كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح الحادي عشر – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الحادي عشر

أكثرة الكلام لا يجاوب ؟ أم رجل مهذار يتبرر ؟

  • ” ​فَأَجَابَ صُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ وَقَالَ: أَكَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ يُجَاوَبُ، أَمْ رَجُلٌ مِهْذَارٌ يَتَبَرَّرُ ؟”:-

جاء دور صوفر في الكلام فراح هو الآخر يزيد جروح أيوب جراحا غير قابل أن يسمح له بالتجارب بل اتهمه بكثرة الكلام وعدم الجدية.
صحيح أن كثرة الكلام شيء غير جيد لكن في حالة أيوب هو تعبير عما يشعر به من ألم فمشكلة أصحاب أيوب دائما أن عندهم حق لكن لا يطبقونه في مكانه الصحيح.
فاللسان الكثير الكلام كثير الخطأ لهذا قال ربنا يسوع “بكلامك تتبرر وبكلامك تدان”.
وتكلم معلمنا يعقوب عن شر اللسان كثيرا في (يع ٢) كما أوصى بأن بالاستماع خير من الكلام.
كثير الكلام يكون يخفي وراءه خطايا في قلبه.
كثرة الكلام أيضا دليل على فراغ الإنسان داخليا.
قال إشعياء النبي الحكيم “عمل العدل سكونا” (إش٣٢: ١٧).
وصف سليمان الإنسان الكثير الكلام بلا سيطرة على فمه كمدينة متهدمة بلا سور (أم٢٥: ٢٨).
في المزامير “رجل كثير الكلام لا يثبت في الأرض” (مز١٤٠: ١١).
كما طلب داود من الله أن يضع حارسا على فمه (مز١٤١: ٣).
يقول سليمان الحكيم “للسكوت وقت وللكلام وقت” (جا٥: ٧).

  • ​” أَصَلَفُكَ يُفْحِمُ النَّاسَ، أَمْ تَلْغُو وَلَيْسَ مَنْ يُخْزِيكَ ؟”:-

اعتبر صوفر بالإضافة لكلامه السابق أن أيوب متصلف أي متكبر وأنه بهذا يكثر الكلام وكان يجب على صديقيه السابقين له في الكلام أليفاز وبلدد أن يبكما أيوب ولا يدعاه يكثر في حديثه.

  • ​” إذ تَقُولُ: تَعْلِيمِي زكِيٌّ، وَأَنَا بَارٌّ فِي عَيْنَيْكَ “:-

تكلم صوفر باتهامات جديدة بأن أيوب يقول أن كلامه وتعاليمه مستقيمة وهذا صحيح أن تعاليمه أكثر استقامة لكن أيوب اعترف بأنه خاطئ يحتاج إلى مغفرة، واتهمه أيضا أنه بار وإن كان أيوب يعترف بأنه خاطئ فيكون اتهام صوفر له غير مستقيم وغير مضبوط.

  • ​” وَلكِنْ يَا لَيْتَ اللهَ يَتَكَلَّمُ وَيَفْتَحُ شَفَتَيْهِ مَعَكَ “:-

ادعى صوفر أن الله عندما يفتح فاه ويتكلم سيقول كما قال صوفر وأصحابه بعدم استقامة أيوب.
لكن ما تمناه صوفر حدث بأن تكلم الله لكن عكس ما تكلم به صوفر فإنه برر أيوب وأدانهم وطلب منهم أن يعتذروا له وأن يطلبوا صلواته (أي ٤٢).
فالإنسان عندما يتكلم بالصدق يمدح مثلما مدح ربنا يسوع بطرس عندما اعترف بأن ربنا يسوع هو ابن الله الحي (مت١٦: ١٧)، لكنه عندما حاول بطرس أن يثني ربنا يسوع عن الصلب بقوله حاشاك يا رب أن تصلب فكان رد ربنا يسوع “اذهب عني يا شيطان لأنك تهتم فيما للناس لا فيما لله” (مر٨: ٣٣).

  • ​”وَيُعْلِنُ لَكَ خَفِيَّاتِ الْحِكْمَةِ! إِنَّهَا مُضَاعَفَةُ الْفَهْمِ، فَتَعْلَمَ أن اللهَ يُغْرِمُكَ بِأَقَلَّ مِنْ إِثْمِكَ”:

معرفة خفيات الحكمة :-
هي ليست معرفة الحكمة من الأشياء الظاهرة مثل التأمل في المخلوقات ومعرفة سبب وجودها أو عملها الظاهر مثل الشمس والقمر والنبات والحيوان لكن تعني معرفة حكمة الله وراء الأحداث التي تجري لأولاد الله أو للناس أو العالم ولو أن صوفر قد أساء في اتهام أيوب بإثم فهو لم يعرف هذا النوع وهذا يسميه الحكمة المضاعفة.
والحكمة المضاعفة تشمل الآتي :-
قلنا أنها الحكمة وراء الأحداث لأولاد الله وسائر البشر.
وأيضا هي محبة الله ومحبة الغريب.
ومحبة الله تشمل محبة الله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة ومن كل الفكر (تث ٦).
ومحبة القريب تشمل البعد عن بغضة أي إنسان (طوبيا٤: ١٥)، وكل ما نريد أن يفعله الناس بنا نفعله نحن أيضا بهم (مت٧: ١٢).
بل محبة القريب تشمل “المحبة تتأنى وترفق، المحبة لا تحسد ولا تتفاخر ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق” (١ كو١٣: ٤- ٦).
لكن للأسف صوفر جاء يقول أن الله يؤدب أيوب بأقل مما يستحقه، هذا وقد شبه   ق. إغريغوريوس الكبير صوفر بإنسان ذهب مع صاحبه لمساعدته في تقطيع الحطب بالفأس فضرب الفأس بعدم حكمة فأصابت رأس صاحبه فحطمتها بدل من مساعدته، ولهذا يكون التأديب بحكمة لئلا نخسر أو يخسر الإنسان المؤدب كل ما له من رجاء (٢ كو٢: ٧، ٨).

  • ​” أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي ؟”:-

إن كنا لا نستطيع أن ندرك قوة وحكمة أعمال الله فهل ندرك الله في عمقه وإلى منتهاه؟!! فمن يدرك شيئا منهما لا يعود يرتبط بالأرضيات.
إننا نحاول أن ندرك أثار خطوات الله في قلبنا وعمقها ولكن محبة القدير اللانهائية لا نصل إليها.
في الأرض ندرك عمق الله ونهايته جزئيا لكن في السماء سوف نراه كما هو حيث نترك الجزء لكي نعلم بالكل.

  • ​” هُوَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، فَمَاذَا عَسَاكَ أن تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ الْهَاوِيَةِ، فَمَاذَا تَدْرِي؟  أَطْوَلُ مِنَ الأَرْضِ طُولُهُ، وَأَعْرَضُ مِنَ الْبَحْرِ “:-

إن كانت السموات مرتفعة فالله أعلى منها فمن يريد أن يسمو عن الأرضيات عليه أن يرتفع بما لا يقاس.
وهو أعمق من الهاوية لأنه نزل إليها وفتح متاريسها الحديد وأبوابها النحاسية وأطلق المحبوسين فيها على رجاء.
هو أطول من الأرض حتى يجعلنا نثمر فيها ونثبت رجاءنا فيه، وأعرض من البحر عندما تكون حياتنا مضطربة يقول لها أو للبحر ابكم فتسير في سلام.
عجيبة هي معرفته فوقي (مز٣٩: ٦).

  • ​” إن بَطَشَ أو أَغْلَقَ أو جَمَّعَ، فَمَنْ يَرُدُّهُ ؟”:-

إن غضب الله أو أغلق على أحد في الجحيم أو في القبر أو اصطاد إنسان هارب من عدالته فمن يرده لأنه عادل؟! فلماذا يخشى الإنسان العدل ويهرب منه؟ فالإنصاف       هو صفة الله فهو لا يغضب على إنسان باطلا ولا يغلق عليه باطلا أو يصطاده بعنف دون وجه حق إنما جرم الإنسان وخطيته هي التي تجعل عدل الله يبطش بالمتكبر مثلما نزل ملاك الرب وقتل من جيش سنحاريب ١٨٥.٠٠٠ لأنه تعالى وتكبر على الله وعلى شعبه، وأغلق الله على فرعون البحر لأنه لم يتعلم من الضربات العشر ولا من شق البحر فجاز وراء شعب أعزل في وسط البحر بــ ٦٠٠ عجلة حربية، وعندما سرق عخان بن كرمي عرَّف الله يشوع أن عخان هو الذي سرق فانهزم جيش إسرائيل أمام عاي فمن يهرب من العدالة إلا المسيئ إليها أو الذي لا يحب العدل.

  • ​” لأَنَّهُ هُوَ يَعْلَمُ أُنَاسَ السُّوءِ، وَيُبْصِرُ الإِثْمَ، فَهَلْ لاَ يَنْتَبِهُ ؟”:-

الله كامل في معرفته فهو يعرف الإنسان السيئ أي الباطل الذي يعمل الرديء أو السوء بل إنه يبصر الإثم حتى لو كان يعمله خفية غير مرئي للناس أو حتى كان الإثم كفكر في القلب فالله يعلمه بل ينتبه إليه لأن الله عادل ويعاقب على الآثام لأن كل خطية يفعلها البشر سيؤدوا عنها حسابا يوم الدينونة العادلة، الذين يفعلون الشر والذين يفعلون الإثم حتى لو في قلوبهم فهو سيجازي عن الكل.
ويلاحظ هنا التدرج يعلم ثم يبصر ثم ينتبه لكن الله يعرف كل شيء معرفة كلية لكن نحن نعبر عن معرفته بلغة البشر.

  • ​” أما الرَّجُلُ فَفَارِغٌ عَدِيمُ الْفَهْمِ، وَكَجَحْشِ الْفَرَا يُولَدُ الإنسان “:-

إذ وصف أيوب نفسه باتضاع أنه مثل حمار ينهق عندما يكون جائع اتخذ صوفر هذا التشبيه من فمه وأعاد وصفه.
إذ وصف أيوب بأنه رجل فارغ متكبر لديه أفكار وخطايا سيئة ولهذا هو فاقد الفهم، الشهوات أعمت عينيه الداخلية، بل صار كجيش الفرا أي الحمار الوحشي الذي لا يخضع لنير أي لا يريد طاعة الله ووصاياه عائش في البرية في حرية.
صحيح أن البشرية عانت من كل هذا لكن أيوب ليس مثل هذا التشبيه.
فقد شُبه الإنسان العاقل الذي هو ميزته العقل بالحمار والثور (إش١: ١)، وأيضا بالسنونة، بل دعى سليمان الحكيم الإنسان أن يتعلم من النحلة، بل دعى الإنسان أيضا أفعى هكذا انحدر الإنسان العاقل إلى مستوى هذه الكائنات الغير عاقلة إذ فقد صورة الله في روحه العاقلة الناطقة لهذا تجسد ابن الله في مزود بهائم لكي يرفعنا إلى مستواه هو لأننا أصلا على صورته هو ومثاله هو.

  • ​” إن أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ، وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ. إن أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ “:-

يوضح صوفر خطوات التوبة كالآتي :-

  1. إعداد القلب وتنظيفه.         الصلاة ببسط اليدين.
  2. البعد عن عمل الشر.       البعد عن الظلم.

وعامة ضد أي خطية يفعل عكسها مثل :-

  • ضد الكذب الصدق.     – ضد الشك الإيمان.
  • ضد الخبث البساطة. – ضد الاضطراب الوضوح والثقة.
  • ضد القسوة الحنان. – ضد الوحشية الرأفة.
  • ضد اللذة الألم. – ضد فرح العالم فرح المسيح.
  • ضد الحزن الفرح. – ضد الأغاني التسابيح الروحية.
  • ضد الشهوة الجسدية الشهوة الروحية.
  • ضد الرغبات الجسدية الرغبات الروحية.
  • ضد النظرة الجسدية النظرة الروحية.
  • ضد التطلع للأمور المنظورة التأمل فيما لا يرى.
  • ضد الإعجاب والفرح والفخر بأنفسنا الاتضاع والرجاء في الرب.
  • ضد الارتباط بالعائلة الجسدية الارتباط بالعائلة السماوية.
  • ضد الحياة في سكن أرضي الحياة في سكن سماوي في أورشليم السماوية.
    • ​” حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا وَلاَ تَخَافُ “:-

عندما يفعل ما سبق وقاله في استعداد قلبه لله وفي الصلاة وفي البعد عن عمل الشر وفي إبعاد الظلم يستطيع أن يرفع وجهه بلا عيب إذ الوجه يعبر عن القلب حيث ينصلح القلب ينصلح الوجه، فعندما يتبرر الإنسان لا يعود يخاف شيء لأن الخوف من الخطية ونتائجها هو من قلة الإيمان وهو خطية فعدم الخوف علامة الالتحام ببر الله لأن الله هو البر نفسه.

  • ​”لأَنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا. وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلاَمُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا”:

يقول عندما تنتهي التجربة تصبح لا شيء مثلما تلد الأم ابنا فإنها تفرح وتنسى تعب الولادة الشديد المشبه بالموت لكنها تفرح لأنها جاءت بإنسان إلى العالم هكذا تعبر التجربة وتفرح بثمارها فلا تذكرها.
حينئذ يضيء ظلام تجربته إلى نور قوي مثل الشمس في الظهيرة وظلام ليل تجاربك يتحول صباح وبهذا فتح صوفر وقبله أليفاز (أي٥: ٨) وبلدد (أي٨: ٥) الرجاء أمام أيوب، وهكذا تعبر الضيقات على بني البشر وتثمر في حياتهم كشمس الظهيرة نورا وتحول ظلامهم صباحا هو صباح القيامة بعد ظلمة الصليب الذي حول الظهيرة ظلاما لما صُلب رب المجد.

  • ​” وَتَطْمَئِنُّ لأَنَّهُ يُوجَدُ رَجَاءٌ. تَتَجَسَّسُ حَوْلَكَ وَتَضْطَجِعُ آمِنًا “:-

إذ يجاهد الإنسان على رجاء الثمر ويتعب في الحياة بالجهاد حتى يحصد في الأبدية كما يتعب الزارع إذ يزرع بالدموع ويحصد بالابتهاج (مز١٢٦: ٦)، وإن كنا نتألم معه في هذه الحياة فأيضا سنتمجد معه في الحياة الأخرى (٢ تي٢: ١١، ١٢) فإنه بضيقات كثيرة ندخل ملكوت السموات لكن هناك رجاء (أع١٤: ٢٢).
فالجنود في الحرب حتى يعيشوا في أمان يحفرون خندق لكي يناموا فيه غير مبالين بشيء سوى نصرتهم.

  • ​” وَتَرْبِضُ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى وَجْهِكَ كَثِيرُونَ “:-

يربض الإنسان (الخروف) داخل المرعى أو الحظيرة آمناً حيث يجد كل شيء من روحيات في سلام ولا شيء يفصل الإنسان عن محبة الله (رو٨: ٣٨، ٣٩)، بل ينطبع على وجهه الله فيرى الناس الله في وجهه لأنه يكون في قلبه كما كان أبناء أنبا أنطونيوس لا يتكلمون في وجوده حيث يروا نعمة الله على وجهه فلهذا يطلبوا إلهه الذي يتمجد فيه.
ويمسك الإنسان بالله المحب كما يمسك الموت بالإنسان (نش٨: ٦).

  • ” ​أَمَّا عُيُونُ الأشرار فَتَتْلَفُ، وَمَنَاصُهُمْ يَبِيدُ، وَرَجَاؤُهُمْ تَسْلِيمُ النَّفْسِ “:-

العين هي النية والهدف من الأفعال فإن كانت نيتنا وأفكارنا الداخلية جيدة يكون كل شيء جيد لكن الشرير هدفه هو العالم والمكاسب المادية وهذه تباد وملجأه في هذا العالم، أمواله أو سلطانه كله في زمن قليل يفنى، هذا الذي افتكروا أن به تسلم نفوسهم لكن السلام لا يكون إلا من الله واهب ومعطي السلام الحقيقي.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment