تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الثالث عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) نبوة رجل الله عن المذبح وحديثه مع يربعام (ع1-10).
(2) النبى الشيخ يستضيف رجل الله فى بيته (ع11-19).
(3) إنباء الله للشيخ بما يحدث لرجل الله نتيجة لعدم طاعته لقول الرب (ع20-22).
(4) الأسد يقتل رجل الله (ع23-25).
(5) النبى الشيخ يدفن رجل الله ويوصى بأن يدفنوه معه بعد موته (ع26-32).
(6) يربعام يستمر فى خطاياه وبدعه (ع33).
1 – وإذا برجل الله قد أتى من يهوذا بكلام الرب إلى بيت إيل ويربعام واقف لدى المذبح لكى يوقد.
كان يربعام واقفاً لدى المذبح الذى أقامه فى بيت إيل ليوقد البخور منتحلاً لنفسه وظيفة الكهنوت، فأرسل الله أحد أنبيائه من مملكة يهوذا لكى يوبخه على خطاياه وينبئه بما يكون ولكهنته الكذبة فى مستقبل الأيام.
2 – فنادى نحو المذبح بكلام الرب وقال. يا مذبح يا مذبح هكذا قال الرب هوذا سيولد لبيت داود ابن اسمه يوشيا ويذبح عليك كهنة المرتفعات الذين يوقدون عليك وتحرق عليك عظام الناس.
(1) تكلم نبى الله إلى المذبح بكلمة الرب وأنبأ بأن ملكا بيهوذا سيولد من بيت داود وعين اسم ذلك الملك بأن اسمه (يوشيا)، فيغار للرب ويهجم على مملكة إسرائيل ويقتل كهنة عجلى الذهب على المذبح، ويحرق عليه عظام الناس الأشرار.
(2) كان ظهور يوشيا بعد هذا الكلام بنحو ثلاثة قرون ونصف ويستبعد البعض أن يعين الرب اسمه قبل هذه المدة الطويلة، حتى إن البعض يظنون أن يوشيا هو الذى كتب اسمه هنا كحاشية تفسيرية، ولكننا نقول إن الرب عالم بالمستقبل علمه بالماضى وبالحاضر وهو الذى أنبأ باسم يوشيا بالفعل كما أنبأ باسم إسحق وباسم يوحنا المعمدان قبل ولادتهما (تك18: 10، لو1: 13).
3 – وأعطى فى ذلك اليوم علامة قائلاً هذه هى العلامة التى تكلم بها الرب هوذا المذبح ينشق ويذرى الرماد الذى عليه.
(1) وأكد النبى كلامه بعلامة أعطاها الرب لكى يصدق يربعام وشعبه نبوته عن المذبح، وهذه العلامة أن المذبح ينشق ويسقط من عليه التراب الذى فوقه. وقد تمت العلامة فعلاً كما نرى ذلك فى (ع5).
(2) ونرى توضيحاً لنبوة النبى عن ظهور يوشيا وغيرته للرب فى شرح (ع 10).
4 – فلما سمع الملك كلام رجل الله الذى نادى نحو المذبح الذى فى بيت إيل مد يربعام يده عن المذبح قائلاً امسكوه. فيبست يده التى مدها نحوه ولم يستطع أن يردها إليه.
استشاط يربعام غضباً عندما سمع كلام النبى ورفع يده عن المذبح وأشار بها إلى الحاضرين لكى يقبضوا على النبى، وبمجرد أن أشار بيده إليهم يبست يده وأصيب بشلل فلم يستطع أن يثنيها ثانية ليردها إلى وضعها الطبيعى من جسمه.
5 – وانشق المذبح وذرى الرماد من على المذبح حسب العلامة التى أعطاها رجل الله بكلام الرب.
وتحققت العلامة التى أنبا بها رجل الله بناء على إعلان الرب له، حيث انشق المذبح وانهال التراب من عليه.
6 – فأجاب الملك وقال لرجل الله تضرع إلى وجه الرب إلهك وصل من أجلى فترجع يدى إلىّ. فتضرع رجل الله إلى وجه الرب فرجعت يد الملك إليه وكانت كما فى الأول.
خاف الملك وتخشع قلبه إذ يبست يده وانشق المذبح حسب قول النبى، فطلب إلى النبى أن يتوسل إلى الرب الإله لكى يشفى يده اليابسة، واستجاب رجل الله إلى طلب الملك وتوسل إلى الرب، والرب برحمته شفى يد الملك اليابسة وعادت صحيحة كما كانت أولاً.
7 – ثم قال الملك لرجل الله ادخل معى إلى البيت وتقوت فأعطيك أجرة.
ازداد تخشع الملك إزاء أعمال الله العجيبة، وازداد احترامه لرجل الله وطلب إليه أن يدخل إلى بيته (ليتقوت) أى ليأكل طعاماً يسند به قلبه بعد السفر الطويل، ولكى يعطيه أيضاً (أجرة) ويقصد بها هدية ومكافأة نظير صلاته من أجل يده وشفائها.
وللأسف كان تخشع الملك تخشعاً سطحياً وقتياً لأنه لم يترك آثامه بل كان متمسكاً بها.
8 – فقال رجل الله للملك لو أعطيتنى نصف بيتك لا أدخل معك ولا آكل خبزاً ولا أشرب ماء فى هذا الموضع. 9 – لأنى هكذا أوصيت بكلام الرب قائلاًَ لا تأكل خبزاً ولا تشرب ماء ولا ترجع فى الطريق الذى ذهبت فيه. 10- فذهب فى طريق آخر ولم يرجع فى الطريق الذى جاء فيه إلى بيت إيل.
(1) لم يلب رجل الله دعوة الملك للدخول إلى بيته ليأكل ويشرب، وصمم على ألا يأخذ شيئا من الملك حتى لو عرض عليه أن يعطيه نصف ماله، وأعلم الملك بأن الرب قد أوصاه قبل مجيئه إليه فى بيت إيل ألا يأكل طعاماً أو يشرب ماء فى هذا المكان وعندما يعود إلى بلده يرجع من طريق آخر وليس من الطريق الذى جاء فيه.
وكانت حكمة الرب من منعه عن الأكل والشرب عندهم أن لا يتعرض للأكل مما يذبحونه لأوثانهم، واستنكاراً أيضاً لحياتهم الملوثة التى يجب على أولاد الله أن يتباعدوا عنها. وقد منعه عن الرجوع من الطريق الذى جاء فيه حتى لا يعوقه فى رجوعه أناس كثيرون ممن رأوه فى مجيئه وعرفوه وسمعوا بالآيات العظيمة التى أجراها الله على يده. والرب يريد أولاده أن يتحاشوا مخالطة الأشرار بقدر استطاعتهم وأن يبادروا بالهروب  من مصاحبتهم حرصاً على سلامة حياتهم ونجاة أرواحهم.
 
 
11 – وكان نبى شيخ ساكناً فى بيت إيل. فأتى بنوه وقصوا عليه كل العمل الذى عمله رجل الله فى ذلك اليوم فى بيت إيل وقصوا على أبيهم الكلام الذى تكلم به إلى الملك.
كان هذا النبى الشيخ من بيت إيل، رغم أن يربعام قد جعلها مركزاً لعبادة الأصنام وللفساد، وكان بنو هذا الشيخ قد شاهدوا رجل الله الذى من يهوذا، وسمعوا كلامه أمام يربعام عن المذبح وعن يوشيا، ورأوا المعجزة العظيمة التى فيها يبست يد الملك ثم شفيت ورأوا رجل الله وهو يسير راجعاً إلى وطنه، فجاءوا إلى أبيهم الشيخ وقصوا عليه كل شئ.
12 – فقال لهم أبوهم من أى طريق ذهب. وكان بنوه قد رأوا الطريق الذى سار فيه رجل الله الذى جاء من يهوذا.13 – فقال لبنيه شدوا لى على الحمار. فشدوا له على الحمار فركب عليه.
تعجب النبى الشيخ إذ سمع هذه الأخبار، ودفعه حب الاستطلاع إلى رؤية رجل الله الذى من يهوذا ربما للوقوف منه على مزيد من الأمور والإعلانات الإلهية، فسأل بنيه عن الطريق الذى سار فيه رجل الله، فعرَّفوه عن الطريق، وأمرهم أبوهم أن يعدوِّ له الحمار ليركب عليه، فأعدوه، وركب وسار فى طريقه لعله يلحق برجل الله.
14 – وسار وراء رجل الله فوجده جالساً تحت البلوطة. فقال له أنت رجل الله الذى جاء من يهوذا. فقال أنا هو.
ركب حماره وسار فى الطريق فوجد رجل الله جالساً تحت شجرة بلوط ليستريح من عناء المسير ذهاباً وإياباً. وسأله الشيخ إن كان هو رجل الله الذى من يهوذا، وأجابه رجل الله بالإيجاب.
15 – فقال له سر معى إلى البيت وكل خبزاً. 16 – فقال لا أقدر أن أرجع معك ولا أدخل ولا آكل خبزاً ولا أشرب معك ماء فى هذا الموضع. 17 – لأنه قيل لى بكلام الرب. لا تأكل خبزاً ولا تشرب هناك ماء ولا ترجع سائراً فى الطريق الذى ذهبت فيه.
طلب الشيخ من رجل الله أن يذهب معه إلى بيته ليأكل طعاماً ويشرب ماء ويستريح ولكن رجل الله أعلمه أنه لا يستطيع ذلك، وأعلمه بأمر الرب المشدد له بألا يأكل أو يشرب فى بيت إيل ولا حتى يرجع إلى أرض يهوذا من الطريق الذى جاء فيه، بل يرجع من طريق آخر (ع10).
18 – فقال له أنا أيضاً نبى مثلك. وقد كلمنى ملاك بكلام الرب قائلاً ارجع به معك إلى بيتك فيأكل خبزاً ويشرب ماء. كذب عليه. 19 – فرجع معه. وأكل خبزاً فى بيته وشرب ماء.
رغم أن هذين الرجلين نبيان، فإن كلا منهما وقع فى خطأ جسيم، لأنهما بشر قد تعرضا للسقوط كما يتعرض كل إنسان، وواحد فقط هو البار الكامل، الرب يسوع المسيح الذى لم يفعل خطية ولم يوجد فى فمه غش (1بط2: 22). والكتاب المقدس لنزاهته وصدقه يذكر الأمور كما حدثت لكى يتعلم منها المؤمنون ويحيوا فى يقظة وحذر وحرص، ونرى فى أمر هذين الرجلين :
(أولاً) : إن النبى الشيخ الذى من بيت إيل دفعه حب استطلاعه وفضوله إلى أن يصمم على دخول رجل الله إلى بيته، وفى سبيل ذلك كذب عليه مدعياً أن ملاكاً كلمه وأمره أن يستضيفه.
كان فى إمكانه أن يسأله ما يشاء من أسئلة ويأخذ منه المعلومات التى يريدها دون أن يكذب ودون أن يأخذه إلى بيته، ولكنه استهان بالكذب ناسياً أنه خطأ عظيم يغضب الله. ويظهر أن سكناه فى بيت إيل تحت حكم يربعام الفاسد، وفى وسط أناس أشرار تركوا عبادة الرب وأصبحوا يتعبدون لعجلين من الذهب، وبعده عن بيت الرب، وعن كهنته وحرمانه من الاشتراك فى عبادة الرب مع شعب الله وفى أعياده المقدسة، والاستماع إلى كلمته وشريعته من كهنته…, يظهر أن كل هذا جعل ضميره الروحى يصدأ أو مشاعره الروحية تتضاءل.
والواقع إن بعد المؤمن عن بيت الله وعن كلمته وعن البيئة الروحية المقدسة التى تتمثل فى كهنته وخدامه،كل هذا قد يعرضه لأخطار روحية جسيمة، وقد تسبب له عثرات، وخسائر روحية وسمائية لا تقدر.
(ثانياً) : ورجل الله الذى من يهوذا بدوره، مع أنه لم يستجب لدعوة الملك ليدخل إلى بيته ويأكل من أطايبه ولم يبال بالأجرة التى وعده بها، فقد استجاب بسهولة لدعوة الشيخ، وخدع بكلامه، ونسى بسهولة أمر الرب له، ورجع معه إلى بيته وأكل هناك وشرب!.
كان يجب أن يتذكر أن كلام الرب إليه كان صريحاً وجازماً وكاملاً، ولو أراد الله أن يسمح له بالدخول إلى شخص ما ليأكل عنده لنبهه إلى ذلك وعين له الأشخاص الذين يأكل عندهم.
ويظهر أن شيخوخة نبى بيت إيل جعلته موقراً جداً فى نظره، ويظهر أن كلامه إليه كان بطريقة مقنعة حتى لم يستطع أن يفطن إلى كذبه، وربما كان لإعيائه وتعبه وجوعه وعطشه تأثيراً أيضاً عليه، فأطاع الشيخ وذهب معه إلى البيت.
إن مأساة الرجلين تنبه المؤمنين أن ينتبهوا جداً لأنفسهم، ليس من الأمانة والصداقة أن نجعل معثرة أمام أولاد الله ونعرضهم للخطأ مثلما فعل الشيخ الذى خادع رجل الله. وليس من الحكمة أن نستمع إلى أى قول، أو مشورة، إلا بعد أن نمتحنها امتحاناً كاملاً، لنطمئن أنها موافقة لروح كلمة الله ووصيته المقدسة، أياً كان هذا الشخص صاحب القول أو المشورة، وأياً كان مركزه الروحى أو الاجتماعى.
20 – وبينما هما جالسان على المائدة كان كلام الرب إلى النبى الذى أرجعه.
كان النبى الشيخ قد كذب بادعائه أن ملاكاً كلمه، ورغم أنه كذب وأخطأ أمام الرب فإن الله استخدمه ليبلغ ضيفه كلاماً من الرب يقضى بعقابه بسبب عصيانه لأمر الرب. ورغم أخطاء بعض الناس قد يجعلهم الرب أداة لتبليغ رسالته، وأحياناً للتنبؤ ببعض الأمور، مثلما نطق بلعام بالبركة لشعب الله وتنبأ عن مجئ المسيح (عد24) ومثلما تنبأ قيافا رئيس الكهنة عن ضرورة موت المسيح لخلاص شعبه (يو18: 14).
21 – فصاح إلى رجل الله الذى جاء من يهوذا قائلاً هكذا قال الرب. من أجل أنك خالفت قول الرب ولم تحفظ الوصية التى أوصاك بها الرب إلهك.22 – فرجعت وأكلت خبزاً وشربت ماء فى الموضع الذى قال لك لا تأكل فيه خبزا ولا تشرب ماء لا تدخل جثتك قبر آبائك.
(صاح) النبى الشيخ بصوت عال وهو يبلغ رجل الله كلمة الرب وقضاءه عليه، وقال له بما أنه عصى وصية الرب ورجع إلى المدينة وأكل وشرب، فإنه يموت غريباً ويدفن بعيداً عن مدافن آبائه وأجداده وقد كان الناس قديماً يحبون دائماً أن يدفنوا مع أسلافهم، وقد أوصى يعقوب بنيه أن يحملوا جسده ويدفنوه فى مغارة المكفيلة، وكذلك أوصى يوسف إخوته بأن ينقلوا عظامه معهم عند خروجهم من مصر(تك50: 5 ، عب11: 22).
23 – ثم بعد ما أكل خبزاً وبعد أن شرب شد له على الحمار أى للنبى الذى أرجعه.
بعد أن أكل النبى الذى من يهوذا، أسرج له النبى الشيخ الحمار لكى يركبه وينطلق إلى بلده.
“أى للنبى الذى أرجعه” عبارة توضيحية تعنى أن النبى أعد الحمار للنبى الضيف الذى كان الشيخ قد أقنعه بالرجوع إلى بيته ليأكل ويشرب.
24 – وانطلق . فصادفه أسد فى الطريق. وقتله. وكانت جثته مطروحة فى الطريق والحمار واقف بجانبها والأسد واقف بجانب الجثة.
(1) انطلق رجل الله فى طريقه إلى أرض يهوذا، ولكن الرب جعل أسداً يعترضه فى طريقه، ويقتله ولكنه لم يأكل جثته ولا حتى افترس الحمار، وظل الأسد واقفاً أمام جثة النبى رجل الله وأمام الحمار، كشاهد على أن العمل إلهى معجزى وعلى أن الأسد لم يكن إلا أداة تنفيذ لقضاء الله على ذلك النبى.
