تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الحادى عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) زواج سليمان بنساء وثنيات وانحرافه عن طريق الرب (ع1-10).
(2) كلمة الرب إلى سليمان (ع11-13).
(3) مناوأة هدد الأدومى لسليمان (ع14- 22).
(4) مناوأة رزون (ع2 -25).
(5) مناوأة يربعام بن نباط (ع26-40).
(6) وفاة سليمان وتملك ابنه رحبعام (ع41- 43).
1- وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات.
2 – من الأمم الذين قال عنهم الرب لبنى إسرائيل لا تدخلون إليهم ولا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة.
إن كل ما كتبه السفر عن سليمان حتى الآن يشير إلى مجده وعظمته وإلى نعم الله الوفيرة التى أسبغها عليه، ومحبته الفائقة التى أظهرها نحوه أنه تبارك اسمه تراءى له مرتين، ومن المؤسف أن نقرأ هنا أن هذا البرج الشامخ قد سقط، وكان سقوطه عظيماً.
لقد أعطاه الله الحكمة، وربما استخدم حكمته فى حل بعض المشاكل والحكم فى القضايا، ولكنه للأسف لم يستخدم الحكمة دائماً فى نفعه الروحى لأنه فى آخر أيامه تصرف بدون حكمة وبطش وحماقة كأى إنسان جاهل.
وأعطاه الرب الغنى وكان فى إمكانه أن يسعد نفسه وشعبه بهذا الغنى وينفقه فيما يرضى الله، ولكنه للأسف عرج عن طريق الاستقامة، وسمح للغنى أن يقوده إلى حياة الترف والبذخ الزائفين مما جعله ينهار انهياراً روحياً ظاهراً.
(1) (أحب نساء غريبة كثيرة) وتزوج بهن مع أن الرب قد حذر شعبه بعدم مصاهرة الشعوب الوثنية لأن هذه الشعوب تميل قلوب أولاد الله إلى آلهتها الكاذبة فيتركون عبادة الله ويعبدون هذه الآلهة.
(2) وقد كان من هؤلاء النساء (موآبيات وعمونيات) من نسل لوط (تك19),    و(أدوميات) من نسل عيسو و (صيدونيات) من صيدون التى تقع إلى الجنوب من آسيا، و(حثيات) من بنى حث بن كنعان وللأسف كل هذه الشعوب كانت بعيدة عن معرفة الرب. وكان من الواجب عليه أن يكتفى بزوجاته الإسرائيليات وبابنة فرعون ملك مصر التى تزوجها فى شبابه واعتنقت ديانته وعبدت الله الواحد.
(3) ولعل عوامل كثيرة دفعت سليمان إلى هذه المصاهرات :
( أ ) فربما قصد أن يزيد من أواصر المودة بينه وبين الشعوب المختلفة وملوكها وعظمائها، غير أنه كان يمكنه تحقيق هذا الهدف السياسى بدون هذه المصاهرة التى تعرضه للخطر وتفصله عن الرب إلهه.
(ب) ولعله فعل هذا طمعاً فى العظمة والمجد الباطلين لكى يتشبه بملوك العالم الذين يظنون أن كثرة النساء ضرب من هذه العظمة. وهو فى ذلك مخطئ أيضاً لأن الرب قد وهبه عظمة ومجداً يفوقان عظمة ومجد جميع الملوك دون أن يسلك هذا الطريق الشائك.
(ج) على أن العامل الأساسى كان خضوعه لشهوات جسده لأن الكتاب يقول عنه إنه “أحب نساء غريبة” وإنه “التصق بهؤلاء بالمحبة”.
والإنسان متى أفسح المجال للخطية الواحدة لتدخل إلى حياته، جذب وراءها خطايا كثيرة، وأصبح من السهل عليه أن ينحدر من هوة إلى هوة أشر منها إلى هوة ثالثة إلى مالا نهاية.
3 – وكانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاثمائة من السرارى فأمالت نساؤه قلبه.
(1) سولت له نفسه أن يتزوج بسبعمائة من الزوجات الرسميات، ويتخذ معهن ثلاثمائة من السرارى (الزوجات الثانويات).
(2) واستطاعت هؤلاء النساء بفجورهن وحيلهن أن يملن قلبه عن طريق الرب وتجعله يحقق لهن كل ما يطلبن لإرضاء آلهتهن الباطلة، ولا غرابة فى هذا فإن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة (1كو15: 33).
(3) ومن المدهش أن سليمان الذى كتب كثيراً عن خطورة الزواج بالمرأة الأجنبية (الوثنية الغريبة عن شعب الله) وحذر منها (لأنها طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء) (أم7: 26)، ونصح كل شخص بأن لا ينساق وراء رغبته الجامحة فيتزوج بنساء كثيرات بقوله (لا تعط حيلك للنساء ولا قوتك لمهلكات الملوك) (أم31: 2).. من المدهش أن يقع فى نفس الخطأ فينهار روحياً ببعده عن طريق الرب، وينهار جسدياً ومعنوياً فيفقد إرادته وصحته.
(4) ولقد ظلت الأجيال تذكر هذا الخطأ لسليمان حتى إن نحميا يوبخ الذين تزوجوا بنساء وثنيات (أليس من أجل هؤلاء أخطأ سليمان ملك إسرائيل ولم يكن فى الأمم الكثيرة ملك مثله وكان محبوباً إلى إلهه فجعله الله ملكاً على كل إسرائيل؟ هو أيضاً جعلته النساء الأجنبيات يخطئ) (نح 13 : 26).
