تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الثاني عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

فى هذا الأصحاح :

(1) رحبعام يذهب إلى شكيم (ع1).
(2) مجئ يربعام من مصر ومفاوضته على رأس رجال إسرائيل مع رحبعام  (ع2- 5).
(3) مشورة الشيوخ ثم الأحداث على رحبعام (ع6-11).
(4) أخذ رحبعام بمشورة الأحداث ورده على الشعب (ع12-15).
(5) انصراف الأسباط عن رحبعام وتمسك يهوذا به (ع16-17).
(6) إرسال أدورام لمواجهة الأسباط ورجمه وهروب رحبعام إلى أورشليم (ع18).
(7) تمليك الأسباط ليربعام وانقسام المملكة (ع19-20).
(8) رحبعام يفكر فى محاربة الأسباط والرب يمنعه من محاربتهم (ع21-24).
(9) يربعام فى شكيم ثم فى فنوئيل (ع25).
(10) خطط يربعام الشريرة لإبعاد الشعب عن أورشليم وعن بيت داود (ع26-33).
1- وذهب رحبعام إلى شكيم لأنه جاء إلى شكيم جميع إسرائيل ليُملِّكوه.
(1) ملك رحبعام بعد موت أبيه سليمان، ومن الطبيعى أن سبط يهوذا مسحه فى أورشليم لأنها العاصمة وكان فيها بيت الله.
(2) ورأت الأسباط الأخرى أن تمسحه أيضاً حتى لا يكون يهوذا هو المنفرد بالعمل، وغيرة الأسباط من يهوذا قديمة العهد، لأن سبط يهوذا كان متفوقاً على الكثير من الأسباط روحياً واجتماعياً، وناله القسط الكبير من البركة التى أعطاها كل من يعقوب وموسى لأسباط إسرائيل، وحتى فى قرعة تقسيم الأرض على يد يشوع كانت رقعة أرضه كبيرة جداً وإن كان قد تنازل عن أجزاء كبيرة منها لإخوته من الأسباط التى تجاوره، وزاد تفوقه لأن الملك تمركز فيه منذ عهد داود.
(3) واختارت الأسباط الأخرى (شكيم) ليمسح فيها رحبعام، لأنها كانت مدينة محايدة لأنها من مدن اللاويين ومن مدن الملجأ (يش20: 7).
و (شكيم) هى (نابلس) حالياً وتقع شمالى أورشليم بنحو خمسين كيلو متراً ونصف. ولها تاريخ هام فى حياة الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب، وقد دفن جسد يوسف فى شكيم (يش24: 32) وكذلك أجساد آباء الأسباط (أع7: 16), وفى شكيم جمع يشوع الشعب وقرأ عليهم التوارة (يش8: 34), كما ألقى فيها خطابه الوداعى عليهم (يش24: 1).
(4) ولعل المحرك الأكبر لاختيار شكيم مكاناً لمسح رحبعام كان سبط أفرايم لأن شكيم كانت فى أرضه وقد أعطاها لللاويين، وكان لسبط أفرايم أهمية كبيرة أيضاً لأن يشوع بن نون كان منه (عد13: 8) , وكذلك صموئيل (1صم1: 21)، وكانت خيمة الاجتماع لأجيال طويلة فى شيلوه إحدى مدن أفرايم (1صم 1 : 3)، ويربعام بن نباط نفسه الذى سنراه بطلاً للثورة ضد رحبعام كان من سبط أفرايم (1مل11: 26),  وبعد انقسام المملكة كانت المملكة الشمالية يطلق عليها أحياناً اسم (أفرايم) لأن هذا السبط كان يمثل الجزء الرئيسى منها ( إش7: 2).
2 – ولما سمع يربعام بن نباط وهو بعد فى مصر لأنه هرب من وجه سليمان الملك وأقام يربعام فى مصر.
كان يربعام بن نباط من رجال سليمان، ورأى سليمان فيه خيانة وأراد أن يقتله فهرب إلى مصر وأقام بها، وسمع بموت سليمان.
3 – وأرسلوا فدعوه. أتى يربعام وكل جماعة إسرائيل وكلموا رحبعام قائلين :
كانت الأسباط تعرف قوة يربعام وكفاءته، فأرسلوا إليه لكى يحضر من مصر، لكى يشترك معهم فى مفاوضتهم لرحبعام فى أمر تخفيف النير عنهم.
4 – إن أباك قسى نيرناً وأما أنت فخفف الآن من عبودية أبيك القاسية ومن نيره الثقيل الذى جعله علينا فنخدمك.كان سليمان قد بنى بيت الرب، وبيوتاً أخرى للمملكة ولنفسه (1مل9), وقام بأعمال أخرى كثيرة يذكر بعضاً منها فى سفر الجامعة (جا2), وكانت المئونة اليومية لبيت الملك مئونة كبيرة (1مل4), وبالرغم من أن المسخرين للعمل كان معظمهم من الشعوب الأخرى والعمل الذى قام به رجال إسرائيل كان خفيفاً ومؤقتاً وكانوا يقومون به فى نوبات منظمة يستريحون بعدها ويؤدون أعمالهم العادية، كما أن سليمان لم يجعلهم مسخرين بل أمراء ورؤساء (1مل4), ورغم أن المؤن كانت معظمها من الشعوب التى تحت سلطته، ومع ذلك فإن بنى إسرائيل حسبوا الأعمال التى قاموا بها نيراً قاسياً وثقيلاً.
وقد جاءوا إلى رحبعام وطلبوا إليه أن يخفف عنهم النير والعبودية، ووعدوه قائلين (فنخدمك) أى نصير لك عبيداً طائعين.
5 – فقال لهم اذهبوا إلى ثلاثة أيام أيضاً. ثم ارجعوا إلىَّ. فذهب الشعب
طلب إليهم رحبعام أن يعطوه فرصة ثلاثة أيام للتفكير فى الأمر وأمرهم أن يذهبوا إلى بيوتهم ثم يرجعوا إليه فذهبوا.
6 – فاستشار الملك رحبعام الشيوخ الذين كانوا يقفون أمام سليمان أبيه وهو حى قائلاً. كيف تشيرون أن أرد جواباً إلى هذا الشعب. 7 – فكلموه قائلين إن صرت اليوم عبداً لهذا الشعب وخدمتهم وأجبتهم وكلمتهم كلاماً حسناً يكونون لك عبيداً كل الأيام.
(1) عمل رحبعام حسناً فى أول الأمر لأنه استدعى (الشيوخ) المحنكين وأصحاب الخبرة، الذين كانوا مشيرين لأبيه سليمان نفسه واقتبسوا أيضاً من سياسته وحكمته، وسألهم رحبعام كيف يرد على طلب شعبه.
(2) وكان الشيوخ حكماء جداً لأنهم عَّرفوه بأن يكون لطيفاً نحو شعبه، وقالوا له:
( أ ) “إن صرت اليوم عبداً لهذا الشعب وخدمتهم” لأنه مفروض على الحاكم والرئيس أن يخدم شعبه ويصير بينهم كعبد لهم لكى يأسر قلوبهم بحبه، ورب المجد كان بين تلاميذه كمن يخدم (يو13: 14) وقد أعلن أن “ابن الإنسان أيضاً لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين). (مر10: 45).
(ب) “وأجبتهم وكلمتهم كلاماً حسناً “، لأنه كان عليهم أن يجيبهم إلى طلبهم، وأن يجيب أيضاً على طلبهم بكلام حسن يرضيهم.
(ج) “يكونون لك عبيداً كل الأيام”، يكسب حبهم، ويخلصون “ويتفانون فى خدمته والوفاء له طول حياته”.
8 – فترك مشورة الشيوخ التى أشاروا بها عليه واستشار الأحداث الذين نشأوا معه ووقفوا أمامه. 9 – وقال لهم بماذا تشيرون أنتم فنرد جواباً على هذا الشعب الذين كلمونى قائلين: خفف من النير الذى جعله علينا أبوك.
كان من اللائق أن يأخذ رحبعام بمشورة الشيوخ الحكيمة، ولكنه للأسف ترك مشورتهم واستشار الشبان الذين ” نشأوا معه” فى الغالب على الترف واللهو والطياشة، و “وقفوا أمامه” ليخدموه ويكونوا له مشيرين، وانطبق عليه وعليهم المثل الذى يقول : (إن الطيور على أشكالها تقع).
10 – فكلمه الأحداث الذين نشأوا معه قائلين : هكذا تقول لهذا الشعب الذين كلموك قائلين إن أباك ثقل علينا وأما أنت فخفف من نيرنا. هكذا تقول لهم إن خنصرى أغلظ من متنى أبى. 11 – والآن أبى حملكم نيراً ثقيلاً وأنا أزيد على نيركم. أبى أدبكم بالسياط وأنا أؤدبكم بالعقارب.
كان الأحداث طائشين، وكانت مشورتهم طائشة وفاسدة. لأنهم أوعزوا إليه أن يرد على شعبه رداً قاسياً سميجاً ويقول لهم :
( أ ) “إن خنصرى أغلظ من متنى أبى” : والخنصر هو الأصبع الصغير الرفيع، و(متن) الإنسان ظهره والمقصود (بمتنى أبى) هنا فى الغالب حقواه أى الجزء العريض أسفل الظهر بجانبيه وما يحيط بهما من العصب واللحم. وكأن (خنصر) يربعام وهو أرفع أصبع، أغلظ من أعرض جزء من ظهر أبيه، يا للغرور!.
(ب) “والآن أبى حملكم نيراً ثقيلاً وأنا أزيد على نيركم” : إن كان قد ثقل عليكم، فأنا أثقل عليكم أكثر.
(ج) وإن كان قد أدبكم بالضرب (بالسياط) (جمع سوط أى كرباج) فأنا أؤدبكم (بالعقارب) والسياط توجع وتؤلم فقط، بينما العقارب تؤلم وتسمم وتقتل.
12 – فجاء يربعام وجميع الشعب إلى رحبعام فى اليوم الثالث كما تكلم الملك قائلاً ارجعوا إلىّ فى اليوم الثالث.
جاء نواب الشعب يتقدمهم يربعام بن نباط فى اليوم الثالث بناء على أمره السابق لهم (ع5) ليسمعوا منه جواباً على التماسهم.
13 – فأجاب الملك الشعب بقساوة وترك مشورة الشيوخ التى أشاروا بها عليه.
14 – وكلمهم حسب مشورة الأحداث قائلاً. أبى ثقل نيركم وأنا أزيد على نيركم. أبى أدبكم بالسياط وأنا أؤدبكم بالعقارب.
(1) كان رحبعام جاهلاً جداً لأنه ترك مشورة الشيوخ الحكماء وعمل بمشورة الأحداث القليلة الخبرة، فكلم الشعب (بقساوة) وأجابهم بالعبارات الحمقاء التى تدل على غروره بنفسه وعدم محبته واحترامه لشعبه كما لقنه أصدقاء السوء، وكان من اللائق به أن يترك مشورة الأشرار، وأن يتذكر على الأقل قول أبيه : ” الجواب اللين يصرف الغضب والكلام الموجع يهيج السخط “. (أم15: 1).
(2) يقارن أحد المفسرين بهذه المناسبة بين سليمان الذى ملك وعمره عشرون سنة ومع ذلك فقد كسب محبة الله والناس بحكمته، وبين رحبعام الذى ملك وهو فى الحادية والأربعين  (1مل14: 21) ومع ذلك لم يعرف كيف يسوس شعبه بل خسر ثقتهم وحبهم بجهله وحماقته.
15 – ولم يسمع الملك للشعب لأن السبب كان من قبل الرب ليقيم كلامه الذى تكلم به الرب عن يد أخيا الشيلونى إلى يربعام بن نباط.
كان رحبعام أحمق بطبيعته ولم يكن كاملاً تماماً فى عينى الرب. وكان الرب يستطيع:
(1) أن يمده بنعمته وإرشاده ليرد على الشعب الرد السليم الذى أشار به الشيوخ فيحتفظ بعلاقته بشعبه ويضمن سلامة المملكة، ولكن الرب تركه لذهنه المرفوض (رو1: 28) ومنع عنه معونته لعدم استحقاقه لها من جهة ولكى يحرم الرب بيت سليمان من الجزء الأكبر من المملكة من جهة أخرى نظير حيدانه عن الرب بسبب نسائه الأجنبيات كما سبق وأعلن ذلك ليربعام بن نباط على فم أخيا الشيلونى النبى.
(2) دعى أخيا (الشيلونى) لأنه من (شيلون) أو (شيلو) (مز 78 : 6) أو (شيلوه) التى وضع فيها تابوت العهد وخيمة الاجتماع مدة من الزمان (يش 18 : 1 – 10، قض 21 : 19، 1صم1 : 3) ويرجح أنها الآن سيلون الواقعة شمالى أورشليم بما يقرب من واحد وثلاثين كيلو متراً ونصف.
16 – فلما رأى كل إسرائيل أن الملك لم يسمع لهم رد الشعب جواباً على الملك قائلين: أى قسم لنا فى داود ولا نصيب لنا فى ابن يسى إلى خيامك يا إسرائيل الآن انظر إلى بيتك يا داود وذهب إسرائيل إلى خيامهم. 17 – وأما بنو إسرائيل الساكنون فى مدن يهوذا فملك عليهم رحبعام.
(1) سمع نواب الشعب الجواب القاسى الذى جاوبهم به رحبعام فغضبوا، وردوا عليه بعبارات أشد وأقسى، فى الغالب كان فى صيغة شعر هتفوا به ضد رحبعام وضد بيت داود، وقالوا فى هتافهم :
( أ ) “أى قسم لنا فى داود؟ ” والاستفهام يفيد النفى والاستنكار بمعنى أنه ليس لنا نصيب فى بيت داود، أو ” أى نصيب لنا فى بيت داود بعد هذا الموقف الشاذ من حفيده رحبعام؟ “.
(ب) “ولا نصيب لنا فى ابن يسى” وهو تأكيد للفقرة السابقة، وقد دعوا داود (ابن يسى) دليلاً على عدم إجلالهم له أو تمسكهم به.
(ج) “إلى خيامك يا إسرائيل” : دعوة للشعب لينفضوا من حول رحبعام ويعودوا إلى بيوتهم ويتدبروا فى أمرهم.
(د ) “الآن انظر إلى بيتك يا داود”، تأمل الآن يا داود فى بيتك الذى أصبح كلا شئ وإلى مملكتك التى تقلصت وانكمشت على أيدى أحفادك.
(2) “انظر إلى بيتك يا داود” : مع أن داود قد رقد من زمن، وبعده رقد سليمان، ولكنهم يخاطبونه عالمين أنه حى، وأنه يسمع حديثهم، وأن روحه تتألم لتصرفات أحفاده المنحرفين ولما جروه على مملكة إسرائيل من الوبال. والمؤمنون يعلمون أن قديسى العلى أحياء وأنهم يصلون من أجل إخوتهم الذين على الأرض، ويعرفون الكثير من أحوالهم بالعلم الذى يمنحه الله لهم، ويبالون بأمورهم ويسمعونهم عندما يطلبون صلواتهم من أجلهم ومعونتهم لهم.
(3) للأسف انصرف الشعب عن رحبعام ورفضوا أن يكون ملكاً عليهم ولم يبق معه إلا سبط يهوذا وحده وانضم إليه بنيامين فيما بعد، وانقسمت المملكة هذا الانقسام المؤلم كما سنرى ذلك بالتفصيل.
18 – ثم أرسل الملك رحبعام أدورام الذى على التسخير فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة فمات. فبادر الملك رحبعام وصعد إلى المركبة ليهرب إلى أورشليم.
(1) جرت الأحداث السابقة فى شكيم، وفكر الملك أن يخضع الشعب بالقوة ظناً منه أن الأمر سهل، فأرسل إليهم (أدورام) أو (أدونيرام) رئيس التسخير الذى كان فى أيام داود وسليمان (2صم 20 : 24)، وربما أرسله على رأس قوة من الجيش ليجبر الشعب على الخضوع للملك وتأدية الضرائب التى عليهم وتأدية بعض الأعمال للمملكة، ولكن الشعب رأوا فيه رمزاً للظلم والاستبداد ولا سيما لما سمعوه من رحبعام من الكلام الشديد، فقاموا على أدورام وقتلوه رجما بالحجارة، وظنوا أنهم بقتله قد عبروا عن بغضهم لرحبعام ولعهده القصير الذى اعتبروه عهداً بائداً.
(2) رأى رحبعام تحدى الشعب له، فخاف أن يقتلوه فى شكيم وركب مركبته وأسرع بالهروب إلى عاصمته أورشليم.
19 – فعصى إسرائيل على بيت داود إلى هذا اليوم.
(1) المقصود (بإسرائيل) هنا الأسباط التسعة التى تسكن فى الشمال بالنسبة ليهوذا، وقد انضم لها سبط شمعون أيضاً رغم أنه يسكن فى الجنوب، وقد عصت الأسباط العشرة على بيت داود وخرجت عن حكمه، بينما بقى تحت حكمه سبط يهوذا الذى انضم إليه بنيامين أيضاً.وقوله (إلى هذا اليوم) يعنى إلى يوم كتابة السفر، وبقى الأمر كذلك إلى أجيال طويلة.
(2) ونلاحظ أن الشعب حتى فى غير هذه المناسبة كان على استعداد للانقسام، وقد اعتبر يهوذا أحياناً قسماً قائماً بذاته، واعتبرت الأسباط الأخرى نفسها قسماً آخر ودعت نفسها (إسرائيل) وقد رأينا هذا بعد موت شاول حيث أقام يهوذا داود ملكاً عليهم بينما بقيت الأسباط تحت حكم إيشبوشث بن شاول إلى أن قتل فبايعت داود ليملك عليها  (2صم 2 : 4، 10 5: 4).
20 – ولما سمع جميع إسرائيل بأن يربعام قد رجع أرسلوا فدعوه إلى الجماعة وملكوه على جميع إسرائيل. لم يتبع بيت داود إلا يهوذا وحده.
كان يربعام بين أعضاء الوفد الذى تفاوض مع رحبعام، ويظهر أنه كان يتظاهر بالتباعد عن الجماعة بين الحين والحين حتى لا يظنوا أنه طامع فى الملك، ويظهر أنهم عرفوا منه أنه لن يعود إلى مصر ليسكن فيها كما أنهم سمعوا بكلام أخيا النبى إليه بأنه سيكون ملكاً على إسرائيل بتعيين من الله، فأرسلوا إليه وملكوه عليهم، لأنه كان جبار بأس وله من الصفات ما يؤهله لهذا المركز. وفى نفس الوقت بقى سبط يهوذا تحت حكم رحبعام، فانضم إليه بنيامين بعد ذلك.
21 – ولما جاء رحبعام إلى أورشليم جمع كل بيت يهوذا وسبط بنيامين مائة وثمانين ألف مختار محارب ليحاربوا بيت إسرائيل ويردوا المملكة لرحبعام بن سليمان.
(1) انضم بنيامين إلى أخيه يهوذا، لأنه كان مجاوراً له، ويشاركه فى السكنى فى أورشليم ورأى أنه مما يشرفه أن يكون منتسباً إلى المملكة التى تتمتع بوجود بيت الله فى أرضها وأن يكون ملوكه من نسل داود.
(2) فكر رحبعام فى إخضاع الأسباط المنشقة وجمع رجال الحرب الأكفاء من سبطى يهوذا وبنيامين وعددهم مائة وثمانون ألفاً، ليحاربوا الشعب ويردوه إلى حكمه.
22 – وكان كلام الله إلى شمعيا رجل الله قائلاً. 23 – كلم رحبعام بن سليمان ملك يهوذا وكل بيت يهوذا وبنيامين وبقية الشعب قائلاً. 24 – هكذا قال الرب لا تصعدوا ولا تحاربوا إخوتكم بنى إسرائيل. ارجعوا كل واحد إلى بيته لأن من عندى هذا الأمر. فسمعوا لكلام الرب ورجعوا لينطلقوا حسب قول الرب.
(1) بينما رحبعام ورجاله يستعدون لمقاتلة إخوتهم أرسل الرب نبياً هو (شمعيا) وأبلغهم أمر الرب بألا يحاربوهم بل يرجعوا إلى بيوتهم لأن انقسام المملكة وخروج الجزء الأكبر منها من حكم رحبعام أمر مقرر من قبل الرب.
(2) وقد استجاب يهوذا وبنيامين لأمر الرب ورجعوا لينطلقوا ثانية إلى بيوتهم.
حديث عن مملكتىْ يهوذا وإسرائيل
كانت إسرائيل مملكة متحدة فى حكم شاول وداود وسليمان، وانقسمت هذا الانقسام المؤلم فى عهد رحبعام بن سليمان، وقد تكونت من بنى إسرائيل مملكتان هما :
أولاً : مملكة يهوذا أو المملكة الجنوبية، وكان الملك وراثياً بها لأن ملوكها جميعاً كانوا من نسل داود، وكانت عاصمتهم أورشليم، وتمتع شعبها بوجود هيكل الرب فى أرضهم، وتمسكوا بالكهنوت اللاوى الذى أقامه الرب لخدمته. وقد حكم على هذه المملكة 19 ملكاً يضاف إليهم ملكة واحدة هى (عثليا) وليست من نسل داود ولكنها كانت ابنة أخآب ملك إسرائيل، وتزوجها يهورام ملك يهوذا، ولما مات زوجها ثم ابنها اغتصبت الملك لنفسها، وقتلت بعد وقت وجيز.
كان بعض ملوك هذه المملكة صديقين وبعضهم أشرار. وقد عمرت أكثر من مملكة إسرائيل فابتدأت من سنة 975 ق.م وانتهى أمرها فى سنة 586 ق.م بحصار نبوخذ نصر ملك بابل لأورشليم وسبيه الشعب إلى بابل، فكان عمر المملكة 135 سنة.
(ثانياً) مملكة إسرائيل أو المملكة الجنوبية، وكان الحكم أحياناً وراثياً واغتصب أحياناً بعض رجال جيش الملك لأنفسهم. كان ملوكها 19 ملكاً معظمهم كانوا أشراراً، وقد جعلوا العاصمة أولاً فى شكيم ثم فى فنوئيل ثم ترصة وأخيراً جعلوها فى السامرة.
لم يرتبطوا بهيكل الرب ولا بكهنته الشرعيين، وكان عمر المملكة قصيراً لم يتجاوز 210 سنة، من سنة 930 ق.م إلى سنة 724 ق.م، وانتهى أمرها بحصار سنحاريب ملك أشور للسامرة وسبى شعب إسرائيل إلى أشور، وبذلك كان سقوطها قبل سقوط مملكة يهوذا بنحو 130 سنة.
25 – وبنى يربعام  شكيم فى جبل أفرايم وسكن بها. ثم خرج من هناك وبنى فنوئيل.
(1) جعل يربعام أول ملوك مملكة إسرائيل عاصمته أولاً فى شكيم وقوله (بنى شكيم) ، يعنى أنه وسعها وجمَّلها وأقـام بها عدة إصلاحات، ومر الحديث عن شكيم فى (ع1),   كانت المركز للحركة التى قام بها الشعب ضد رحبعام.
(2) بعد وقت نقل يربعام عاصمته إلى (فنوئيل) بعد أن أجرى بها عدة إصلاحات ومبان وتحصينات.
و (فنوئيل) هى المكان الذى صارع فيه الملاك أبانا يعقوب (تك32: 30)، وقد دعاها (فنوئيل) أى وجه الله لأنه قال إنى رأيت الله وجهاً لوجه، وتقع شرقى الأردن.
26 – وقال يربعام فى قلبه. الآن ترجع المملكة إلى بيت داود. 27 – إن صعد هذا الشعب ليقربوا ذبائح فى بيت الرب فى أورشليم يرجع قلب هذا الشعب إلى سيدهم إلى رحبعام ملك يهوذا ويقتلونى ويرجعوا إلى رحبعام ملك يهوذا.
(1) إن الرب هو الذى أقام يربعام ملكاً على إسرائيل وهو الذى يقدر أن يحفظ له مملكته إذا سار فى طريقه واتكل عليه، ولكن يربعام فكر بفكره البشرى أن يحتفظ بمملكته بتدبيراته الخاصة، وقد انحرف بتدبيراته عن طاعة الرب ووقع فى أخطاء جسيمة.
(2) كان الشعب يقدم ذبائحه فى هيكل الرب فى أورشليم، كما كانوا يصعدون إلى بيت الرب فى الأعياد الثلاثة، عيد الفصح، وعيد المظال كما أمرت الشريعة (تث16)      وفكر يربعام فى نفسه أن الشعب فى زياراته لأورشليم للاحتفال بالأعياد وتقديم الذبائح، سيعودون ويحنون إلى مجد المملكة فى عهد داود وسليمان، ويتوقون إلى الرجوع للخضوع لرحبعام بن سليمان، ويقتلون يربعام للتخلص منه.
28 – فاستشار الملك وعمل عجلى ذهب وقال لهم. كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم. هوذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر. 29 – ووضع واحداً فى بيت إيل وجعل الآخر فى دان.
(1) استشار مشيريه الأشرار، فأشاروا عليه بعمل عجلين من الذهب، وأقام واحداً منهما فى (بيت إيل) فى أقصى الجنوب ليكون قريباً من أسباطه الجنوبية، والآخر فى (دان)فى أقصى الشمال قريباً من الأسباط الأخرى، ثم تظاهر أمام الشعب بأنه مشفق عليهم ويبغى لهم الراحة، ويريد أن يوفر عليهم مشقة السفر الطويل إلى أورشليم، وقال لهم : (كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم )، أى أن سفركم شاق عليكم، ويحسن أن تتوجهوا إما إلى دان أو إلى بيت إيل وكل منهما قريبة إلى بعض الأسباط. ثم قال العبارة التى قالها بنو إسرائيل قديماً عندما عملوا العجل الذهبى “هذه آلهتك يا إسرائيل الذين أخرجوك من أرض مصر” (خر32: 4).
يا للعار! نسبوا عمل الله العظيم إلى عجلين مصنوعين من الذهب ونسوا وصية الرب: (لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً….) (خر20: 4).
(2) لعل يربعام أراد أن يوهم الشعب أن قوة يهوه تحل فى العجلين وتتجلى فيهما، ولكن عمله كان خاطئاً،ومحاولة دنيئة لصرف الشعب عن بيت الرب، كما أن الشعب ظنوا أن العجلين هما إلهان، فألهوا المخلوق ونسوا الخالق الإله الحقيقى.
30- وكان هذا الأمر خطية وكان الشعب يذهبون إلى أمام أحدهما حتى إلى دان.
(1) “كان هذا الأمر خطية ” لأنه أصبح معثرة للشعب، صرفهم عن عبادة الرب وجعلهم يعبدون العجلين.
(2) “وكان الشعب يذهبون إلى أحدهما ” العبارة فيها إيجاز بليغ، ومعناه أن الشعب كانوا يذهبون لزيارة هذا العجل أو ذاك.
(3) “حتى إلى دان” : لم يذهبوا إلى (بيت إيل) القريبة نسبياً فقط، بل ذهب بعضهم حتى إلى (دان) رغم بعدها الشاسع لوقوعها فى أقصى الشمال.
31 – وبنى بيت المرتفعات وصير كهنة من أطراف الشعب لم يكونوا من بنى لاوى.
إن خطية يربعام جلبت وراءها خطايا أخرى كثيرة، فإنه لم يكتف بإقامة العجلين، بل:
( أ ) (بنى بيت المرتفعات) أى أقام للعجلين هياكل ومذابح على الأماكن المرتفعة فى بيت إيل وفى دان كما كانت الشعوب تعمل لآلهتها.
(ب) (وأقام كهنة من أطراف الشعب) أى من الطبقات الدنيا والحقيرة ولم يكونوا كهنة قانونيين لأنهم ليسوا من سبط لاوى. ونقرأ فى (2أى11 : 13، 14) أن اللاويين لما رأوا انحراف يربعام عن عبادة الرب تركوا المدن ولجأوا إلى أورشليم.
32 – وعمل يربعام عيداً فى الشهر الثامن فى اليوم الخامس عشر من الشهر كالعيد الذى فى يهوذا. وأصعد على المذبح. هكذا فعل فى بيت إيل بذبحه للعجلين اللذين عملهما. وأوقف فى بيت إيل كهنة المرتفعات التى عملها.
(1) رتب يربعام من نفسه عيداً لكى يعيده الشعب فى اليوم الخامس عشر من الشهر الثامن بدلاً من عيد المظال الذى رتبه لهم الرب فى الخامس عشر من الشهر السابع    (لا23) والذى كان شعب يهوذا يمارسونه حسب الشريعة.
(2) “وأصعد على المذبح” : أصعد ذبائح للعجلين فى دان وبيت إيل وقد خص (بيت إيل) بالذات لأنها كانت المركز الرئيسى للعبادة لأن فيها بيت يربعام ومقدسه (هيكله) الذى يعبد فيه (عا7: 13)، ولذلك فيرجح أنه جعلها المركز الرئيسى للاحتفال بالعيد الذى اخترعه، كما أنه “أوقف فيها كهنة المرتفعات” أى جعل مركزها الرئيسى فيها أيضاً.
33 – وأصعد على المذبح الذى عمل فى بيت إيل فىاليوم الخامس عشر من الشهر الثامن فى الشهر الذى ابتدعه من قلبه. فعمل عيداً لبنى إسرائيل.وصعد على المذبح ليوقد.
(1) أصعد ذبائح وقرابين على مذبح بيت إيل فى العيد الذى رتبه فى الخامس عشر من الشهر الثامن، الشهر الذى “ابتدعه من قلبه” أى اخترعه بفكره وليس حسب الترتيب الذى وضعه الرب.
وابتداع أمر ما هو ما ندعوه أيضاً البدعة. وأول ما ذكر هذا فى سفر العدد حينما طلب موسى من الرب أن (يبتدع) أمراً جديداً فتفتح الأرض فاها وتبتلع قورح وداثان وأبيرام وأتباعهم، وفعل الرب هذا وكان أول عقاب من نوعه للأشرار (عد16). وهنا يدعو الوحى عمل يربعام (ابتداعاً) لأن الرب لم يعين لهم عيداً فى الشهر الثامن. والكنيسة تدعو كل اختراع بشرى فى الدين (بدعة) إذا لم يكن للبنيان وموافقاً لروح كلمة الله.
(2) “وصعد على المذبح ليوقد “: لم يتورع هو نفسه عن أن ينتحل لنفسه وظيفة الكهنوت فصعد على المذبح وأوقد البخور للآلهة التى عملها.
(3) وهكذا لأجل الاحتفاظ بملكه تدرج من خطية إلى خطية، فعمل عجلين ليعبدهما الشعب، وصرف الشعب عن عبادة الرب، وعن زيارة هيكله فى أورشليم والاحتفال بأعياده المقدسة، وأقام كهنة من غير اللاويين، واخترع عيداً ليس له وجود فى شريعة الرب، وبنى مرتفعات لآلهته، وادعى الكهنوت وأصعد محرقات وأوقد بخوراً بنفسه.
ولئن كان (يربعام بن نباط) مؤسساً لمملكة إسرائيل، فإن الوحى يعتبره مؤسساً للشر فى هذه المملكة، وقد سبب عثرة لشعبه، والكتاب يضرب به المثل فى التوغل فى المعاصى والبعد عن الله، وكان الرب يشبه به كل ملك منحرف، وبعيد عن الرب، فيقول عنه إنه صار فى طريق يربعام بن نباط الذى أخطأ وجعل إسرائيل يخطئون).
والناس فى كل زمان خبر وسيرة، إما خبر طيب وسيرة عطرة، وإما خبر ردئ وسيرة ذميمة منتنة، فتدبر أيها الحبيب فى أمرك لتكون بركة فى حياتك، ويكون ذكرك للبركة سواء فى الحياة أو بعد الموت.
 

Leave a Comment