تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الرابع عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) مرض ابن يربعام وذهاب أمه متخفية إلى أخيا النبى (ع1-4).
(2) أخيا يكلم امرأة يربعام بقضاء الرب (ع5-16).
(3) عودة امرأة يربعام وموت ابنهما (ع17، 18).
(4) حديث عن يربعام (ع19، 20).
(5) شرور رحبعام وشعب مملكة يهوذا (ع21-24).
(6) شيشق ملك مصر يفتح أورشليم وينهب غنائم كثيرة (ع25، 26).
(7) رحبعام يعمل أتراساً من نحاس بدل أتراس الذهب (ع27، 28).
(8) حديث عن الحرب بين رحبعام ويربعام ونهاية حكم رحبعام (ع29-31).
1- فى ذلك الزمان مرض أبيا بن يربعام.
فى الغالب كان أبيا البكر ليربعام وولى عهده، وقد كان مستقيماً إلى حد ما فى نظر الرب (ع 13)، وربما سمح الرب بمرضه ثم بموته عقاباً لأبيه يربعام ولكى يضم أبيا نفسه من وجه الشرور الكثيرة التى كانت مملكة إسرائيل منقسمة فيها، ومن أنواع العقاب المرير الذى عاقب به الرب بيت يربعام لأنه (من وجه الشر يضم الصديق).
2 – فقال يربعام لامرأته قومى غيرى شكلك حتى لا يعلموا أنك امرأة يربعام واذهبى إلى شيلوه. هوذا هناك أخيا النبى الذى قال عنى إنى أملك على هذا الشعب. 3 – وخذى بيدك عشرة أرغفة خبز وكعكاً وجرة عسل وسيرى إليه وهو يخبرك ماذا يكون للغلام.
(1) أمر يربعام زوجته أن تغير شكلها فلا يعرف أحد ولا أخيا نفسه أنها زوجة الملك، وأن تذهب إلى شيلوه المدينة التى فيها تابوت عهد الرب وخيمة الاجتماع حيث كان (أخيا) يسكن. وقد مر الحديث عن شيلوه فى شرح (ص11).
و(أخيا) هذا هو أخيا الشيلونى الذى كان قد صادف يربعام قبل موت سليمان وأعلمه بأن الرب سيملكه على الجزء الأكبر من شعب إسرائيل (ص11).
ولم يشأ يربعام أن يذهب بنفسه إلى أخيا، كما طلب من زوجته أن تتنكر بل تدخل على النبى كامرأة من عامة الشعب لها ولد مريض ليخبرها إن كان ولدها سيشفى ويعيش أم يموت بمرضه. لم يشأ يربعام أن يظهر ذاته بسبب خجله من نبى الله من جراء خطاياه الكثيرة التى فعلها. ولو أنصف هذا الملك لذهب إلى أخيا وأرسل إليه معترفاً بخطاياه، ونادماً وتائباً عنها، وطالباً الصلاة من أجله ومن أجل ابنه.
(2) وأوصى امرأته بأن تأخذ معها “عشرة أرغفة وكعكاً وجرة عسل” وهو عسل النحل، لتقدم هذه هدية إلى رجل الله كإكرام للرب ولرجل الله الذى يخدمه. وقد اعتاد الناس منذ القدم أن يكرموا رجال الله لأن إكرامهم إكرام للرب نفسه وهم يعيشون على عطايا شعبهم.
4 – ففعلت امرأة يربعام هكذا وقامت وذهبت إلى شيلوه ودخلت بيت أخيا. وكان أخيا لا يقدر أن يبصر لأنه قد قامت عيناه بسبب شيخوخته.
(1) عملت امرأة يربعام ما أمرها به زوجها فغيرت ثيابها وذهبت إلى شيلوه ودخلت بيت أخيا النبى لتسأله عما يكون لابنها.
(2) كان أخيا قد أصبح شيخاً، وبسبب شيخوخته ” قامت عيناه ” أى كلت وضعفت بصرها أو فقد. ولكن إن كان بصره الجسدى قد ضعف فإن بصيرته الروحية ظلت قوية وأعطاه الرب أن يعرف ويرى ما يراه المبصرون بعيون أجسادهم فقط.
5 – وقال الرب لأخيا هوذا امرأة يربعام آتية لتسأل منك شيئاً من جهة ابنها لأنه مريض. فقل لها كذا و كذا فإنها عند دخولها تتنكر.
كشف الرب الأمر لعبده أخيا وأعلمه أن زوجة يربعام آتية لتسأله عما يكون لابنها المريض، وأنها تتنكر عند دخولها، فتخفى حقيقة شخصيتها عنه وعن الرجال الذين فى بيته من تلاميذه وغيرهم، ولقنه الرب الكلام الذى يقوله لها. وقوله “فقل لها كذا وكذا” تعبير يقصد به الإيجاز يشير إلى الكلام الذى لقنه إياه الرب وذُكر فى الأعداد التالية. ولم يذكر الوحى كلام الرب هنا منعاً من التكرار.
6 – فلما سمع أخيا حس رجليها وهى داخلة فى الباب قال ادخلى يا إمرأة يربعام. لماذا تتنكرين وأنا مرسل إليك بقول قاس.
(1) ضعف بصر أخيا ولكن سمعه كان لا يزال قوياً، فسمع “حس رجليها” (وطء قدميها) وهى داخلة، وفى الحال خاطبها بجرأة وقوة ودعاها تدخل، وأعلن فى حديثه أنه يعرف أنها امرأة يربعام رغم تنكرها لأن الرب كشف له ذلك، ثم سألها مستنكراً “لماذا تتنكرين وأنا مرسل لك بقول قاس؟ ” إنها جاءت لكى تسأل عن مصير ابنها فقط، وكان الرب قد كشف لنبيه عن أمور كثيرة وحمله رسالة لتبليغها إليها وتتضمن الرسالة أموراً قاسية (أى صعبة وموجعة)، أموراً قاسية :
( أ ) لأن فيها توبيخاً ليربعام على شروره الفظيعة.
(ب) وإنباء بموت الولد.
(ج) وبخراب بيت يربعام.
(د ) والمصير الأليم لشعب إسرائيل.
(2) أنبأ الرب أخيا بما يكون للملك وبيته وشعبه فى الحال والاستقبال. والرب يكشف أسراره لعبيده القديسين، سواء فى حياتهم أو بعد انتقالهم، فيعرفون أموراً كثيرة مما يتعلق بإخوتهم، وبكنيسته، وبالعالم، بالنعمة التى يهبها الرب لقديسيه.
(3) شرع أخيا يبلغ امرأة الملك رسالة الله مع ما فيها من (قول قاس) لأن خدام الله مسئولون عن شعبهم ليبلغوهم كلمة الله بأمانة وصراحة بما فيها من مواعيد مطمئنة للأبرار وإنذارات مرعبة للأشرار “عظ وانتهر…. بكل أناة وتعليم…..”. (2تى4: 2).
(أولاً) كلام الرب عن يربعام :
7 – اذهبى قولى ليربعام. هكذا قال الرب إله إسرائيل. من أجل أنى قد رفعتك من وسط الشعب وجعلتك رئيساً على شعبى إسرائيل. 8 – وشققت المملكة من بيت داود وأعطيتك إياها ولم تكن كعبدى داود الذى حفظ وصاياى والذى سار ورائى بكل قلبه ليفعل ما هو مستقيم فقط  فى عينىّ.
(1) يوجه الرب رسالته أولاً إلى يربعام لأنه أصل الداء ورأس البلاء، لأنه الرئيس على شعبه، ولو صلح الرئيس صلح الشعب، ولو فسد الرئيس فسد الشعب، لأن صحة الجسد ومرضه قد يعتمدان كثيراً على صحة الرأس أو مرضها.
(2) وقد أمر النبى زوجة يربعام أن تبلغه رسالة الرب التى تدين أعماله وتوبخه فتذكره هنا بأن ما سيحدث له من بلاء مبنى على غضب الرب عليه :
( أ ) من أجل أن الرب رفعه فوق جميع الشعب وجعله ملكاً على شعبه إسرائيل، بعد أن شق الرب المملكة (أى مزقها) من بيت داود ليعطيه الجزء الأكبر منها. ولعل قوله “وشققت المملكة من بيت داود” يذكر يربعام بثوب أخيا الذى شقه إلى اثنتى عشرة قطعة وأعطاه منها عشر قطع (ص11) ليكون هذا التلميح عاملاً على صحة ضميره وتوبته.
(ب) ولكن يربعام للأسف لم يُقِّدر عمل الله معه، فلم يسر مثل داود الذى عمل بوصايا الرب وسار وراء الرب (تبع الرب) بكل قلبه، ليعمل ما هو مرضى ومستقيم فى نظر الرب.
9 – وقد ساء عملك أكثر من جميع الذين كانوا قبلك. فسرت وعملت لنفسك آلهة أخرى ومسبوكات لتغيظنى وقد طرحتنى وراء ظهرك.
(1) عملت شروراً لم يعملها رئيس قبلك لا من القضاة ولا من الملوك، (فسرت) أى اخترت لنفسك طريقاً شاذاً حسب هواك سرت فيه بعيداً عن الرب.
(2) وعملت آلهة غريبة وعجولاً مسبوكة لتعبدها أنت وشعبك.
(3)  “لتغيظنى” أى مما كان عاملاً على غيظى وغضبى.
(4) “وطرحتنى وراء ظهرك” تركت عبادتى، ولم تكرمنى كإله، ونزعت معرفتى ومخافتى من حياتك ومن قلبك تماماً.
(ثانياً) كلام الرب عن بيت يربعام :
10 – لذلك هأنذا جالب شراً على بيت يربعام وأقطع ليربعام كل بائلِ بحائطِ محجوزاً ومطلقاً فى إسرائيل وأنزع آخر بيت يربعام كما ينزع البعر حتى يفنى.
يعلن الرب عن الشر والدمار الذى يحيق (ببيت) يربعام أى بأسرته ونسله :
( أ ) فإنه يقطع كل (بائل بحائط من نسله كان محجوزاً أو مطلقاً) كل بائل بحائط تعبير يكنى به عن الذكور لأن الذكور من الناس اعتادوا قديماً أن يتبولوا على أحد الحوائط التى تصادفهم وهم وقوف، ولا يزال الكثيرون يفعلون هكذا لليوم، والمعنى أن الرب يبيد جميع الذكور من نسل يربعام. وقوله (محجوزاً ومطلقاً) يعنى أنه يبيدهم جميعاً، المقيد منهم والأحرار. وقد يقصد بالقول :
(1) سكان المدن المقيمين بها وسكان القرى المتنقلين من مكان إلى مكان.
(2) أو الصبيان الذين تحت حكم والديهم أو أوصيائهم والكبار البالغين الذين تحرروا.
(3) أو المتزوجون وهم مرتبطون بالتزامات الأزواج وغير المتزوجين وهم أحرار.
(4) وفى الغالب يقصد العبيد والأحرار.
(ب) وينزع الرب (آخر بيت يربعام) أى يبيدهم عن آخرهم “كما ينزع البعر حتى يفنى” والمقصود (بالبعر) زبل الحيوان وقد يقصد به هنا أيضاً خثى البهائم وكلاهما شيئان محتقران ومكروهان والرب يشبه بهما يربعام ونسله لأنهم أصبحوا محتقرين فى عينى الرب. وكما ينزع الناس البعر والخثى حتى يفنيا إما بكنسهما وإزالتهما تماماً من الطريق وإما بإحراقهما فى النار لأنهم يوقدون التنور أحياناً بهما، هكذا يفنى الرب بيت يربعام فيزول تماماً من الوجود وتزول المملكة.
وقد تم كل هذا على يد (بعشا) الذى أخذ الملك لنفسه وأباد كل بيت يربعام ولم يبق منهم نسمة كما هو واضح فى (ص 15 : 29).
11 – كل من مات ليربعام فى المدينة تأكله الكلاب ومن مات فى الحقل تأكله طيور السماء لأن الرب تكلم.ستكون أيام ضيق على بيت يربعام لأنهم يقتلون جميعاً ولا يجدون من يدفنهم إما لعدم بقاء إخوتهم على قيد الحياة وإما لخوفهم وعدم جرأتهم على دفن ذويهم، ولذلك فكل من مات “فى المدينة” تبقى جثته فى الشوارع حتى تأكله الكلاب، ومن مات ” فى الحقل ” أى فى الأرض الفضاء تبقى جثته أيضاً حتى تأكلها الطيور.
” لأن الرب تكلم” وهو صادق وأمين وقادر وسينجز كل ما قاله.
(ثالثا) كلام الرب عن ابن يربعام
12 – وأنتِ فقومى وانطلقى إلى بيتك وعند دخول رجليك المدينة يموت الولد.
أمر أخيا زوجة يربعام أن تقوم لترجع إلى بيتها وأعلن لها أن الولد سيموت، وأعطاها علامة أن الأمر مقرر من قبل الرب أنه بمجرد أن تدخل من باب المدينة يسلم الولد روحه ويموت.
13 – ويندبه جميع إسرائيل ويدفنوه لأن هذا وحده من يربعام يدخل القبر لأنه وجد فيه أمر صالح نحو الرب إله إسرائيل فى بيت يربعام.
شهد الرب هنا لأبيا بن يربعام أنه الابن الوحيد ليربعام الذى يكرمه الرب فى موته فيندبه جميع الشعب ويدفنوه باحترام فى القبر بعكس بقية نسل يربعام الذين تأكلهم الكلاب والطيور (ع12). ولماذا؟ “لأنه وجد فيه شئ صالح نحو الرب إله إسرائيل فى بيت يربعام” لم يترك الرب نفسه بلا شاهد فى هذا البيت المملوء بالشر والأشرار، فلقد وجد فى أبيا شئ صالح نحو الرب، ربما كان غير راض عن عبادة الأصنام وعن شرور أبيه وبقى أميناً مع الرب إلهه. ونرى :
( أ ) إن الرب يعطى لكل إنسان حقه من الذم إذا كان عمله ذميماً، ويعطيه حقه من المديح والإكرام إذا كان عمله حميداً ووجد فى حياته ولو مجرد “شئ صالح نحو الرب”.
(ب) ليس بعيداً أن نرى وروداً بين الأشواك، وصديقين يتبعون الرب فى الأوساط الشريرة، حتى فى بيت موبوء بالإثم مثل بيت يربعام.
(ج) والمؤمن آمين مع الرب يستطيع بنعمة الرب وبقوة عزيمته وعمل الروح القدس أن يحفظ نفسه من شرور هذا العالم، حتى وهو بين أشر الناس وأفسدهم طباعاً. ومن الحكمة أن يتباعد الصديق عن مثل هذه الأوساط إذا استطاع ذلك حتى لا يتعرض للعثرات.
(رابعاً) كلام الرب عن الملك الذى يقيمه على إسرائيل
14 – ويقيم الرب لنفسه ملكاً على إسرائيل يقرض بيت يربعام هذا اليوم. وماذا الآن أيضاً.
أعلن الرب أيضاً أنه (يقيم لنفسه ملكاً) ويقصد به (بعشا)، وهو رجل من سبط يساكر، ليقرض (يبيد) بيت يربعام. وقد هيأه الرب لهذا العمل وجعله أداة لتنفيذ قضائه، وتفصيل ذلك أن يربعام لما مات، ملك ابنه ناداب سنتين فقط فتآمر بعشا عليه مع جماعة من أتباعه وقتلوه وملك عوضاً عنه وأباد كل نسل يربعام (ص29:15).
(هذا اليوم) :
( أ ) قد تترجم أيضاً (ذلك اليوم) بالإشارة إلى البعيد باعتبار أن هذه الأمور ستتم على بيت يربعام بعد حين عندما يقوم بعشا ويقوم بحركته.
(ب) والترجمة هنا بالإشارة إلى القريب (هذا اليوم) ولعلها المقصودة باعتبار أن القضاء على بيت يربعام وإن كان سيحدث بعد حين إلا أنه نافذ المفعول من اليوم لأنه مقرر من قبل الرب وكل ما هو فى قصد الرب يعتبر كأنه حادث فعلاً من اليوم.
(2) “وماذا. الآن أيضاً ” : فى تفسير هذه العبارة آراء متقاربة :
( أ ) تربط الترجمة اليسوعية بينها وبين قوله (هذا اليوم)، فتقرأها هكذا : فى ذلك اليوم. فى أيامنا هذه أى أن القضاء يتم على بيت يربعام فى تلك الأيام ومن أيامنا هذه، اعتبار أن الأمر مقرر من الرب محتوم ومفعوله سار من الآن.
(ب) وتربط إحدى الترجمات الإنجليزية أيضاً بينهما فنقرأها (اليوم، ومن الآن فصاعداً).
(ج) وفى ترجمة أخرى : (فى ذلك اليوم، ولكن ماذا؟ حتى من الآن).
(د ) ويترجم البعض معنى العبارة : “وماذا. الآن أيضاً ” بقوله : (ولماذا أكثر الكلام وهو قريب؟).
(ها) وتفسير آخر مشابه للتفسير السابق : (ولماذا أتكلم عنه كأنه شئ بعيد الحصول مع أنه قريب وعلى الأبواب؟).
