، واتفق معه على الانضمام إليه مع القوات الرومانية، وأن يُخضِع رعاياها لحكم هونوريوس.
(9/4/3) وغادر آلاريك الاقاليم البربرية عابرا حدود دالماتيا Dalmatia وبانونيا Pannonia حيث كان يقيم سابقا، وزحف على رأس جيشه إلى ايبيروس Epirus. وبعد أن ظل هناك لبعض الوقت فى ذلك البلد انسحب إلى ايطاليا، دون أن يُكمِل أى شىء لأنه كان على وشك الرحيل طبقا للإتفاق، لكنه مُنِع برسائل من هونوريوس.
(9/4/4) وبعد موت اركاديوس شرع هونوريوس للسفر إلى القنسطنطينية ليُعيِّن، بالنيابة عن ابن أخيه ضباط أوفياء لسلامته وللإمبراطورية، إذ كان يعتبر ابن اخيه فى مكانة ابنه، وكان يخشى أن يُعانى الفتى بسبب شبابه من مؤامرات تُحاك ضده.
(9/4/5) ولكن فى ذات الوقت الذى شرع فيه هونوريوس للإنطلاق فى سفره، أثناه استيلكو عن عزمه مبرهنا له على أن وجوده فى ايطاليا، أمر مطلوب لدحر مخططات قنسطنطين الذى يسعى إلى امتلاك السلطة السيادية فى آرلس Arles. وأخذ استيلكو عندئذ أحد الصولجانات التى يسميها الرومان([13]) لاباروم Labarum، وحصل على بعض الرسائل من الإمبراطور وغادر بها صوب الشرق على رأس أربعة فيالق لإعلان الحرب.
(9/4/6) ولكن خبرا قد انتشر بأنه قد تآمر ضد الإمبراطور وأنه قد خطط بالاتفاق مع بعض ذوى السلطة، لإقامة إبنه على العرش. فأعلنت القوات العصيان، وقتلوا الحاكِم العام لإيطاليا والغال، والقواد العسكريين، ورئيس ضباط البلاط. وقُتِل ستيلكو نفسه على يد جنود رافينا. وكان قد بلغ سلطة مطلقة، وكان كل الرجال، إن أمكن القول، سواء أكانوا رومان أم برابرة تحت أمره. وهكذا هلك استيلكو، نتيجة للإشتباه بتآمره ضد الآباطرة. وقُتِل ابنه يوخاريوس أيضا.

الكتاب التاسع: الفصل الخامس

(أمم مختلفة تحمل السلاح ضد الرومان: بعضهم هُزِم بالعناية الإلهية، وبعضهم خضعوا بشروط)

(9/5/1) وحدث فى نفس الفترة تقريبا، أن تراجع الهون الذين كانوا يقيمون فى تراقيا على نحو مخزى واطلقوا العنان للعديدين من رجالهم، على الرغم من أنهم لم يُهاجَموا ولم يُطارَدوا من أحدٍ، وعبر ألدس  Uldisزعيم القبائل البربرية التى تقيم بالقرب من نهر إستر، على رأس جيش كبير وعسكروا على حدود تراقيا. واستولى بالخيانة على مدينة فى موسيا تدعى كاسترا مارتيس Castra Martis، ومن هناك أغار على باقى تراقيا، ورفض بكل وقاحة الموافقة على شروط التحالف مع الرومان. فلقد وَضع حاكم الجنود التراقية بنود سلام له، لكنه أجاب  بالاشارة إلى الشمس وأعلن أنه من السهل له إن أراد هو أن يفعل ذلك، أن يُخضِع كل الاراضى التى تستنير بهذا الجرم السماوى.
(9/5/2) ولكن بينما كان ألدس ينطق بهذه التهديدات وكان يأمر قبيلة كبيرة كهذه بما يشاء، وأنه بناء على رغبته هو يكون السلام مع الرومان أو أن تستمر الحرب، وعندما كانت الأمور ميؤوسا منها، أعطى الله البراهين الواضحة لرضائه الخاص نحو الحُكم الحاضر. لأنه بعد ذلك بوقت قصير، حدث أن تناقش قادة القبائل وكبارها التابعين لألدس [بشأن] نظام الحُكم الرومانى والمحبة الإنسانية للإمبراطور وأريحيته وسماحته فى مكافأة أفضل الرجال وأجودهم. ولم يكن بدون الله أن تحولوا إلى حب هذه النقاط التى نوقشت وانحازوا للرومان، وانضموا لمعسكرهم هم وقواتهم التى تحت إمرتهم. وعندما وجد آلدس نفسه قد هُجِر هكذا، هرب بصعوبة إلى الضفة الأخرى من النهر. وقُتِل كثيرون من جنوده، ومن بين الآخرين كل القبيلة التى تُدعَى سِكرى Sciri ، وكانت هذه القبيلة قوية جدا من جهة العدد قبل الوقوع فى هذه المصيبة، فقُتِل بعضها، واُسِر آخرون وأُقتِيدوا فى سلاسل إلى القنسطنطينية.
(9/5/3) وقد رأى القادة أنه إذا بقوا معا فمن الممكن أن يقوموا بثورة. لذلك بيع بعضهم بثمن بخس، بينما اُعطِى الآخرون كعبيد للحاضرين، شريطة ألاَّ يسمحون برجوعهم إلى القنسطنطينية بتاتا، أو إلى اوربا ولكن يتم فصلهم بالبحر عن الأماكن التى يألفونها، وبقى مِن هذا العدد بعضٌ لم يُبَع فأُمِروا بالبقاء فى أماكن مختلفة. وقد رأيتُ العديد فى بيثينية، بالقرب من جبل اوليمبوس Olympus يعيشون بمعزل عن بعضهم البعض ويزرعون تلال ووديان ذلك الاقليم.

الكتاب التاسع: الفصل السادس

( آلاريك القوطى. الغارة على روما وحصارها حربيا)

(9/6/1) وهكذا كانت الإمبراطورية الشرقية محفوظة من شرور الحروب، وخاضعة لنظام عالى على خلاف التوقعات رغم أن حاكمها كان لا يزال شابا.
ولكن الإمبراطورية الغربية سقطت فريسة للإضطرابات، وذلك لأن عديدا من الطغاة قد ظهروا بها بعد وفاة استيلكو. فآلاريك زعيم القوط قد أرسل إلى هونوريوس لعقد معاهدة سلام، ولكن دون جدوى. لذا زحف على روما وفرض عليها حصارا ونشر جيشا كبيرا من البربر على ضفاف نهر التيبر. ودام الحصار لبعض الوقت ومنع سائر المؤون الواردة من بورتوس Portus إلى روما. وساد الخوف من المجاعة والأوبئة على المدينة. وهجر الكثيرون من العبيد الذين من اصل بربرى المدينة متوجهين إلى آلاريك. ولجأ أعضاء مجلس الشيوخ الذين كانوا ما يزالون يؤمنون بالخرافات الوثنية إلى تقديم الأضاحى فى مبنى الكابيتول والمعابد الأخرى. وزعم بعض العرافين الذين جمعهم حاكم المدينة أنهم سيطردون البربر عن المدينة بالرعد والبرق. وتباهوا أنهم قد فعلوا شيئا مماثلا لذلك فى مدينة توسكانى Tuscany بلارنيا، التى مرَّ عليها آلاريك إلى روما ولم يأخذها. ومع ذلك أثبت الحدث أنه لا توجد ميزة للمدينة يمكن أن تستمد من هؤلاء الاشخاص.
(9/6/2) أما جميع الاشخاص ذوى الحس السليم فقد ادركوا أن المصائب التى جلبها هذا الحصار على الرومان هى مؤشرات على الغضب الإلهى قد أرسلها للتقريع على الرفاهية والفجور وظلمهم لبعضهم البعض وكذلك نحو الغرباء. ويقال أن آلاريك عندما كان زاحفا صوب روما قابله راهب صالح من ايطاليا وطلب منه أن يتجنب المدينة حتى لا يكون سببا فى مصائب كثيرة. فرد عليه آلاريك مؤكدا أنه لم يفكر أبدا فى فرض الحصار، ولكن هناك تأثيرا لا يُقاوَم يجبره ويأمره بالذهاب ضد روما. وهذا ما فعله فى نهاية المطاف.
(9/6/3) وبينما كان يحاصر المدينة قدَّم السكان العديد من الهدايا له. وبعد بعض الوقت رفع الحصار عندما وافق الرومان على اقناع الإمبراطور أن يدخل معه فى معاهدة سلام.

الكتاب التاسع: الفصل السابع

(سفارة اينسنت اسقف روما إلى آلاريك. جوفياس حاكم ايطاليا. السفارة إلى الإمبراطور. الاحداث بشأن آلاريك)

(9/7/1) وعلى الرغم من إيفاد سفارة لعقد معاهدة سلام، إلاَّ أن أعداء آلاريك فى البلاط سعوا بمثابرة ضد الوصول إلى أية معاهدة معه. ولكن بعد ذلك، عندما أُرسِلت سفارة إليه من اينسنت اسقف روما، وأُستُدعِى آلاريك بخطاب من الإمبراطور، توجه إلى مدينة ارمينَم التى على مسافة مائتين وعشرة استاديات من رافينا. وعسكر خارج أسوار المدينة، وعقد معه جوفياس حاكم ايطاليا مؤتمرا، ونقل مطالبه إلى الإمبراطور وكان إحداها أن يُعيَّن بمرسوم فى القيادة العامة لسلاح الفُرسان والمشاة. فأعطى الإمبراطور لجوفياس الصلاحية التامة لمنح آلاريك ما يُريد من المال والمؤون حسبما يرغب، ولكنه رفض أن يهبه هذه الرتبة. وانتظر جوفياس فى معسكر آلاريك رسل القصر بنفاد صبر، وأمر بقراءة قرار الإمبراطور فى حضور البرابرة. وعندما وجد آلاريك أن الرتبة قد رُفضَت غضب من النتيحة. وأمر بنفخ الأبواق والزحف على روما.
 
 
(9/7/2) وتخوف جوفياس من اشتباه الإمبراطور فى انحيازه لآلاريك فارتكب فعلا أكثر حماقة إذ أقسَم بسلامة الإمبراطور، وأجبر الضباط الرئيسيين بأن يحلفوا أن لا يخضعوا أبدا للموافقة على معاهدة سلام مع آلاريك.
(9/7/3) ومع ذلك، غيَّر رئيس البربر رأيه بعد فترة وجيزة وأرسل كلمة أنه لن يرغب فى أى منصب، ولكنه على استعداد للتحالف مع الرومان مقابل كمية من الحبوب وبعض الأراضى الثانوية التى يمكنهم الإقامة فيها.

