تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح التاسع – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح التاسع

 

يا إله آبائي ويا رب الرحمة يا صانع كل شيء بكلمتك

 
يقدم سليمان الحكيم صلاة ليهب له الحكمة حتى نتعلم أن نطلب من الله كل ما نحتاجه كأب لنا.
ويقدمه في صلاته كإله آبائه الذين يعتز بهم إبراهيم وإسحق ويعقوب البطاركة العظام رجال الإيمان والمتغربين لأجل الله يتشفع بهم في شفاعة توسلية وأيضا يعرف أن الله هو مصدر كل أبوة وأنه يقود العالم كله بأبوته هذه.
ولأن الله يحب الرحمة فكما يرحم الإنسان أخاه الإنسان الأضعف منه كذلك يطلب سليمان من الله العظيم في قوته أن يرحم خليقته الضعيفة.
وهنا يؤكد أن الله خلق كل شيء بكلمته أي ابنه ربنا يسوع الذي هو كلمة الله وعقل الله أقنوم الحكمة الإلهي.
والله كلي الحكمة هو مكون الإنسان بحكمة فائقة الوصف في تشكيل الإنسان بهذه الروعة في تكوينه الداخلي، وأيضا في أن يهب الإنسان ما لله كنائب عنه سلطانا على كل المخلوقات، فالله أب محب يعطي أولاده سلطانه هبة لهم كما أعطى آدم ونوح (تك١: ٢٩).
وقال سليمان أن الله يسوس العالم من خلال ٣ صفات: القداسة والبر والاستقامة لأن الله كلي القداسة وبار ويبرر أولاده فبالتالي حكمته وقيادته هي المستقيمة، بقدر القداسة والبر يكون الحكم مستقيما وبقدر الشر يكون الحكم أعوجا.
يطلب سليمان الحكيم من الله الآب أن يعطيه حكمته الجالسة معه على عرشه أي مشاركة له في الألوهية وهذا هو أقنوم الحكمة الجالس على عرشه ربنا يسوع.
فإذا كانت الحكمة الجالسة على عرش الله هي ابن الله بالطبيعة الإلهية فقد طلب سليمان أن يهب له الله هذه الحكمة كابن لكن كمخلوق بين خلائقه الذين تبناهم الله مثل الملائكة والخليقة كلها، فإن كان الله يعطف على الخليقة كأبناء له فطلب منه سليمان أن لا يُقصِه لأنه مسئول عنه كأب له ويعطيه من قبس الحكمة الجالسة على عرشه.
يستعطف سليمان الحكيم الله بأنه صحيح ملك لكن عبد لله وابن لعبدته هي والدته، وهو مهما علا هو إنسان ضعيف قصير الحياة بالمقارنة بآبائه، إدراكه ضعيف حتى يستطيع أن يقوم بهذه المهمة الخطيرة وهي القضاء والتشريع لشعبه فحسب القضاء والشريعة التي لله أعلى منه فإن لم يهبه الله نعمة فكيف يقضي كإنسان ضعيف عبد بشريعته الإلهية العالية على مستواه؟؟
فالإنسان حتى لو كان كاملا في سلوكه وفضائله التي هي أصلا نعمة من عند الله لكن ليس له حكمة خصوصا في القضاء للشعب، يحسب كماله لا شيء فكمال الإنسان نسبي بمقارنته بالملائكة وبكمال الله.
أدرك سليمان الحكيم رسالته وكبر حجمها عليه فأراد من الله أن يعطيه حكمة أولا لكي يكون ملكا وقاضيا بين أبنائه وبناته، ثانيا لكي يبني هيكلا ومذبحا على مثال خيمة الاجتماع التي رأى مثلها موسى النبي وهو على الجبل كما قال معلمنا بولس في (عب٨: ٥).
وكأنه يقول أعطني حكمة تفوق مستوى أي إنسان ليس لأجل ذاتي لكن لأجل مسئوليتي التي أعطيتني أو كلفتني بها فإن القوة والنعمة هي من لدنك.
فأدرك سليمان أنه ينبغي أن يكون من يملك ويقضي ويبني الهيكل يصير هو نفسه ملكا على نفسه وديان لها وهيكلا مقدسا لله (١كو٣: ١٦؛ أف٢: ٢٠؛ ١بط٢: ٥).
يصلي سليمان الحكيم أن الله كانت معه حكمته أو أقنوم الحكمة الكلي العلم بأعمال الله وكانت موجودة قبل إنشاء العالم، وعندما صنع الله العالم كانت متواجدة وعارفة ما هو المرضي في عينيك والمستقيم حسب وصاياك، وكأن سليمان يسبق الزمان ويقول أعطني أو أعطي العالم الذي صنعته أقنوم الحكمة أن يختفي في هذا الأقنوم لأنه هو وحده أقنوم حكمته يعرف كيف صنع الله العالم، وكان موجود قبل وأثناء صنعه للعالم ويعرف أن يرضيه، وذلك تم عندما تمجد أقنوم الحكمة وصار ذبيحة محرقة مسائية أمام الله فاشتمها رائحة رضا في وقت المساء على الجلجثة كما يقول لحن ~Omonogenhc (خر٢٩: ١٥، ١٨، لا١: ٩، ١٧).
طلب سليمان أن يرسل الله أقنوم حكمته من عرش مجده كما قال إشعياء “ليتك تشق السموات وتنزل” (إش٦٤: ١٠) حتى تتعب معه في عمل ما هو مرضي سواء في الملك والقضاء أو بناء البيت، لكن هذا تم بعد ٩٦٠ سنة إذ تجسد ربنا يسوع وقاسى آلام البشر وآلام الصلب وتعب حتى يكون سندا للإنسان يقف بجانبه ويؤهله لملكوت السموات كما قال معلمنا يوحنا في (يو٤: ٦) أن يسوع إذ تعب من السفر جلس عند البئر في السامرة.
يتكلم الحكيم كطفل وإنسان يريد أن تعلن له الحكمة أو أقنوم الحكمة إذ هو يعلم ويفهم كل شيء أي كلي المعرفة والفهم فتقوده في أفعاله وتعلمه أن يعمل الأعمال بحكمة وفهم، ومجد الحكمة يحمي سليمان الحكيم كطفل يحتمي في صخر الدهور كما وقف موسى النبي في نقرة على الصخرة وعبر الرب ورأى وراء مجده (خر٣٣: ٢١،٢٢).
لا تقبل أعمال الإنسان إلا خلال قيادة أقنوم الحكمة ربنا يسوع ومن خلال هبة بره لنا، فكيف يتبرر الإنسان إلا بالله كلي البر؟ وحينئذ يكون سليمان عندما تكون أعماله مقبولة بواسطة بر أقنوم الحكمة يكون حكمه بالبر أي بربنا يسوع ويستحق به أن يكون أهلا لعرش أبيه، فلا يوجد استحقاق لنا لما أعد لنا من مجد في السماء إلا من خلال قيادة ربنا يسوع لنا وتبريره لنا وأعمالنا التي نعملها تكون مقبولة أمامه.
وأعطى سليمان الحكيم فكرة عن تصور الفكر البشري عن معرفته قضاء الله أي حكمه في كل الأمور وأن الإنسان لا يعرف ما هي إرادة الله وأن الذي يلجأ إلى الله بإيمان عامل يعطيه الله كل ما يطلب.
لأن فكر الإنسان يائس أو بائس بسبب أنه سيموت بالجسد ولأنه جسديا لا يدوم فأيضا أفكار الجسد أو الإنسان غير ثابتة لكن الله لأنه ثابت يعطينا هبة الثبات (مز٣٤: ٥)، وهذا يكون بالثبات في كلام الله وفي فرحه وفي سر الافخارستيا (يو٦: ٥٦؛ يو١٥: ٧، ٩، ١٠، ١١).
يعبر سليمان الحكيم عن حالة فساد الجسد بالخطية (٢كو٥: ٧) الذي يثقل النفس أي الروح فتكون خيمتنا الأرضية أي الجسد ثقل عليها (على الروح) ويكون العقل مثقل بالهموم لكن إن وضعنا كل هذا على ربنا يسوع نصبح بلا هم لأنه قال “احملوا نيري لأن نيري هين وحملي خفيف”.
فإذا كنا نتعرف أو نستنتج الأمور التي تحدث على الأرض ونعرفها بالكاد فما بالك الأمور السماوية!! فهذه نعرفها بإعلان من الله إذ يكشف لنا أسراره كأولاده الأحباء حينئذ نصبح عارفين متعلمين كأولاد أو تلاميذ من معلمهم.
لكن يستطيع الإنسان أن يعرف مشيئة الله وذلك عندما ترسل الحكمة (أقنوم الحكمة) روحه القدوس إلينا فهو يذكرنا بكل شيء ويعرفنا بكل شيء (يو١٤: ١٣- ١٨، ٢٦)، وغريب جدا أن يتنبأ سليمان بأن أقنوم الحكمة سوف يتجسد ويصلب ويرسل لنا روحه القدوس وهو الذي يعرفنا كل شيء ويظهر لنا كل مالا نستطيع أن نعرفه لذلك قيل عن الروح القدس روح الفهم والمعرفة والمشورة (إش١١: ٢، ٣).
وبهذا أصبح البشر مستقيمين ويعملوا ما يرضي الله إذ أن أقنوم الحكمة نزل وتجسد وخلص البشرية فبحلول روح الله القدوس فينا هو وحده الذي يجعل المعوج مستقيما ويملأ الوديان ويخفض الجبال العالية والتلال (إش٤٠: ٤).
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment