تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح الحادي عشر – القمص مكسيموس صموئيل

 

الأصحاح الحادي عشر

أنجحت مساعيهم بيد نبي قدير

هنا يتكلم دون ذكر أسماء كعادة الحكيم عن موسى النبي وقيادة الشعب كيف أعطاه الله النجاح في قيادة كل هذا الشعب حيث أُعد للقيادة سنين طويلة مدتها ٤٠ سنة في برية مديان، لأن موسى حاول أن يقتحم القيادة دون الله ففشل إذ رأى عبراني يتشاجر مع مصري فقتل المصري وفي اليوم التالي كان عبرانيان يتشاجران فقال المخطئ لموسى أتريد أن تقتلني مثلما قتلت المصري أمس؟ فخاف موسى وهرب إلى برية مديان وهناك تزوج صفورة ابنة كاهن مديان (يثرون) ورعى غنم حميه.
وبعد ٤٠ عاما أراه الله رؤية العليقة التي بها نار لكنها لا تشتعل وخاطبه بأن يخلع نعليه وأعطاه قوة على القيادة وعمل عجائب حيث تتحول عصاه إلى حية ويده إلى البرص وعودتها مرة أخرى (خر٤: ١- ٧) وساعده هارون في هذا العمل.
ففي كل جيل مهما تكون قوة إبليس يستطيع الله بقوته خلال عمله في أحد الأفراد على إخراج الحق والتصدي للباطل. فقد اجتمع مجمع نيقية بسبب أريوس فأخرج الله الشماس أثناسيوس الذي دحض بدعته، ونسطور فند بدعته القديس كيرلس الكبير.
سار الشعب في برية سيناء بقيادة الله وعمل الله بموسى النبي، وقد أرشدهم الله بعمود الغمام والنار في برية لم تضيء من أحد من قبل ولم يكن الشعب ولا حتى موسى يعرفها وكان عدد المحطات التي اجتازوها ٤٢ محطة، ولم يكونوا رجال حرب فيما قبل إذ تعرض لهم عماليق فأعطاهم الله النصرة هبة من عنده حيث كان موسى فوق التلة يصلي رافعا يديه بواسطة حور وهارون وأسفل التلة كان يشوع يحارب.
لكن إذ عطش الشعب في البرية ونضب الماء في أوعيتهم صرخوا إلى موسى وهارون وكادوا أن يرجموهما فطلب موسى وهارون إلى الله فأمر الله موسى فضرب الصخرة بعصاه فنزل منها ماء بقوة ليشرب كل الشعب، وكانت الصخرة معهم أي في أي مكان ينتقلوا فيه يضرب الصخر فينزل منه ماء (خر١٧: ١- ٧، عد٢٠: ٢- ١٣).
وكانت الصخرة ترمز لربنا يسوع الذي طعن في جنبه على الجلجثة وهو مصلوب (يو١٩: ٣٤) وفاض منه دم وماء (١كو١٠: ٤)، وقد طبق ربنا يسوع على نفسه هذا الرمز إذ كان عيد المظال يحتفل به اليهود ٨ أيام تذكارا لغربتهم في البرية وكانت تقدم فيه ٧٠ ذبيحة ويحتفلوا خلال النور الذي تضاء به كل أورشليم في ساحاتها والماء الذي يجلبونه من بركة سلوام المقدسة ويضعونه على ذبيحة المحرقة الصباحية في موكب، في هذا الوقت وقف ربنا يسوع وقال “من عطش فليقبل إلى ويشرب، من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي، قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو٧: ٣٧- ٣٩).
وقارن الحكيم بين الماء المنبعث من الصخرة أنه ماء نقي روى ظمأ الشعب وبين ضربة الماء التي عملها موسى إذ صار نهر النيل وتحول من ماء عذب إلى دم وماتت الأسماك (خر٧: ٢٠- ٢٢)، لكن على الصليب عندما طعن ربنا يسوع جرى منه دم وماء غير فاسدين بل الدم كان لخلاص العالم والماء لغفران الخطايا بالمعمودية.
إذ أعطى ماء غزير للعبرانيين عندما عطشوا لكن أعطى للمصريين في ضربة الماء الذي تحول إلى دم عوض قتلهم لأطفال العبرانيين فأصبح مصدر الحياة هو مصدر الموت للمصريين عقوبة على سفك دماء الأطفال.
وإذ جعل الله العبرانيين يعطشوا حتى يذوقوا عظم ما عوقب به المصريين حتى لا يخاصموا موسى والله بقلة الإيمان، فكان العطش تأديب أبوي لقليلي الإيمان من العبرانيين وعقوبة لعديمي الإيمان من المصريين الذين جازاهم الله بعدل كما فعلوا بأطفال العبرانيين.
فإن كان الله يمتحن إيمان العبرانيين بالعطش فهو يؤدبهم كأب لكنه كان للمصريين كحاكم عاقبهم بقسوة على قسوتهم السابقة.
فالعطش عذَّب الطرفين المصريين والعبرانيين، المصريين كعقوبة والعبرانيين كتأديب أبوي.
وإذ كان المصريون والشعوب المجاورة يتابعوا أحداث عمل الله مع شعبه في البرية وعرفوا أن شعب الله عطش لكن الله أسقاه تذكروا ما عمله الله معهم فآمنوا إذ حول ماء النيل إلى دم وبهذا الذي كان عقابا لهم أي للمصريين عوقبوا بتحول الماء إلى دم وعطشوا أصبح للعبرانيين إحسان إذ أيضا عطش العبرانيون لكن الله سقاهم من ماء الصخرة فعرفوا أن يد الله هي التي أجرت هذا وذاك.
فالمصريين قبلا سخروا من ضربة موسى بتحويل الماء إلى دم لما علموا عن عطش العبرانيين في البرية ونزول ماء لشرب الشعب عرفوا أن عطشهم أي عطش المصريين غير المؤمنين بالله يختلف عن عطش الأبرار (العبرانيين) الذي تحول إلى ارتواء في البرية وليس بنهر النيل.
إذ عبد قدماء المصريين حيوانات عديدة وحشرات حقيرة مثل الثعبان والجعران والتمساح إله الشر (سبت أو سوبيك) والقرد (تحوت إله الحكمة) والطيور مثل أبي منجل كأحد ممثلي الطيور عن إله الحكمة تحوت، وعبدوا الضفادع وعجل أبيس (حتحور) والكبش (الإله آمون) وغيرهم، ويفسر القديس أنبا أبللو أن حيوانات المزرعة بالأخص كانت تساعدهم في الزراعة مثل البقر والثور فعبدوها. والأرض تنتج لهم زراعة فأيضا عبدوا الأرض أو إله الأرض (جب) والشمس (آتون) والحياة (رع) وإله السماء (توت).
لكن نتيجة لذلك أراد الله إظهار ذاته أنه أقوى من كل هذه الآلهة بالضربات العشر لأن كل ضربة كانت ضد مجموعة من الآلهة فكانت الضربات ٢، ٣، ٤ بواسطة الضفادع التي تشير للهراطقة كثيري الكلام والبعوض لذوي الفلسفات ومعها سم البعوض والذباب.
فعقاب الله بما قد أخطأ به إلى الله أي من نفس نوعية الخطأ يكون العقاب حتى يدرك الإنسان علو الله فإن عبد الإنسان المخلوقات يضربه الله بها دليل على فقدان الإنسان تعقله ولجوءه إلى المخلوقات وشهوة اللذات بها لكنها تعود وتضربه بعقوبة شديدة.
كان الله الذي هو صنع العالم من العدم أو من مادة لا شكل لها كان ممكنا أن يرسل حيوانات مفترسة أو أسود باسلة تميتهم بالخوف بمجرد رؤيتها مثلما حدث في السامرة (٢مل١٧: ١٦).
أو حتى يرسل وحوشا ضارية غير معروفة لبني البشر أو يخلق حيوانات جديدة مملوءة من الغضب أي تحقق عدل الله، وتعمل هذه الوحوش بأن تبعث نفخة نار من أفواهها أو دخان له رائحة كريهة مثلما كانت تعمل الشياطين أو ترسل من أعينها شرار مميت.
فكانت هذه الوحوش تهلك البشر سواء من الخوف من منظرها أو ما تضر به البشر.
وكان ممكنا من ذات الله دون وسيط إذ يبدد الله الأشرار بنفخة فمه أي بروحه القدوس.
لكن الله رتب ويرتب كل شيء بنظام وحكمة لأن الله إله نظام وليس إله تشويش (١كو١٤: ٣٣) هذا الذي جند السماء محصيين أمامه (إش٤٠: ٢٦) وحتى شعور رؤوسنا محصاة عنده (مت١٠: ٣٠).
ولهذا يمر الإنسان بمرحلة عدم إدراكه لخطأه ثم مرحلة إدراكه لخطأه بواسطة الناموس أو الضجر والصراع مع الخطية ثم المرحلة الثالثة السلام سواء في هذه الحياة أو في الأبدية.
فهو قدرته حاضرة في كل وقت فمن يستطيع أن يقاوم ذراعه (أي ابن الله)!!
فالعالم كله كمثل كفة ميزان يزنها الله ببساطة أو كنقطة مياه مثل ندى الفجر الذي يسقط على الأرض أمام قدرته السرمدية.
لكن رغم هذا كله فالله أيضا رحيم يرحم الجميع لأنه قادر على كل شيء ويتغاضى عن خطايا الناس حتى من لطف الله يجعلهم يتوبوا ويرجعوا عن خطاياهم (٢بط٣: ٩).
لأن الله يحب ما صنعه من مخلوقات فلو لم يكن الله يحب المخلوقات لما صنعها، ولو لم يكن يحب الإنسان لما خلقه بل دبر فداءه وتممه في العهد الجديد (يو٣: ١٦).

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment