كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح الخامس عشر – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الخامس عشر

ألعل الحكيم يجيب عن معرفة باطلة ويملأ بطنه من ريح شرقية؟

بدء الحوار الثاني لأصحاب أيوب :-

  • ” ​فَأَجَابَ أليفاز التَّيْمَانِيُّ وَقَالَ: أَلَعَلَّ الْحَكِيمَ يُجِيبُ عَنْ مَعْرِفَةٍ بَاطِلَةٍ، وَيَمْلأُ بَطْنَهُ  مِنْ رِيحٍ شَرْقِيَّةٍ، فَيَحْتَجَّ بِكَلاَمٍ لاَ يُفِيدُ، وَبِأَحَادِيثَ لاَ يَنْتَفِعُ بِهَا؟”:-

اتهم أليفاز بعد رد أيوب في الحديث الأول باتهامات جديدة تحمل نفس الفكر وهو بؤس الأشرار لا محال ناتج عن خطية.
اتهم أليفاز أيوب أنه حكيم حكمة باطلة وليست مختبرة عن عمل بل هي أشبه بالريح الشرقية التي تهب في حوض البحر المتوسط وفي شرق الأردن حيث مسكن أليفاز وأصحابه وتفسد الزروع وهي التي يسميها اليونانيون الأوروكليدون (أع٢٧: ١٤)، وهي مثل التي هبت على بحر الجليل عندما صرف ربنا يسوع الجموع وتلاميذه بعد معجزة الخمس خبزات والسمكتين (يو٦: ١٨).
هكذا دائما يمثل أليفاز وأصحابه الهراطقة الذين يتهمون الكنيسة بما هو غير موجود فيها لكن دون تطبيق كلام (أليفاز) على أيوب يكون الكلام نافعا لنا حتى نتعلم الحكمة بالصمت.

  • ​” أما أَنْتَ فَتُنَافِي الْمَخَافَةَ، وَتُنَاقِضُ التَّقْوَى لَدَى اللهِ “:-

هنا يقدم اتهاما آخر هو أساس الحياة الروحية وهو مخافة الله فيتهم أليفاز أيوب بعدم مخافة الله فتكون كل تقواه باطلة وحكمته باطلة وعلاقته بالله باطلة لأن رأس الحكمة مخافة الله، وإن كانت المخافة لها نوعين الأول خوف العقوبة وهو يخص المبتدئين في حياتهم مع الله والثاني خوف جرح مشاعر الله وهو يخص من لهم حب لله.
المخافة تولد بكاء والبكاء يولد قوة ودالة أمام الله هذه التي اقتناها الأنبا أنطونيوس بعد جهاد كبير وأصوام وكانت تسهل عليه كل أعمال البر، كما كانت هذه النعمة معطاة للقديس مكاريوس الكبير في حماية الشيروبيم له منذ بداية حياته مع الله حتى موته.

  • ” ​لأَنَّ فَمَكَ يُذِيعُ إِثْمَكَ، وَتَخْتَارُ لِسَانَ الْمُحْتَالِينَ “:-

دائما الفم يعلن عما بداخل الإنسان فاتهم أليفاز أيوب بأنه أثيم ومحتال ففمه ملئ بالإثم ضد الله والاحتيال على الناس للظهور أمامهم بالتقوى.
يرى ق. إغريعوريوس الكبير أن هذا ما يتهم به الهراطقة (أليفاز) الكنيسة لأن الكنيسة تعلم بأن الله اتخذ جسدا ومات بالجسد والهراطقة يقولون أن هذا اهانة لله (خصوصا الأريوسيين).

  • ” ​إِنَّ فَمَكَ يَسْتَذْنِبُكَ، لاَ أَنَا، وَشَفَتَاكَ تَشْهَدَانِ عَلَيْكَ “:-

في نوع من عدم الحق والخبث اعتبر أليفاز ما نطق به أيوب في ضيقة نفسه وعبر عنه أنه إثم وذنب يشهدان على أيوب بنطق شفتيه وكأن هدف أصابه جعله في صفوف المذنبين والتحقير منه وإتعابه بدل من تعزيته.

