كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح التاسع – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح التاسع

صحيح قد علمت أنه كذا، فكيف يتبرر الإنسان عند الله؟

  • ” ​فَأَجَابَ أيوب وَقَالَ: صَحِيحٌ. قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ كَذَا، فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإنسان عِنْدَ اللهِ؟”:-

لم يجاوب أيوب بلدد أو أي من أصحابه بحسب ظلمهم واتهاماتهم لكن بصبر وبحكمة يوافق على الأشياء الصحيحة في أقوالهم ويرفض الأقوال الخاطئة.
معنى قول أيوب أنه عندما يقارن بره بمن حوله يشعر أنه بار لكن أمام الله لا يقارن بره فهو لا شيء فلا يستطيع أحد أن يتبرر أمام الله.
ورد على خطأ إجابة بلدد بأن الله لا يعوج القضاء.
فلهذا يحتاج أيوب إلى وسيط بين الله وبينه فيه بر الله وأيضا يشعر بضعف البشر مثلما حدث ذلك عند تجسد ربنا يسوع الذي فيه حكمة الله وقدرته وبر وقداسة (١كو١: ٣٠).
أيوب يعترف بخطاياه ولم ينكرها (أي٩: ٢، ٣، ١٩، ٢٠، ٣٠؛ ١٣: ٢٦- ١٤: ٥؛ ١٤: ١٦، ١٧)، وأيوب مع هذا يمجد الله (مز٣٤: ١).
الله عند أيوب لا يُقارن في بره ولا قدرته فهو باسط السموات وهو الصانع الكواكب مثل النعش أو العاس ونجوم السماء والجبار أو الدب.
فلهذا البشر لا يستطيعوا أن يقفوا أمام الله ولا يقارنوا أنفسهم بالله الكلي القدرة لأن بر الإنسان لا شيء أمام الله لكن عليهم بالتضرع له ليهبهم من بره.

  • ​” إن شَاءَ أن يُحَاجَّهُ، لاَ يُجِيبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ “:-

هنا يقدم أيوب حقيقة يعرفها جيدا وهي :-
أنه لا يعرف أن يجاوب على سؤال واحد إن سأل الله للإنسان ألف سؤال وهذا ما تم مع أيوب فلم يستطع أن يجاوب (أي٣٨: ٣٩).
أن الإنسان لا يستطيع الإجابة على الاتهامات والخطايا التي يوجهها له الله (مز١٣٠: ٣).
أن الإنسان لا يستطيع الدخول مع الله في محاكمة لأنه يخزى.
رقم ١٠٠٠ دليل على الكمال الكلي والجمع الكلي الذي لدى قدرة الله فالإنسان أين يذهب من هذه كلها إلا بواسطة بر الله نفسه لأن البر الكامل هو ربنا يسوع، فرقم ١٠٠٠ هو الذي تكلم عليه يوحنا الرائي أن الله يملك ألف سنة (روحية) (رؤ٢٠: ٦)، لكن البر الكامل الذي نحتمي فيه هو الذي يبررنا ربنا يسوع.

  • ​” هُوَ حَكِيمُ الْقَلْبِ وَشَدِيدُ الْقُوَّةِ. مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ ؟”:-

الله كلي الحكمة وأيضا كلي القوة فمن يقف أمامه لا يسلم مثلما يقف العشب أو الشوك أمام النار حتما سيحترق (إش٢٧: ٤، حز٢٨: ٢٤).
والملائكة الذين تصلبوا ضد الله سقطوا (٢ بط٢: ٤) وطرحوا إلى الأرض (رؤ١٢: ٧- ٩).
فالوحيد الذي يجمع حكمة الله وقوة الله هو ربنا يسوع (١ كو١: ٢٤).
فالذي يقف أمام الله يفقد سلامه الداخلي والخارجي لكن ربنا يسوع هو الوسيط الذي أعاد لنا سلامنا مع الله (أف٢: ١٤).

  • ​” الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلاَ تَعْلَمُ، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ “:-

الجبال التي زحزحها الله هي :-

  1. الشياطين التي أفسدت العالم والبشرية بالعبادة الوثنية.
  2. اليهود الذين شاخوا في عبادة الله ولم يثمروا فبشر الأمم بسره.