4 – وكان فى زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. 5 – فذهب سليمان وراء عشتورث إلاهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين. 6 – وعمل سليمان الشر فى عينى الرب ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه. 7 – حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذى تجاه أورشليم ولمولك رجس بنى عمون. 8 – وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتى كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن.
من المؤلم أن سليمان الملك القوى الذى وهو بعد فى حداثة سنه لم تلن قناته أمام مقاوميه، مثل أدونيا أخيه الأكبر منه سناً، ويوآب أعظم قواد الجيش، وأبياثار رئيس الكهنة وغيرهم، استطاعت النساء أن تؤثر عليه فى “زمان الشيخوخة” أى قبل موته بعدة سنوات فى الوقت الذى كان فى جهاد عظيم وكانت مملكته مستقرة وجميع الأرض تطلب وجهه (ص10). ويظهر أن تأثيرهن عليه كان كبيراً وسلبنه كل مقدرة على المقاومة وجعلنه مسلوب الإرادة خائراً العزيمة، حيث نرى :
(أولاً) “أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى”: إنه لم يعبدها ولكنه سمح بأن تعبد فى أرضه، الأرض المختارة من الرب التى قدسها لنفسه.
(ثانياً) “ولم يكن قلبه كاملاً أمام الرب إلهه كداود أبيه” و “لم يتبع الرب تماماً” مثله، إن داود أخطأ مع امرأة أوريا الحثى وقتل زوجها أيضاً، ولكنه لم يقلل من عبادته للرب ولم يناصر آلهة الشعوب، بل ظل ثابتاً على الإيمان بالله الواحد وغيوراً على مذبحه الواحد، وقد ظلت خطيته أمامه فى كل حين وندم وتاب بعدها، بينما سليمان لم يظل على غيرته على إيمانه، بل بينما نراه يؤمن بالله نراه يعمل على نشر عبادة الأوثان وبينما كان يتبع الرب أحياناً فيقدم ذبائحه ويعيد أعياده كان فى نفس الوقت يساعد نساءه على أن يعبدن الآلهة.
(ثالثاً) (ومن ثم فقد ذهب وراء عشتورث إلاهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين) : (ذهب وراءهما) يعنى لم يمانع من عبادتهما بل سهل على نسائه أن يعبدنهما كما يشأن. و (عشتورث أو عشتروث هى الإهة الأمومة وتنسب إلى القمر كما أن البعل ينسب إلى الشمس وتسمى أيضاً (عشتار) ودعاها السومريون (إيناتة) وقد عبدها (البابليون والآشوريون والفينيقيون وغيرهم). وكان أهل صيدون (ع33) يتعبدون لها. أما (ملكوم) فهو إله عبده العمونيين وسنقرأ عنه فى (مولك) فى نفس هذه الفقرة.
وقد دعا الوحى هذه الآلهة (رجساً) أى قذراً وشيئاً مكروهاً ونجساً فى نظر الله وفى نظر شعبه.
(رابعاً) (وبنى مرتفعة لكموش رجس الموآبيين.. ولمولك رجس بنى عمون) و(المرتفعة هى بيت أو مذبح يبنى على مكان عال مثل التل أو الجبل أو الهضبة. وقد كان رجال الله قديماً يبنون مذابح للرب على الأماكن العالية لكى تكون العبادة فى مواضع هادئة وبعيدة عن الضوضاء ولكن لأن الوثنيين اعتادوا على بناء المرتفعات لآلهتهم الكاذبة وكانوا يأتون أعمال الفجور والنجاسة فى عبادتهم (هو9),  نهى الرب عن بناء المرتفعات.
ومما يؤسف له أن سليمان بنى عدداً كبيراً جداً من هذه المرتفعات لكى يرضى (جميع نسائه)، وبنى بعضها (على الجبل الذى تجاه أورشليم)، الجبل المواجه للمدينة المقدسة مدينة الملك العظيم، الملك الذى بنى بيت الرب ورأى مجده يتجلى عليه لم يتورع عن أن يبنى بيوتاً للآلهة الكاذبة. وكأنه :
( أ ) يتحدى هيكل الرب الذى كان قائماً على جبل المريا بالمرتفعات التى أقامها على الجبال المواجهة لأورشليم.
(ب) ويساوى بين عبادة الرب يهوه العظيمة وبين مولك وكموش وعشتروث وغيرهم.
(ج) وبدل أن يمجد الرب بين شعوب الأرض يستهين بكرامة الرب فيدخل عبادات لا حصر لها فى دياره.
(د ) وبدل أن يكون قدوة صالحة لشعبه فى الغيرة على إيمانه وعلى تمسكه بإلهه كما كان أولاً يصبح عثرة لهم ويمهد لهم الطريق إلى ترك الرب شيئاً فشيئاً وعبادة الأوثان.
“كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن” : أوقدت نساؤه النار على مذابح الآلهة وقدمن لها الذبائح كما كن يعملن فى بلادهن (كموش) كان يعبده الموآبيون، وفى الغالب كانوا يعبدون معه مولك، وقد كانوا يقدمون لكموش ذبائح بشرية من أولادهم ومن غيرهم.
(مولك) هو (ملكوم) المذكور فى (ع5) وكان يعبده العمونيون والموآبيون، وتمثاله كان من النحاس ورأسه فى شكل رأس عجل، والتمثال كانت له قاعدة فى شكل عرش. وكانوا يوقدون النار داخله، ويضعون على ذراعه الذبائح البشرية وخصوصاً من الأطفال الأبرياء، وحتى لا يسمعوا صراخهم كانوا يدقون الطبول بأصوات عالية.
9 – فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذى تراءى له مرتين. 10 – وأوصاه فى هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخرى فلم يحفظ ما أوصى به الرب.
إن الرب الذى يغار على مجده غضب على سليمان جداً خصوصاً وأنه قد تراءى له مرتين، مرة فى جبعون ومرة فى أورشليم (ص3: 5-14، ص9: 1-9)، وقد حثه عندما تراءى له أن يظل أميناً مع الرب مثلما كان داود أبوه وحذره تحذيراً كاملاً من ترك الرب والالتصاق بالآلهة الكاذبة التى للشعوب, ولكن سليمان للأسف لم يستمع لصوت الرب إلهه.
11 – فقال الرب لسليمان من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدى وفرائضى التى أوصيتك بها فإنى أمزق المملكة عنك تمزيقاً وأعطيها لعبدك. 12 – إلا إنى لا أفعل ذلك فى أيامك من أجل داود أبيك بل من يد ابنك أمزقها. 13 – على إنى لا أمزق منك المملكة كلها بل أعطى سبطاً واحداً لابنك لأجل داود عبدى ولأجل أورشليم التى اخترتها.
(1) إن الله برحمته أرسل كلمته إلى عبده سليمان ربما عن يد رئيس الكهنة، وفى الغالب عن يد أحد الأنبياء، وليس من المحتمل أن يكون هذا النبى هو ناثان الذى كان على قيد الحياة عند تولى سليمان الملك وقد مضى على جلوسه نحو ثلاثين أو خمس وثلاثين سنة عندما خضع سليمان لنسائه وأغضب الرب، ولذلك فالمرجح أن يكون النبى الذى كلمه هو أخيا الشيلونى الذى كان فى أيام سليمان (ع29) أو شمعيا الذى ظهر فى ابتداء حكم ابنه رحبعام وربما عاصر سليمان أيضاً (ص12: 22).
(2) قال له الرب “من أجل أن ذلك عندك” : و(عندك) هنا قد تعنى (فيك) أى من أجل هذا الإثم فيك لأنه تغلغل فى حياتك، فنسيت “عهدى وفرائضى” وقد تعنى أيضاً (عليك) لأن إثم الإنسان يعتبر عبئاً على كاهله وهو بمثابة الدين الذى على الإنسان. والرب لغيرته على مجده يذكر للإنسان ما (عليه) لكى يعطيه فرصة للتوبة وقد تؤديه عنه  أحياناً، كما أنه بمحبته ورحمته يذكر بر الإنسان ويعتبره حقاً (له) ويكافئه عنه. وقد قال لملاك كنيسة أفسس : “عندى عليك أنك تركت محبتك الأولى” وفى نفس الوقت قال له : “لكن عندك هذا أنك تبغض أعمال النيقولاويين التى أنا أبغضها أيضاً” .(رؤ2: 4، 6) وهكذا قال لمعظم أساقفة الكنائس الأخرى، ففى مراجعتك لنفسك أيها الحبيب تذكر ما عليك لتتوب عنه، واذكر إن كان فيك شئ صالح أن الرب يعرفه ويعتبره حقاً لك يكافئك عنه.
(3) بما أنه قد اقترف هذا الإثم فإن الرب (سيمزق المملكة تمزيقاً)، ولا تعود بعد مملكة متحدة كما كانت فى أيام داود وسليمان نفسه، بل يقسمها الرب إلى قسمين لكى يعطى القسم الأكبر لعبد من عبيده هو يربعام بن نباط (ع31) ويبقى القسم الأصغر لابنه.
(4) ولكن لأجل خاطر داود أبيه لا يمزق المملكة فى أيامه بل فى أيام ابنه رحبعام (ص12)، ولأجل داود عبده أيضاً ولأجل أورشليم التى اختارها الرب بيته المقدس، لا ينزع الملك كلية من بيت داود بل يعطى بيت داود (سبطاً واحداً) هو سبط يهوذا، ومعه سبط بنيامين، وقد اعتبرا سبطاً واحداً بالنسبة لأن بنيامين أصغر إخوته وقد اتحد مع أخيه يهوذا العظيم، وكأنه لا يعتبر شيئاً بجانبه وكون الاثنان مملكة واحدة هى مملكة يهوذا.
“من أجل داود عبدى ومن أجل أورشليم” : إن أولاد الله وقديسيه لهم مكانتهم العظيمة فى نظر الرب ودالتهم عنده، وكثيراً ما يعطى عبيده نعماً وبركات لأجل خاطر هؤلاء القديسين وببركة صلواتهم سواء أكانوا على قيد الحياة أو من الذين رقدوا. وحتى الأماكن المقدسة لها مكانتها المقدسة فى نظره تبارك اسمه، وكثيراً ما ينال المؤمنون نعماً وبركات إكراماً لهذه الأماكن فى زيارتها أو التبرك بها أو الصلاة فيها، إكراماً للأشخاص القديسين الذين سكنوا فيها من قبل، وللأحداث المجيدة المتعلقة بها، ولأعمال الله العظيمة التى تجلت فيها، وإكراماً لصلوات الآباء التى ارتفعت فيها كرائحة زكية عبر الأجيال.
14 – وأقام الرب خصماً لسليمان. هدد الأدومى. كان من نسل الملك فى أدوم.
يذكر الوحى هنا ثلاثة خصوم ناوأوا سليمان وسببوا له القلق وضايقوه وهم (هدد الأدومى) الذى من نسل ملك الأدومين، و(رزون) الذى من صوبة (ع 23) ويربعام بن نباط) من بنى إسرائيل (ع 26). ولقد كان هؤلاء موجودين من زمن، من بدء تملكه، وبعضهم من قبل أن يملك، ولكنهم لم يتجاسروا على القيام ضده عندما كان ملتصقاً بالرب لأن هيبة الرب كانت معه وقد حجز الرب شرهم عنه لأن الرب لا يترك عصا الأشرار على نصيب الصديقين (مز125: 3). أما بعد أن ترك الرب، (أقام الرب خصومه ضده) ولا يعنى هذا أن الرب هو الذى أوجد الشر فى قلوبهم، ولكن يعنى أن الرب رفع حمايته عن سليمان وتركهم  لينفذوا مآربهم ولم يمنعهم عنه أو يحمه منهم، فكانوا بسماح من الرب عصا تأديب وعامل تنغيص لسليمان.
15 – وحدث لما كان داود فى أدوم عند صعود يوآب رئيس الجيش لدفن القتلى وضرب كل ذكر فى أدوم. 16 – لأن يوآب وكل إسرائيل أقاموا هناك ستة أشهر حتى أفنوا كل ذكر فى أدوم. 17 – أن هدد هرب هو ورجال أدوميون من عبيد أبيه معه ليأتوا مصر وكان هدد غلاماً صغيراً. 18 – وقاموا من مديان وأتوا إلى فاران وأخذوا معهم رجالاً من فاران وأتوا إلى مصر إلى فرعون ملك مصر فأعطاه بيتاً وعين له طعاماً وأعطاه أرضاً. 19 – فوجد هدد نعمة فى عينى فرعون جداً وزوجه أخت امرأته أخت تحفنيس الملكة. 20 – فولدت له أخت تحفنيس جنوبث ابنه وفطمته تحنفيس فى وسط بيت فرعون وكان جنوبث فى بيت فرعون بين بنى فرعون.
فى هذه الأعداد والأعداد التالية قصة مشوقة ومؤثرة عن هدد الأدومى يرجع تاريخها إلى أيام داود :
(1) كان شعب أدوم يسكن فى جبال سعير الممتدة وكانت أدوم من بين الشعوب التى أخضعها داود لسلطانه وأقام بها محافظين ومعهم حاميات من الجند لحفظ الأمن وضمان استقرار الأمور (2صم8: 14، 1أى18: 12، 13) ويظهر أن الأدوميين حاولوا الاستقلال عن داود وفى الغالب قتلوا عدداً كبيراً من جنوده بوحشية فغضب داود وذهب إلى أدوم ومعه قائده يوآب و “كل إسرائيل” ويقصد بهم عدد ضخم من جيش إسرائيل، وقام يوآب بقمع الثورة وقتل “كل ذكر” فى أدوم ويقصد أيضاً أنه قتل الذكور المتمردين الذين تزعموا هذه الحركة، ويذكر هنا أن يوآب ورجاله أقاموا ستة شهور حتى استقرت الأمور تماماً.
(2) كان هدد “غلاماً صغيراً ” ويقصد أنه لا يزال صبياً أو شاباً، فساعده بعض رجال البلاط الملكى على الهروب من أدوم إلى مصر، وفى طريقهم مروا بأرض (مديان) وهى تشغل جزءاً من شبه جزيرة سيناء وتمتد إلى الشمال منها وربما استراحوا بمديان فترة من الزمن، ثم عبروا إلى (ماران) وهى برية (صحراء) التيه وتمتد من شمالى سيناء إلى جنوبى أرض يهوذا، واستأجروا رجالاً من فاران ربما ليرشدوهم فى الطريق أو يحموهم حتى يصلوا إلى مصر.
(3) ودخلوا مصر ولجأوا إلى فرعون ليكونوا تحت حمايته، وربما كان فرعون هذا أحد ملوك الأسرة العشرين ومن أسلاف فرعون الذى صاهره سليمان.
(4) كانت مصر دائماً موئلاً للغرباء والضيوف، وقد عطف فرعون على هدد باعتباره لاجئاً سياسياً وباعتباره من نسل ملكى، فأكرمه وأعطاه بيتاً وعين له مئونة وأرضاً ليسكنها هو ورجاله ولكى يزرعوها، وزاد إكرامه فزوجه بأخت زوجته الملكة (تحفنيس)، وولدت له زوجته ابناً دعا اسمه (جنوبث) وتربى فى قصر الملك مع أبناء الملك وأحفاده ومع نظائره من الأمراء.
21 – فسمع هدد فى مصر بأن داود قد اضطجع مع آبائه وبأن يوآب رئيس الجيش قد مات فقال هدد لفرعون. أطلقنى إلى أرضى. 22 – فقال له فرعون ماذا أعوزك عندى حتى إنك تطلب الذهاب إلى أرضك. فقال. لا شئ وإنما أطلقنى.
(1) سمع هدد وهو فى مصر أن داود قد مات وأن يوآب قد مات أيضاً لأن سليمان أمر بقتله، فاطمأن قلب هدد واشتاق إلى العودة إلى أرضه أدوم، وطلب إلى فرعون أن يسمح له بالذهاب، فرعون فى محبته وتمسكه به سأله : “ماذا أعوزك عندى؟ ” فأجاب هدد بأنه لم يعوزه شئ، ومع ذلك ألح عليه بأن يسمح له بالعودة، فسمح له فرعون، وعاد إلى أدوم، وربما كانت عودته فى أوائل حكم سليمان، ويظهر أنه ظل يناوئ سليمان سنوات طويلة بصورة سطحية، ولكن زادت منأواته له بعد أن غضب الرب على سليمان.
(2) “أطلقنى إلى أرضى” : رغم أن (هدد) كان مستريحاً جداً فى مصر، ولكنه ظل يحن حنينا متواصلاً إلى أرضه ووطنه، والمؤمنون يشعرون بغربتهم ماداموا فى هذا العالم حتى إن كانوا يعيشون فى استقرار ورفاهية، وتظل نفوسهم تحن اشتياقاً إلى السماء وطنهم الحقيقى (إذ ليس لنا ههنا مدينة باقية). (عب13: 14).
23 – وأقام الله له خصماً آخر رزون أليداع الذى هرب من عند سيده هدد عزر ملك صوبة. 24 – فجمع إليه رجالاً فصار رئيس غزاة عند قتل داود إياهم فانطلقوا إلى دمشق وأقاموا بها وملكوا فى دمشق.25 – وكان خصما لإسرائيل كل أيام سليمان مع شر هدد. فكره إسرائيل وملك على آرام.
(1) كانت صوبة عاصمة لشعب (آرام صوبة) والآراميون هم السوريون القدماء. وتقع صوبة إلى الشمال من دمشق.وكانت من الممالك التى حاربها داود وانتصر عليها ونكل بالكثيرين من رجال جيشها. ولما أراد شعب (آرام دمشق) أن ينجدوا صوبة، حاربهم داود أيضاً وانتصر عليهم، واستولى على دمشق وأقام فيها محافظين وحاميات من جيشه، وظلت كل من صوبة ودمشق وممالك أخرى كثيرة تحت نفوذ داود ثم تحت نفوذ سليمان (2صم8: 3 – 8).
(2) وكان (رزون) من رجال هدد عزر ملك صوبة. وهرب من سيده هو وجماعة من رفاقه (عند قتل داود إياهم) أى عندما كان داود يحارب صوبة ويقتل الكثيرين من رجالها. وربما هرب رزون كان بسبب سوء معاملة الملك هدد عزر له أو خوفاً من أن يقتل فى الحرب بسيف داود ورجاله.
(3) وفى هروبه انضم إليه بعض الرجال وكون منهم جماعة (عصابة) للغزو. وكانت هذه العصابات ومثيلاتها تغزو المناطق التى يروق لها غزوها وتغنم منها غنائم يأخذها الغزاة لأنفسهم، وأحياناً كان بعض الملوك يستأجرونهم لجنود مرتزقة ليساعدوهم فى حروبهم.
(4) وفى غزوات رزون وعصابته غزا دمشق وسيطر عليها وأصبح ملكاً عليها وفى الغالب كان هذا فى حكم سليمان، ويقول الكتاب هنا (فكره إسرائيل وملك على آرام) أى أن الذى دعاه لغزو آرام دمشق وتملكه عليهم كراهيته لشعب إسرائيل بسبب محاربة داود للآراميين فى صوبة وفى دمشق قديماً وسيطرته ثم سيطرة سليمان عليهم لسنين طويلة.
(5) ولا شك فى أن استيلاء رزون على دمشق كانت ضربة كبيرة لسليمان :
( أ ) لأنه خسر بخروجها من يده جزءاً كبيراً وهاماً من الأراضى التى كانت تحت نفوذه.
(ب) ولا شك أن خروجها من تحت يده قلل من هيبته بين الشعوب.
(ج) وباستيلاء رزون أصبح لسليمان خصمان أحدهما رزون من الشمال وثانيهما هدد الأدومى فى أدوم من الجنوب.
(د ) فضلاً على أن دمشق كان موقعها استراتيجياً هاماً لأنها كانت فى طريق تجارة سليمان من الشرق إلى الغرب، وخروجها من يده ربما عاق تجارته كثيراً.
26 – ويربعام بن ناباط أفرايمى من صردة عبد لسليمان واسم أمه صروعة وهى امرأة أرملة رفع يده على الملك. 27 – وهذا هو سبب رفعه يده على الملك أن سليمان بنى القلعة وسد شقوق مدينة داود أبيه. 28 – وكان الرجل يربعام جبار بأس. فلما رأى سليمان الغلام أنه عامل شغلاً أقامه على كل أعمال بيت يوسف.
(1) كان هدد ورزون خصمين لسليمان من خارج بلاده لأنهما أجنبيان، وظهر له خصم ثالث من الداخل لأنه رجل إسرائيلى من سبط أفرايم وهو (يربعام بن نباط). وكان يتيماً لأن أباه كان قد مات. أما أمه (صروعة) فكانت على قيد الحياة. وهو من (صردة)، وهى بلدة يرى البعض أنها (عين غسانة) التى تقع جنوب غربى شكيم بنحو خمسة وعشرين كيلو متراً. وبالقرب منها ينبوع يسمى عين صردة.
(2) ويذكر الوحى هنا أن يربعام كان من عبيد (رجال) سليمان ولكنه (رفع يده) على سيده أى تمرد عليه وخانه وربما تآمر عليه (أنظر شرح ع 40). ويظهر أن يربعام كان بطبيعته خسيساً يميل إلى الشر وربما اختاره الرب لكى يؤدب به سليمان وابنه رحبعام لأنه كان أنسب رجل لهذا الأمر فى ذلك الوقت. وكان من الواجب على يربعام أن يقدر عمل الله معه ولكنه لم يفعل.
(4) وتفصيل قصة تمرده على سليمان نراها هنا وفى الأعداد التالية، فسليمان رآه منذ أن كان غلاماً (شاباً) ورأى أنه (جبار بأس) وهو اصطلاح يطلق على الشخص المقدر جداً سواء فى القوة أو المال أو العمل، وكان سليمان يبنى (القلعة) و (يسد شقوق مدينة داود).و (القلعة) هى جزء حصين من أسوار أورشليم، ومدينة داود هى حصن اليبوسين (صهيون) الذى استولى عليه داود قديماً (1صم22، 1 مل9: 20).
وبناء سليمان للقلعة قد يعنى تقويتها وتعليتها، وسد شقوق المدينة يعنى ترميمها وقد يقصد به أنه أكمل بناء الأجزاء المفتوحة فى سور أورشليم حتى تكون مسورة من كل النواحى.
ويظهر أن يربعام كان من العمال فى البناء ورأى فيه سليمان أنه (عاملا شغلاً) أى عامل مجد يشعر بالمسئولية ويتقن عمله تماماً، فعينه لأعمال التسخير على (بيت يوسف) الذى يشتمل على سبطى أفرايم ومنسى.
29 – وكان فى ذلك الزمان لما خرج يربعام من أورشليم أنه لاقاه أخيا الشيلونى النبى فى الطريق وهو لابس رداء جديداً وهما وحدهما فى الحقل. 30 – فقبض أخيا على الرداء الجديد الذى عليه ومزقه اثنتى عشرة قطعة. 31 – وقال ليربعام خذ لنفسك عشر قطع. لأنه هكذا قال الرب إله إسرائيل هأنذا أمزق المملكة من يد سليمان وأعطيك عشرة أسباط. 32 – ويكون له سبط واحد من أجل عبدى داود ومن أجل أورشليم المدينة التى اخترتها من كل أسباط إسرائيل. 33 – لأنهم تركونى وسجدوا لعشتورث إلاهة الصيدونيين ولكموش إله الموآبيين ولملكوم إله بنى عمون ولم يسلكوا فى طرقى ليعملوا المستقيم فى عينى وفرائضى وأحكامى كداود أبيه. 34 – ولا آخذ كل المملكة من يده بل أصيره رئيساً كل أيام حياته لأجل داود عبدى الذى اخترته الذى حفظ وصاياى وفرائضى. 35 – وآخذ المملكة من يد ابنه وأعطيك إياها أى الأسباط العشرة. 36 – وأعطى ابنه سبطاً واحداً ليكون سراج لداود عبدى كل الأيام أمامى فى أورشليم المدينة التى اخترتها لنفسى لأضع اسمى فيها.
(1) كان يربعام يسير فى الطريق خارجاً عن أورشليم حينما لاقاه بتدبير من الله (أخيا الشيلونى) النبى، و (شيلون) موطنه هى نفس شيلوه التى ظلت مقراً لخيمة الاجتماع فترة طويلة من الزمن (يش18: 1), وهى الآن سيلون شمالى أورشليم بنحو تسعة عشر كيلو متر وثلث، ويظهر أن أخيا مال به إلى الحقل ليكلمه على انفراد.
(2) وحدثه أخيا بكلمة الرب بما كلم رجل الله سليمان من قبل تقريباً (ع11- 13).
(3) وكان أخيا قد ارتدى رداء جديد، يشير به إلى المملكة التى تعتبر جديدة دائماً لأنها تختص بشعب الله.
(4) ومزق أخيا الرداء إلى اثنتى عشرة قطعة، بعدد الأسباط الاثنى عشر، وتمزيق الرداء يشير إلى تمزيق المملكة وانقسامها بعد أن كانت مملكة متحدة فى عهد كل من شاول وداود وسليمان.
(5) وأعطى أخيا ليربعام عشر قطع وأعلمه أن الله سيمزق مملكة إسرائيل حتى لا تكون كلها لبيت داود بل يُملِّكه هو على عشر أسباط بينما لا يكون لبيت داود إلا سبط واحد هو يهوذا وأخوه بنيامين الذى يندمج معه فى مملكة واحدة (شرح ع13)، وأعلن له أيضاً أن الرب يعمل هذا من أجل أن سليمان تساهل فى إدخال عبادة الأوثان فى بلده، فعبدتها نساؤه وربما تأثر بعبادتها أشخاص من شعبه.
(6) ولكن لأجل خاطر داود ولأجل أورشليم المدينة المقدسة لا يقسم المملكة فى أيام سليمان بل بعد موته، ولا ينزع الملك من بيت داود كلية بل يجعل له قسماً صغيراً، حتى يكون لداود (سراج) دائم أمام الرب فى أورشليم، ويقصد بهذا (السراج) أحفاد داود الذين يملكون لأن داود كان سراجاً مضيئاً، وأحفاده يكونون كذلك. وقد شبه الوحى أساقفة الكنائس بالكواكب المضيئة التى فى يد الرب (رؤ 1 : 20) وشبه الرب يوحنا المعمدان بالسراج المنير (يو5: 35).
(عشتورث وكموش وملكوم) : شرح ( ع5).
(لأضع اسمى فيها) : دعيت أورشليم مدينة الرب (الملك العظيم)، لأنه قد وضع فيها تابوت عهد الرب، وفيها بنى البيت المقدس الذى دعى باسمه.
37 – وآخذك فتملك حسب كل ما تشتهى نفسك وتكون ملكاً على إسرائيل.
وأعلن أخيا ليربعام أن الرب يأخذه من مركزه كعبد لسليمان ليجعله ملكاً على شعبه يعمل فى مملكته كما يشاء ويتصرف بحرية كا يريد، له كل السلطة التى للملوك.
38 – فإذا سمعت لكل ما أوصيك به وسلكت فى طرقى وفعلت ما هو مستقيم فى عينىّ وحفظت فرائضى ووصاياى كما فعل داود عبدى أكون معك وأبنى لك بيتاً آمناً كما بنيت لداود وأعطيك إسرائيل  39 – وأذل نسل داود من أجل هذا ولكن لا كل الأيام.
وعده الرب على لسان أخيا بأن يجعله ملكاً، ولكن فى نفس الوقت جعل وعده مشروطاً بأن يسلك فى مخافة الرب ويعمل وصاياه كما عمل داود، إن فعل يربعام هذا وظل أميناً مع الرب فإن الله :
( أ ) يكون معه
(ب) يبنى له (بيتاً) مثلما بنى لداود، أى يديم الملك فى بيته مثلما جعل لداود سراجاً فى بيته ليكون فيه الملك أيضاً.
(ج) ويعطيه (إسرائيل) أى يديم الملك على العشرة الأسباط لأحفاده.
(د ) ويذل نسل داود (من أجل ذلك)، لأنهم كلما رأوا المملكة قد أخذ معظمها منهم ولم يبق لهم منها إلا القسم الأصغر شعروا بالذلة وصغر النفس.
“ولكن لا كل الأيام” أو (ولكن ليس إلى الأبد): يشعر نسل داود بالذلة، إلى وقت معين:
( أ ) لأن الأجيال ستمر، فتسبى مملكة إسرائيل التى كانت ليربعام ولا يكون للمملكة بقاء بعد، أما مملكة يهوذا التى لبيت داود وإن كانت ستعمر مدة أطول ولكنها تسبى أيضاً إلى بابل، وتتوالى الأحداث، ويتحد الشعبان فى سبيهم، ثم يعودون إلى وطنهم شعباً واحداً ومملكة واحدة.
(ب) ويحكم الشعب الواحد رؤساء وزعماء وبعض الملوك إلى أن يأتى المسيا المنتظر ويجلس على بيت يعقوب ويعطيه الرب كرسى داود أبيه فيملك إلى الأبد ولا يكون لملكه انقضاء ( لو1: 33).
40 – وطلب سليمان قتل يربعام وهرب إلى مصر إلى شيشق ملك مصر وكان فى مصر إلى وفاة سليمان.
(1) يظهر أن يربعام كان متهوراً حتى رفع يده على الملك (ع26) :
( أ ) وربما بمجرد كلام أخيا إليه أشاع الخبر بين أصدقائه وأنه سيكون ملكاً على إسرائيل ووصل الخبر لسليمان.
(ب) وربما فى تهوره ابتدأ يتكبر ويتعالى ويعصى أمر سيده ويتمرد عليه.
(ج) ولعله أراد أن يستعجل الأمور ليكون ملكاً، ولعل بعض الأشخاص التفوا حوله وناصروه مثلما فعل أصحاب أبشالوم قديماً (2صم15)، ولعله كان يحاول قتل سليمان وقلب نظام الحكم ليملك هو.
(2) وأياً كان الأمر شعر سليمان أن يربعام قد ينجح و (رفع يده عليه)، فأراد أن يقتله قبل أن يستعجل شره، ولكن يربعام أسرع بالهروب إلى مصر، كما فعل هدد الأدومى من قبل (ع17), وكان هروب يربعام فى حكم شيشق (شيشنق) أول ملوك الأسرة الثانية والعشرين ويرى بعض المؤرخين أن هذه الأسرة حكمت مصر ، وكان حكم شيشق نفسه من سنة 945 إلى سنة 924 ق. م وظل يربعام فى حمى هذا الملك حتى وفاة سليمان ثم عاد إلى أرض إسرائيل (ص12: 3).
41 – وبقية أمور سليمان وكل ما صنع وحكمته أما هى مكتوبة فى سفر أمور سليمان.
اختار لنا الروح القدس من الأحداث التاريخية ما دوَّنه كتبة الأسفار المقدسة لأجل نفعنا الروحى والوقوف على الأشياء الهامة، وهناك أخبار أخرى كتبت بشئ من التفصيل فى بعض الكتب التى كتبها المؤلفون مثل (سفر أمور سليمان) أو (سفر أعمال سليمان) وهو :
( أ ) إما التسجيلات اليومية التى كان يكتبها الموظفون المختصون  ويدونون فيها الأحداث التى تحدث يوماً فيوماً وهى بمثابة (مفكرة) يومية. وكان الملوك فى معظم الممالك يفعلون هكذا ويسمون هذه المفكرة (أخبار أيام الملك) وهى غير سفرى أخبار الأيام اللذين نقرأهما فى الكتاب المقدس لأنهما من الكتب الموحى بها. وقد كان لأحشويرش ملك مادى وفارس مثل هذه السفر لأخبار الأيام (إش 6 : 1)، وكذلك كان لغيره من الملوك.
(ب) وقد يكون (سفر أمور سليمان) كتاباً تاريخياً كتبه أحد المؤلفين المعجبين بسليمان ضمنته الكثير من أعماله، وأمثلة كثيرة من مظاهر حكمته.
والكتاب المقدس الذى يشجع على الاطلاع والقراءة والبحث العلمى المفيد يلفت نظر الراغبين فى معرفة المزيد عن سليمان أن يرجعوا إلى هذا الكتاب إذا أرادوا. وكلمة (سفر) بوجه عام تعنى أى كتاب سواء كان من الكتب الموحى بها أو من غيرها.
42- وكانت الأيام التى ملك فيها سليمان فى أورشليم على كل إسرائيل أربعين سنة.
ملك سليمان أربعين سنة ربما من بينها المدة التى ملكها فى حياة أبيه (ص1: 45),   (1أى29: 22, 23). وقد ملك سليمان أربعين سنة كلها (فى أورشليم) و (على كل إسرائيل). وملك داود أيضاً أربعين سنة، غير أن سبعاً منها ملكها فى حبرون على سبط يهوذا فقط، وثلاثا وثلاثين ملكها فى أورشليم (1أى29: 27).
43 – ثم اضطجع سليمان مع آبائه ودفن فى مدينة داود أبيه. وملك رحبعام ابنه عوضاً عنه.
(1) رغم أن داود قد تعب كثيراً فى حياته، لأنه نشأ راعياً لغنم أبيه، ولما تعرف على الملك شاول لم يهنأ بالسلام كثيراً لأن شاول حسده وطارده وظل يطلب قتله، وحتى بعد أن ملك داود نافسه فى الملك إيشبوشث بن شاول ثم ابنه أبشالوم، بالإضافة إلى الحروب الكثيرة التى خاضها.. رغم هذا فقد عاش سبعين سنة (2صم4), بينما سليمان ولد أميراً، وتربى أميراً، ثم صار ملكاً، وعاش فى بحبوحة من العز والنعيم، ولم تكن هناك حروب فى أيامه، ومع ذلك فإن انحرافه عن طريق الرب وغرقه فى الترف الزائد وانغماسه فى الملذات الجسدية، وكثرة النساء اللاتى تزوج بهن.. كل هذه عملت على إضعاف صحته، وانحلال قواه، فوافته الشيخوخة المبكرة، ومات قبل أن يبلغ الستين من عمره، ويرجح العلماء أن يكون قد توفى فى سن السابعة والخمسين.
(2) “اضطجع مع آبائه” وهكذا “دور يمضى ودور يجئ والأرض قائمة إلى الأبد” (جا1: 4)، ودفن فى “مدينة داود” حيث دفن أبوه داود.
(3) ويتساءل البعض : يا ترى هل مات سليمان فى خطيئته ؟ ومعظم المفسرين يقولون، وجميع المؤمنين يؤملون ذلك، أن سليمان ندم وتاب فى آخر حياته، وفى الغالب ختم حياته بكتابة سفر الجامعة الذى ضمته الكثير من اختباراته وأحداث حياته الماضية، ومما يقوله “أنا الجامعة كنت ملكاً على إسرائيل فى أورشليم” (جا1: 12)، ثم يعدد أعماله التى عمل، وملذاته التى تلذذ بها، حتى إنه يقول (ومهما اشتهته عيناى لم أمسكه عنهما)، ولكن كان القرار الذى يكتبه عن كل اختبار من اختباراته : “باطل الأباطيل الكل باطل.. وقبض الريح” (1: 2، 2: 1 – 11)، ولعله ينظر إلى السنوات الخالية التى سار فيها بطيش وحماقة فقال نادماً “قد رأيت الكل فى أيام بُطلى” (جا7: 15)، ولعله فى توبته أيضاً وفى تبكيته لنفسه يكتب اختباره عن الزوجة الشريرة لكى يحذر منها كل رجل فيقول : “… فوجدت أمر من الموت المرأة التى هى شباك وقلبها اشراك ويداها قيود. الصالح قدام الله ينجو منها، أما الخاطئ فيؤخذ بها” (جا 7 : 26). ونحن نرجو أن تكون الخاتمة التى ختم بها هذا السفر الجليل، قد كتبها وهو فى غروب حياته، يودع حياة مضت ويستقبل حياته الأبدية، فيكتب فى هذه الخاتمة الجميلة التى يرسلها عظة إلى كل الأجيال : (بقى أن الجامعة كان حكيماً… الجامعة طلب أن يجد كلمات مسرة مكتوبة بالاستقامة، كلمات حق…. فلتسمع ختام الأمر كله. اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله. لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفى إن كان خيراً أو شراً (جا12: 9 – 14).
 
 
 

Leave a Comment