وكل هذه الآراء تعنى أن دمار بين يربعام قريب جداً بل هو سار من الآن لأن جرثومة الفساد تعمل فيه وهى تعمل على إشعال غضب الرب وإبادته شيئاً فشيئاً إلى أن يكمل مكيال شر يربعام ويقيم الرب قضاءه كاملاً على بيته (لأن سر الإثم الآن يعمل فقط..) (2تس2: 7).
(و) وقد تكون العبارة جملة يتأمل فيها النبى فى أقواله السابقة ويستوقف فيها زوجة يربعام لتسمع مزيداً من إعلانات الرب عن شعب إسرائيل نفسه، ويكون معنى العبارة : (ثم ماذا؟ انتظرى الآن أيضاً لأنبئك بما هو أشد وأقسى..).
(خامساً) كلام الرب عن مملكة إسرائيل
15 – ويضرب الرب إسرائيل كاهتزاز القصب فى الماء. ويستأصل إسرائيل عن هذه الأرض الصالحة التى أعطاها لآبائهم. ويبددهم إلى عبر النهر. لأنهم عملوا سواريهم وأغاظوا الرب. 16 – ويدفع إسرائيل من أجل خطايا يربعام الذى أخطأ وجعل إسرائيل يخطئ.
(1) ينبئ الرب عن القصاصات التى يعاقب بها شعب إسرائيل فى مملكة يربعام :
( أ ) فإنه يضربهم “كاهتزاز القصب فى الماء”، و(القصب) هو الغاب، وينمو غالباً عند مجارى المياه، ولخفته وضعفه يهتز فى الماء، وشعب إسرائيل يضعفون أمام أعدائهم وبلاياهم فيهتزون ويضطربون وتخور قواهم.
(ب) ويستأصلهم (يبيدهم) الرب من أرض الموعد الجميلة التى تفيض لبناً وعسلاً التى وعد بها آباءهم وأعطاها لهم حسب وعده الصالح.
(ج) وكيف يستأصلهم الرب من الأرض وإنه يأخذهم منها ويبددهم (إلى عبر النهر) وهو نهر الفرات، ويشير بذلك إلى مجئ سنحاريب ملك أشور ويحاصر أرض إسرائيل وسبى الشعب إلى أرض أشور كما وقع ذلك بعد أجيال (2مل17).
(د ) وبالجملة (يدفع الرب إسرائيل) أى يستغنى عنهم ويبعدهم من أمام وجهه ويرفضهم.
(2) ويعلل الرب حلول كل هذه القصاصات بالشعب بأنهم :
( أ ) “عملوا سواريهم وأغاظوا الرب”. والسوارى جمع (سارية)، وهى عمود من الخشب أو الحجر أو شجرة عالية كان تقام بجانب مذابحهم باسم الآلهة الإناث ولا سيما عشتار (الزهرة) كما كانت (الأنصاب) وهى أعمدة من الحجر غالباً تقام من أجل الآلهة الذكور ولا سيما البعل. وكانوا يؤدون عباداتهم الماجنة الأثيمة بجانب السوارى والأنصاب، ويظنون أن هذه السوارى والأنصاب من علامات إكرامهم للآلهة.
(ب) وهم بإقامة السوارى “أغاظوا الرب” لأنهم استبدلوا عبادته بعبادة الأصنام، واستبدلوا بيته المقدس الذى فى أورشليم بمذابح فاسدة بنوها وسوارى وأنصاب أقاموها.
(ج) “من أجل خطايا يربعام الذى أخطأ وجعل إسرائيل يخطئ ” أن هذه العبارة ترددت عن ملوك آخرين شبههم الرب بيربعام بن ناباط الذى أخطأ.
” أخطأ وجعل إسرائيل يخطئ” إن هذه العبارة مثل قرار محزن لأغنية حزينة، رددها الوحى عن بعض الملوك الأشرار الذين شابهوا يربعام بن ناباط فى عمل الشرور، إذ (أخطأ) إلى نفسه وإلى بيته، و (جعل إسرائيل يخطئ) لأنه أصبح مثالاً فاسداً لشعبه وعثرة أمامهم فأخطأوا مثله، لأن (العامة على دين ملوكهم)، وبخطأهم أساءوا إلى أنفسهم ولحقهم العار والخزى والسبى.
17 – فقامت امرأة يربعام وذهبت وجاءت إلى ترصة. ولما وصلت إلى عتبة الباب مات الغلام.