الكتاب التاسع: الفصل الثامن

(عصيان اتالوس، وكيف طلب العفو عند اقدام هونوريوس)

(9/8/1) وبعد أن أرسل آلاريك بعض الاساقفة كسفراء فى مناسبتين مختلفتين لتناول هذه المسألة ولكن بدون جدوى، عاد إلى روما وحاصر المدينة، واستولى على الجزء الأكبر من بورتوس، وأجبر الرومان على الاعتراف بأتالوس  Attalusحاكم المدينة، ملكا لهم.
(9/8/2) وعندما قام الرومان بالترشيح للوظائف الأخرى، عُيِّن آلاريك قائدا عاما لسلاح الفُرسان والمشاة، ورُقِىَّ أتولفوس شقيق زوجته إلى قائد للقوة التى تسمَّى الفُرسان المحلية.
(9/8/3) وجمع اتالوس مجلس السينات([14]) وخطابهم بخطاب طويل ومعقد جدا، وعد فيه باسترداد العادات القديمة لمجلس السينات، وأيضا بإخضاع مصر والمقاطعات الشرقية لسيادة ايطاليا. وهكذا، كان تباهى الرجل الذى لم يكن مُقدَّرا لتحمل لقب السيادة إلاَّ لسنة واحدة. فقد انخدع بتصُورات بعض العرافين الذين أكدوا له أنه سيكون قادرا على قهر افريقيا بلا قتال، فعصى آلاريك الذى حثه على إرسال قوة معتدلة الى قرطاج لقتل ضباط هونوريوس، في حالة محاولتهم [القيام] بأى مقاومة. ورفض أيضا اتباع مشورة يوحنا، المتعهد بالمركبة الملكية لشخصه، والذى نصحه بالثقة فى كونستانس، بشأن رحيله المقترح إلى ليبيا بالوثيقة التي يسمونها مرسوم، كما لو كانت من هونوريوس، والتى بها يتم تجريد هيراكليون من منصبه، وأنه قد عهد إليه  قيادة الجنود في أفريقيا.
(9/8/4) ولو كانت هذه الحيلة قد تمت، لكان من المحتمل أن أثبتت نجاحها، لأن مقاصد أتالوس لم تكن معروفة في ليبيا. ولكن بمجرد أن أبحر كونستانس إلى قرطاج، وفقا لنصيحة العرافين، حتى صار أتالوس ضعيف الفكر جدا لدرجة أنه لم يشك فى أن الأفارقة سيكونون من رعاياه، وفقا لتكهن العرافين، فسار على رأس جيشه نحو رافينا.
(9/8/5) وعندما أُعلِن أن أتالوس قد وصل ارمينَم بجيش يتألف جزئيا من قوات رومانية وجزئيا من قوات بربرية، كتب له هونوريوس معترفا به كإمبراطور، وأوفد إليه أعلى الضباط فى بلاطه لبعرضوا عليه المشاركة فى الامبراطورية.
(9/8/6) ومع ذلك، رفض أتالوس تقاسم السلطة مع آخر، وأرسل كلمة إلى هونوريوس بأن عليه أن يختار جزيرة أو أي بقعة من الأرض يشاء لإقامته الخاصة، وأنه سيسمح له بكل خدمة إمبراطورية.
(9/8/7) وصارت أمور هونوريوس فى حالة حرجة، لدرجة أن السفن صارت على أهبة الإستعداد لنقله إذا اقتضت الضرورة، إلى إبن أخيه. وعندما وصل جيش من أربعة آلاف رجل من الغرب بشكل غير متوقع أثناء الليل إلى رافينا، أمر هونوريوس بتعزيز حراسة أسوار المدينة لأنه شك فى ميل القوات المحلية إلى الخيانة.
(9/8/8) في هذه الأثناء، قتل هيراكليون كونستانس، ونشر القوات على طول موانى وسواحل أفريقيا لعرقلة السفن التجارية من التوجه إلى روما. وعندما سادت المجاعة، نتيجة لذلك، على الرومان، أرسلوا وفدا إلى أتالوس بشأن هذا الموضوع. وإذ صار في حيرة  بشأن ما يُتَخَذ من تدابير، عاد إلى روما للتشاور مع مجلس السينات. وكان الجوع شديدا بحيث كانت تُستخدَم الكستناء من قِبل الشعب لتحل محل الحبوب، وأُشتُبِه فى بعض الأشخاص بأنهم يتعاطون لحما بشريا.
 
(9/8/9) وأشار ألاريك بارسال خمسمائة من البرابرة إلى أفريقيا ضد هيراكليون، ولكن اعترض أعضاء مجلس السينات وأتالوس بأن أفريقيا لا يجب أن يُعهَد بها إلى البربر.
(9/8/10) وصار واضحا للآريك أن الله غير راضٍ على سيادة أتالوس، وإذ وجد أنه من غير المجدي عمل أمر يجاوز سلطته، وبعدما تلقي بعض التعهدات، اتفق مع هونوريوس على تجريد أتالوس من السيادة. وتم تجميع كل الأطراف المعنية معا خارج أسوار المدينة، وألقى أتالوس جانبا بشارات السلطة الإمبراطورية، كما ألقى ضباطه جانبا الشارات الخاصة بهم، ومنح هونوريوس عفوا عن كل هذه الحوادث، وأن يحمل كل أحدٍ الشرف ويشغل ذات الوظيفة التى كان يشغلها سابقا. ولجأ أتالوس مع ابنه إلى آلاريك، لأنه إعتقد أن حياته لن تكون في أمان بعد إذا استمر في السكن بين الرومان.

الكتاب التاسع: الفصل التاسع

(قلاقل بين اليونانيين والمسيحيين بشأن اتالوس، استيلاء آلاريك بالخديعة على روما، المحافظة على كنيسة مار بطرس)

(9/9/1) كان اخفاق اتالوس فى تحقيق مخططاته سببا فى الاستياء الشديد للوثنيين والهراطقة الاريوسيين. فقد استدل الوثنيون من تعليم اتالوس فى وقت مبكر ومن ميوله المعروفة عنه أنه سيُحافِظ على معتقداتهم ومعابدهم واحتفالاتهم ومذابحهم القديمة. وتخيل الاريوسيون أنه بمجرد أن يرسخ أركان حكمه سيُعِيد لهم سيادتهم القديمة على الكنائس، تلك السيادة التى كانوا يتمتعون بها أيام قنستانتيوس وفالنس. لأنه كان قد نال المعمودية على يد سيجاساريوس اسقف القوط الذى كان محل رضا عظيم لآلاريك والحزب الاريوسى.
(9/9/2) وبعد فترة وجيزة، تمركز آلاريك بين جبال الالب على مسافة حوالى ستين استاديا من رافينا، وعقد مؤتمرا مع الإمبراطور بشأن ابرام السلام. وكان ساروس، وهو بربرى بالمولد، وعلى درجة عالية من التمرس على فن الحرب، ومعه ثلاثمائة رجل فقط ولكنهم أكثر كفاءة وأحسن تصرفا، محل اشتباه من آلاريك بسبب عداوتهما السابقة، فظن أن المعاهدة بين الرومان والقوط ستكون بلا ميزة له. فتقدم فجأة بقواته الخاصة وقتل بعضا من البربر. وبدافع الغضب والرعب من هذا الحدث، تراجع آلاريك عن خطواته وعاد إلى روما واستولى عليها بخيانة، وسمح لأتباعه بالاستيلاء على أكبر قدر ممكن من ثروة الرومان، وأن ينهبوا جميع البيوت ولكن من باب الاحترام لبطرس الرسول، أمر أن تكون الكنيسة الكبيرة والفسيحة جدا المُشيَّدة حول قبره، ملجأ. وكان هذا هو السبب الوحيد الذى حال دون الهدم الكامل لروما، وحفظ أولئك الناجين، وكانوا كثيرين، والذين أعادوا بناء المدينة.

الكتاب التاسع: الفصل العاشر

(سيدة رومانية تظهر عمل وداعة)

(9/10/1) من الواضح أن الاستيلاء على مدينة كبيرة بمثل هذا القدر مثل روما، لابد وأن يصحبه العديد من الظروف الجديرة بالملاحظة. ولذلك سأروى هنا مِثل تلك الأحداث التى تستحق أن يكون لها مكانا فى التاريخ الكنسى. وسأحصى الأعمال التقوية التى جرت من البرابرة، وأسجل عملا شجاعا لسيدة رومانية للحفاظ على عفتها.
(9/10/2) فلقد كان البربرى والسيدة كلاهما مسيحييَن، ولكن ليسا من نفس الهرطقة، فقد كان البربرى اريوسيا والسيدة غيورة وتابعة لعقائد نيقية. فقد رأى شابا من جنود آلاريك هذه السيدة الجميلة، وغُلِب بحبها، وحاول جرها للجماع معها، ولكنها تراجعت للخلف وجاهدت حتى لا تعانى من الدنس، فإستل سيفه وهددها بالذبح، ولكنه كان مُقيَّدا بهوى العاطفة نحوها، وألحق بها جرحا طفيفا فى رقبتها فتدفق الدم منه بغزارة، فقدَّمت رقبتها للسيف لأنها فضلَّت الموت بعفتها عن البقاء على قيد الحياة بعد أن ارتبطت شرعيا برباط الزيجة الشرعية. وعندما كرر البربرى طلبه وألحقه بتهديدات أكثر خوفا ولم يحقق شيئا أكثر، ذُهِل من عفتها فأخذها إلى كنيسة بطرس الرسول وأعطى للجنود الذين كانوا يحرسون الكنيسة، ست قطع من الذهب كمدَد لها وأمر بالحفاظ عليها لزوجها.

الكتاب التاسع: الفصل الحادى عشر

(الطغاة الذين كانوا فى الغرب وقت العصيان على هونوريوس. هلاكهم جميعا بسبب محبة الله للإمبراطور)

(9/11/1) وخلال هذه الفترة عصى طغاة كثيرون ضد هونوريوس فى الحكومة الغربية. وقام الواحد ضد الآخر، بينما تم القبض على آخرين بطريقة رائعة. وبذلك اتضح أن محبة الله لهونوريوس لم تكن عامة. وكان الجنود الذين فى بريطانيا أول مَن يعلنون العصيان([15])، واعلنوا مارك طاغية لهم. ومع ذلك، ذبحوه بعد ذلك وأعلنوا جراتيان. وبعد ذلك، بأربعة شهور قتلوا جراتيان، وانتخبوا قنسطنطين بدلا منه متصُورين أنه بسبب اسمه سيكون قادرا على إخضاع الإمبراطورية تحت سلطانه لا لسبب آخر سوى هذا. وأُختِير عددٌ آخر من الطغاة بنفس الإسم. فعبَر قنسطنطين من بريطانيا إلى بونونيا Bononia، [وهى] مدينة بحرية بالغال، وبعد أن حث جميع القوات فى بلاد الغال وأكويتينيا Aquitania على تبنى قضيته، أخضع سكان المناطق المجاورة للجبال التى تفصل ايطاليا عن الغال، والتى دعاها الرومان ألب كوتيان Cottian Alps.
(9/11/2) ثم أرسل عندئذ أبنه الأكبر قنسطانس الذى كان قد عيَّنه قيصرا، والذى أعلنه بعد ذلك امبراطورا على اسبانيا. وبعد أن أقام قنسطانس نفسه سيدا لهذه المقاطعة، وعيَّن عليها حكامه الخاصين، أمر بتقييد ديديموس وفيرنيان، أقارب هونوريوس بالسلاسل واحضارهما إليه. وكان ديديموس وفيرنيان فى البداية على خلاف بين بعضهما البعض، ولكنهما تصالحا فيما بينهما عندما وجدا نفسيهما إزاء خطر مشترك. فجمعا قواتهما وسلَّحا الفلاحين والعبيد وهاجموا معا ليستانيا Lusitania، وقتلوا كثيرين من الجنود الذين أرسلهم الطاغية لأسرهما.

الكتاب التاسع: الفصل الثانى عشر

(ثيودولوس ولاجوديوس. أجناس الفاندال والسوفى. موت آلاريك. هرب قنسطنطين وقنسطانس الطاغيتين)

(9/12/1) وبعد ذلك بوقت قصير، تقوت قوات قنسطانس بواسطة تعزيزات، وتم أسر ديديموس وفيرنيان وزوجاتيهما، وقُتِلوا فى النهاية. وهرب أخواهما ثيودولوس ولاجوديوس اللذان كانا يعيشان فى مقاطعات أخرى من البلاد. فالأول هرب إلى ايطاليا والثانى إلى الشرق إلى ثيودسيوس. وبعد هذه الاجراءات عاد قنسطانس إلى أبيه بعد أن عيَّن حراسة من جنوده على الطريق المؤدى إلى اسبانيا، لأنه لم يسمح للأسبان أن يكونوا حراسا وفقا للعادة القديمة، وهى ميزة كانوا قد طلبوها. هذا الاحتياط ربما كان السبب فى خراب البلد بعد ذلك، لأنه عندما جُرِّد قنسطنطين من قوته، وثقت الاجناس البربرية: الفاندال والسوفى Suevi والآلانى فى أنفسهم وغزوا الطريق واستولوا على حصون ومدن كثيرة وقبضوا على ضباط الطاغية.
(9/12/2) وفى هذه الأثناء أعلن قنسطنطين الذى كان لا يزال يظن أن الأمور ستمضى حسب قصده، ابنه امبراطورا بدلا من قيصر، وصمم على الاستيلاء على ايطاليا. ومن أجل هذا عبر ألب كوتيان، ودخل مدينة ليفرونا  Liveronaفى ليجوريا Liguria. وكان على وشك عبور بو Po عندما بلغه خبر موت آلافيكوس  Alavicusفإضطر إلى التوقف عن زحفه. إذ كان آلافيكوس قائد قوات هونوريوس، وكان محل شبهة بالتآمر بجعل الحكومة الغربية بأسرها تحت سيطرة قنسطنطين.
(9/12/3) هذا قد قُتِل عند عودته من الموكب الذى كانت مهمته حسب العُرف أن يسير فى مقدمة الإمبراطور. وبعد هذه الحادثة، ترجل الإمبراطور عن جواده فى الحال وشكر الله علنا الذى أنقذه من أحد المتآمرين علانية عليه. وهرب قنسطنطين إلى ارلس، وأسرع قنسطانس ابنه إلى اسبانيا ولجأ إلى نفس المدينة.
(9/12/4) وعندما انحدرت قوة قنسطنطين أخذ الفاندال والسوفى والآلانى برنيس Pyrenees عندما سمعوا أنها منطقة مزدهرة وأكثر وفرة. ولما كان أولئك الذين قد عهد إليهم كونستانس بحراسة الطريق قد أهملوا واجبهم، فقد مرَّ الغزاة بذلك عبره إلى اسبانيا.

الكتاب التاسع: الفصل الثالث عشر

(بشأن جرونتيوس ومكسيموس، وقوات هونوريوس. أسر جرونتيوس وزوجته وموتهما)

(9/13/1) وفى نفس الوقت صار جرونتيوس الذى كان أكثر جنرالات قنسطنطين كفاءة عدوا له. وإذ اعتقد أن مكسيموس صديقه الحميم كان مؤهلا جيدا لأن يكون طاغية، ألبسه الرداء الامبراطورى وسمح له بالإقامة فى تاركوانا Tarracona. ثم زحف جرونتيوس ضد قنسطنطين واهتم بإماتة ابنه قنسطانس فى فيينا. وبمجرد أن علِم قنسطنطين بهذا الاغتصاب أرسل أحد قواده ويُدعَى اديفيكوس إلى ما وراء الراين لحشد جيش من الفرنك والألمان. وأرسل ابنه قنسطانس لحراسة فيينا والمدن المجاورة. وزحف جرونتيوس نحو آرلس وحاصرها، ولكن عندما جاء فى الحال جيش هونوريوس للتصدى للطاغية تحت قيادة قنستانتيوس والد فالنتنيانوس، الذى صار فيما بعد امبراطور روما، انسحب جرونتيوس بإندفاع مع عدد قليل من الجنود، لأن العدد الكبير من جنوده قد هجره إلى جيش قنستانتيوس.
(9/13/2) واحتقر الجنود الاسبان جرونتيوس للغاية بسبب تقهقره وفكروا فى قتله. ولذلك تجمعوا ليلا فى صفوف متلاصقة وهاجموا منزله. ولكنه صعد إلى أعلى المنزل مع صديقه آلانوس وعدد قليل من الموظفين، والخدم، ورشقوهم بالسهام وسقط من العسكر ما لا يقل عن ثلاثمائة. وعندما نفد مخزون السهام هرب الموظفون سرا بالقفز من المبنى. أما جرونتيوس فعلى الرغم من أنه كان يمكنه النجاة بهذه الطريقة لم يشأ أن يفعل ذلك لأنه كان مُتيَّما بحب زوجته نونيخيا. وعند مطلع الفجر أشعل الجنود النار فى المنزل، وعندما رأى أنه لم يعد هناك أمل فى النجاة، قطع رأس صاحبه آلانوس امتثالا لرغبته. وبعد ذلك كانت زوجته تنوح باكية وغرست بالسيف نفسها ملتمسة أن تموت بين يدى زوجها قبل أن تخضع لآخرين، وكانت تتوسل منه هذه الهبة الأخيرة. وقد أظهرت هذه المرأة بشجاعتها أنها كانت جديرة بدينها لأنها كانت مسيحية، وتوفيت هكذا برحمة، وسلَّمت للأجيال سجلا لا ينمحى عن نفسها. وعندئذ طعن جرونتيوس نفسه بسيفه ثلاث مرات ولكنه إذ أدرك أنه لم يُصَب بجرج مميت استل خنجرا له من جواره وغرزه فى قلبه.

الكتاب التاسع: الفصل الرابع عشر

(قنسطنطين. جيش هونوريوس وجنراله اودفيكوس. هزيمة اودفيكوس من اولفيلاس جنرال قنسطنطين. موت إدوفيكوس)

(9/14/1) وعلى الرغم من أن مدينة أرلس Arles قد حوصرت تقريبا بشكل وثيق من جيش هونوريوس، إلا أن قنسطنطين كان مازال يقاوم الحصار، لأن ادوفيكوس Edovicus كان فى متناول يد حلفاء كثيرين. وهذا أخاف قواد هونوريوس بدرجة كبيرة، فعقدوا العزم على العودة إلى ايطاليا ومباشرة الحرب من هناك. وعندما اتفقوا على ذلك أخطروا ادوفيكوس إذ كان فى المناطق المجاورة، وعبروا بسرعة نهر الرون Rhone. وكان قنستانتيوس قد أمر المشاة بأن ينتظروا فى هدوء اقتراب العدو، بينما ظل اولفيلاس الجنرال الشريك مع قنستانتيوس كامنا بفرسانه على مسافة ليست ببعيدة. وجاوز الأعداء جيش أولفيلاس، وكانوا على وشك الإلتحام مع قوات قنستانتيوس. عندئذ أُعطِيَت الإشارة لأولفيلاس فظهر فجأة وأغار على العدو من المؤخرة، ففروا فى الحال. ونجا البعض، وقُتِل البعض، وألقى الآخرون بسلاحهم طالبين العفو فنجوا.
(9/14/2) وامتطى ادوفيكوس جواده وهرب إلى أراضى اسيديكيوس أحد ملاك الأراضى، كان قد قدَّم له سابقا بعض الخدمات الهامة، والذى كان يتصُور أن يكون صديقه. ومع ذلك، قطع اسيديكوس رأسه وأرسلها إلى قواد قنستانتيوس على أمل أن يتلقى مكافأة وشرفا ما. وعندما تلقى قنستانتيوس الرأس أعلن أن الشكر العام يُوجَّه إلى اولفيلاس. ولكن عندما كان اسيديكوس حريصا على مرافقته أمره بالإنصراف لأنه لم ير فى رفقة شخص خبيث صلاحا لنفسه أو لجيشه. وصار الرجل الذى لم يتورع عن قتل صديق وضيف بغير شرف فى حالة مخزية، فإنصرف، كما يقول المثل، خالى الوفاض.

الكتاب التاسع: الفصل الخامس عشر

(قنسطنطين يُلقِى بشعار الإمبراطورية، ويُمسَح ككاهن. موته. موت الطغاة الآخرين الذين قاموا ضد هونوريوس)

(9/15/1) وبعد هذا الانتصار عادت قوات هونوريوس إلى فرض الحصار مرة أخرى على المدينة. وعندما سمع قنسطنطين عن وفاة ادوفيكوس، خلع ثوبه الارجوانى وطرح عنه حِلية الإمبراطورية، وتوجه إلى الكنيسة وطلب تعيينه قسا. وعندما تلقى الذين داخل الاسوار قسَما منه أولا، فتحوا له الأبواب ونجوا بحياتهم. ومنذ تلك الفترة عادت المقاطعة كلها إلى الولاء لهونوريوس. وصاروا منذ ذلك الحين طائعين للحُكام الذين عيَّنهم. وأُرسِل قنسطنطين وابنه إلى ايطاليا، ولكنه قُتِل هناك فى كمين([16]).
(9/15/2) وبعد ذلك بزمن وجيز، قُتِل أيضا بشكل غير متوقع جوفيانوس ومكسيموس السابق ذكرهما عاليه. والعديدون من الطغاة الذين قاموا ضد هونوريوس.

الكتاب التاسع: الفصل السادس عشر

(هونوريوس الحاكم مُحب الله. وفاته. فالنتنيانوس وهونوريا ابنته. السلام فى العالم)

(9/16/1) ليس هنا المكان المناسب للدخول فى التفاصيل بشأن مقتل الطغاة، ولكننى أعتبر أنه من الضرورى الاشارة إلى الظروف، من أجل إظهار ضمان استقرار السلطة الامبراطورية. فإنه يكفى للإمبراطور أنه قد عبد الله بخشوع، الأمر الذى كان يسعى إليه دائما. وكانت جالا بلاسديا Galla Placidia أخته مولودة معه من أبِ واحد، تقيم عنده وتتميز أيضا بحماس حقيقى فى الحفاظ على الديانة والكنائس. فبعد أن قضى قنستانتيوس الذى كان قائدا شجاعا ومقتدرا على قنسطنطين الطاغية كافأه الإمبراطور بالزواج من أخته، وأنعَم عليه أيضا بالأرجوان وفرو القاقم([17]) ermine وسمح له بالمشاركة فى الحكم. ولكن قنستانتيوس لم يعش طويلا، إذ توفى بعد ذلك، وترك طفلان فالنتنيانوس الذى خلف هونوريوس، وهونوريا Honoria.
(9/16/2) وفى نفس الوقت كانت الإمبراطورية الشرقية خالية من الحروب وكانت سائر أمورها، على عكس كل الآراء، تجرى بنظام عظيم، لأن الحُكام كانوا مازالوا شبابا.
(9/16/3) ويبدو كما لو كان الله قد أظهر رضائه على الإمبراطور الحالى ليس فقط عن طريق التخلص من الشؤون الحربية على نحو غير متوقع، ولكن أيضا عن طريق الكشف عن الاجساد المقدسة للعديدين من الاشخاص المتميزين جدا لتقواهم.
ومن بين الرفات الأخرى، الكشف عن رفات زكريا النبى القديم جدا، واستفانوس الذى رسمه الرسل شماسا. ويبدو أن وصف طريقة الكشف عنهما مُلقَى على عاتقى، إذ أن كشف كل منهما كان عملا إلهيا وإعجازيا.

الكتاب التاسع: الفصل السابع عشر

(اكتشاف رفات زكريا النبى، واستفانوس أول الشهداء)

(9/17/1) سأتكلم أولا عن اكتشاف رفات النبى.
كانت “كَفر زكريا” قرية بمقاطعة اليوثروبولس Eleutheropolis، مدينة بفلسطين. وكانت أرض
هذه البلدة تُزرَع بواسطة قِن([18]) يُدعَى كالميروسCalemerus ، وكان جيد السلوك للمالِك ولكنه كان ساخطا وغير عادل مع الفلاحين المجاورين. وعلى الرغم من هذه النقائص ظهر له النبى فى حلم وأشار له إلى حديقة معينة وقال له اذهب واحفر فى تلك الحديقة على مسافة ذراعين من حافتها عند الطريق المؤدى إلى مدينة بثيربيس Bitheribis، وستجد هناك ناوُسيَن، الداخلى من الخشب والخارجى من الرصاص. وإلى جانب الناووسين ستجد إناءً من الزجاج مملوء بالماء، وثعبانان متوسطى الحجم ولكن مروّضان وغير مؤذيَين بتاتا، يبدوان جاهزيَن للتعامل. فاتبع كالميروس توجيهات النبى بالنسبة للمكان المعيَّن وقام بالمهمة بحماس. وعندما كشف عن الوديعة المقدسة بواسطة العلامات السابق ذكرها، ظهر له نبى الله متدثرا فى رداء أبيض، مما يجعلنى أظن أنه كان كاهنا.
(9/17/2) وكان خارج التابوت عند قدميه، يرقد طفل بكرامة مَلكية لأنه كان على رأسه تاج ذهبى وقدماه منتعلتان بصندل ذهبى، وملفوفا فى رداء غالى الثمن. وتحيَّر الحكماء وكهنة هذا الزمان بشدة عمن يكون هذا الطفل، ومن أين يكون، وما سبب تدثره بهذه الملابس.
(9/17/3) ويُقال أن زكريا مُدبِّر الجماعة الرهبانية فى جيرارى([19])  Gerariقد وجد وثيقة مكتوبة باللغة العبرية القديمة لم ترِد ضمن الكُتب المقدسة القانونية، جاء فيها أن زكريا النبى قد مات على يد يوآش ملك يهوذا. وسرعان ما حلَّت مصيبة وخيمة بالأُسرة الملكية لأنه فى اليوم السابع بعد موت النبى، مات فجأة أحد أبناء يوآش الذى كان يحبه بحنان. وإذ أدرك الملك أن هذا البلاء كان اعلانا خاصا عن الغضب الإلهى، أمر أن يُدفَن تحت أقدام النبى كنوع من التكفير عن الجريمة ضده.
(9/17/4) هذه هى التفاصيل التى تأكدت لدىَّ بشأن هذا الموضوع. وعلى الرغم من أن النبى قد ظل تحت الأرض لأجيال مديدة فقد بدا سليما، فشعره كان مقصوصا بعناية، وأنفه مستقيم، ولحيته معتدلة، ورأسه قصيرة جدا، وعيناه غاطستان نوعا ما ومختفيتان بحاجبيه.
وهنا توقفت نسخة المخطوطة التى وصلتنا، والتى كان من المفروض أن تغطى الأحداث إلى حوالى سنة 450م، حسبما نفهم من تمهيد سوزمينوس لعمله هذا.
[1] –  توفى فى حوالى 408م.
[2] – هو ثيودوسيوس الصغير أو الثانى، امبراطور الامبراطورية الرومانية الشرقية من 408-450م. وقد حَكَم وعمره سبع سنوات.
[3] – هنا ثيودوسيوس الصغير.
[4] – سبق أن قلنا الحياة الرهبانية عند سوزمينوس.
[5] – للأسف رغم كل وصف سوزمينوس هذا لها، كانت بولخاريا هذه اللاعِب الرئيسى- من وراء السِتار- لعقد مجمع خلقيدون على نحو ما يذكره تاريخ الكنيسة القبطية
[6] – يُجمِع التقليد الكنسى على استشهادهم فى حوالى سنة 320م، أيام اضطهاد ليسينيوس الذى بدأ سنة 316م. وكان أول من احتفل بتذكارهم هو القديس باسيليوس الكبير اسقف قيصرية (370 -379م) كما احتفل بهم القديس غريغوريوس النيصى، ومار افرام السريانى. وتحتفل بهم سائر الكنائس الشرقية والغربية. ومن جهة الرفات فهى فى الحقيقة موزعة فى أماكن كثيرة.
[7] – الامبراطور، توفى عام 324م.
[8] – هذا التعبير عند سوزمينوس هو ما نسميه نحن مقصورة أو مزار، وهذا ما نشاهده أثريا فى دير سان فيكتور الشهيد بمارسيليا حيث رفات سان كاسيان فى “سرداب” أسفل الكنيسة القائمة حاليا، والتى ترجع إلى القرن الرابع عشر الميلادى. انظر حياة وكتابات كاسيان، للمعرب. وكذلك فى قبر مار مينا العجائبى الذى كان اسفل المذبح الرئيسى، كما أظهرت التنقيبات هناك.
[9] – لاحظ هذا الوصف الدقيق لسوزمينوس هنا، وهو بالفعل خطوات أى تنقيب أثرى ممنهج. الأمر الذى يؤكد فعلا أن سوزمينوس كان حاضرا بالفعل-كما ذكر بعده هنا- لهذا الاكتشاف، خاصة وأن عمله مُهدَى لثيودوسيوس الصغير، وبالتالى كان يعيش فى عهده.
[10] – هذه الشخصية من القديسين الذين تعترف بهم الكنيسة القبطية، والذى تصدى للبدعة النسطورية مع البابا كيرلس عمود الدين، سيرته شيقة ولا يسمح الموضع هنا بعرضها بالتفصيل (فيمكن الرجوع إليها فى موسوعة الآباء القديسين، ومتى هنرى) كان بطريركا للقنسطنطينية خلال الفترة من سنة 434م إلى وفاته فى سنة 446م أو 447 م وبالتالى يكون الاكتشاف خلال هذه المدة فقط.
[11]– ويلفظه البعض استيلخو.
[12] – عاصمة اقليم رافينا بمقاطعة اميليا رومانيا بشمال ايطاليا الحالية.
[13] – هنا يقصد الرومان الغربيين، أى اللاتين.
[14] – يعربها البعض، أو يقارنها، بمجلس الشيوخ، غير أن هذه التسمية، تستوجب دراسة النظام السياسى آنذاك وهذا يحتاج إلى بعض الوقت. وأرحب بمن يفيدنا بالرأى فى هذا الصدد.
[15] – على الصعيد التاريخى البحت، لا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن سوزمينوس وهو مؤرخ معاصر للرياسة فى هذه الحقبة كان عليه أن يستخدم ذات الأوصاف التى استخدمها فيما بعد كتبة “الباب العالى” التركى، لوصف حركات “استقلال” الأوطان والتى كانت تسمى “مقاطعات” لدى الإمبراطورية الرومانية و”ولايات” لدى الخلافة العثمانية، عن “الاستعمار” الرومانى” أو “العثمانى” بأنه “عصيان” ضد “السلطة” فى الحالة الأولى، وضد “الخليفة” فى الحالة الثانية. ولكن حركة التاريخ سارت فى مسارها، ولم تدم لا امبراطورية روما ولا امبراطورية بيزنطة، ولا خلافة اسطامبول. وتوارت أوصاف سوزمينوس هنا، ومؤرخى الباب العالى مع الزمن. وهكذا كما كان هكذا يكون.
[16] – هذه الفقرة غير واضحة، ويشعر المرء أن بها غموض مستتر، ويعود ذلك فى رأيى إلى قرب الحدث من فترة كتابة الكاتب، مما يجعل بعض الأمور التى تمس الحاكم غير متاحة للنشر، مثلما هو الحال فى أيامنا. وليس أدل على ذلك، قتله بعد أن استسلم طواعية، والاكتفاء بعبارة “فى كمين” فمن هُم الذين كمنوا له!!.
[17]– القاقم، أو القاقوم، حيوان من الفصيلة السَّمورية مشهورٌ بفروه الأبيض.
[18] – القِن هو رقيق الأرض، وهذا نظام مرتبط بالإقطاع الذى كان سائدا فى العصور القديمة، والوسطى.
[19] – أنظر هامشنا رقم 534 بالكتاب السادس هنا.

Leave a Comment