تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح العاشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) زيارة ملكة سبا لسليمان (ع1-13).
(2) الذهب فى تجارة سليمان وموارده الأخرى (ع14، 15).
(3) عينات من مظاهر الأبهة والصناعات النفيسة فى أيامه (ع16-21).
(4) نشاط السفن (ع22).
(5) مظاهر لعظمة سليمان أيضاً (ع23-25).
(6) المركبات والخيل ووفرة الثروة المعدنية والخشبية (ع26-29).
1 – زيارة ملكة سبا لسليمان (1-13)
1 – وسمعت ملكة سبا بخبر سليمان لمجد الرب فأتت لتمتحنه بمسائل.
(1) يتكلم هذا الأصحاح عن عظمة سليمان ومملكته سواء فى داخل البلاد أو فى خارجها بين الشعوب القريبة والبعيدة. والأعداد من (1-13) تتحدث عن مثال يبرهن عن سمعته التى كانت قد ذاعت بين شعوب الأرض وتحكى عن زيارة ملكة سبا له ولمملكته. وملكة سبا يسميها العرب (بلقيس) ربما عن بعض تقاليد توارثوها.
(2) (وسبا) هى أرض السبئيين أو السبائيين، وهم من نسل سبا بن كورش بكر حام، أو ربما من نسل (شبا) حفيد كوش (تك10: 7).
يرى البعض أن أرض سبا كانت فى الحبشة فى قارة أفريقيا ويقول الأحباش إن ملكتهم تزوجت بسليمان وأن ملوكهم متناسلون منها وينتسبون لسليمان وداود وإن كنداكة ملكة الحبشة (أع8) من نسل هذه الملكة التى زارت سليمان. وهذا التقليد لا سند يؤيده.
والمرجح أن أرض سبا كانت بلاد اليمن جنوب شبه جزيرة العرب وكان أهلها شعباً متحضراً, لهم تجارة واسعة، وكانت عاصمتهم (مأرب) وبنو سداً لحجز مياه السيول دعوه سد مأرب.
ويقول البعض إن عم بلقيس كان ملكاً واسمه (هدهاد)، ولما مات تولى ابنه بعده، وكان هذا الابن فاسقاً اقترف شروراً كثيرة، ودخل يوماً إلى بيت ابنة عمه ليراودها على نفسها فأمرت عبيدها بقتله ووبخت شيوخ شعبها على تركهم لهذا الملك الطائش يعبث فى الأرض الفساد وعرفتهم أنها قتلته، فأعجبوا بها وملَّكوها عليهم. وسواء أكانت الرواية صحيحة أو خيالية فإننا نرى فيهم شعباً متحضراً حتى أنهم لم يمانعوا فى أن تحكمهم امرأة ما دامت صالحة لهذا المركز.
(2) “سمعت ملكة سبا بخبر سليمان لمجد الله” : ربما سمعت من عبيد سليمان وحيرام الذين كانوا يجولون البحار ويزورون الأقطار المختلفة لتبادل التجارة، أو ربما سمعت من تجار شعبها وأثريائهم الذين ربما زاروا أرض إسرائيل حاملين بضائعهم أو لكى يروا سليمان وأمجاده.
وقد سمعت “بخبر سليمان لمجد الله” وفى الترجمة الإنجليزية (بخبر سليمان فيما يتعلق باسم الله وفى الترجمة اليسوعية أنها سمعت (بخبر سليمان واسم الله) والمقصود أن الذين أخبروها عن سليمان لم يخبروها عن شخصه وعظمته وحكمته فقط، بل أخبروها بالحرى عن أمور سليمان الذى تمجد الله، فعرَّفوها أنه يتعبد لإله عظيم هو الرب (يهوه) وأن ذلك الإله قادر على كل شئ وغنى فى المواهب، وهو الذى منح سليمان مجداً وغنى عظيمين وحكمة وفهماً نادرين، لأن سليمان شخص يخاف الله ويتقيه. ومن الواجب هنا أن نلاحظ:
( أ ) أن الإنسان التقى تكون سيرته حسنة، وهو بسيرته وأعماله وصفاته يلفت نظر الناس البعيدين والقريبين ويجعلهم يمجدون الله.
(ب) وفى حديثنا عن إنسان عظيم لا يجب أن نتحدث عن عظمته المادية فقط، بل بالحرى عن عظمته الروحية، وفى كل حديثنا عنه يجب أن نعلن للملأ عمل الله معه، ونعمته عليه وهكذا (ليكون فضل القوة لله لا منا). (2كو4: 7).
(3) “فأتت لتمتحنه بمسائل”: سمعت بحكمته العظيمة فجاءت إليه لتزوره وتختبر حكمته، وقد يكون من بين المسائل التى اختبرته فيها :
( أ ) موضوعات دينية وروحية كانت تجهلها، كانت وشعبها تعبد الشمس والقمر أحياناً، ولعلها سألت سليمان عن الرب الذى يعبده وعن طبيعته وصفاته وأعماله.
ولعلها استفسرت منه عن شريعة إلهه، فأجابها عن شريعة الرب التى أعطاها لعبده موسى، وعن طقوس عبادة الله، وجلال تعاليمه إلى غير ذلك، وكان كل شئ “لمجد الرب”
(ب) ولعلها عرضت عليه بعض مشاكل الحكم السياسية التى تعترضها فأشار عليها بما فيه استقرارها وسلامها وسلام شعبها.
(ج) وربما استفهمت عن موضوعات علمية فأجابها بالصواب.
( د) ويرى البعض أنها عرضت عليه أيضاً بعض الأحاجى على سبيل التسلية ولكى تختبر ذكاءه، فحل لها كل ما قدمته.
ومن طريف ما يحكى أنها قد جعلت فى مجلسه وبعيداً عنه زهرتين متشابهتين تماماً إحداهما طبيعية والأخرى صناعية وطلبت إليه أن يميز بينهما، فأمر رجاله فأتوا بنحلة وأطلقوها فى المكان فطارت وحطت على الزهرة الطبيعية، ولا شك فى أن المسائل التى امتحنته بها كانت أصعب من هذه بكثير.
2 – فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جداً بجمال حاملة أطياباً وذهباً كثيراً جداً وحجارة كريمة وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ما كان بقلبها.
(1) جاءت إلى أورشليم يصحبها جماعة كبيرة من رؤساء شعبها ومن عبيدها، وكانوا على ظهور الجمال، ولابد أنها كانت فى هودج يليق بمقامها. وكانت الجمال هى الوسيلة المناسبة للانتقال لتحمّلها الأسفار الطويلة وقدرتها على السير فى الأراضى الرملية والجبلية وغيرها. وجلبت الملكة معها هدايا فاخرة من الأطياب الطيبة الرائحة والذهب والحجارة الكريمة مما كانت بلدها شهيرة به ومما كانت تشتريه من الخارج.
(2) واستقبلها سليمان استقبالاً حسنا و (كلَّمته بكل ما كان بقلبها) أى طرحت أمامه كل أسئلتها ومشاكلها.
3 – فأخبرها سليمان بكل كلامها. لم يكن أمر مخفياً عن الملك لم يخبرها به.
أجاب الملك على كل الأسئلة التى وجهتها إليه، ولم يعسر عليه أى سؤال، وليس هذا شيئاً مستبعداً عن شخص وهبه الرب الحكمة والفهم من غنى مواهبه.
4 – فلما رأت ملكة سبا كل حكمة سليمان والبيت الذى بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسقاته ومحرقاته التى كان يصعدها فى بيت الرب لم يبق فيها روح بعد.
رأت ملكة سبا:
( أ ) حكمة سليمان وقدرته على تدبير الأمور والإجابة على كل الأسئلة التى تطرح عليه.
(ب) و “البيت الذى بناه” وفى الغالب يقصد بيت الرب وربما يقصد بالكلمة أيضاً قصره والقصور الملحقة به.
(ج) والأطعمة الفاخرة والوفيرة جداً التى كانت تقدم يومياً على مائدته والأعداد الوافرة من العظماء الذين كانوا يأكلون على مائدته ( ع4).
(د) و “مجلس عبيده” وهم رجال حاشيته وعظماؤه الذين كان يجلس معهم ويتشاور معهم فى أمور المملكة.
(ها) و”موقف خدامه وملابسهم وسقاته” وحتى الخدام الذين كانوا يخدمون على المائدة والسقاة الذين كانوا يقدمون المشروبات وكانوا يؤدون خدمتهم فى نظام عجيب ويرتدون الثياب القشيبة.
( و) والمحرقات والذبائح التى كان يقدمها بوفرة للرب، والطقوس المجيدة التى كانت تقدم بها… رأت الملكة كل ذلك فاندهشت وتعجبت حتى (لم يبق فيها روح بعد) أى أنها كادت تفقد وعيها من شدة الدهشة، ولم تجد أية نسبة بين عظمتها وعظمة سليمان، ولم يعد أمامها أى مجال لطرح الأسئلة عليه.
6 – فقالت للملك صحيحاً كان الخبر الذى سمعته فى أرضى عن أمورك وعن حكمتك. 7 – ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناى فهوذا النصف لم أخبر به. زدت حكمة وصلاحاً على الخبر الذى سمعته.
اندهشت عندما رأت حكمته ومجده وتقواه، وقالت إن كل ما سمعته عنه وهى فى أرضها وكانت لا تصدقه صحيح، بل إنها لم تخبر عنه بكل شئ لأنها رأت بعينيها أضعاف ما كانت تسمعه عنه بأذنيها.
8 – طوبى لرجالك وطوبى لعبيدك هؤلاء الواقفين أمامك دائماً. السامعين حكمتك.
طوبت عبيده الواقفين أمامه فى كل حين لأنهم يسعدون دائماً بسماع حكمته ويرون فهمه العظيم لجميع المسائل وحسن تدبيره للأمور.
9 – ليكن مباركاً الرب إلهك الذى سر بك وجعلك على كرسى إسرائيل لأن الرب أحب إسرائيل إلى الأبد جعلك ملكاً لتجرى حكماً وبراً.
لم تمتدح سليمان فقط، بل بالحرى مجدت الرب الإله الذى أعطاه كل هذه النعم، وقد اختاره ملكاً لشعبه ليحكم بين الشعب بالحكمة والعدل. واختيار الرب له دليل عظيم على أن الرب محب لشعبه إسرائيل إذ أقام له الرجل الصالح الأمين.
10 – وأعطت الملك مائة وعشرين وزنة ذهب وأطياباً كثيرة جداً وحجارة كريمة لم يأت بعد مثل ذلك الطيب فى الكثرة الذى أعطته ملكة سبا للملك سليمان
قدمت له هدية فاخرة جداً تليق بمقامها وبمقامه، كان من بينها مائة وعشرون وزنة من الذهب وهى تعادل 5400 من الكيلو جرامات، ومقادير هائلة من الأطياب وهى من أنواع العطارة العطرة، ولم يسبق لأحد أن يأتى بمثل هذا المقدار الوفير من الطيب الذى أهدته له الملكة.
11 – وكذا سفن حيرام التى حملت ذهباً من أوفير أتت من أوفير بخشب الصندل كثيراً جداً وحجارة كريمة. 12 – فعمل سليمان خشب الصندل درابزيناً لبيت الرب وبيت الملك وأعواداً ورباباً للمغنين. لم يأت ولم ير مثل خشب الصندل ذلك إلى هذا اليوم.
(1) وردت هاتان الآيتان بمناسبة ذكر الهدايا التى قدمتها الملكة، فإنه بالإضافة إلى هذه الهدايا الثمينة، كان الأسطول التجارى الذى عمله سليمان وحيرام ملك صور يأتيه أيضاً بالذهب وخشب الصندل والحجارة الكريمة، (وقد مر الحديث عن أوفير فى شرح   (9: 28)
(2) (وخشب الصندل) يوجد بوفرة فى الهند والجزر الواقعة شرقى آسيا ولونه أحمر وهو من الأخشاب الثمينة وإذا أوقد تكون له رائحة ذكية ويصنع منه الأدوات الموسيقية، وقد عمل منه سليمان (درابزينا) لبيت الله ربما لكى يفصله عن الدار الخارجية أو لكى يفصل بين المكان الذى يؤدى فيه الكهنة الخدمة المقدسة والمكان الذى يقف فيه الشعب، وعمل (درابزينا) لبيته الخاص ربما للدرج الذى يدخل منه إلى البيت، وللسلالم التى يصعد بها إلى أعلى ولسطح البيت، كما عمل منه (الأعواد والرباب) للمغنين (المرنمين) فى بيت الرب.
(3) ويذكر الوحى هنا أنه لم يدخل أرض إسرائيل من قبل خشب مثل خشب الصندل الذى استورده سليمان سواء فى جودته أو رونقه وبهائه. ومعنى (إلى هذا اليوم) إلى اليوم الذى كتب فيه السفر.