(2) أخطأ رجل الله لأنه استسلم لكلام النبى الشيخ وكان من الواجب أن يكون يقظاً ومدققاً فى العمل بما أوصاه به الرب، والرب الذى يتقدس فى القريبين منه أدَّبه بهذا النوع من العقاب، فسمح أن يموت موته الجسدى عن طريق أسد يقتله، ولا يدفن فى مدينة آبائه. ولكن روحه قبلها الرب فى رحمته ومحبته، وكثيراً ما يؤدب الرب عبيده بالجسد لكى يحيوا بالروح ولا يدانوا مع العالم، على شرط أن يوقظ التأديب ضمائرهم، ويشعرهم بخطاياهم فيرجعوا بقلوبهم إلى الرب (يؤ2).
(3) قتل الأسد الرجل القديس فقط ولكنه لم يفترسه، ولم يمس جثته بسوء، وحتى لم يفترس حماره، وظل إلى جانب الجثة والحمار كشاهد لعمل الله وكحارس لهما. والرب وإن كان قد أدب هذا الرجل النبى بموته الجسدى، إلا أنه أكرم جسده بعد موته وأكرم حماره إكراماً له، والمؤمنون فى كل الأجيال يحتفظون بأجساد القديسين وذخائرهم وخصوصياتهم إكراماً لأصحابها، لأنها تذكرهم بإيمانهم وجهادهم وقداسة حياتهم، كما أنها بركة عظيمة لأولادهم الروحيين بعدهم (انظر أيضاً شرح ع 32).
25 – وإذا بقوم يعبرون فرأوا الجثة مطروحة فى الطريق والأسد واقف بجانب الجثة فأتوا وأخبروا فى المدينة التى كان النبى الشيخ ساكناً بها.
كان بعض الناس يعبرون الطريق الذى سار فيه رجل الله وإذ بهم يشهدون هذا المنظر العجيب، جثة رجل الله، والحمار واقف إلى جانبها، والأسد واقف إلى جانبهما، فدخلوا بيت إيل وأخبروا الناس بما رأوا.
 
26 – ولما سمع النبى الذى أرجعه عن الطريق قال هو رجل الله الذى خالف قول الرب فدفعه الرب للأسد فافترسه وقتله حسب كلام الرب الذى كلمه به.
(1) سمع النبى الشيخ ما يقوله الناس الذين رأوا جثة الرجل وبجانبها الأسد والحمار، فأدرك فى الحال أنها جثة رجل الله الذى من يهوذا، وفهم أن الرب سخر هذا الأسد ليقتله حتى يموت غريباً ولا يدفن مع آبائه كما أنباه الرب (ع22).
(2) لا شك فى أن ضمير النبى الشيخ قد استيقظ وعرف أنه كان عاملاً على حدوث هذه المأساة الأليمة لرجل الله الذى من يهوذا، لأنه لأجل إشباع فضوله كذب عليه وألح عليه بالعودة معه إلى البيت، وجعله يعصى وصية الرب له، فناله هذا العقاب الأليم. وكم من أناس لكى يشبعوا أهواءهم، تموت ضمائرهم، فيتسببون فى الأضرار بغيرهم روحياً أو مادياً أو أدبياً.
27 – وكلم بنيه قائلاً شدوا لى على الحمار. فشدوا. 28 – فذهب ووجد جثته مطروحة فى الطريق والحمار والأسد واقفين بجانب الجثة ولم يأكل الأسد الجثة ولا افترس الحمار.
(1) أمر بنيه فأعدوا له الحمار وركبه ورأى هذا المنظر العجيب أيضاً، جثة النبى، وبجانبها الأسد والحمار واقفان.
(2) ظهر سلطان الله على الأسد وغير طبعه إلى حين, فلم يأكل الجثة, ولم يفترس الحمار, ولا أذى الناس الذين يروحون ويجيئون، وظهر سلطانه على الحمار فلم يشعر بالخوف من الأسد، ولا هرب منه. وحكمة الرب من ذلك أن يعلن عمله لأولاده مدى الأجيال، ويبين استياءه من عصيان نبيه، وسلطانه على جميع مخلوقاته، وتسخير كل شئ لتنفيذ مقاصده.
(3) إن الرب الذى غير طبيعة الأسد ونزع الخوف من قلب الحمار لإظهار عمله، يستطيع بنعمته أن يعمل فى القلوب المتوحشة القاسية فيحول أصحابها من أسود ضارية إلى حملان وديعة هادئة، وأن يعمل فى القلوب الخائفة الواجفة، فيعطيها إيماناً وقوة، ويملأها سلاماً واطمئناناً. 29 – فرفع النبى جثة رجل الله ووضعها على الحمار ورجع بها ودخل النبى الشيخ المدينة ليندبه ويدفنه. 30 – فوضع جثته فى قبره وناحوا عليه قائلين آه يا أخى.
(1) رفع النبى الشيخ جثة رجل الله بكل احترام ووضعها على الحمار وحملها إلى المدينة وندبه هو وبنوه والذين اشتركوا فى تشييع جثته وكانوا ينوحون قائلين “آه يا أخى”، إعلاناً عن محبتهم واحترامهم له، ومع أن الظروف قد قسمت شعب الله إلى مملكتين، وكان رجل الله من مملكة يهوذا والنبى الشيخ والمشيعون للجنازة من مملكة إسرائيل إلا أنهم لم ينسوا جميعاً أنهم إخوة وكلهم من أسباط إسرائيل.
وكل البشر مهما اختلفت جنسياتهم وتباعدت بلادهم فإنهم جميعاً من دم واحد، ومتناسلون من أبوينا الأولين، وأبوهم جميعاً هو الله خالق الجميع، ويجب أن يشعر كل عضو فى المجتمع البشرى أن كل إنسان هو أخوه، وسواء فى (الأفراح أو الملمات) وفى كل الظروف يدعوه دائماً : (يا أخى!).
(2) لا شك أن النبى الشيخ ندم ندماً شديداً لأنه حرض رجل الله على الرجوع معه إلى المدينة، فسبب له الموت بسبب خروجه عن طاعة الله، ولقد شيعه منذ ساعات وهو حى لينطلق إلى وطنه، وها هو يعود به جثة هامدة مسجاة لكى يدفنه بعيداً عن وطنه. إن الصديق الحقيقى لا يجب أن يعمل شيئاً فيه ضرر لصديقه، لا يجب أن يكسب لنفسه بعض المتع والأمانى على حساب الإضرار بالآخرين.
31 – وبعد دفنه إياه كلم بنيه قائلاً. عند وفاتى ادفنونى فى القبر الذى دفن فيه رجل الله. بجانب عظامه ضعوا عظامى.
(1) دفن الشيخ رجل الله فى القبر الذى له ولأسرته، وأوصى بنيه أن يدفنوه بعد موته مع رجل الله ويضعوا جسده بجانب جسده، ووثق أن هذا شرف عظيم له، لأن جسد رجل الله وإن كان قد رقد، وأصبح جثة هامدة أو عظاماً نخرة، فإنه فى يوم ما كان هيكلاً لروح طاهرة، ومسكناً لنفس نبى عظيم من أنبياء العلى. وهكذا يكرم المؤمنون أجساد قديسيهم ويحترمونهم.
32 – لأنه تماماً سيتم الكلام الذى نادى به بكلام الرب نحو المذبح الذى فى بيت إيل ونحو جميع بيوت المرتفعات التى فى مدن السامرة.
(1) تحقق النبى الشيخ من سمو مكانة رجل الله من جرأته فى كلامه إلى المذبح قدام الملك يربعام، ومن انشقاق المذبح وتذرية الرماد من عليه، وبالأكثر من المعجزة التى جرت فى قتل الأسد له وعدم تجاسره على افتراسه أو افتراس حماره، فأعلن الشيخ أنه لابد أن تتم نبوة رجل الله على المذبح، وعلى كهنة المرتفعات “التى فى مدن السامرة” ويقصد (بالسامرة) هنا مملكة إسرائيل لأن السامرة أصبحت فيما بعد عاصمة لإسرائيل وكانت المملكة أحياناً تدعى باسم (السامرة) من باب إطلاق الجزء على الكل.ومن المعروف أن (السامرة) لم تصر عاصمة لإسرائيل إلا فى عهد عمرى ملك إسرائيل، الذى اشتراها من مالكها (شامر) الذى دعيت باسمه (ص 16 : 24). وقد وسعها عمرى وجملها. والنبى الشيخ هنا يذكر أن نبوة رجل الله ستتم عن المذبح وعن (مرتفعات مدن السامرة) باعتبار أن مملكة إسرائيل كانت عاصمتها السامرة فى وقت كتابة السفر، كما يطلق أحد المؤرخين اسم (الأقصر) على طيبة فيقول مثلاً بنى الملوك معبد الكرنك فى (الأقصر) باعتبار أن الأقصر هو الاسم الجديد الذى دعى به المكان الذى قامت عليه طيبة القديمة.
(2) وفى الغالب كان كلام النبى الشيخ نبوة أوحى بها الرب إليه بعد تأثره على موت رجل الله وندمه وتوبته.
(3) وقد تحققت نبوة رجل الله لأنه بعد أجيال ملك (يوشيا) الملك الصالح على مملكة يهوذا، وغار للرب غيرة عظيمة فقاوم عبادة الأوثان فى مملكته، ودخل السامرة عاصمة مملكة إسرائيل وهدم المرتفعات وأحرق عظام الناس الذين كانوا مدونين فى الجبل على مذبح يربعام الذى تنبأ عنه رجل الله، وعندما كان يهدم قبور الموتى الأشرار ويحرق عظامهم رأى قبراً عليه صوة (علامة من الحجر توضع فى الطريق أو على قبر إنسان مشهور لمعرفته)، وسأل الملك لمن ذلك القبر وتلك الصوة فقيل له إنه قبر رجل الله الذى تنبأ فى أيام يربعام والنبى الشيخ الذى كان مدفوناً معه، فأمر يوشيا أن يتركوا جسد رجل الله فى قبره ومعه رفيقه وقال (لا يحركن أحد عظامه) مما يدل على احترامه لرجل الله وإكرامه لجسده وقبره (2 مل 23 : 15 – 20) (انظر أيضاً شرح ع31).
33 – بعد هذا الأمر لم يرجع يربعام عن طريقه الردية بل عاد فعمل من أطراف الشعب كهنة مرتفعات. من شاء ملأ يده فصار من كهنة المرتفعات وكان من هذا الأمر خطية لبيت يربعام وكان لإبادته وخرابه عن وجه الأرض.
(1) رغم أن يربعام سمع كلمة الرب من رجل الله، ورغم أن يده يبست ثم شفيت، ورأى المذبح ينشق والتراب ينهال من فوق، ورغم أنه فى الغالب سمع عن حادث الأسد ورجل الله، رغم كل هذا عاد إلى قساوة قلبه، لأن تأثره كان وقتياً فقط.
( أ ) “فلم يرجع عن طريقه الردية” وعاد إلى شروره.
(ب) واستمر أيضاً فى بدعه التى ابتدعها من قلبه، حيث أبقى عبادة العجلين فى أرضه وأبقى المذابح والمرتفعات التى للعجلين، وظل يرسم كهنة أجنبيين عن سبط لاوى، بل “من أطراف الشعب” أى من كل الشعب حتى الطبقات الدنيا، حتى قال الوحى “من شاء ملأ يده فصار من كهنة المرتفعات”. و(ملء اليد) يعنى التكريس للكهنوت. ومعنى العبارة إن كل شخص كان يرغب فى الكهنوت كان الملك يرسمه كاهناً للمذابح التى بناها على المرتفعات لأوثانه. وهكذا تم القول على يربعام وعلى شعبه فى عصره المظلم “هم أقاموا  أطراف الشعب كهنة مرتفعات”.
(2) ولكن أعماله الشريرة كانت لها ثمارها المرة لأن الرب يغار على مجده لأنه (كان من هذا الأمر خطية لبيت يربعام وكان لإبادته وخرابه عن وجه الأرض) وهذا (الأمر) المذكور هنا يعنى تمادى يربعام فى شروره وبدعه الدينية الفظيعة كان هذا خطية حسبها الله عليه وعلى بيته من بعده لأن أولاده استمروا فى شروره وزيغانه، وهذه الخطية كانت سبباً فى اشتعال غضب الرب على هذا البيت، وخرابه، وإبادته من الوجود كما نرى فى نفس السفر (ص15).
 
 
 
 

Leave a Comment