كان يربعام قد نقل عاصمته إلى ترصة التى تقع شمال شرقى شكيم (نابلس) بنحو أحد عشر كيلو متراً ونصف ويضرب سفر نشيد الأنشاد المثل بجمالها الرائع (نش 6 : 4). ولما قامت زوجة يربعام من عند أخيا وذهبت فى طريقها إلى ترصة، كان بمجرد أن دخلت المدينة ووطئت أقدامها العتبة مات ابنهما حسب نبوة أخيا الشيلونى تماماً (ع12). وقد تكون (العتبة) عتبة باب المدينة أو عتبة بين الملك، وربما كان البيت ملاصقاً لجدار المدينة.
18 – فدفنه وندبه جميع إسرائيل حسب كلام الرب الذى تكلم به عن يد عبده أخيا النبى.
مات أبيا وندبه الشعب لأنهم كانوا يحبونه حيث (وجد فيه شئ صالح نحو الرب) ودفنوه كما يليق بأمير.
19 – أما بقية أمور يربعام كيف حارب وكيف ملك فإنها مكتوبة فى سفر أخبار الأيام لملوك إسرائيل.
بالنسبة لوجود الوحدة العجيبة بين أسفار الكتاب المقدس يشير الكتاب هنا إلى حروب يربعام وطريقة سلوكه كملك، ويقول إنها مفصلة فى سفر أخبار الأيام. وقد كانت حروب بينه وبين رحبعام وقد انتصر أبيا فى هذه الحروب وأخذ عدة مدن من يربعام (2أى13).
20 – والزمان الذى ملك فيه يربعام هو اثنتان وعشرون سنة ثم اضطجع مع آبائه وملك ناداب ابنه عوضاً عنه.
ملك يربعام نحو اثنتين وعشرين سنة، وقد أغضب الرب إلهه ولم يحفظ عهده، وملك (ناداب) ابنه لمدة سنتين فقط، وقُتل وبموته انقطعت آخر حلقة من تاريخ يربعام وبنيه (ص15).
21 – وأما رحبعام بن سليمان فملك فى يهوذا. وكان رحبعام ابن إحدى وأربعين سنة حين ملك. وملك سبع عشرة سنة فى أورشليم المدينة التى اختارها الرب لوضع اسمه فيها من جميع أسباط إسرائيل. واسم أمه نعمة العمونية.
يعود الوحى فيواصل حديثه عن (رحبعام بن سليمان) بعد أن تقلصت مملكته بخروج عشرة أسباط منها ولم يبق له إلا سبطان. ودعيت مملكته يهوذا كما مر ذلك فى (ص12)
(1) كان عمره عند تولية الملك إحدى وأربعين سنة. ومدة ملكه سبع عشرة سنة فمات فى الثامنة والخمسين من عمره.
(2) كانت عاصمته (أورشليم) المدينة المقدسة التى حكم فيها داود وسليمان وكل ملوك يهوذا على مر الأجيال، ويصفها الوحى بأنها :
( أ ) “المدينة التى اختارها الرب لوضع اسمه فيها” لأن فيها بيته المقدس وتابوت عهده وكهنته، وكانت المركز لعبادته حتى دعيت “مدينة الملك العظيم” (أى الرب).
(ب) وقد اختارها الرب لذلك من بين جميع مدن الأسباط وكان الشعب من جميع الأسباط يزورها ليقدم ذبائحه وقرابينه ويحتفل بأعياد الفصح والخمسين والمظال أمام بيت الرب (تث16).
(2) يذكر الوحى هنا أن أم رحبعام هى (نعمة العمونية) من بنى عمون، من بين النساء الأجنبيات اللاتى تزوجهن سليمان وفى الغالب كن يتهودن.
22 – وعمل يهوذا الشر فى عينى الرب وأغاروه أكثر من جميع ما عمل آباءهم بخطاياهم التى أخطأوا بها. 23 – وبنوا هم أيضاً لأنفسهم مرتفعات وأنصاب وسوارى على كل تل مرتفع وتحت كل شجرة خضراء. 24 – وكان أيضاً مأبونون فى الأرض. فعلوا حسب كل أرجاس الأمم الذين طردهم الرب من أمام بنى إسرائيل.
انتشر الفساد فى مملكة إسرائيل لأن يربعام بن ناباط بذر بذور الوثنية فيها، وكنا نتوقع أن تحتفظ مملكة يهوذا بنقاوتها بالنسبة لوجود هيكل الرب وكهنته بها، ولكنها للأسف تركت النقاوة، واستشرى فيها الفساد مثل أختها إسرائيل وأكثر.
فعملوا الشر “فى عينى الرب” أى أمامه كأنهم يتحدونه ولا يخافونه، “أكثر من جميع ما عمل آباءهم” سواء الذين أخطأوا فى أيام موسى أو القضاة أو الملوك السابقين :
( أ ) فقد عملوا لأنفسهم (مرتفعات) فأقاموا المذابح لآلهتهم على الأماكن العالية مثل الأمم.
(ب) وأقاموا ” أنصاباً وسوارى لآلهتهم” (ع23) “على كل تل ( مكان) مرتفع” لكى تُرى من بعيد، و “تحت كل شجرة خضراء” حيث كان الناس يجلسون لكى يستريحوا ويستظلوا، وأصبحت الأنصاب والسوارى مغروسة ومنتشرة على كل شبر من الأرض المقدسة.
(ج) وكان أيضاً بينهم (مأبونون) وهم الذكور الذين قبلوا أن يعملوا الفحشاء أو أن تعمل معهم، وهذه هى خطية أهل سدوم. ووجود (المأبونين) يقتضى بالأولى وجود (الزوانى) من النساء أيضاً. وقد كان هؤلاء وأولئك يهبون أنفسهم للآلهة ويقدمون الأجور التى تعطى لهم عن نجاستهم لهياكل الآلهة، وقد دعيت كل زانية (قدشة) أى قديسة مكرسة للأوثان، كما دعى كل ذكر ممن وهبوا أنفسهم للفساد قديسا أى مقدساَ ومكرساً لهذه الآلهة.
(ها) وبالجملة فقد فعلوا كل “أرجاس” (نجاسات) الأمم الذين طردهم الرب من أمام بنى إسرائيل، مثل الشعوب الكنعانية وغيرها.
(2) لا شك فى أن النساء اللواتى كان سليمان قد تزوجهن من الشعوب الوثنية والنسل الذى خرج منهن كان لهم أثر كبير فى انتشار الفساد فى الأرض، زيادة على انحراف رحبعام نفسه الذى لم يكن مستقيماً كل الاستقامة أمام الرب، وربما كان لأمه العمونية أثر كبير فى اعوجاجه، بالإضافة إلى تقليد شعب يهوذا للأمم الوثنية المجاورة، ولشعب إسرائيل المجاور له، فحاكى هؤلاء وأولئك فى حياة الاستهتار والإباحية والحرية الموهومة.
من النادر جداً أن ينتقل بر الصديقين واستقامتهم إلى المنحرفين والفاسدين، ولكن من السهل أن ينتقل فساد الفاسدين إلى الصديقين فيعثرهم ويؤثر عليهم. لأن الصحيح لا يؤثر على المريض فينزع عنه المرض، وإنما المريض هو الذى قد يؤثر على الصحيح فتنتقل إليه عدوى المرض، ولهذا من الحكمة أن يتباعد أولاد الله عن مخالطة الأشرار لأن الكتاب يحذرنا قائلاً ” فإن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة ” (1كو15: 33). واحذر معاشرة اللئام فإنها تُعدى كما يعدى السليمَ الأجربُ.
25 – وفى السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشنق ملك مصر إلى أورشليم.
26 – وأخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وأخذ كل شئ وأخذ جميع أتراس الذهب التى عملها سليمان.
وماذا تكون ثمرة البعد عن الله إلا الهزيمة والعار؟ لقد أغضبت يهوذا الرب، فسلمها إلى يد أعدائها، وسمح لشيشق (شيشق) ملك مصر أن يغزو أرض يهوذا، ويدخل عاصمتها أورشليم، وينهب جميع الكنوز والنفائس من الذهب والفضة والأحجار الكريمة التى كانت فى خزائن بيت الرب وفى خزائن الملك، تلك النفائس العظيمة التى جمعها كل من داود وسليمان فى أيام العز والجلال، وزيادة على ذلك فقد أخذ “أتراس الذهب” التى عملها سليمان، وكان السعاة والجنود يحملونها أمام الملك كعلامة للعظمة والغنى الذى منحه الله لشعبه.
(صعد) لأن أرض يهوذا أكثر ارتفاعاً من أرض مصر، مما يرينا دقة التعبير فى الكتاب المقدس.
و (شيشق) هو أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين، وهو الذى لجأ إليه يربعام فى هروبه من سليمان (ص 6 : 38…) وربما يربعام بعد توليته الملك هو الذى حث شيشق على غزو يهوذا منافسة مملكته، وربما سهل له الطريق لذلك. ويثبت التاريخ أن مصر بسطت سلطانها على يهوذا وغيرها من بلاد آسيا فى عصر شيشق. وقد دون شيشق على جدران معبد الكرنك انتصاراته على الكثير من الشعوب الآسيوية ومن بينها شعب يهوذا. وقد خضعوا لسلطته وكانوا يؤدون له الجزية.
(الأتراس) جع (ترس) من أدوات الحرب التى يحملها الجنود (راجع شرح ص7).
27 – فعمل الملك رحبعام عوضاً عنها أتراس نحاس وسلمها ليد رؤساء السعاة الحافظين باب بيت الملك. 28 – وكان إذا دخل الملك بيت الرب يحملها السعاة ثم يرجعونها إلى غرقة السعاة.
(1) عمل رحبعام (أتراساً من نحاس) بدل أتراس الذهب التى نهبها شيشق ملك مصر، لأن الخطية حولت غناهم إلى فقر، ومجدهم إلى هوان، والذهب إلى نحاس.
(2) وسلم عهدة الأتراس إلى (رئيس السعاة). و (السعاة) هنا هم رجال الحرس الملكى، كانوا يحرسون بيته، ويسيرون أمامه لحراسته، وكانوا يحفظون الأتراس فى غرفة خاصة من الغرف التى لهم، يرجح أنها فى بيت وعر لبنان (ص7).
(3) كان الملك إذا سار فى طريقه إلى بيت الرب أو إلى بيته يحمل السعاة أتراسهم ويسيرون أمامه فى موكب رسمى كعلامة للعظمة، ولكنها للأسف عظمة باهتة مقيدة لأن يهوذا كانت تحت الجزية. وإذا ما عاد الملك إلى منزله، يضعون الأتراس ثانية إلى الغرفة الخاصة بها.
29 – وبقية أمور رحبعام وكل ما فعل أما هى مكتوبة فى سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا.
(1) ربما يقصد (بسفر أخبار الأيام لملوك يهوذا هنا، السجلات التى كانت تدون لكل ملك يوماً فيوماً، والكتاب أورد فى الأسفار الإلهية ما هو مناسب وكاف لحاجة المؤمنين الروحية، ويترك الحرية لمن يريد مزيداً من الأخبار أن يطَّلع على الكتب الأخرى التى دونها موظفو الملك أو المؤرخون.
(2) وقد كتب أيضاً عن رحبعام كل من شمعيا النبى وعدو الرائى فى كتب تاريخية كتبوها لمنفعة الشعب.
(3) وفى الغالب يقصد الوحى (بسفر أخبار الأيام لملوك يهوذا هنا ما كتب فعلاً فى سفر أخبار الثانى فى الكتاب المقدس عن رحبعام فى (2أى 10 – 12).
30 – وكانت حرب بين رحبعام ويربعام كل الأيام
كانت منافسة دائمة بين الرجلين لأن رحبعام اغتاظ من يربعام الذى رآه دخيلاً وقد أخذ عشرة أسباط من مملكته واشتهى لو أنه يستطيع أن يستردها منه، وفى نفس الوقت جاهد يربعام لكى يحتفظ لمملكته، وأثارت المنافسة الحروب بين الملكين، وبين الشعبين اللذين هما فى الحقيقة شعب واحد، هو الشعب الذى اختاره الرب لنفسه ودعا اسمه عليه.
31 – ثم اضطجع رحبعام مع آبائه. ودفن مع آبائه فىمدينة داود واسم أمه نعمة العمونية. وملك أبيام ابنه عوضاً عنه.
(1) مات بعد أن ملك سبع عشرة سنة فكان عمره ثمانية وخمسين سنة عندما مات، وقد دفن فى مدينة داود مع داود وسليمان.
(2) يذكر الوحى هنا اسم أمه لأن اليهود كانوا يهتمون كثيراً بأسماء أمهات الملوك، بالنسبة لأن الملوك كانوا يتخذون غالباً نساء كثيرات. وأمه هى (نعمة العمونية). ومر الحديث عن ذلك فى شرح (ع 21).
(3) ملك بعد ابنه (أبيام) الذى دعا أيضاً (أبيا) (2أى13: 1). ومعنى (أبيا) (يهوه أب) أو (أبى يهوه)، و (أبيا) هذا هو غير (أبيا) الذى كان ابناً ليربعام بن ناباط (ع 1).
 
 

Leave a Comment