13 – وأعطى الملك سليمان لملكة سبا كل مشتهاها الذى طلبت عدا ما أعطاه إياها حسب كرم الملك سليمان. فانصرفت وذهبت إلى أرضها هى وعبيدها.
(1) يظهر أن الملكة راقتها بعض التحف والأشياء الجميلة التى لم تر نظيرها فى بلادها فطلبتها من سليمان، فأعطاها لها بكل سرور، بالإضافة إلى الهدايا الثمينة الأخرى التى قدمتها له. ثم شيعها الملك وعادت إلى بلادها مأخوذة بما رأت وما سمعت.
(2) يتحدى الرب يسوع اليهود الذين لم يصغوا إلى تعاليمه المحيية ولم يؤمنوا به رغم الأعمال العظيمة التى عملها بينهم بملكة سبا فيقول : “ملكة التيمن ستقوم فى الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم لأنها أتت من أقاصى الأرض لتسمع حكمة سليمان وهوذا أعظم من سليمان ههنا”  (لو11: 26). وهو يدعوها (ملكة التيمن) أى ملكة الجنوب، لأن بلاد سبا فى الجنوب بالنسبة لأرض إسرائيل. ومن المؤلم أن يتحدى الله المؤمنين بغير المؤمنين، وأن يكون أبناء العالم أحكم من بنى النور فى أجيالهم (لو16: 8) ومن المخجل أن يسلك أهل العالم أحياناً بضمير حى ويعملون أعمالاً حسنة بينما المؤمنون يخطئون فى أعمالهم وفى تصرفاتهم.
كان يجدر بنا أن نفرح بأن الرب يسوع الأعظم من سليمان و (المذخر فيه كل كنوز الحكمة والعلم) حال بيننا وساكن معنا، وأن تكون كلمته المحيية فى متناول أيدينا لنقرأها ونسمعها ونحفظها، وفيها كل الحكمة، وكل التعزية، وكل الخير.
14 – وكان وزن الذهب الذى أتى سليمان فى سنة واحدة ستمائة وستاً وستين وزنة ذهب.
كانت السفن تأتيه بمقادير وفيرة جداً من الذهب حتى بلغ ما أحضرته فى إحدى السنوات “ستمائة وستا وستين وزنة” وهو ما يعادل (29970) من الكيلو جرامات.
15 – ما عدا الذى من عند التجار وتجارة التجار وجميع ملوك العرب وولاة الأرض.
كانت له موارد أخرى كثيرة يذكر منه هنا:
( أ ) ربحه (الذى من عند التجار) فربما كان يشترى الذهب من التجار أيضاً وربما كان يشترك معهم فى بعض أنواع التجارة ويكون رأس المال فى الغالب من ماله الخاص.
(ب) ودخله من (تجارة التجار) ويقصد الجمارك والعوايد (الضرائب) التى كان يحصلها من التجار زيادة على ما تستفيد منه بلاده من التجار النزلاء حيث كانوا يدفعون أجوراً لمبيتهم فى الفنادق ويشترون طعامهم واحتياجاتهم من بنى إسرائيل وربما كانوا يوظفون فى عملهم رجالاً إسرائيليين بالإضافة إلى استخدام وسائل النقل المحلية وكل هذا مما يزيد الرخاء فى الأرض. ويرى البعض أن هذه أول إشارة فى الكتاب المقدس إلى تحصيل ضرائب عن الأنشطة التجارية.
(ج) بالإضافة إلى ما قدمه (ملوك العرب) وهم شيوخ القبائل العربية فى الجهات المحيطة بفلسطين و (ولاة الأرض) ويقصد بهم رؤساء إسرائيل أنفسهم وحكام الأراضى المحيطة الذين بسط سلطانه عليهم. وكان هؤلاء وأولئك يقدمون له الهدايا أحياناً، وأحياناً ضرائب. كما كانت مؤن البيت الملكى وعلف الخيول وغيرها تجمع من إسرائيل ومن الشعوب الأخرى الخاضعة له.
16 – وعمل الملك سليمان مائتى ترس من ذهب مطرق خص الترس الواحد ستمائة شاقل من الذهب. 17 – وثلاثمائة مجن من ذهب مطرق. خص المجن ثلاثة أمناء من الذهب. وجعلها سليمان فى بيت وعر لبنان.
(1) بالرغم من أنه لم ينجح إلى دخول الحروب فإنه مع ذلك لم يهمل تزويد بلده بالأدوات الحربية، فكانت له المركبات الكثيرة (ص4), وعمل (مائتى ترس، وثلاثمائة مجن) وهما أداتان متشابهتان يحملها المقاتل لكى يتقى بهما الضربات والسهام. و (المجن) أصغر من الترس. وقوله إن الأتراس والمجنات من ذهب تعنى أنها مصنوعة من الخشب أو من الحديد ومغطاة بصفائح الذهب. والذهب (المطرق) أى المطروق ليكون صفائح رقيقة. ووزن الذهب المستخدم فى الترس كان (ستمائة شاقل) فإذا كان الشاقل يعادل خمسة عشر جراماً تقريباً يكون وزن الذهب فى الترس نحو تسعة كيلو جرامات. وكان وزن الذهب الذى يغشى المجن “ثلاثة أمناء”  (جمع منا) والمنا مائة شاقل، ويكون وزن الذهب للمجن الواحد نحو أربعة كيلو جرامات ونصف، أى نصف ما يحتاجه الترس.
(2) جعل سليمان التروس والأمناء فى (بيت وعر لبنان) (ص7) الذى كانت تخزن فيه مثل هذه الأشياء.
18 – وعمل الملك كرسياً عظيماً من عاج وغشاه بذهب إبريز. 19 – وللكرسى ست درجات. وللكرسى رأس مستدير من ورائه. ويدان من هنا ومن هناك على مكان الجلوس وأسدان واقفان بجانب اليدين. 20 – واثنا عشر أسداً واقفة هناك على الدرجات الست من هنا ومن هناك. لم يعمل مثله فى جميع الممالك.
(1) صنع سليمان لنفسه كرسياً (عرشاً) من العاج، والعاج سن الفيل وكانت تصنع منه الكثير من الأثاثات والأدوات الثمينة، وقد غشى الكرسى بالذهب الإبريز ويقصد به أنقى وأجمل أنواع الذهب، وكان مكان الكرسى فى رواق القضاء (ص7) ويجلس عليه الملك لتأدية أعماله الرسمية، وللحكم فى القضايا، وفى رئاسته للاجتماعات التى يعقدها لرؤساء شعبه، واستقبال الملوك والضيوف الأجانب إلى غير ذلك.
(2) كان الكرسى على قاعدة مرتفعة يصعد إليها بست درجات، وكان موطئ قدمى الملك مغطى بالذهب (2 أى9).
(3) وكان الكرسى (رأس مستدير) والمقصود بهذا :
( أ ) إما أن يكون على ظهر الكرسى شبه رأس عجل، لأن الكلمة المترجمة إلى مستدير تعنى أيضاً (عجلاً) بتغيير طفيف فى تشكيل الحروف.
(ب) وإما أن ظهر الكرسى كان يعلوه كرة مستديرة مذهبة كما هو الحال فى المقاعد المذَّهبة الكبيرة التى توضع فى حجرات الاستقبال أو فى السرادقات.
(ج) وإما أنه أقيم فوق الكرسى شبه قبة مستديرة مثل القبة التى تعمل فوق الكراسى التى يجلس عليها فى البيعة الأب البطريرك أو الآباء الأساقفة، وقوله من ورائه، يعنى من مسنده الخلفى فتكون القبة مثبتة فى ظهر الكرسى أو امتداداً له أو مثبته فى قائم خلف الظهر، ولعل الرأى الأخير بأن الجزء المستدير المذكور هو قبة، هو الأرجح.
(د ) وثبت للكرسى يدين (ذراعين). كما هو الحال فى المقاعد الكبيرة فى أيامنا ويمكن للجالس أن يسند بذراعه أو بذراعيه على واحدة من هاتين اليدين أو على كلتيهما.
(ها) أقيم تمثالان لأسدين مذهبين عن يمين وعن يسار اليدين، وربما كان الأسدان يحملان نفس اليدين (الذراعين)، كما جعل اثنا عشر أسداً أخرى على الدرجات الست، ست عن اليسار وست عن اليمين. وكان الأسد ولا يزال يرمز إلى القوة وكأن الملك وشعبه قد حباهم الله قوة وعزة بها ينتصرون على أعدائهم وعلى كل مصاعب الحياة، كما أن هذه القوة تذكر الملك فى أن أعماله بدون خوف ويقضى فى أحكامه بالعدل دون أن يهاب إنساناً . والأسد أيضاً يعتبره الناس ملك الحيوان. ووجود رسمه أو شكله فى بلاط الملك أمر مناسب ولائق. ولعل الأسدين المجاورين لذراعى العرش يشيران إلى ملك سليمان نفسه وإلى قوة شخصه ومتانة ذراعيه، والذراع دائماً تشير إلى القوة. ولعل الاثنى عشر أسداً تشير إلى القوة العظيمة التى أعطاها الرب للأسباط الاثنى عشر.
(و) كان هذا العرش نادراً جداً وفخماً جداً (لم يعمل مثله فى جميع الممالك)، لا فى مصر، ولا فى أشور أو بابل أو فينيقيا أو غيرها.
21 – وجميع آنية شرب الملك سليمان من ذهب وجميع آنية بيت وعر لبنان من ذهب خالص. لا فضة. هى لم تحسب شيئاً فى أيام سليمان.
حتى جميع أوانى الشرب فى بيته وجميع الأوانى فى بيت وعر لبنان (ص7) كانت كلها من الذهب النقى، ولم يصنع شئ منها من الفضة لأن الفضة لم يكن لها أية قيمة فى أيامه لوفرتها.
22 – لأنه كان للملك فى البحر سفن ترشيش مع سفن حيرام فكانت سفن ترشيش تأتى مرة فى كل ثلاث سنوات أتت سفن ترشيش حاملة ذهباً وفضة وعاجاً وقروداً وطواويس.
(1) كان سليمان كما مر بنا شريكاً لحيرام فى الأسطول الذى عملاه فى عصيون جابر (ص9), وكان يبحر إلى أوفير وغيرها ويجلب الذهب وخشب الصندل والحجارة الكريمة (ص9: 29، ص10: 11، 12).
(2) وبالإضافة إلى هذا كان له أسطول خاص يبحر إلى الجهات البعيدة ولا سيما (ترشيش) ويجلب أيضاً (ذهباً وفضة وعاجً وقروداً وطواويس) ولا شك أنهم كانوا يشترونها من جهات مختلفة من العالم. والكلمة المترجمة إلى طواويس قد ترجمت أيضاُ إلى النوع من القردة المسمى (بابون) ويوجد غالباً فى أفريقيا، والأرجح أن المراد بالطواويس فعلاً (جمع طاووس وهو الطائر المعروف ذو الريش الجميل).
(سفن ترشيش) : يرى البعض أن معناها (السفن الكبيرة)، وآخرون أن معناها (سفن المعادن أو التعدين) لأنها كانت تذهب إلى الأماكن الغنية بالمناجم لتشترى منها المعادن. والأرجح أن (ترشيش) هنا اسم للمدينة المعروفة التى أراد يونان أن يهرب إليها      (يون1)، وهى فى نظر بعض العلماء (قرطجنة) التى كانت فى شمال أفريقيا، والأرجح أنها كانت ميناء فى أسبانيا وهى نفس المدينة التى تدعى (ترتيسوس).
 
23 – فتعاظم الملك سليمان على كل ملوك الأرض فى الغنى والحكمة.
حقق الرب وعده له وأعطاه حكمة وغنى فاق بهما على كل ملوك الأرض.
24 – وكانت كل الأرض ملتمسة وجه سليمان لتسمع حكمته التى جعلها الله فى قلبه. 25 – وكانوا يأتون كل واحد بهديته بآنية فضة وآنية ذهب وحلل وسلاح وأطياب وخيل وبغال سنة فسنة.
(1) وإذ ذاع صيته حباً كان الناس من جميع الشعوب يشتهون أن يزوروه ويقفوا فى حضرته لكى يستمعوا إلى أقواله الحكيمة.
(2) وكان الملوك والرؤساء يأتون إليه بهدايا فاخرة من الذهب والفضة وحلل الثياب والبغال والخيل وغيرها، بعضها على سبيل الهدية، وفى الغالب كان معظمها على سبيل الجزية من الشعوب التى كانت تحت سلطانه لأنهم كانوا يأتون بها (سنة فسنة).
26 – وجمع سليمان مراكب وفرساناً فكان له ألف وأربع مئة مركبة واثنا عشر ألف فارس فأقامهم فى مدن المراكب ومع الملك فى أورشليم.
(1) نسق أيضاً مركباته وفرسانه لتكون فى أماكن مخصصة، وكان له ألف وأربعمائة مركبة معظمها مركبات حربية وبعضها مدنية، وأثنا عشر ألف فارس يقود بعضهم المركبات ويركب معظمهم الخيل، وقد زود بلاده بهذه القوة الضخمة من المركبات والفرسان لكى تكون بلده مستعدة لخوص الحرب إذا لزم الأمر.ومن إحسانات الرب إليه أنه لم يضطر إلى خوض الحروب.
(2) أعد للمركبات والفرسان مدناً خاصة وجعل المركبات والفرسان فى هذه المدن، كما احتفظ بالبعض فى أورشليم ليكونا قريباً منه.
27 – وجعل الملك الفضة فى أورشليم مثل الحجارة وجعل الأَرْزَ مثل الجميز الذى فى السهل فى الكثرة.
كان الرخاء عظيماً جداً، فكانت الفضة مثل الحجارة والحصى وفيرة ورخيصة جداً، وكان خشب الأرز الثمين وفيراً جداً مثل خشب الجميز الرخيص الذى تنتشر أشجاره فى جميع سهول أرض إسرائيل.
28 – وكان مخرج الخيل التى لسليمان من مصر وجماعة تجار الملك أخذوا جليبة بثمن.
(1) (مخرج الخيل) أى المكان الذى كان سليمان يستورد منه الخيول. وقد اشترى معظم خيوله من مصر وبعضها من كثير من البلاد الأخرى (2أى9: 38). والعبارة ترجمت فى الترجمة السبعينية : (من مصر ومن تقوع أو من كوى) وربما النص العبرى يحتمل ذلك، وقد تكون (كوى هى تقوع) إحدى مدن يهوذا (2صم14: 2) ولعل بعض القبائل العربية كانت تقيم فى البرية المحيطة بتقوع وتتاجر فى الخيل.
(2) وكان رجال الملك المكلفون بأعماله التجارية يشترون هذه الخيول بثمن معين يوضحه الوحى فى العدد التالى.
(جليبة) هى ما يشترونه من الخيل وغيره ويجلبونه (يحضرونه) إلى بلادهم.
29 – وكانت المركبة تصعد وتخرج من مصر بست مائة شاقل من الفضة والفرس بمائة وخمسين. وهكذا لجميع ملوك الحثيين وملوك آرام كانوا يخرجون عن يدهم.
(1) كانوا يستوردون المركبة من مصر (وترجمت أيضاً من تقوع) بستمائة شاقل من الفضة والمقصود (بالمركبة) وخيلها ومعداتها، وكان يستوردون الفرس وحده بمائة وخمسين شاقل. والشاقل ما بين 11، 15 جراماً.
(2) وكان هذا السعر موحداً فاشترى نفس ملوك الحثيين والآراميين مركباتهم وخيلهم بنفس السعر.
“كانوا يخرجون عن يدهم” : كان ملوك الحثيين والآراميين وغيرهم يشترون ما يلزمهم على أيدى تجار سليمان أى أمامهم مما يدل على أن التجار فى مصر كانوا شرفاء ووحدوا السعر لجميع الممالك التى تستورد منهم.
(الحثيون) كانوا يقيمون فى آسيا فى قطاع عريض يمتد من البحر المتوسط إلى نهرى دجلة والفرات و (الآراميون) هم أسلاف السوريين وكانوا فى قطاعات مختلفة تقيم منهم جماعات فى دمشق وحولها وجماعات بين دجلة والفرات وجماعات فى صوبة إلى غير ذلك وتسمى كل قطاع باسم المنطقة التى يقع بها مثل آرام دمشق وأرام النهرين وأرام صوبة … الخ.
(3) أوصت شريعة الرب الملوك ألا يكثروا من اقتناء الخيل والذهب والفضة ولا يتزوجوا نساء كثيرات (تث17:16-20)، وقد أخطأ سليمان فاقتنى خيلاً ومركبات كثيرة مما جعله يميل إلى المجد العالمى، وكانت له ثروة عظيمة من الذهب والفضة ورغم أن الثروة نعمة من الرب ولكنها أمالت قلب سليمان إلى البذخ والترف، وجعلته يقع فى المخالفة الثالثة حيث نراه قد أسرفّ فى الزواج بعدد كبير جداً من النساء الوثنيات جعلنه ينحرف عن طريق الرب وكنّ السبب فى سقوطه وأفول مجده كما نرى ذلك فى الأصحاح القادم.
 
 
 
 

Leave a Comment