رجال العهد القديم من أنبياء وقادة بدلهم بتلاميذه في العهد الجديد.
فقد تكلم الله عن الجبال أنها ترتعد أمامه (مز٦٨: ٧)، وأنها تقفز (مز١١٤: ٤)، وأنها تدك (حب٣: ٦)، وأنها تهتز أمامه (يهو١٦: ١٨)، وأنها تذوب مثل الشمع (مز٩٧: ٥)، وأنها تدخن عند مساسه إياها (مز١٠٤: ٣٢).
فعلى جبل التجلي أوضح ربنا يسوع أنه انتقل من أنبياء ورجال العهد القديم مثل موسى وإيليا إلى رجال وتلاميذ العهد الجديد وهم بطرس ويعقوب ويوحنا.
وأيضا الجبال التي زحزحها هي إبليس وجنوده الذين تملكوا العالم وسمى إبليس نفسه رئيس هذا العالم، وأفسدوا الأرض فبواسطة صليب ربنا يسوع جرد الرئاسات (إر٢٨: ٢٥، كو١: ١٦، عا٣: ١٤، رؤ١٣: ٤- ٨).
وقد غضب ربنا يسوع على اليهود الأمة المحبوبة وغير مجدهم ونقله إلى الأمم (كو٤: ٣، أف٣: ٤)، وهذا الذي سماه معلمنا بولس سر المسيح.

  • ​” الْمُزَعْزِعُ الأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا، فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتُهَا “:-

لقد زعزع ربنا يسوع الأرض إذ نزل إلينا من السماء ليرفعنا إليه وإليها فيعيش إنسان العهد الجديد على الأرض كأنه في السماء بعمل الروح القدس داخله فيرى الله في كل شيء حوله ويحب البشرية كلها وخلاصها ويرى الأرض كعربون لحياته في السماء (١ كو١٥: ٤٩، مت٢٥: ٣٤)، وإذ تأسست الكنيسة فصارت أعمدتها هي أعمدة الأرض وهم الرسل (غل٢: ٩)، فصارت بواسطة الكنيسة الأرض كالسماء فصار المؤمنون المعمدين سماء وإلى السماء يعودون (يو٣: ٣، ٥)، ولم يعد في الكنيسة من هو تراب وإلى التراب يعود إلا الجسد لكنه سيقوم ليتمجد مع ربنا يسوع في ذلك اليوم الذي يأتي فيه في الحياة الأبدية والخلود.

  • ​” الآمِرُ الشَّمْسَ فَلاَ تُشْرِقُ، وَيَخْتِمُ عَلَى النُّجُومِ “:-

الله الكلي القدرة جعل الشمس ثابتة لخدمة الإنسان وأيضا عندما يريد يغير قوانينها لأجل الإنسان أيضا مثلما :-

  1. أوقف الشمس والقمر في حرب يشوع فدامت الشمس على جبعون والقمر في وادي أيلون حتى انتصر يشوع (يش١٠: ١٢).
  2. كما أرجع الشمس عشر درجات علامة على شفاء حزقيا ملك يهوذا القديس (٢مل٢٠: ٩).
  3. كما أيضا جعلها تغيب وسط الظهيرة عندما صلب اليهود ربنا يسوع في (مت٢٧: ٤٥، عا٨: ٩) حتى يثبت لهم أنه إله الطبيعة وكل شيء يطيعه، وأيضا لما صلب تزلزلت الأرض وتشققت الصخور (مت٢٧: ٥١).
  • ​” الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ، وَالْمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ “:-

السماوات تعلن مجد الله وتذيعه (مز١٩: ١)، والبحار لأن الله خلقها يمشي عليها كما فعل ربنا يسوع (يو٦: ١٩؛ مت١٤: ٢٥)، أما موسى فمشى في أرض جافة وسط البحر الذي تجمد مثل سور عن يمين وعن يسار كخادم وليس كخالق (خر١٤: ٢١).

  • ​” صَانِعُ النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ الْجَنُوبِ “:-

النعش : كواكب كبيرة لها نور قوي أسماها اليونانيون الدب الأكبر.
الجبار : في العبرية اسمه كيل أو نمرود، وهو يرى كمثل رجل جبار خارج للحرب فيه نجمان لامعان وهما من مجموعة الجوزاء ولها اسم أوريون عند اليونان أنه رجل مسلسل بقيود، وسمي عند البابليين مرودخ.
الثريا : هي مجموعة من النجوم تظهر في أوائل شهر الربيع، تبعد ٣٠٠ سنة ضوئية عن الشمس (عا٥: ٨)، واسمها بالعبري كيما، تستطيع العين المجردة رؤية ٧ منها لكن بالتليسكوب عددها بالآلاف كأنها حبات في عقد ولها سديم سميك.
قد أشار أيوب إلى ثلاث مجموعات من النجوم نيابة عن النجوم كلها التي خلقها الله، ويظهر الجبار قبل الخريف والثريا قبل الربيع والاثنين ذكروا في (أي٩؛ ٣١؛ عا٥: ٨).
كما أشار إلى مخادع الجنوب وهي نجوم القطب الجنوبي التي لا يراها من هم في القطب الشمالي.

  • ​” فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ “:-

صنع الله عجائب لا تفحص في خلقته للخليقة في ٦ أيام مع الإنسان، وفي عجائب العهد القديم بواسطة أنبيائه وقديسيه مثل موسى النبي الذي أنزل الضربات العشر على فرعون والمصريين وشق البحر الأحمر ومشى وسطه وعمل حية النحاس التي تشفي من لدغة الحية، وأنزل الماء من الصخرة والمن والسلوى، وأقام ابن أرملة صرفة صيدا بواسطة إيليا، وشق الأردن بواسطة يشوع ورداء إيليا وأليشع، وأصعد أخنوخ إلى السماء، وإيليا بواسطة مركبة سمائية، وأوقف الشمس ليشوع والذي طهر برص نعمان السرياني بواسطة أليشع، وبارك في قنينة الزيت في بيت الأرملة وأعام الفأس الحديد على الماء بواسطة أليشع، وغير ذلك في العهد الجديد صنع ربنا يسوع ما يقرب من ٣٥ معجزة من إقامة موتى (مر٥، لو٧، يو١١)، وإخراج شياطين وتطهير برص وتفتيح عيون عمي (يو ٩)، ومعجزات كثيرة جدا لم تذكر جميعها في الأناجيل (يو٢٠: ٢١).

  • ​” هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلاَ أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلاَ أَشْعُرُ بِهِ “:-

الله غير مدرك للإنسان بحواسه الطبيعية وغير مرئي فلا يدركه الإنسان إذا عبر به أو عمل عملا داخل الإنسان لأجل خلاص نفسه.
والله عبر علينا قد تعني عبر بجميع أطوارنا عندما تجسد وصلب وقام إذ ذاق الضيق البشري والآلام والقيامة رغم كونه إلها، رغم هذا كل هذه الأشياء لا ندركها كلية وأيضا الله على الكل أي أعلى من الكل في يوم الدينونة.
ومعرفتنا بالله محدودة شبهها معلمنا بولس بمثلين في (١ كو ١٣) بطفل معرفته بسيطة مقارنة برجل ناضج وأيضا بإنسان ينظر نفسه في مرآة لكنه في الأبدية سينظر الحقيقة أو الله ويعرفه كما هو لكن أيضا ينمو في هذه المعرفة لأن في بيت الآب منازل كثيرة.

  • ​” إذا خَطَفَ فَمَنْ يَرُدُّهُ ؟ وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ ؟”:-

الله عادل فحينما يفعل لا يستطيع أحد مراجعته لأنه يفعل بالصواب وبالعدل.
حينما يسترد حياة البشر لأنها ممنوحة منه من يقدر أن يعترض؟!
لكن هناك من تشفعوا لمنع غضب الله مثل :-

  • موسى النبي في (خر٣٢: ٣٢).
  • وفي (عد١٦: ٤٦- ٤٨) حينما انتشر وباء بين الشعب جعل موسى هارون يخرج بالشورية حتى يمنع انتشاره.
  • فينحاس قتل اليهودي والمديانية فهدأ غضب الرب في (عد٢٥: ٨).
  • داود شفع في شعبه.
  • أهل نينوى عندما صاموا من الملك حتى الأطفال الرضعان والبهائم رفع الله غضبه عنها لأن شرها صعد إليه (يونان٣: ١٠).
    • ​” اللهُ لاَ يَرُدُّ غَضَبَهُ. يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ “:-

الله عندما يغضب أي يكون عادلا من يقف أمامه؟ كل الخليقة مدانة أمامه لكن الرحمة تقف أمام غضب عدله لذلك بالتوبة يرجع سلام النفس وبالعزلة والهدوء وبالدموع والصوم والصلاة.
حتى رهب أي مصر الذين قاوموا الله سابقا عندما يغضب الله عليهم ينحنوا تحته كعبيد له ويخضعوا له.

  • ​” كَمْ بِالأَقَلِّ أَنَا أُجَاوِبُهُ وَأَخْتَارُ كَلاَمِي مَعَهُ ؟”:-

خشى أيوب أن يدخل مع الله في حوار، على العكس الله يريد لنا أن نكلمه لكن أيوب ركز على ضعفه وكان يائسا فقد خاف أن يتكلم وإن تكلم عليه بالتدقيق أن يختار الكلمات التي يتكلم بها لئلا يتلعثم في الكلام ويخطئ لكن الله يهمه ليس تنميق الكلام وجمال تنسيقه لكن يهمه القلب والمشاعر التي بها نكلم الله.

  • ​” لأَنِّي وإن تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ، بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي “:-

أيوب لا يبرر نفسه أمام الناس ولا يقارن بره بالناس فهوذا أصحابه الثلاثة وآخرهم بلدد قد طرحوه أرضا لكنه لا ينظر إلى حكمهم لأن الإنسان ينظر إلى العينين أما الله فينظر إلى القلب، لهذا رأى أيوب صحيح أنه وإن تبرر أمام الله لكن الله وحده هو الديان وهو الذي حكمه صحيح مهما بدا للناس عكس هذا فهو يثق في حكم الله لكنه يترجى رحمة الله مع الحكم عليه.

  • ​” لَوْ دَعَوْتُ فَاسْتَجَابَ لِي، لَمَا آمَنْتُ بِأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتِي “:-

هنا يتكلم أيوب عن لسان خبرته وخبرة من يعرف الله أن الله يسند الإنسان الذي يؤمن به ويعزيه بالسماويات عوض الأرضيات، لكن عندما تهب رياح التجربة وتسحب من الإنسان التعزية يقف متحير بين السماويات والأرضيات ماذا يختار؟

  • ​” ذَاكَ الَّذِي يَسْحَقُنِي بِالْعَاصِفَةِ، وَيُكْثِرُ جُرُوحِي بِلاَ سَبَبٍ “:-

هنا يتكلم عن تجربته أنها كالعاصفة التي تحمل اضطراب لأي مخلوق أو كائن بل أنه يجرح بلا سبب أي بلا خطية من ناحيته فلا يجد سبب لهذه العاصفة أو الجروح، فالله معروف أنه في العاصفة طريقه كما يقول ناحوم النبي (نا١: ٣)، لكن لماذا يقف الله ضده ويكثر جروحه؟ فما هي خطيته أمامه؟ وإن وجدت خطايا فإنه لا يتزكى قدامه كل حي فيحتاج إلى رحمته، ولكن التجربة ضرورية حتى يرتفع الإنسان من حالة كمال معين إلى كمال أفضل لكنه يحتاج إلى صبر.

  • ​” لاَ يَدَعُنِي آخُذُ نَفَسِي، وَلكِنْ يُشْبِعُنِي مَرَائِرَ “:-

قد يتعرض أي إنسان لضيقات وشدائد وتجارب لحين لكن أيوب تجربته مستمرة حتى لا يستطيع أن يأخذ نَفَسه بجانب القروح من رأسه إلى رجليه، أيضا زوجته وأصحابه الثلاثة مرروا حياته وأضافوا تجربة على تجاربه لكنه لا يشك في عدل الله.

  • ​”إن كَانَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْقَوِيِّ يَقُولُ: هأَنَذَا. وإن كَانَ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ يَقُولُ: مَنْ يُحَاكِمُنِي؟”:

الله يمتلك القوة الكلية والدينونة الكلية فمن يقول أن يقف أمام الله في كل مخلوقاته!! داود يدعو نفسه دودة لا إنسان، وإشعياء يدعو نفسه إنسان نجس الشفتين (إش ٦)، فمن هو الذي يتزكى أمام الله ؟! (مز٥٠)، لا يستطيع أحد أن يتبرر قدام الله إلا من خلال ذبيحة ابنه الوحيد ربنا يسوع إذ دمه يطهرنا من كل خطية.

  • ​”إن تَبَرَّرْتُ يَحْكُمُ عَلَيَّ فَمِي، وإن كُنْتُ كَامِلاً يَسْتَذْنِبُنِي. كَامِلٌ أَنَا. لاَ أُبَالِي بِنَفْسِي. رَذَلْتُ حَيَاتِي “:-

إن حاول أيوب أن يبرر نفسه أمام الله فإنه يحكم الله عليه من كلامه ويخطف من كلام فمه. وإن كان كاملا حسب الناس فهو بالنسبة لله ملئ بالآثام ومذنب.
فإن قال أنه كامل فهو لا يبالي بنفسه فهو في يأس يريد أن تنتهي حياته على هذا الحال مهما كان وضعه.

  • ​” هِيَ وَاحِدَةٌ. لِذلِكَ قُلْتُ: أن الْكَامِلَ وَالشِّرِّيرَ هُوَ يُفْنِيهِمَا “:-

الكامل والشرير في هذه الحياة يتعرضان لنهاية واحدة وهي الفناء.
أصحاب أيوب اعتبروا أن البار أو الكامل لا يتعرض لتجارب وإن تعرض لتجربة ترتفع من الله سريعا، لكن أيوب فهم بالحق أن الكامل قد يتعرض لتجارب أكثر وضيقات أكثر أما الشرير فقد يكون له نجاح أكثر وضيقات أقل.
لكن في الدينونة يميز الله جيدا بين هذا وذاك كما يميز الحاصد بين القمح ليضعه في المخازن والتبن يكون للنار والحريق، فالعذارى الـ ١٠ نعسن كلهن ونمن لكن لما جاء العريس ٥ منهن فقط كان لديهن زيت والأخريات كان ليس لديهن زيت والحكيمات دخلن العرس وأغلق الباب بينما وقفت الجاهلات خارجا يقرعن فلم يفتح لهن.

  • ​” إذا قَتَلَ السَّوْطُ بَغْتَةً، يَسْتَهْزِئُ بِتَجْرِبَةِ الأَبْرِيَاءِ “:-

السوط يعني السيف أو الموت فإن أتى يضحك به الأبرار بينما الأشرار يخافوا فإن قلب البار مستعد كما قال داود النبي “مستعد أنا للسياط”، لأن البار عاش الضيق لكي عند الموت يفرح لأن مجده سيأتي أما الشرير فيعيش الرفاهية وعند موته تحل النكبات.

  • ​” الأَرْضُ مُسَلَّمَةٌ لِيَدِ الشِّرِّيرِ. يُغَشِّي وُجُوهَ قُضَاتِهَا. وإن لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَإِذًا مَنْ ؟”:-

الأرض هي العالم الذي وضع في الشرير حتى يتحكم فيه. والقضاة الذين يتصفوا بالعدالة هم يلبسون أغشية (أقنعة) العدالة لكنهم يحكمون بالظلم.
أليس ربنا يسوع سلم جسده للقضاة الأشرار الذين حكموا عليه ظلما بالموت، ولبسوا قناع العدالة وقالوا أنه مفسد الأمة ويريد أن يلغي الناموس ويتكلم على الهيكل وعلى موسى، ويقول أنه إله ويهدم الهيكل ويبنيه في ٣ أيام، خلص آخرين أما نفسه لم يقدر أن يخلصها، وحرقوا شفاههم عليه، أليس هذا ما جرى!!
لكن لم ينظروا أن الشمس أظلمت وحجاب الهيكل انشق وتشققت الصخور وتزلزلت الأرض.
ألم يسلم الشهداء لأيدي معذبيهم حتى الموت؟ هذا في العالم لكن الأبدية هي مجد القديسين ويظهر ابن الله للذين صلبوه في مجده ومجد أبيه كما قال ربنا يسوع لقيافا “منذ الآن ترون ابن الإنسان آتيا على السحاب في مجده مع القديسين”، وهو صلب لكنه قام كقول المزمور “أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت” (مز٣: ٥).

  • ​” أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنْ عَدَّاءٍ، تَفِرُّ وَلاَ تَرَى خَيْرًا “:-

العداءين هم من رجال القصر الملكي يحتفظوا بهم لكي ما يسرعوا برسالة هامة مثلما أرسل حزقيا ملك يهوذا لدعوة كل اليهود سواء مملكة يهوذا أو إسرائيل لحضور عيد الفصح (٢أي٣٠:٦)، وكان ذلك أيام يوشيا وإرميا (إر٥١:٣١)، الرسائل التي أرسلها الملك لإهلاك اليهود في المملكة الفارسية في عهد أستير (أس٣:١٣،١٥)، ثم الرسائل بقتل اليهود لأعدائهم عندما كشفت أستير خطة هامان الشرير (أس٨: ١٤).
هكذا تكون أيام الإنسان إن كان في مجد تسرع وتنتهي، فإن الإنسان خلقه الله ليرى الخير الأعظم ربنا يسوع المسيح ويتمتع بمجده لكنه خالف فصارت أيامه تسرع إلى الهاوية لولا فداءه لكان مصير البشرية هلاكا سريعا مثل العداء السريع في الجري.

  • ​” تَمُرُّ مَعَ سُفُنِ الْبَرْدِيِّ. كَنَسْرٍ يَنْقَضُّ إِلَى قَنَصِهِ “:-

صارت أيام الإنسان مثل قوارب البردي وهذا دليل على قدم السفر لأن الفراعنة كانوا يعملوا البردي إذ يجمعوه في حزم ويعملوا منه قوارب في النيل لأنه ينمو في مصر بكثرة لأنه يحتاج إلى مياه كثيرة، فكما لا نجد أثر لقارب يجتاز بسرعة في النيل بقوة دفع المياه من الجنوب إلى الشمال هكذا الحياة، وكما يختطف النسر فريسته إذ يراها من بعد لأنه حاد البصر فيأخذها ولا يوجد في الهواء أثر له هكذا مجد هذه الحياة يعبر وكأنها لا شيء سريعا ما تنحل ولا أثر لمجد أو ثراء أو شيء سوى أعمال الإنسان.

  • ​”إن قُلْتُ: أَنْسَى كُرْبَتِي، أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَتَبَلَّجُ، أَخَافُ مِنْ كُلِّ أَوْجَاعِي عَالِمًا أَنَّكَ لاَ تُبَرِّئُنِي”:

نظر أيوب إلى المستقبل بأنه حتما في يوم ما ينسى كربته بعدما تعبر ووجهه الذي انقبض منها يسير طلق وتعود إليه ابتسامته لكن ربما يكون هذا ليس في هذه الحياة السريعة الزوال كعداء أو نسر لكن في الأبدية.

  • وغريب أن يخاف من أعماله الصالحة التي تتمثل في :-
  1. تقديم محرقات عن أبنائه حتى عن أفكارهم الداخلية (أي١: ٥).
  2. كان يبكي مع من تعسر في حياته (أي٣٠: ٢٥).
  3. كان عيونا للعمي وأرجل للعرج (أي٢٩: ١٥).
  4. كان طاهرا لا يُغوى بامرأة (أي٤١: ٩).
  5. لا يرفض حق عبده وأمته (أي٣١: ١٣).
  6. كان يقسم لقمته مع اليتيم والغريب يضيفه (أي٣١: ١٧، ٣٢).
  7. لم يدع فمه يخطئ بلعن (أي٣١: ٢٩، ٣٠).

لكن خاف أن تكون أعماله لكسب مديح الناس أو لنفع مادي أو كسب مشاعر الآخرين هكذا تكلم إشعياء عن نفض الإنسان يديه في عمله الصالح لكل منفعة (إش٣٣:١٥).

  • ​” أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟”:-

يضيع تعب جهاد أيوب عبثا إذا قورن بره بالله رغم الشهادة له ببره (أي١: ١، ٨؛  ٢: ٣)، لكن من هو الإنسان الضعيف من مجد الله وبهائه وقوته؟! كم هو في عزة متعالي على كل البشر! عظمته لا نهائية وجماله مزيد فهذه كلها تجعل الإنسان صغيرا جدا أمام الله والبشر.

  • ​” وَلَوِ اغْتَسَلْتُ فِي الثَّلْجِ، وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِالإِشْنَانِ “:-

الذي يغتسل بالدموع في كبرياء دون توبة هو يغتسل بمياه الأرض، أما الذي يغتسل بالثلج الذي ينزل من السماء فهو الذي يقدم توبة ويرجع بالخطأ إلى نفسه ويعرف أنه لو اغتسل بالإشنان وهو نبات يصنع منه الصابون لا يتبرر أمام الله فهو يعرف خطأه جيدا. أما الذي يلقي بالشر على الآخرين فلن يتبرر أبدا.

  • ” ​فَإِنَّكَ فِي النَّقْعِ تَغْمِسُنِي حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي “:-

مهما حاول الإنسان أن يتبرر فإنه بلا بر أمام الله وكأنه أمام الله يقع في النقع أي الوحل.
قد كان المعتقد قديما أن الإنسان عندما يغتسل بالثلج يبيض حتى ذو البشرة السوداء، لكن أمام الله هو موحل.
ثيابه تكرهه أي جسده يكره آثامه فقد صار مذنب أمام الله وحتى أمام الناس لكن بالتوبة يتبرر الإنسان أمام الجميع (مز١٤٣: ٢؛ ٢أي٦: ٣٦).

  • ​” لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إنسانا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ “:-

الله ليس مثل بني البشر، يستطيع الإنسان أن يبرر نفسه أمامهم بالمحاكمة والكلام حتى لو كان مخطئا لكن الله لأنه عارف كل شيء خفي وظاهر فمن يستطيع أن ينطق أمامه وأمام الذي يعرفنا من بدء حياتنا على الأرض إلى يوم انتقالنا من العالم؟!

  • ​” لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا “:-

صفة المصالح بين الاثنين أنه يعرف الشخصين المتخاصمين جيدا وله دالة لديهما أي شخص له سمة الاثنين المتخاصمين.
فلهذا كان الوحيد الذي يجمع بين الله الكامل والإنسان الكامل في طبيعة واحدة من طبيعتين كقول ق. كيرلس الكبير هو الكلمة المتجسد ربنا يسوع (١تي٢: ٥) فإنه لاهوتيا هو أقنوم الكلمة المساوي مع الآب في الجوهر والواحد معه (يو١٠: ٣٠)، ومن جهة أخرى هو متجسد ومتأنس أي له صفة الإنسان الكامل من نفس وجسد وروح إنسانية فلهذا قدم نفسه ذبيحة على عود الصليب ليصالح بين البشر والله هكذا تنبأ أيوب عن ربنا يسوع الصالح.

  • ​” لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلاَ يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ “:-

عصا الله هي عدله ودينونته فمن يستطيع رفعها عن الإنسان وبذلك يرفع الخوف عن الإنسان إلا ربنا يسوع المسيح إذ جاز معصرة الآلام وحده كما قال إشعياء النبي في (إش٦٣: ٣) لأنه هو وحده الشفيع الكفاري عوضا عنا، وصار آدم الثاني منبع البر بعدما صار الأول سببا في ميراث الخطية وأزال الخوف عن البشر (١ يو٤: ١٨).

  • ​” إذاً أَتَكَلَّمُ وَلاَ أَخَافُهُ، لأَنِّي لَسْتُ هكَذَا عِنْدَ نَفْسِي “:-

ويكمل أيوب أنه عندما يأتي المصالح بين البشر والله حينئذ لا يخاف البشر، فإن قصة أليشع مع ابن الشونمية الذي مات لها المعنى الروحي هذا فلما أرسل أليشع تلميذه بالعصا لم يقم الميت هكذا لم يستطيع الناموس بالخوف أن يقيمنا من الخطية بل عندما ذهب أليشع بنفسه وتمدد على الولد أي بمحبته له ونفخ في وجهه ٧ مرات قام علامة على إعطاء البشرية نعمة الروح القدس في أسرار الكنيسة السبعة فتقوم من موت الخطية فإن الله الكلمة لم يحسب نفسه خلسة معادلا لله آخذا شكل العبد (في٢: ٦- ٨).
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment