تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح السابع عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) كلام إيليا إلى أخآب عن انقطاع المطر (ع1).
(2) إيليا عند نهر كريث  (ع2-7).
(3) أمر الرب له بالذهاب إلى صرفة صيدا (ع8-9).
(4) إكرام الأرملة لإيليا والبركة التى كافأها بها الرب (ع10-16).
(5) موت ابن الأرملة وإقامته (ع17-24).
1- وقال إيليا التشبى من مستوطنى جلعاد لأخآب حى هو الرب إله إسرائيل الذى وقفت أمامه إنه لا يكون طل ولا مطر فى هذه السنين إلا عند قولى.
(1) إن المثل الذى يقول (فى الليلة الظلماء يلتمس البدر) ينطبق على عهد أخآب ملك إسرائيل بظلامه الحالك وظهور إيليا النبى لتوبيخ هذا الملك وشعبه والعمل على تبديد ظلام.
ذلك العهد الذى انتشرت فيه العبادة الوثنية للبعل وعشتروت، وقاد هذه العبادة أخآب الملك نفسه بغواية زوجته إيزابل.
(2) والرب الذى يغار على مجده وعلى شعبه إيليا النبى الذى لم يذكر الوحى شيئاً عن أسرته حتى ظن بعض اليهود أنه ملاك، ولكنه فى الحقيقة “إنسان تحت الآلام مثلنا”     (يع5 : 17), ويكتفى الوحى بأن يذكر أنه من قرية (تشبة) التى فى جلعاد شرقى الأردن. ويوجد قرية أخرى باسم (تشبى) فى إقليم الجليل غربى الأردن ذكرت فى (طو1: 2). وموطن إيليا هى القرية الأولى.
(3) وقف النبى العظيم أمام أخآب العاتى وأبلغه كلام الرب لعله يتوب هو وشعبه، وقد بدأ كلمته بقوله
( أ ) “حى هو الرب” وهى صيغة قسم يقسم فيها بالإله الحى بينما أصنام أخآب ميتة.
(ب) “الذى وقفت أمامه” وهى تعنى :
(1) الذى وقفت نفسى وكرستها للمثول أمامه لخدمته وتنفيذ مقاصده ويشبه نفسه هنا بالعبيد الذين يقفون أمام الملوك ليتلقوا أوامرهم (ص10: 8).
(2) والذى أمثلِّه وأحمل كلمته وأبلغ رسالته.
(3) والذى وقفت أمامه أيضاً مصلياً من أجل منع نزول المطر.
(ج) ثم أردف هذه المقدمة بتبليغه إنذار الله “أنه لا يكون طل ولا مطر فى هذه السنين إلا عند قولى”. و (الطل) هو المطر الخفيف جداً و (المطر) هو المطر العادى والثقيل وعدم سقوط المطر يعتبر كارثة كبيرة فى تلك البلاد التى تعتمد فى زراعتها وحياتها على ماء المطر. ونلاحظ :
(1) أن إيليا صلى فلم تمطر السماء ثم صلى فأمطرت (يع5: 17, 18) ولهذا يقول لأخآب أنه لا يكون المطر “إلا عند قولى” أى إلا عند كلمتى وأمرى، ويقصد إذا صلى إلى الرب. وهكذا “طلبة البار تقتدر كثيراً فى فعلها” (يع5: 16) وكأن مفاتيح السماء فى أيدى أولاد الله، تفتح وتغلق بصلواتهم.
(2) وقد انقطع المطر فعلاً وظل منقطعاً ” ثلاث سنين وستة أشهر” (يع5: 17) وقد قصد الرب بهذا أن يعاقب الشعب بالجدب نظير خطاياه وأن يذرع عبده إيليا بهذه المعجزات العظيمة وغيرها ليتأكد الشعب أن الرب هو الإله الحقيقى وحده وأن عبادة البعل باطلة وأن إيليا نبى صادق للرب.
2- وكان كلام الرب له قائلاً. 3 – انطلق من هنا واتجه نحو المشرق واختبئ عند نهر كريث الذى هو مقابل الأردن. 4 – فتشرب من النهر. وقد أمرت الغربان أن تعولك هناك.
(1) أمر الرب عبده إيليا أن يهرب من وجه أخآب لئلا يقتله بسبب الجفاف الطويل، وأمره أن يذهب ليختبئ عند نهر كريث المقابل للأردن شرقاً.
وفى الغالب هو نهر ينبع من الشرق ويصب فى الأردن ويرى بعض المفسرين أنه ربما يكون (وادى كلت).
(2) وقد دبر الله أمر عبده ليس من جهة المكان الذى يختبئ فيه فقط، بل من جهة طعامه وشرابه أيضاً، فكان عليه أن يشرب من ماء النهر، ومن جهة طعامه قد أمر الرب (الغربان) أن تعوله، فتحضر له طعامه يومياً.
وكلمة الغربان فى العبرية (عربيم)،ولذلك ظن بعضهم أن المقصود بها هنا :
( أ ) سكان قرية عربو.
(ب) أو العرب الذين كانت منهم قبائل تعيش متنقلة فى تلك الجهات.
(ج) والأصح أنهم (الغربان) فعلاً والرب ربما اختار الغراب ليقوم بهذا العمل لكى يعطى إيليا ولجميع المؤمنين بعض الدروس الروحية :
(1) فالغراب رغم كونه طائراً جارحاً يخطف الطعام ذلل الله طبعه ليحمل الطعام إلى إيليا والرب يسخر جميع الأشياء والظروف حتى القاسية منها لخدمة أولاده ويجعل     “كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله”. (رو8: 28).
(2) ورغم أن الغراب طير لا يفهم مثل الإنسان فقد حركه الرب ليحمل الطعام إلى شخص معلوم وإلى مكان معلم وفى أوقات معلومة (صباحاً ومساءً)، والرب صاحب السلطان على كل خليقته، كما أنه يستطيع أن يعطى عبيده حكمة وفهماً ومواهب غنية يستطيعون بها أن ينفذوا مشيئته.
(3) ورغم أن الغراب من الطيور النجسة فإن الرب صرح لعبده إيليا أن يأكل الطعام الذى يحمله الغراب، لأن الرب هو واضع الناموس وله السلطان على الناموس لينفذه أو يقيم له استثناءات إذا كانت هذه الاستثناءات لصالح الإنسان وخيره، زيادة على ذلك فإن إيليا كان مثالاً ليوحنا المعمدان الذى أعد الطريق أمام المسيح المبارك وأعد القلوب لاستقبال عهد النعمة وعهد النعمة يصرح للمؤمنين أن خليقة الله كلها طاهرة وعليهم أن يأكلوا كل شئ بالشكر غير فاحصين من جهة الضمير (1كو10: 25) لقد كانت الطيور النجسة تشير إلى الأمم الوثنية البعيدة عن رعوية إسرائيل، وتكليف الرب الغراب بتنفيذ مقاصده وحمل الطعام إلى إيليا يبشر بدخول الأمم فى الإيمان الواحد مع شعب الله فى عهد النعمة وقبولها المسيح رباً وفادياً.
ونعمة الله تستطيع أن تعمل فى القلوب البعيدة والعاصية فتقربها وتعطيها أن تعمل أعمالاً عظيمة لمجد الله.
5 – فانطلق وعمل حسب كلام الرب وذهب فأقام عند نهر كريث الذى هو مقابل الأردن. 6 – وكانت الغربان تأتى إليه بخبز ولحم صباحاً وبخبز ولحم مساءً وكان يشرب من النهر.
آمن بقول الرب وبمواعيده وأقام عند نهر كريث، ورغم أن الغربان من الطيور التى تخطف اللحم والخبز وغيرها لتأكلها، فإن غربان إيليا كانت أمينة فى العمل الذى سخَّرها لها الرب، فكانت تحمل إليه اللحم والخبز صباحاً ومساءاً، فكان يأكل هذا الطعام ويشرب من النهر.
ربما جاء إليه غرابان يحمل أحدهما اللحم والآخر الخبز، وربما كانت تأتيه فى الوقت الواحد عدة غربان يحمل كل منهما على قدر ما يستطيع حمله من اللحم أو الخبز. ولا نعرف هل كان اللحم مطهياً، أم أنه كان نيئاً ليطهيه هو كما يريد ولعل هذا هو الأرجح. ومن يدرى ربما كان هذا اللحم من ذبائح السلامة التى كان شعب الله يقدمها ويأكل من لحمها أصحاب الذبيحة والكهنة واللاويون والفقير والغريب والضيف. على أى حال كان الرب يرسل إليه طعامه فى حينه، وكان هو يأكل ما يرسله إليه الرب يوماً فيوماً ولا يفكر فى أن يحجز منه شيئاً للغد بل اتكل على الرب من كل قلبه واثقاً أنه سيرسل إليه طعام الغد وطعام الأيام كلها.
7 – وكان بعد مدة من الزمان أن النهر يبس لأنه لم يكن مطر فى الأرض
كان الجفاف شديداً حتى جف النهر بعد أن أقام عنده إيليا مدة من الزمان.
8 – وكان له كلام الرب قائلاً. 9 – قم اذهب إلى صرفة التى لصيدون وأقم هناك هوذا قد أمرت هناك امرأة أرملة أن تعولك.
(1) لم يتركه الرب ليموت جوعاً وعطشاً بعد أن يبس النهر بل هيأ له مكاناً آخر ليذهب إليه، حيث أمـره أن يذهـب إلى “صرفة التى لصيدون” (صرفة صيدا). و(صرفة) هذه كانت إحدى الضياع التابعة لصيدون (صيداء) وقد مر الكلام عن (صيدون) فى (ص16: 31).   واسم (صرفة) لأن (صرفة) جنوبى صيدا بنحو ثلاثة عشر كيلو متراً تقريباً.
(2) وطمأنه الرب بأنه قد أمر “امرأة أرملة” أن تعوله. وقوله “أمرت امرأة أرملة” أى هيأتها وأقمتها لتعوله.
يا لعظم محبة الله وقدرته إن الله قد هيأ الغربان الجارحة ثم امرأة أرملة فقيرة لتعول عبده إيليا، والرب قد يهيئ لعبيده الخير فى أحلك الظروف، ربما على أيدى أضعف الناس أو بوساطة أتفه الوسائط، ومن حيث نظن أن العون بعيد أو مستحيل نراه قريباً وممكناً جداً.
(3) كان (نهر كريث) فى موطنه، فى الأراضى الواقعة شرقى الأردن، بينما كانت (صرفة صيدا) فى أرض الفينيقيين الوثنيين قريبة من البحر المتوسط، والرب يعول أولاده ويعتنى بهم سواء أكانوا فى أوطانهم وبيوتهم وبين ذويهم أو بعيدين عن أوطانهم وذويهم.
10 – فقام وذهب إلى صرفة وجاء إلى باب المدينة. وإذا بامرأة أرملة هناك تقش عيداناً هناك فناداها وقال هاتى لى قليل ماء فى إناء فأشرب.
(1) دبر الله له الموعد المناسب والمكان المناسب حيث جاء إلى باب المدينة فى اللحظة التى حرك فيها الرب المرأة لتخرج (وتقش عيداناً) أى تجمع بعض سيقان النباتات الجافة لتوقدها وتخبز أو تطهو عليها.
(2) واستهل إيليا حديثه معها بأن طلب منها قليلاً من الماء ليشرب.
11 – وفيما هى ذاهبة لتأتى به ناداها وقال هاتى لى كسرة خبز فى يدك.
أبدت المرأة استعدادها لإحضار الماء ليشرب ولم تتساءل مثلما تساءلت المرأة السامرية كيف يطلب منها ليشرب مع أنه يهودى وهى امرأة غريبة عن اليهود. وفيما هى ذاهبة لتحضر الماء طمع إيليا فى كرمها وطلب إليها أن تحضر معها أيضاً كسرة خبز، لكى يسد جوعه ويروى عطشه بعد السفر الطويل.
12 – فقالت حى هو الرب إلهك إنه ليست عندى كعكة ولكن ملء كف من الدقيق فى الكوار وقليل من الزيت فى الكوز وهأنذا أقش عودين لآتى وأعمله لى ولابنى لنأكله ثم نموت.
أقسمت المرأة باسم الرب “يهوه” الإله الحى.
يظهر أن المرأة عرفت أن إيليا يهودى ربما من منظره، فأقسمت له بالرب “يهوه” الإله الحى، أنه ليس عندها (كعكة)، والكعكة أصغر من الرغيف وتقصد أنه ليس لديها أى شئ مخبوز حتى ولا كعكة، ثم وصفت له حالتها فى ذلك الزمن الذى عم فيها الجفاف والجدب والمجاعة، فقالت إن كل ما لديها ملء كف من الدقيق فى الكوار (الإناء) وقليل من الزيت فى الكوز، وقالت إنها جاءت لتجمع بعض العيدان القليلة لتخبز عليها هذا القدر الضئيل من الدقيق والزيت لتأكله هى وابنها ثم بعد ذلك يموتان من الجوع. وقد كانت المرأة صادقة فى قولها.
13 – فقال لها إيليا لا تخافى. ادخلى واعملى كقولك ولكن اعملى لى منها كعكة صغيرة أولاً واخرجى بها إلىَّ ثم اعملى لك ولابنك أخيراً. 14 – لأنه هكذا قال الرب إله إسرائيل إن كوار الدقيق لا يفرغ وكوز الزيت لا ينقص إلى اليوم الذى فيه يعطى الرب مطراً على وجه الأرض.
(1) كانت المرأة تظن أنها ستموت جوعاً هى وولدها، ولكن إيليا طمأنها بقوله      (لا تخافى)، ثم طلب إليها أن تدخل بيتها لتوقد النار وتعد الطعام كما قالت، ولكنه طلب إليها أن تصنع كعكة صغيرة (أولاً) ثم تصنع ما تريده لها ولابنها (أخيراً).
إن حق الله يجب أن يقدم أولاً، والرب دائماً يطالب بأن تقدم له البكور والعشور وأوائل ما يصل إلى أيدينا من الخير، فتتبارك أرزاقنا وعملنا وحياتنا ” أكرم الرب من مالك ومن باكورات غلتك فتمتلئ خزائنك شبعاً وتفيض معاصرك مسطاراً ” (أم3: 9, 10).
(2) ومع أن إيليا كان فى صرفة صيدون الوثنية والتى تعبد البعل ومع أن صيدون نفسها هى بلدة إيزابل امرأة أخآب التى سنراها أكبر مقاومة لإيليا، نراه يشهد (للرب إله إسرائيل) ويعلن مجده، فأنبأ المرأة بقول الرب إن “كوار الدقيق لا يفرغ وكوز الزيت لا ينقص” إلى أن يعطى الرب مطراً وتنتهى أزمنة المجاعة.
شهد للرب إله إسرائيل، وأعلن أنه واهب البركة، وأن له وحده السلطان على حبس المطر أو إعطائه.
15 – فذهبت وفعلت حسب قول إيليا وأكلت هى وهو وبيتها أياماً. 16 – كوار الدقيق لم يفرغ وكوز الزيت لم ينقص حسب قول الرب الذى تكلم به عن يد إيليا.
(1) آمنت المرأة بما قاله إيليا، بقوة الرب إله إسرائيل، فكانت مثل (راحاب) الكنعانية التى أعلنت إيمانها بالرب للجاسوسين (يش2), ومثل (المرأة السامرية) التى آمنت بقول الرب يسوع أنه المسيا الآتى لخلاص العالم (يو4).
وفى الغالب فهمت أن إيليا نبى ربما من ملابسه وكذلك من كلامه عن مواعيد الرب لها بالبركة، فأطاعت ودخلت بيتها وعملت له كعكة ليأكلها (أولاً) ثم عملت لها ولابنها (أخيراً).
(2) أنجز الرب وعده لها لأن “كوار الدقيق لم يفرغ وكوز الزيت لم ينقص” رغم أنها كانت تخبز منه دائماً، وتأكل هى وإيليا وليس ابنها فقط بل و(بيتها) أيضاً، والمقصود (أهل بيتها)، مما يفهم أن أفراد من أقاربها كانوا يعيشون معها، ربما أحد والديها أو كلاهما، وربما نفر من إخوتها وأخواتها، وربما كانت تدعو أقاربها ليأكلوا معها أيضاً. فكرت أن تأكل هى وابنها فقط ثم يموتا، وها هى الآن تأكل هى وإيليا وابنها وبيتها.
(3) إن بركة الرب غنية جداً والرب يعد ببركته لخائفيه الذين يؤمنون به ويتكلون عليه بكل قلوبهم.
(4) و “كعكة صغيرة ” قدمتها الأرملة لإنسان عابر سبيل جعلت الرب يعطيها هذه البركة العظيمة ومن يعطى باسم المسيح حتى “كأس ماء بارد” لا يضيع أجره (مت10:  42, مر9: 45).
(5) إن إبراهيم كان غنياً وكرم الغرباء وإضافتهم (تك18), والمرأة كانت أرملة فقيرة وأكرمت أيضاً، والرب يوصى بإضافة الغرباء ومساعدة المحتاجين، يوصى ليس الأغنياء فقط بل والفقراء أيضاً ليعطى كل إنسان حسب طاقته.
(6) “أكلت هى وهو وبيتها أياماً” يقصد بهذه الأيام الأعوام الباقية حتى انتهت المجاعة، وربما أقام إيليا عند نهر كريث سنة عبر عنها الكتاب “بمدة من الزمان” (ع 7)، فيكون قد أقام عند أرملة صرفة صيدا السنتين والنصف الباقية.
17 – وبعد هذه الأمور مرض ابن المرأة صاحبة البيت واشتد مرضه جداًُ حتى لم تبق فيه نسمة.
كان هذا الابن هو مصدر تعزيتها بعد موت زوجها، وفاجأه المرض الذى اشتد جداً حتى مات.
18 – فقالت لإيليا مالى ولك يا رجل الله. هل جئت إلىّ لتذكير إثمى وإماتة ابنى.
ظنت المرأة أن وجود إيليا البار فى بيتها كان السبب فى إدانة الرب لها وإماتة ولدها، فقالت فى مرارة نفسها :
( أ ) “مالى ولك يا رجل الله؟ ” وهى تعنى :
(1) ما شأنك معى يا رجل الله حتى تسئ إلىّ؟.
(2) بماذا أسأت إليك حتى تسئ إلىّ؟.
(3) أى شئ رأيته فىّ ضدك حتى تسئ إلىّ؟.
(ب) “هل جئت إلىّ لتذكير إثمى وإماتة ابنى؟ ” والمعنى وهل وجودك أنت الرجل البار فى بيتى أنا المرأة الخاطئة كان عاملاً فى إظهار خطاياى أمامك فطلبت من إلهك أن يعاقبنى بموت ابنى؟ وهل وجودك عندى كان سبب دينونة لى لانغماسى فى وثنيتى وخطيتى فعاقبنى الرب إلهك بإماتته؟.
(2) فهمت المرأة جيداً أن إيليا هو نبى فدعته “رجل الله”.
(3) واعترفت بخطيتها وأنها غير مستحقة لأن يكون إيليا ضيفاً عندها لأن بره وقداسته يعلنان خطاياها لأنه الأشياء تظهر بضدها.
19 – فقال لها أعطينى ابنك. وأخذه من حضنها وصعد إلى العلية التى كان مقيماً بها وأضجعه على سريره.
لم يتضجر إيليا من كلام المرأة بل التمس لها العذر بسبب محنتها العظيمة، وأخذ منها الولد وصعد به إلى العلية”حجرة عليا” والتى كانت المرأة قد خصصتها له، وهناك أضجع الولد على سريره الخاص.
إن إيليا كان يعرف نعمة الرب التى أعطيت له، والقوة الإلهية التى كانت تحيط بحياته وبكيانه ووثق أن سريره كسب من هذه القوة لأن جسده الذى هو هيكل لروح الرب ولقوته قد لامسه، فوضع الابن المسجى على هذا السرير لعله يكسب أيضاً من هذه القوة بنعمة الرب.
20 – وصرخ إلى الرب وقال أيها الرب إلهى أ أيضاً إلى الأرملة التى أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك ابنها.
وشعر إيليا أيضاً بالمرارة بسبب الكارثة التى وقعت للمرأة، فصرخ إلى الرب بدالة وحب وكأنه فى ضعفه البشرى يعاتب الرب قال “أأيضاً إلى المرأة التى أنا نازل عندها أسأت بإماتتك ابنها؟” وكأنه يقول ألا يكفى أننى مطارد من الملك أخآب؟ وأتجول من مكان إلى مكان بعيداً عن موطنى؟ ألا يكفى أن نهر كريث الذى كنت أعيش إلى جواره قد جف؟ هل كل هذا كان غير كافٍ حتى أسأت إلى المرأة التى تأوينى فى بيتها وأمت ابنها؟
إن إيليا “رجل تحت الآلام مثلنا” (يع5 : 17) معرض للضعف، وصلى إلى الرب بهذه اللهجة ومن المؤسف أنه ظن أن عمل الله (إساءة)،والرب فى محبته التمس له العذر، واستجاب صلواته، وجعل ما ظنه إيليا إساءة يؤول لمجد الله وإعلان قدرته.
21 – فتمدد على الولد ثلاث مرات وصرخ إلى الرب وقال يارب إلهى لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه.
(1) كان الولد مضطجعاً على فراش إيليا، و(تمدد عليه إيليا ثلاث مرات) :
( أ ) لفرط محبته له واشتياقه أن يقوم حياً.
(ب) ولكى يبعث الدفء فى جسده الذى جعله الموت بارداً.
(ج) وبالأكثر لكى يسمح للقوة التى منحه الرب إياه أن تخرج وتبعث الحياة فى الصبى (راجع شرح ع19).
إن العلماء يقولون إن هناك أشعة تخرج من الأشياء ومن الأشخاص وقد تترك آثاراً فى الوسط الذى تنفذ إليه. ورجال الله تكون الأشعة الخارجة منهم أشعة فعالة بعمل نعمة الرب التى تملأهم، فتمنح الشفاء للمرضى، وتقيم الموتى، وتعمل الكثير من المعجزات. بل وهذه النعمة الفعالة تظهر فاعليتها حتى فى الآثار التى تلامس هؤلاء القديسين، لذلك لا نعجب إذا كان إيليا يضع الولد الميت على سريره ويتمدد عليه بجسده، وإذا رأينا أن ظل بطرس كان يخيم على المرضى فيشفون ومناديل وعصائب بولس كانت تعمل نفس هذا العمل.
(2) والمؤمنون يحبون أن يتباركوا من رجال الله، ومن أجساد وذخائر القديسين الراقدين عالمين أنها اكتسبت بركة من أصحابها وأن الرب يجعلها أداة مقدسة لعمل معجزاته إكراماً لأصحابها أيضاً.
(2) وصرخ إيليا إلى الرب لكى ترجع روح الولد إلى داخله ويقوم حياً.
(3) كان إيليا يعمل كل هذا ويصارع مع الله فى الصلاة لكى يقيم الله الابن من الموت، وما أعظم الفرق بينه وبين المسيح المبارك الذى كان يأمر الميت بسلطان فيقوم من الموت، ذلك لأن المسيح هو رب الحياة وله وحده السلطان على الحياة والموت وهو نفسه (القيامة والحياة) (يو11: 25 ).
22 – فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش. 23 – فأخذ إيليا الولد ونزل به من العلية إلى البيت ودفعه لأمه وقال إيليا انظرى ابنك حى.
(1) لم يخذل الرب عبده إيليا بل أقام الولد حياً ورجعت إليه روحه.
(2) ونزل به إيليا إلى أمه فرحاً، وسلمه لها ليس كما أخذه جثة هامدة، بل حياً، وقال لها وهو يبشرها انظرى، ها ابنك حى.
24 – فقالت المرأة لإيليا. هذا الوقت علمت أنك رجل الله وأن كلام الرب فى فمك حق.
(1) تحول يأس المرأة إلى رجاء، وحزنها إلى فرح، وزاد إيمانها بالرب وثقتها بعبده إيليا فقالت له شاكرة وشاهدة :
( أ ) “هذا الوقت” أى الآن بعد أن قام ابنى من الموت “علمت أنك رجل الله” أيقنت أنك نبى للرب الإله الحق.
(ب) “وأن كلام الرب فى فمك حق” وهذا إقرار بأن الرب هو الإله وحده وليس البعل ولا غيره من الآلهة الكاذبة، لأن الرب يقول ويفعل ويعد وينجز مواعيده، وإقرار أيضاً بصدق نبوة إيليا، وبأن ما تنبأ به أمام شعبه وأمام الملك مثل حبس المطر عن النزول على الأرض وكل ما قاله لها عن الدقيق والزيت، وكل كلمة ينطق بها باسم الرب.. كل هذا صادق وحق، وليس كأقوال الأنبياء الكذبة التى كلها زور وبهتان وحدس وتخمين.
(2) وردد الوحى ما جرى لهذه المرأة الأرملة مع إيليا فى أكثر من موضع، فالرب يسوع قال لأهل الناصرة وهو موطنه الذى نشأ فيه “وبالحق أقول لكم إن أرامل كثيرة كن فى إسرائيل فى أيام إيليا حين أغلقت السماء مدة ثلاث سنين وستة أشهر لما كان جوع عظيم فى الأرض كلها ولم يرسل إيليا إلى واحدة منها إلا إلى امرأة أرملة إلى صرفة صيدا ” (لو4 : 25، 26) قال هذا لأن أهل الناصرة كانوا يتوقعون أن يعمل بينهم معجزات لأنهم بنو موطنه مثلما عمل فى كفر ناحوم، وتحداهم المسيح بأنهم لم يكرموه مثلما أكرمه أهل كفر ناحوم وبأنه “ليس نبى مقبولاً فى وطنه” (لو4: 24)، وأعلن أن المرأة الأرملة فى صرفة صيدا وهى أممية رأى الرب أن عندها الاستعداد لقبول نبيه إيليا وإعالته فاستحقت أن ينزل عندها ويصنع المعجزات العظيمة فى بيتها وكانت هذه المرأة الغريبة الجنس فى قبولها لإيليا وإيمانها بكلامه تشير إلى وصول كلمة الرب إلى الأمم فى العهد الجديد وقبول الأمم للإيمان بالمخلص بل وسبق الكثير منها للإسرائيليين فى قبوله.
(3) وبولس الرسول يشير إلى هذه المرأة وإلى المرأة الشونمية التى أقام أليشع ابنها أيضاً من الموت فى قوله “بالإيمان… أخذت نساء أمواتهن بقيامة” (عب 11 : 22، 25) وهو يشير إلى إيمان النبيين العظيمين وإلى الإيمان الجبار الذى كان للمرأة الشونمية الذى بمجرد أن مات ولدها توجهت فى الحال إلى أليشع وشكت إليه أمرها، (2مل4)، ولا شك فى أن أرملة صرفة كان لها نصيب وافر من الإيمان فى تجربتها فشكت أمرها بتوجع إلى إيليا أيضاً، وسلمته إلى يديه وهو ميت فصعد به إلى العلية لكى يصلى إلى الرب لكى يبعث فيه الحياة من جديد.
 

Leave a Comment