  • ​” أَصُوِّرْتَ أَوَّلَ النَّاسِ أَمْ أُبْدِئْتَ قَبْلَ التِّلاَلِ ؟”:-

في تهكم اتهم أليفاز أيوب أنه اعتقد أنه كان مع آدم أول إنسان على الأرض حتى يرى ما صنعه الله وحتى آدم لم يحدث له ما حدث لأيوب.
والاتهام الثاني هو أنه كان مع حكمة الله أو هو حكمة الله التي كانت قبل أن تصور التلال (أم٨: ٢٨)، رغم أن أيوب لم يقل هذا إلا في عبارة واحدة في (أي١٣: ٢٦)، وهي فيها ليس هذا العلو بهذا الشكل في اتهام أليفاز.

  • ​” هَلْ تَنَصَّت (أصغيت) فِي مَجْلِسِ اللهِ، أو قَصَرْتَ الْحِكْمَةَ عَلَى نَفْسِكَ ؟”:-

تهكم أليفاز على أيوب هل هو (أيوب) إنسان أم كائن سماوي يجلس في مجلس الله (مز٨٢: ١) ليعرف مشورته؟ هل هو أحد الحيوانات الأربعة حاملي العرش أم هو واحد من الكاروبيم الذين يسبحون الله ويقدسوه؟ (إش ٦) أو هو واحد من الــ ٢٤ كاهنا غير الجسدانيين في السماء؟ (رؤ ٤).
هل الحكمة قاصرة عليه دون سائر البشر؟
لكن الذي لم يعرفه أليفاز صحيح أن أيوب إنسان لكنه عرف حكمة الله ومشورته لأنه يعرف الله صديقه جيدا.

  • ​” مَاذَا تَعْرِفُهُ وَلاَ نَعْرِفُهُ نَحْنُ ؟ وَمَاذَا تَفْهَمُ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا ؟”:-

هنا يرد أليفاز على عبارة أيوب في (أي١٣: ٢) دفاعا عن نفسه أن ما يعرفوه يعرفه هو ويعرفه أي إنسان.
لكن هنا بقسوة واضحة يسفه أليفاز أيوب بطريقة تحمل ما في نفس أليفاز من عدم محبة وتفاخر بحكمته هو وأصدقائه وتحمل تسفيه فيه نوع من الحقد شديدا.

  • ​” عِنْدَنَا الشَّيْخُ وَالأَشْيَبُ، أَكْبَرُ أَيَّامًا مِنْ أَبِيكَ “:-

تحول أليفاز تقريبا على شيء من الشتيمة علامة ضعف رده وخروجه عن مشاعر الإنسانية فيقول لأيوب عندنا الشيوخ الكبار سناً والذين هم أكبر منك ومن أبيك هم يعلموننا، فمن أنت؟ وما هو علمك أو حكمتك؟ وكأن أليفاز يقلل من أيوب وأبيه وهذا تعدي وعبارة في نوع من الشتيمة في شكل تهكم.

  • ​” أَقَلِيلَةٌ عِنْدَكَ تَعْزِيَاتُ اللهِ، وَالْكَلاَمُ مَعَكَ بِالرِّفْقِ ؟”:-

اعتبر أليفاز هو وأصحابه عندما جاءوا إليه أنهم مبعوثو الله لتعزية أيوب رغم ما اتسموا به من قسوة وتوبيخ، ووصف كلامهم أنه كلام بالرفق وليس بقسوة فكلامه مخالف لما قالوه وفعلوه مع أيوب.

  • ​” لِمَاذَا يَأْخُذُكَ قَلْبُكَ ؟ وَلِمَاذَا تَخْتَلِجُ عَيْنَاكَ “:-

يقول أليفاز لماذا يأخذك قلبك في مقاومة الله ومقاومة كلامنا ولماذا ترتفع بعينك على كلامنا وتقاوم ما يبعثه الله على ألسنتنا؟ فأليفاز اعترف بهذا أنه هو الذى قلبه وعيناه هو وأصحابه مقاومين لله ومفتخرين لأن أيوب كان إنسانا متضعا وهم يتشامخوا عليه ويوجهوا له الاهانة قول بعد قول.

  • ​” حَتَّى تَرُدَّ عَلَى اللهِ وَتُخْرِجَ مِنْ فِيكَ أَقْوَالاً ؟”:-

اعتبر أصحاب أيوب كلامه عن أعماله الحسنة هو كلام ضد الله وعندما ثار عليهم كأنه ثار على الله متجاهلين حالته وتفكيره الداخلي.
فإن الفريسي تكلم مفتخرا بأعماله لكنه لم يتبرر (لو ١٨)، لكن لما عرف حزقيا ملك يهوذا أنه سيموت صلى إلى الله وقال “اذكر يا رب كيف سرت أمامك بقلب سليم” (إش٢٨: ٢)، فهنا لم يكن افتخار لكن يوضح حالة قلبه فأيوب لم يفتخر بل كان يقول ما في قلبه.
وأيضا اعترف معلمنا بطرس بأن ربنا يسوع المسيح ابن الله الحي (مت١٦: ١٦) وطوبه ربنا يسوع لكن رفض ربنا يسوع هذا الاعتراف من الشياطين لأنه عن خوف (مر١: ٢٤)، فكان بالأولى أن يطلب أصحاب أيوب توضيح كلامه لا أن يأخذوا كلامه ليتصيدوا له أخطاء غير موجودة.

  • ​” مَنْ هُوَ الإنسان حَتَّى يَزْكُو، أو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ ؟”:-

هنا يتخذ أليفاز من كلمة أيوب “من يخرج الطاهر من النجس” (أي١٤: ٤) ليتهم بها أيوب أنه بار في عين نفسه فالكلام جيد لكن تطبيقه على حالة أيوب خطأ، فالإنسان هو أرضي لأن كلمة إنسان في العبرية تعني (أداما) أي من أديم الأرض أي ترابي، ويضيف مولود امرأة التي هي أول من أخطأ إلى الله أي أمنا حواء لكن أيوب لم يتبرر في عيني نفسه وقال كلامه باتضاع شديد.

  • ​” هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ “:-

الله قدوس وقداسته مطلقة لهذا أي كائن مهما كان بار أو مقدس فهو له قداسة نسبية لكن بالنسبة لله أيضا يعتبر ليس بطاهر أمامه، فإذا كانت السموات والملائكة غير طاهرة أمامه وينسب لملائكته حماقة (أي٤: ١٨) فلهذا لما أراد أن يخلصنا جاء هو بنفسه لأنه لم يأتمن قديسيه لخلاصنا وأيضا لأنهم مولودون بالخطية.
هذا كلام صحيح لكن بالنسبة لأيوب لم يعتبر نفسه بلا خطية…
ولأن طبيعية الإنسان متغيرة من حال إلى حال أما الله فهو ثابت وليس عنده تغيير أو ظل دوران (يع١: ١٨) لكن من يقول أنه بلا خطية فهو ليس فيه حق (١يو١: ٨).

  • ​” فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإنسان الشَّارِبُ الإِثْمَ كَالْمَاءِ! “:-

فإذا كان الله لا يأتمن قديسيه على خلاصنا وهم غير طاهرين أمامه فكم يكون الإنسان مكروه لأنه يفعل الإثم! أي الذي أصبح غير نافع بل فاسد وأصبح إثمه جزء منه يشربه كأنه ظمآن إليه أو كأنه يشربه بدون عائق أو مانع.

  • ​” أُوحِي إِلَيْكَ، اسْمَعْ لِي فَأُحَدِّثَ بِمَا رَأَيْتُهُ “:-

هنا يحاول أليفاز أن يرفع من نفسه ومن تعليمه، يحاول أن يثبت أن تعليمه فقط هو الصحيح، وكلمة أوحي إليك أي أوضح لك ما يكون غامضا عليك، ويتكلم بغطرسة أن ما يعلمه هو رآه بنفسه ودون أن يدري يرفع نفسه أمام أيوب هو يسقط في هوة الكبرياء لأن كل إنسان يتعلم حتى لو كان عارف بكل شيء وهذا يستحيل لأن الله وحده هو الذي لا يحتاج إلى التعلم.

  • ​” مَا أَخْبَرَ بِهِ حُكَمَاءُ عَنْ آبَائِهِمْ فَلَمْ يَكْتُمُوهُ “:-

يحاول أليفاز في كبرياء أن يثبت صحة تعاليمه بأنها مأخوذة عن حكماء وهم بدورهم آخذوها عن آبائهم لأنهم حكماء فلم يكتموا حكمتهم بل تكلموا بها.
هذا صحيح لكن ما عرضه أليفاز من فكر هو مقاوم لله ليس بسليم لكن توافر استلام الإيمان الصحيح عن الآباء هو جيد لأنه يحمل روح القداسة التي لهم وأيضا عمل الروح القدس فيهم لكنهم ليسوا معصومين عن الخطأ.

  • ​” الَّذِينَ لَهُمْ وَحْدَهُمْ أُعْطِيَتِ الأَرْضُ، وَلَمْ يَعْبُرْ بَيْنَهُمْ غَرِيبٌ”:-

يكمل أليفاز كلامه عن الحكماء الذين علموه أنهم لهم أعطيت الأرض، وهنا المعنى أن السبئيين والكلدانيين الذين استولوا على أرض أيوب دليل على عدم حكمة أيوب لأن الله يستأمن الأرض في يد الحكماء فإن أخذت الأرض منهم مثل أيوب فلا يكونوا حكماء ولا قديسين الذين لا يكون وسطهم غريب عن روح الحكمة وليس حكيما واحد بل كلهم حكماء.

  • ​” الشِّرِّيرُ هُوَ يَتَلَوَّى كُلَّ أَيَّامِهِ، وَكُلَّ عَدَدِ السِّنِينَ الْمَعْدُودَةِ لِلْعَاتِي”:-

مازال أليفاز على مبدأه وهو أن الشرير يتلوى كل أيامه وهو لفظ طبي من يتلوى من المغص وهذا ينطبق على أقصى أنواعه مثل المغص الكلوي وكأن الشرير يعيش في تلوي من مرضه بسبب شره.
والشرير عاتي أي طاغي سواء على نفسه بالأفكار الشريرة أو إذا كان له أسرة يشيع فيها السيطرة والعنف، وإذا كان مسئول عن مدينة يشيع فيها القسوة، وإذا كان أعلى من ذلك يكون إنسان متجرد من الشفقة حتى لو كان ملك سيحكم مملكته بظلمه ومعيشته الطاغية المتمرغة في ظلم الفقراء ولهوه في الشهوات مثلما كان هيرودس الكبير الذي قتل أطفال بيت لحم الــ ١٤٤.٠٠٠ وكل تخومها، ومثلما قتل زوجتين له وابنه، ومثل نيرون الذي أحرق روما ولصق التهمة بالمسيحيين، هذان هما الطاغيتان وفي كل عصر يوجد منهم لكنهم يعيشون في فرح دنيوي لكن نهايتهم تكون صعبة جدا عكس ما يفكر أليفاز على أيوب البار.

  • ​” صَوْتُ رُعُوبٍ فِي أُذُنَيْهِ. فِي سَاعَةِ سَلاَمٍ يَأْتِيهِ الْمُخَرِّبُ “:-

يكمل أليفاز حديثه على أيوب على أساس أنه شرير.
فيقول أن الشرير يعيش في حالة من القلق حتى أنه ينزعج من صوته الداخل إلى أذنيه وكأنه صوت غريب مرعب وكأنه وحش مرعب.
وأيضا عندما يعتقد الشرير أنه في زمان السلام يأتيه المخرب أي إبليس أو يسوق إبليس من يخربوا بيته مثلما حدث مع أيوب.
لكن الأشرار لا يكون لهم سلام على الإطلاق.
وأيوب كان بارا لهذا عاش في سلام ليس سلاما وهميا بل ناتج من السلام الداخلي.

  • ” ​لاَ يَأْمُلُ الرُّجُوعَ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَهُوَ مُرْتَقَبٌ لِلسَّيْفِ “:-

يعيش الأشرار في ظلمة فتملك عليهم بلا رجاء للعودة إلى النور فقد حوطتهم الظلمة من الخارج والداخل لأنهم أرادوها، وكأنهم قتلة وقتلوا كثيرين لهذا يتوقعون السيف والقتل لهم في أي وقت لأن الذين يقتلون بالسيف بالسيف يقتلون، فهذا جزاء الأشرار الظلمة والموت الذين قيل عنهم السالكين في الظلمة وظلال الموت وكأنهم يعيشوا في الجحيم قبل أن ينزلوا إليه.

  • ​” تَائِهٌ هُوَ لأَجْلِ الْخُبْزِ حَيْثُمَا يَجِدُهُ، وَيَعْلَمُ أن يَوْمَ الظُّلْمَةِ مُهَيَّأٌ بَيْنَ يَدَيْهِ “:-

إن الشرير تائه في الأرض لكي يحصل على خبز مثل الابن الضال بينما عبيد أبيه يفضل عنهم الخبز وفي فرح وسلام، والشرير يعلم أن يوم الدينونة آتي لا محالة وهو يوم ظلام بالنسبة للشرير ونور للأبرار كل حسب أعماله فهو مخيف للأشرار ورجاء للأبرار.

  • ​” يُرْهِبُهُ الضُّرُّ وَالضَّيْقُ. يَتَجَبَّرَانِ عَلَيْهِ كَمَلِكٍ مُسْتَعِدٍّ لِلْوَغَى”:-

يخاف الشرير من الضيق الداخلي الذي تسببه خطاياه وأعماله الرديئة أكثر من الخارجي، إنما الخارجي يعكس ضيق نفسه بسبب الشر والشر مثل شبكة الصياد مجرد أن تحط أرجل العصفور فيها فتقتنصه هكذا بسبب ضعفنا في إيماننا وسلوكنا وخوفنا يملك إبليس علينا إذ لا خائفون يرثون ملكوت السموات بل المتضعون يرثون ملكوت السموات لأن إبليس بالكبرياء سقط وأسقط الإنسان فبالاتضاع انتصر ربنا يسوع عليه إذ صار الكلمة متجسدا فهزمه.

  • ” ​لأَنَّهُ مَدَّ عَلَى اللهِ يَدَهُ، وَعَلَى الْقَدِيرِ تَجَبَّرَ عَادِيًا عَلَيْهِ، مُتَصَلِّبُ الْعُنُقِ بِأَوْقَافِ مَجَانِّهِ (بتروسه الغليظة) مُعَبَّأَةً. ​لأَنَّهُ قَدْ كَسَا وَجْهَهُ سَمْنًا، وَرَبَّى شَحْمًا عَلَى كِلْيَتَيْهِ”:-

شبه أليفاز أيوب بإبليس الذي رفع يده أو نفسه في وجه العلي كما في (إش١٤: ١٣) قائلا اجعل كرسي فوق كراسي العلي، وتعالى على الله الكلي القدرة فأحدره الله إلى الأرض ثم بعد الصليب إلى الجحيم حيث قيده ألف سنة روحية (رؤ ٢٠).
وأيضا كان إبليس مرتفع على الله متصلب العنق وقد كسا وجهه سهاما نارية ضد الإنسان، وغلُظ مثل إنسان على كليته شحما كثيرا لأن أرق جزء في الإنسان خلف الكلى.
أيضا هذا التشبيه بأتراس وسهام جاء به أليفاز من آلات الحرب القديمة وهي المنجنيق وهو آلة تشبه المدفع بها أتراس تقف أمام الأسوار يخرج منها جزء حديدي يطرق أسوار المدن فيحطمها ويعمل فتحات بها، وأحيانا تطلق منه السهام النارية لحرق الأعداء والأسوار، هكذا ارتفع إبليس مثل الآلة الحربية ضد الله وضد الإنسان إذ شاهد إبليس الإنسان في كرامة ومجد وهو حُرم منهما، هكذا شبه أليفاز أيوب أنه ضد الله أو حتى ضد المسيح متصلف برقبته قد سمن شحم وراء كليتيه لكن هذا لا يتناسب مع اتضاع أيوب وفيه مبالغة كبيرة جدا.

  • ​” فَيَسْكُنُ مُدُنًا خَرِبَةً، بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ عَتِيدَةً أن تَصِيرَ رُجَمًا (رجم الله)”:-

يصير الذين هم مقاومين لله في حالة عزلة عن الآخرين كل منشغل بذاته فيكونون مجتمعات خربة لأنهم غير متعاونين بل منعزلين بسبب شرورهم عن بعضهم البعض.

  • ” ​لاَ يَسْتَغْنِي، وَلاَ تَثْبُتُ ثَرْوَتُهُ، وَلاَ يَمْتَدُّ فِي الأَرْضِ مُقْتَنَاهُ “:-

لا يشعر الشرير بالشبع الداخلي فهو محتاج دائما مهما كان غناه الخارجي.
وأيضا ثروته الخارجية يجمعها بالشر وتتبدد بشر آخر وغناه لا يمتد أي لا يصير لفترة كبيرة بل ينقص سريعا.

  • ​” لاَ تَزُولُ عَنْهُ الظُّلْمَةُ. خَرَاعِيبُهُ (أغصانه) تُيَبِّسُهَا السُّمُومُ، وَبِنَفْخَةِ فَمِهِ يَزُولُ “:-

أي الشرير لا يستطيع أن يتخلص من الظلمة التي تلحقه باستمرار ربما لعدم جديته في التوبة وأيضا ثمره يكون مثل الزهر يقع أو يزول بواسطة ريح التجارب فلا يتحول الزهر إلى ثمار بل يسقط.

  • ” ​لاَ يَتَّكِلْ عَلَى السُّوءِ. يَضِلُّ. لأَنَّ السُّوءَ يَكُونُ أُجْرَتَهُ “:-

يتكل على الخداع والغش فيكون له الخداع ثمر والغش إذ هو يخدعه الآخرون ويحمل الموت الأدبي بالسمعة السيئة.

  • ​” قَبْلَ يَوْمِهِ يُتَوَفَّى، وَسَعَفُهُ لاَ يَخْضَرُّ “:-

يموت الشرير في سن مبكر نتيجة لشروره فالشر يجعله مقضي عليه بالموت المبكر وليس موتا عاديا في سن مبكر لكن بسبب شروره مثل الذين يدمنون المخدرات أو غيرها يأتي أجلهم سريعا وحتى ثماره لا تكون ناضجة وهذا ما عنى به أن سعفه لا يخضر أي غير ناضج لأن السعف الناضج يحمل الإخضرار مع الإصفرار.

  • ​” يُسَاقِطُ كَالْجَفْنَةِ (كالكرمة) حِصْرِمَهُ، وَيَنْثُرُ كَالزَّيْتُونِ زَهْرُهُ “:-

يصير ثمر الشرير غير كامل أي حتى لو حاول أن يسلك في الخير يرتد إلى الشر مرة أخرى فيسقط ثمره قبل اكتماله وهذا ما يسمى الحصرم الذي يكون مر أو سام ومثل الزيتونة التي تسقط أزهارها فلا تتحول إلى ثمر.
وكل الإشارات هنا تحمل معنى على أيوب عن موت أبنائه في سن مبكر إذ يفكر أليفاز بأن أيوب شرير لهذا فقد كل ما كان له حتى أبناءه.

  • ​” لأَنَّ جَمَاعَةَ الْفُجَّارِ عَاقِرٌ، وَالنَّارُ تَأْكُلُ خِيَامَ الرَّشْوَةِ “:-

جماعة الأشرار لا تلد ثمار روحية والنار تحرق خيامهم لأنها مبنية من مال الرشوة أي الغير شرعي، وكأن أليفاز يقول أن أيوب فقد أولاده لأنه فاجر وحُرقت ممتلكاته لأنها من مال غير شرعي، وفي المعنى الروحي أن جماعة الأشرار لا يصنعون ثمارا بل يكتفوا بالمديح الذي هو مثل الرشوة والنار التي تأكل حتى ما كان جيد لهم، وهذا ينطبق على الأمثلة السابقة من حصرم الكرمة وسقوط زهر الزيتون لاكتفاء الإنسان بحب المديح بدل ما يكون مدحه من الله وليس من الناس.

  • ​” حَبِلَ شَقَاوَةً وَوَلَدَ إِثْمًا، وَبَطْنُهُ أَنْشَأَ غِشًّا “:-

الحبل بالشقاوة هو الذي يملأ فكره بأفكار نجسة فإن عقله يلد إثما وبالتالي يفعل هذا الإثم أي يتحول الفكر إلى الفعل، وبطنه أي قلبه مملوء غشا فيكون عمله كله خداع الآخرين لكن أليفاز كان قد تكلم بهذا في افتراء على أيوب البار وليس كلامه حسب الحق أبدا.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment