تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح الثامن عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) أمر الرب لإيليا ليتراءى لأخآب وتنفيذه أمر الرب (1، 2).
(2) أخآب وعوبديا يفتشان عن العشب (ع3-6).
(3) مقابلة إيليا لعوبديا وحديثه إليه لكى يخبر الملك بقدومه (ع7-16).
(4) لقـاء إيليا لأخآب وطلبه منه أن يجمع الشـعب والأنبيـاء الكـذبة إلى الكرمل (17-19).
(5) حديث إيليا إلى الشعب والى أنبياء البعل (ع20-24).
(6) الأنبياء يدعون البعل بلا جدوى (ع25-29).
(7) دعوة إيليا للرب ونزول نار من السـماء أكلت الذبيحة واعتراف الشعب  بالرب (ع30-39).
(8) إيليا يقتل أنبياء البعل (ع40).
(9) إيليا يطلب من الملك أن يصعد ليأكل (ع41).
(10) صـلاة إيليا من أجل المطر واسـتجابة الرب له وذهاب المـلك إلى يزرعيل (ع42-46).
1 – وبعد أيام كثيرة كان كلام الرب إلى إيليا فى السنة الثالثة قائلاً اذهب وتراء لأخآب فأعطى مطراً على وجه الأرض.
(1) (الأيام الكثيرة) هنا ثلاث سنوات ونصف (لو4: 25، يع5 : 17)، وقد ظل الناس يقاسون من عدم نزول المطر والجدب طوال هذه المدة، وأمر الرب عبده إيليا لكى يترك مكان اختفائه فى صرفة صيدا ويذهب ليظهر نفسه لأخآب ويتلاقى معه.
(2) يذكر الوحى هنا أن كلام الرب إلى إيليا “فى السنة الثالثة”، ولا مناقضة بين هذا وبين قول الوحى إن المطر لم ينزل لمدة “ثلاث سنين وستة أشهر” لأن المدة الأخيرة تحسب من وقوف إيليا أمام أخآب وإنذاره له بأنه لا يكون مطر ولا طل على الأرض إلا عند قوله (ص17: 1). وقد كان وقوفه هذا فى أوائل الموسم الذى لا يسقط فيه المطر ويبدأ من الربيع ويظل أيضاً فى فصل الصيف ومدة هذين الفصلين ستة أشهر، وبعد ذلك حل الشتاء موسم سقوط الأمطار ولكنها لم تسقط حسب نبوة إيليا، وظلت منحبسة عن النزول لمدة ثلاثة مواسم أى لمدة الثلاث السنوات التى تبعت نصف السنة الأول. والعهد الجديد يذكر المدة كلها من وقوف إيليا الأول أمام أخآب إلى وقوفه الثانى أمامه. أما سفر الملوك فيذكر الثلاث السنوات التى تبدأ بفصل الشتاء حيث لمس الناس عدم سقوط المطر فى مواسمه.
2 – فذهب إيليا ليتراءى لأخآب وكان الجوع شديداً فى السامرة.
(1) أطاع إيليا أمر الرب وذهب ليظهر نفسه لأخآب ويتكلم إليه.
(2) اشتد الجوع بالسامرة عاصمة المملكة الشمالية (إسرائيل)، ويقصد (بالسامرة) أيضاً المملكة كلها متمثلة فى عاصمتها.
3 – فدعا أخآب عوبديا الذى على البيت. وكان عوبديا يخشى الرب جداً. 4 – وكان حينما قطعت إيزابل أنبياء الرب أن عوبديا أخذ مئة نبى وخبأهم خمسين رجلاً فى مغارة وعالهم بخبز وماء.
(1) دعا أخآب (عوبديا) ليتعاون معه فى البحث عن العشب لأجل الماشية (ع 5).
(2) ومن الأمور الجميلة أن يشهد الكتاب عن عوبديا بأنه كان رجلاً باراً تقياً “يخشى الرب جداً ” رغم أنه كان يعيش فى مملكة إسرائيل المملوءة بالفساد والطغيان فكان مثله كمثل لوط البار الذى احتفظ ببره بين أهل سدوم وعمورة وكان (يعذب نفسه يوماً فيوماً بأعمالهم الشريرة) (2بط2: 8) وجميل بالمؤمن أن يحتفظ بنقاوته فى كل وسط حتى إن كان الوسط منحرفاً.
(3) ورغم أن (عوبديا) كان يخشى الرب ولم يسجد لمعبودات أخآب وإيزابل، ولكن أخآب اختاره ليكون (على البيت) أى رئيساً على كل بيته ومدبراً لجميع أمور القصر الملكى، وكان ذلك لأمانته وتقواه و “إذا أرضت الرب طرق إنسان جعل أعداءه أيضاً يسالمونه” (أم16: 7).
(4) ويضرب الكتاب مثلاً عن تقواه ومخافته للرب أن إيزابل الأثيمة عندما قطعت (قتلت) أنبياء الرب، أخذ عوبديا مئة نبى وخبأهم فى مغارتين لينجيهم من يد إيزابل، وكان يعتنى بهم ويمدهم بالطعام والماء حتى لا يموتوا جوعاً وعطشاً. وقوله “خمسين رجلاً فى مغارة ” يعنى أنه خبائهم (خمسين خمسين) أى خبأ كل خمسين فى مغارة.
5 – وقال أخآب لعوبديا اذهب فى الأرض إلى جميع عيون الماء وإلى جميع الأودية لعلنا نجد عشباً فنحيي الخيل والبغال ولا نعدم البهائم كلها. 6 – فقسما بينهما الأرض ليعبرا بها. فذهب أخآب فى طريق واحد وحده وذهب عوبديا فى طريق آخر وحده.
(1) كان الملك قلقاً جداً على بهائمه وخصوصاً الخيل والبغال بسبب انقطاع المطر وما تسبب عنه من ندرة العشب، فدعا عوبديا وأمره أن يذهب هو ومعاونوه فى طريق (وحده) أى بدون الملك، ويذهب أخآب فى طريق آخر (وحده) أى بدون عوبديا، لكى يفتشا فى كل مكان ولا سيما عند عيون الماء وفى الأودية حيث ينمو العشب، لعلهما يجدان عشباً فيجمعانه لتأكله الحيوانات حتى لا تموت جوعاً، أو يرسلان الحيوانات لترعى هناك.
7 – وفيما كان عوبديا فى الطريق  إذا بإيليا قد لقيه. فعرفه وخر على وجهه وقال . أأنت هو سيدى إيليا.
كان عوبديا فى طريقه يفتش عن العشب، وإذ به يتلاقى مع إيليا، ولا شك فى أن هذا كان بتدبير إلهى الذى يمهد خطوات عبيده ويرشدهم إلى الطريق الذى يسلكونه. و(عرفه) ذلك الرجل الذى (يخشى الرب)، وصديق أنبيائه، وبمجرد أن لقيه “خر على وجهه” احتراماً وإكراماً له، وسأله متعجباً : “أأنت هو سيدى إيليا؟ “، وكأنه يسأله عن مجيئه الغير المنتظر بعد الاحتجاب الطويل، وعن مجيئه وتعريض نفسه للخطر حيث كان أخآب يبحث عنه بالتدقيق لكى يقتله.
8 – فقال له أنا هو. اذهب وقل لسيدك هوذا إيليا.
عرف النبى بأنه إيليا حقاً، ولم يشأ أن يضيع وقتاً وأمره أن يذهب فى الحال إلى أخآب الملك ويخبره بقدومه.
9 – فقال ما هى خطيتى حتى أنك تدفع عبدك ليد أخآب ليمتنى. 10 – حى هو الرب إلهك إنه لا توجد أمة ولا مملكة لم يرسل سيدى إليها ليفتش عليك. وكانوا يقولون إنه لا يوجد وكان يستحلف المملكة والأمة أنهم لم يجدوك . 11 – والآن أنت تقول اذهب وقل لسيدك هوذا إيليا. 12 – ويكون إذا انطلقت من عندك أن روح الرب يحملك إلى حيث لا أعلم فإذا أتيت وأخبرت أخآب ولم يجدك فإنه يقتلنى. وأنا عبدك أخشى الرب منذ صباى. 13 – ألم يخبر سيدى بما فعلت حين قتلت إيزابل أنبياء الرب إذ خبأت من أنبياء الرب مائة رجل خمسين خمسين رجلاً فى مغارة وعلتهم بخبز وماء. 14 – وأنت الآن تقول اذهب قل لسيدك هوذا إيليا فيقتلنى.
كان طلب إيليا إلى عوبديا مفاجئاً وأراد أن يستعفى من الذهاب إلى أخآب ليخبره بقدوم إيليا، وبنى اعتذاره على أسباب قوية :
(1) سأله معاتباً “ما هى خطيتى حتى أنك تدفع نفسى ليد أخآب ليميتنى؟ ” (ع 9).
والمعنى : ما ذنبى حتى تعرضنى لغضب أخآب علىّ وقتلى إذا أنا أجبرته بمجيئك وجاء ليقابلك ولم يجدك؟
(2) ثم أقسم له بالله الحى أن أخآب فتش عنك فى مملكته، وسأل عنك جميع الممالك المحيطة الصديقة أو التى تحت سلطانه، ولما كانت تلك الشعوب تقول إنهم لم يجدوك فى بلادهم كان يستحلفهم أنهم لم يجدوك فعلاًَ (ع10).
(3) فكيف تطلب منى أن أخبر أخآب بمجيئك مع أنك تختطف أحياناً فيحملك روح الرب إلى هنا أو هناك، فلو أخبرت الملك وجاء ولم يجدك ماذا تكون النتيجة إلا أن يقتلنى لأننى تركتك لتفلت منه ولم آت بك إليه. (ع12).
كان إيليا يختطف أحياناً فيحمله روح الرب من مكان إلى مكان مثلما كان يحمل حزقيال (حز8) ومثلما حمل فيلبس (أع8), وكما هو الحال مع السواح القديسين.
(4) وأظهر عوبديا أنه رجل بار يخاف الرب فلا يستحق أن يعرضه لغضب أخآب وللقتل، لأنه عمل خيراً مع أنبياء الرب حيث خبأ منهم مئة نبى فى مغارتين وعالهم بالطعام والماء ونجاهم من إيزابل حتى لا تقتلهم مثلما قتلت رفقاءهم (ع 13، 14).
15 – فقال إيليا حى هو رب الجنود الذى أنا واقف أمامه إنى اليوم أتراءى له.
طمأنه إيليا بأنه لن يقتل، وأقسم له بالله الحى رب الجنود (رب الصباؤوت) أنه لابد أن يظهر نفسه لأخآب فى نفس اليوم، بناء على أمر الرب له، فلا داعى لأن يخاف من أن أخآب يأتى ولا يجده.
والله دعى “رب الجنود” لأن الملائكة وخدامه الأمناء من البشر وكل خليقته التى تنفذ إرادته، والطبيعة كل هذه جنوده تخضع لسلطانه وتعمل مشيئته وتدافع عن عبيده. وإيليا يطمئن قلب عوبديا بأن (رب الجنود) قادر أن تحميهما كليهما من غضب أخآب وغيره ومن كل سوء.
16 – فذهب عوبديا للقاء أخآب وأخبره. فسار أخآب للقاء إيليا.
(1) أذعن عوبديا لقول إيليا وذهب إلى الملك أخآب وأخبره بمجيئه.
(2) ورغم أن أخآب هو الملك فقد سار بنفسه إلى إيليا ليقابله لأن رجال الله لهم هيبة وكرامة فيخضع لهم ويكرمهم حتى أصحاب القلوب القاسية والأعناق المتشامخة.
17 – ولما رأى أخآب إيليا قال له آخاب. أأنت هو مكدر إسرائيل.
رأى أخآب إيليا (وابتدره) بقوله: “أأنت هو مكدر إسرائيل؟ ” مدعياً بأن إيليا هو السبب الأصلى لعدم نزول المطر وللمجاعة مما كدر الشعب وجعله فى محنته العظيمة.
18 – فقال لم أكدر إسرائيل بل أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم.
أجابه إيليا بأنه لم يكن السبب فى تكدير الشعب، وقال بصراحة وجرأة : (بل أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب) فإن عمرى أباه ترك عبادة الرب ونهج هو على منواله، وواصل إيليا حديثه فقال لأخآب بصيغة المفرد “وبسيرك وراء البعليم” والياء والميم فى (البعليم) علامة الجمع لأن اسم البعل أطلق على كثير من الأماكن والأشياء مثل بعل فعور وبعلزبوب (إله الذباب) وغيرهما فاعتقد بعض الناس بوجود بعل واحد ونسبوا إليه الأماكن والأشياء المختلفة، وفى الغالب اعتقدوا بوجود أكثر من بعل واحد. وأخآب لضلالته اكرم كل هذه البعول وعبدها.
19- فالآن أرسل واجمع إلىَّ كل إسرائيل إلى جبل الكرمل وأنبياء البعل أربع المئة والخمسين وأنبياء السوارى أربع المئة الذين يأكلون على مائدة إيزابل.
(1) ولم  يشأ إيليا أن يضيع الوقت لأن أمامه عملاً عظيماً لمجد الرب، فطلب من أخآب أن يجمع إلى “جبل الكرمل” للقاء إيليا :
( أ ) “كل إسرائيل” أى نواب الشعب وشيوخه ورؤساء الأسباط العشرة الذين كانوا فى مملكته.
(ب) والأربعمائة والخمسين نبياً الذين للبعل (إله الشمس).
(ج) والأربعمائة نبى الذين للسوارى (جمع سارية).
والمقصود بالسوارى هنا الإلهة الأنثى (عشتروت) التى تدعى أيضاً (عشتار) وترمز إلى القمر. وقد كان هؤلاء الأنبياء جميعاً (يأكلون على مائدة إيزابل) أى كانت تعولهم على نفقتها.
(2) اختار إيليا (جبل الكرمل) مكاناً للاجتماع لأنه فى موقع متوسط بين الأسباط، ويمتد من شرق فلسطين إلى غربها حيث يصل إلى البحر المتوسط. وقد كان الاجتماع عند نهر قيشون الذى يصب فى البحر قرب مدينة حيفا.
20 – فأرسل أخآب إلى جميع بنى إسرائيل وجمع الأنبياء إلى جبل الكرمل.
أرسل فجمع نواب الشعب والأنبياء الكذبة بناء على طلب إيليا.
21 – فتقدم إيليا إلى جميع الشعب وقال. حتى متى تعرجون بين الفرقتين. إن كان الرب هو الله فاتبعوه وإن كان البعل فاتبعوه. فلم يجبه الشعب بكلمة.
(1) وجه إيليا خطابه إلى الشعب، وقد كان الشعب متردداً فى إيمانه وفى عبادته، أحياناً يحن إلى الرجوع إلى عبادة الرب (يهوه) الإله الحق، وفى معظم الأحيان يعبد البعل خوفاً من بطش الملك والملكة ولأن طريق البعل واسع  يبيح لهم الحياة الماجنة التى تتفق مع ميولهم الشريرة وشهوات قلوبهم.
(2) فسألهم إيليا مستنكراً : “حتى متى تعرجون بين الفرقتين؟ ” والأعرج هو الذى فقدت إحدى رجليه أو أصيب بضرر ما، وهو فى مشيه يضطر إلى أن يميل مرة نحو رجله الصحيحة ثم يميل نحو المصابة، وإيليا يوبخهم على عدم استقامة إيمانهم لأنهم أحياناً يفكرون فى عبادة الرب وأحياناً فى عبادة البعل، ثم يأمرهم أن يكونوا حازمين فى طريقهم فيقول لهم : “إن كان الرب هو الله فاتبعوه وإن كان البعل فاتبعوه”.
إن الله لا يرضيه تردد المترددين ولا يقبل أن يؤمن الناس به إيماناً جزئياً أو ناقصاً ولا أن يجزئوا محبتهم بينه وبين العالم ولا يطيعوه مرة ويطيعوا الشيطان مرة، وإنما يجب أن يكرسوا له كل الحياة، وكل القلب، وكل الحب : “تحب الرب إلهك من كل قلبك”.
(3) “فلم يجبه الشعب بكلمة” لأن ليس لهم عذر يعتذرون به ولا وجه للدفاع يدافعون به عن ترددهم وتعريجهم.
22 – ثم قال إيليا للشعب. أنا بقيت نبياً للرب وحدى وأنبياء البعل أربعمائة وخمسون رجلاً.
(1) كان عوبديا قد خبأ مئة نبى ومعظمهم من بنى الأنبياء أى تلاميذهم، وهم جميعاً لا يستطيعون أن يظهروا لئلا يقتلهم أخآب وإيزابل ويقتلا عوبديا الذى خبأهم، ولذلك يقول إيليا للشعب : (أنا بقيت نبياً للرب وحدى) ليقف أمام أخآب ويشهد للرب وينفذ أمره ويتحدى أنبياء البعل، بينما أنبياء البعل كانوا أربعمائة وخمسين.
(2) لم يحضر أنبياء السوارى ربما بإيعاز من إيزابل أو لخوفهم من مواجهة إيليا.
23 – فليعطونا ثورين فيختاروا لأنفسهم ثوراً واحد ويقطعوه ويضعوه على الحطب ولكن لا يضعوا ناراً. وأنا أقرب الثور الآخر واجعله على الحطب ولكن لا أضع ناراً.24 – ثم تدعون باسم آلهتكم وأنا أدعو باسم الرب. والإله الذى يجيب بنار فهو الله. فأجاب جميع الشعب وقالوا الكلام حسن.
(1) طلب إيليا أن تقام هذه المباراة العادلة بينه وبين أنبياء البعل، فطلب أن يعطوهم ثورين، يختار أنبياء البعل واحداً منهما ويذبحوه ويقطعوه مثلما يعمل بالمحرقات ويرقبوا الحطب على مذبح البعل على شرط ألا يوقدوا ناراً على المذبح، ويفعل هو بالثور الثانى نفس العمل ويضعه على مذبح الرب ولا يوقد ناراً على المذبح، ثم يدعو هؤلاء آلهتهم لكى تقبل الذبيحة، ويدعو الرب (يهوه) الإله، والإله الذى “يجيب بنار” أى يجيب الصلاة وينزل ناراً من السماء تأكل الذبيحة يكون هو الله، أما الإله الذى لا ينزل ناراً لتأكل الذبيحة فيكون إلهاً كاذباً.
(2) رأى الشعب أن عرضه مقبول، فقالوا جميعاً : “الكلام حسن” دليلاً على موافقتهم على إجراء هذه المنافسة العادلة والاختبار المعقول.
25 – فقال إيليا لأنبياء البعل اختاروا لأنفسكم ثوراً واحداً وقربوا أولاً لأنكم أنتم الأكثر. وادعوا باسم آلهتكم ولكن لا تضعوا ناراً.
كان إيليا معتدلاً وتصرف بلياقة فى كل شئ، فلأن أنبياء البعل الأكثر عدداً لأنهم أربعمائة وخمسون وهو واحد فقط، جعل لهم الأسبقية ليختاروا الثور الذى يروق فى نظرهم ويقدموه على مذبحهم ويدعوا آلهتهم لكى تنزل ناراً وتلتهم الذبيحة دون أن يضعوا ناراً على المذبح.
26 – فأخذوا الثور الذى أعطى لهم وقربوه ودعوا باسم البعل من الصباح إلى الظهر قائلين. يا بعل أجبنا. فلم يكن صوت ولا مجيب. وكانوا يرقصون حول المذبح الذى عمل.
(1) يظهر أن كهنة (أنبياء) البعل أقاموا مذبحاً جديداً للبعل، أو ربما أصلحوا المذبح القائم، ثم أخذوا الثور وذبحوه وقربوه (قدموه) بوضعه على الحطب فوق المذبح وابتدأوا ينادون البعل من الصباح إلى المساء بقولهم : (يا بعل أجبنا. يا بعل أجبنا) ولكن هيهات! فإن البعل صنم لا حياة فيه (فلم يكن صوت) ليخرج من البعل أو يسمعوه من السماء، (ولا مجيب لدعائهم).
(2) وكعادة الوثنيين كانوا يرقصون بحركات ماجنة وبحماس شديد وهم ملتفون حول المذبح، ويدورون أحياناً حوله، ظانين أن حركاتهم وحماسهم وحرارتهم تعجبه فيستجيب لهم.
27 – وعند الظهر سخر بهم إيليا وقال ادعوا بصوت عال لأنه إله. لعله مستغرق أو فى خلوة أو فى سفر أو لعله نائم فيتنبه.
( أ ) مضى نصف النهار ولم يجبهم البعل وابتدأ إيليا يسخر منهم ومن بعلهم، وقال لهم:  “ادعوا بصوت عال” حتى يسمعكم وتصل أصواتكم إلى آذانه.
(ب) لأنه إله ولعله مستغرق فى الفكر أو فى التأمل ويحتاج إلى صوت مرتفع لينبهه ويلفت نظره.
(ج) أو لعله “فى خلوة” بعيداً عن الناس لكى يستريح من عنائه ويستجم بعض الوقت.
(د ) أو فى سفر بعيد يحتاج أيضاً إلى الأصوات العالية لكى يسمعكم.
(ها) “أو لعله نائم” ويحتاج إلى من ينبهه ويوقظه.
(2) ولقد صدق هؤلاء قول إيليا لأنهم هكذا ظنوا فى آلهتهم، ولو كانوا عقلاء لعرفوا أن الإله الحقيقى لا يحتاج إلى (صوت عال) ليسمع، فكل شئ مكشوف أمامه ويعرف الكلمة حتى إن لم ينطق بها صاحبها وهو فاحص القلوب ومختبر الكلى (إر17: 10) و(ليست كلمة يارب).
والإله الحق لا يشغله فكر أو تأمل عن خليقته لأنه ليس محتاج إلى أن يستغرق فى فكر ما فهو وحده صاحب القدرة وكل شئ خاضع لإرادته، ولا يحتاج إلى أن يكون “فى خلوة ” لأنه غير محدود كائن فى كل مكان ولا يخلو منه مكان، وهو لا يحتاج إلى القيام (بسفر) وهو المالئ السموات والأرض، وهو وحده الساهر على عبيده (لا ينعس ولا ينام)
28 – فصرخوا بصوت عال وتقطعوا حسب عادتهم بالسيوف والرماح حتى سال منهم الدم.
دعوا البعل بأعلى أصواتهم، وكعادة الوثنين (تقطعوا) أى أحدثوا جروحاً فى أجسامهم “بالسيوف والرماح” (الحراب الصغيرة) حتى سالت دماؤهم، فعلوا هذا لكى يستعطفوا آلهتهم ظانين أنهم ينظرون جروحهم ويرثون لهم ويجيبوهم إلى سؤالهم.
29 – ولما جاز الظهر وتنبأوا إلى حين إصعاد التقدمة ولم يكن صوت ولا مجيب ولا مصغ.
مر الظهر، وأمهلهم إيليا ليقوموا بعبادتهم الباطلة حتى لا يكون لهم عذر، ” وتنبأوا إلى حين إصعاد التقدمة ” و (التنبؤ) هنا يعنى الدعاء والتمجيد لأنهم كانوا يدعون بعلهم، ووقت “إصعاد التقدمة” يقصد به الساعة التاسعة من النهار (الثالثة بعد الظهر بتوقيتنا) حيث كان شعب الله فى أورشليم يقدمون المحرقة المسائية للرب ويقومون بخدمتهم المسائية، ظل أنبياء البعل فى محاولاتهم حتى هذا الوقت وحان وقت غروب الشمس، ومع ذلك فلم “يكن صوت” من البعل أو من بعيد عنه “ولا مجيب” لدعائهم “ولا مصغ” إلى أصواتهم، لأنه إله لا حياة فيه ولا حس.
30 – قال إيليا لجميع الشعب تقدموا إلىَّ. فتقدم جميع الشعب إليه. فرمم مذبح الرب المنهدم.
دعا إيليا الشعب لكى يكون العمل مشتركاً ويكونون أيضاً شهوداً لعمل الرب. ولم يقرب إيليا المحرقة على مذبح البعل لأنه نجس، بل “رمم مذبح الرب المتهدم” ليقرب عليه.
كان بنو إسرائيل يقدمون عبادتهم الجمهورية والذبائح العامة والخاصة التى تستوجب خدمة الكهنة على مذبح المحرقة الذى كان أولاً فى خيمة الاجتماع ثم أصبح فى هيكل سليمان فى أورشليم.
غير أنه كانت أحياناً تقام مذابح محلية فى حالات خاصة مثل المذبح الذى قدم عليه صموئيل ذبيحة فى بيت لحم بناء على أمر الرب (1صم16)  والمذبح الذى أقامه داود فى بيدر أرونة اليبوسى رفع الوبأ عن الشعب (2صم24) وغيرها.
وهذا (المذبح المتهدم) ربما أقامه أحد رجال الله فى عصر القضاة أو عصر الملوك لغرض خاص، أو ربما أقامه شعب إسرائيل بعد انقسام المملكة ليقربوا عليه ذبائح باسم الرب الإله، وتساهل معهم الملوك لأنهم كانوا يظنون أن الرب (يهوه) يمكن أن يعبد عن طريق العجلين اللذين أقامهما يربعام. ولكن أخآب أبطل عبادة الرب تماماً. وربما تهدم المذبح بمرور السنين أو هدمه أخآب نفسه.
31 – ثم أخذ إيليا اثنى عشر حجراً بعدد أسباط بنى يعقوب الذى كان كلام الرب إليه قائلاً إسرائيل يكون اسمك.
(1) أخذ إيليا “اثنى عشر حجراً ” بعدد الأسباط لكى يرمم بها مذبح الرب، لأنه وإن كانت المملكة قد انقسمت إلا إن الأسباط تمثل شعباً واحد للرب ويجب أن يربطهم الإيمان الواحد والحب الواحد للرب إلههم وبعضهم لبعض.
(2) يذكر الوحى هنا محبة الله لشعبه ولآبائهم لأنه دعا أباهم يعقوب “إسرائيل”     (تك32), أى أمير الله أو رجل الله، لكى يدعى اسم الله (إيل)على يعقوب وعلى الشعب الذى يتناسل منه على مر الدهور.
32 – وبنى الحجارة مذبحاً باسم الرب وعمل قناة حول المذبح تسع كيلتين من البزر.
(1) بنى المذبح باسم (الرب) تمييزاً له عن مذبح البعل، وكان المذبح فى نفس الوقت يضم حجارة بعدد أسباط الشعب، والمؤمنون فى كنيسة العلى “مبنيون كحجارة حية” (1بط2: 5). وكثيراً ما تطلق أسماء القديسين على الكنائس تذكاراً لحياتهم المشرقة وإيمانهم وبرهم لأنهم كانوا بالحقيقة حجارة حية فى بيت الرب كما أطلقت أسماء الأسباط على أبواب كنيسة الله الخالدة (أورشليم السمائية) وأسماء رسله على أساساتها  (رؤ21).
(2) وعمل (قناة حول المذبح تسع كيلتين من البرز) أى الحبوب، و(الكيلة) مكيال للحبوب يسع نحو 8.49 من اللترات، ولذلك يرى بعض المفسرين أن المقصود بالنص أن عمق القناة كان بارتفاع المكيال الذى سعته كيلتان. وقد حفر هذه القناة ليسيل فيها الماء الذى يصبونه على المذبح وعلى الحطب فيتأكد الشعب أن الماء قد صب بوفرة فعلاً وأن إيليا لم يخادعهم بوضع نار حول المذبح. وفى الغالب استحضروا هذا الماء من البحر المتوسط.
33 – ثم رتب الحطب وقطع الثور ووضعه على الحطب وقال املأوا أربع جرات ماء وصبوا على المحرقة وعلى الحطب. 34 – ثم قال ثنوا فثنوا وقال ثلثوا فثلثوا.
(1) لم يكن إيليا كاهناً من اللاويين حسب الناموس، ولكن الرب صاحب السلطان على الناموس هو الذى أمره ليقوم بتقديم هذه المحرقة الخاصة لأجل تنفيذ قصد إلهى خاص.
(2) رتب إيليا (الحطب)على المذبح، وهو من أغصان وسيقان الأشجار، ثم قطع الثور وجعل القطع على الحطب، وأمر الشعب أن يملأوا أربع جرار من الماء ويصبوها على الحطب وعلى المحرقة ففعلوا هذا، ثم أمرهم (ثنوا) أى افعلوا هذا مرة ثانية فملأوا أربع جرار وصبوها على المذبح بما عليه من الحطب والمحرقة وأمرهم أن يكرروا هذا مرة ثالثة ففعلوا.
وقد كان وضع الماء دافعاً لكل شك أو شبهة لأن الماء الذى على الحطب وعلى اللحم وعلى الذبيحة لا يتيح لإيليا أن يخدعهم موضع نار طبيعية بطريقة ما لأن الماء بطبيعته يطفئ النار.
35 – فجرى الماء حول المذبح وامتلأت القناة أيضاً ماء.
كان الماء كافياً جداً، فابتل الحطب واللحم وحجارة المذبح وجرى حول المذبح وملأ القناة، ولا شك فى أن ظهور نار تلتهم الذبيحة والحطب وهى مغمورة ومحاطة بالماء برهان على أن النار غير طبيعية بل هى من عند الرب، ويكون هذا واسطة عظيمة لإظهار المعجزة.
36 – وكان عند إصعاد التقدمة أن إيليا النبى تقدم وقال أيها الرب إله إبراهيم وإسحق وإسرائيل. ليعلم اليوم أنك أنت الله فى إسرائيل وأنى أنا عبدك وبأمرك قد  فعلت كل هذه الأمور.
(1) اختار إيليا بإرشاد من الرب أن يقرب محرقته فى وقت “إصعاد التقدمة” المسائية على مذبح الرب الذى فى أورشليم وقد ذكر الوحى هذا أيضاً فى (ع 29). وكان القصد من هذا تعليم الشعب عدم الخروج عن الطقس الذى رسمه لشعبه وتعليمهم أيضاً أن إسرائيل وإن كان قد انقسم سياسياً إلى مملكتين إلا أنهم شعب واحد للرب يعبدونه بقلب واحد ونفس واحدة وإن تناءت الأراضى التى يسكنونها.
(2) وبدأ إيليا عمله المقدس بالصلاة إلى “الرب إله إبراهيم وإله اسحق وإله إسرائيل”، واختار هنا اسم (إسرائيل) بدلاً من اسم (يعقوب) لأن (إسرائيل) هو الاسم الجديد الذى اختاره له الرب ويحمل اسم (إيل “الله”)، ولكى يذكر الشعب فى هذه الآونة أنهم وإخوتهم بنى يهوذا شعب واحد للرب هو شعب إسرائيل.
(3) ويطلب إيليا طلبته ليس لأجل نفسه بل لأجل مجد الرب وفائدة الشعب الروحية، فطلب إلى الرب (أن يُعلم) أى أن يعلم الشعب وتعلم جميع الشعوب :
( أ ) “أنك أنت الله فى إسرائيل” الإله الحقيقى وحدك ولا يوجد إله غيرك.
(ب) “وأنى أنا عبدك”، نبيك الذى أتمم إرادتك حتى يصدقونى.
(ج) وأنى “بأمرك قد فعلت هذه الأمور” لم أفعل شيئاً من نفسى، بل فعلت كل شئ بناء على أمرك لى، سواء حضورى إلى هنا، ودعوتى للشعب وللأنبياء الكذبة، وتكليفهم بتقديم ثور للبعل الذى يعبدونه، وتقديمى الذبيحة إليك، وقتلى لأنبياء البعل المضلين وصلاتى من أجل نزول المطر، إلى غير ذلك مما أمرتنى به.
إن رجال الله فى خدمتهم، وفى صلواتهم، وفى عظاتهم، وفى كل عمل لا يطلبون ما لأنفسهم، بل كل ما هو لمجد الله وإعلان محبته وخلاص النفوس.
ورجال الله أيضاً لا يعتمدون على ذواتهم فى خدمتهم وإنما يطلبون دائماً إرشاد الله ومعونته.
(4) لابد أنه ابتدأ فى ترميم المذبح قبل حلول الساعة التاسعة بموعد كاف حتى إذا ما حانت الساعة التى تقدم فيها التقدمة المسائية قدم هو تقدمته.
37 – استجبنى يارب استجبنى ليعلم هذا الشعب أنك أنت الرب الإله وأنك أنت حولت قلوبهم رجوعاً.
يواصل صلاته بلجاجة لكى يستجيبه الرب :
( أ ) لأجل إعلان مجد الرب ووحدانيته وألوهيته ليعلم هذا الشعب أنك أنت الرب الإله.
(ب) ولأجل خلاص الشعب فيعلموا أنك أنت “حولت قلوبهم رجوعاً ” أى أنك بإجراء المعجزة بقبول الذبيحة تعطيهم فرصة ليتوبوا ويرجعوا بقلوبهم إليك.
38 – فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب ولحست المياه  التى فى القناة.
دعا أنبياء البعل بعلهم من الصباح إلى ما بعد الظهر ولم يكن مجيب ولا مصغ، ولكن إيليا بمجرد أن صلى صلاته القصيرة الحارة نزلت نار ولم تكن ناراً طبيعية ولكنها “نار الرب” هيأها وسخرها بسلطانه، فأكلت “المحرقة والحطب والحجارة والتراب ولحست المياه التى فى القناة”.
نزلت النار وأكلت ذبيحة الشعب فى أيام موسى بعد الانتهاء من تدشين خيمة الاجتماع (خر40, لا9), وكذلك أكلت الذبيحة بعد أن دشن سليمان الهيكل (2أى7: 1) ولكن نار الرب فى هذه عملت عملاً أوسع لأنها أكلت حتى حجارة المذبح والتراب الذى عليه، ولم تقو المياه على إطفائها بل لحست المياه ونشفت القناة، ذلك لأن الرب فى المرتين الأولتين كان هو الإله الوحيد الذى يحبه شعبه ويعبده، وأنزل الرب النار لكى يعلن محبته لهم ورضاه على ذبائحهم وعلى بيته الذى بنوه سواء الخيمة أو الهيكل، ولكن فى أيام إيليا كان الشعب قد ترك الرب وعبدوا البعل وغيره، والرب لكى يرجعهم إليه ولكى يتحدى البعل والآلهة الكاذبة سخر ناره لتعمل هذا العمل العظيم.
39 – فلما رأى جميع الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا. الرب هو الله الرب هو الله .
رأى الشعب فخافوا وتعجبوا وهتفوا بصوت واحد بأن الرب (يهوه) هو الله، الإله الحقيقى وحده. إن معنى (إيليا) (إلهى يهوه)، وإيليا بجهاده وعمله الروحيين أبعد الناس عن عبادة الأوثان وجعلهم يقرون أن الرب (يهوه) وحده هو الله.
40 – فقال لهم إيليا امسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم رجل فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك.
(1) حث إيليا الشعب وهو فى حماسه أن يمسكوا أنبياء البعل ولا يدعوا أحداً منهم يفلت، وأخذهم جميعاً إلى نهر قيشون وذبحهم، ويعنى هذا فى الغالب أنه أمر بذبحهم فضربهم جماعة من الشعب بالسيف وقتلوهم.
(2) لم يكن إيليا ظالماً ولكنه عمل كل شئ بأمر الرب (ع36).
(3) ولقد أمره الرب بقتلهم :
( أ ) لأنهم كانوا سبب ضلال الشعب وقد ساعدوهم على ترك الرب وعبادة البعل، وفى الغالب كان عدد كبير من هؤلاء الأنبياء الكذبة من شعب إسرائيل وتحدوا الرب إلههم وعبدوا البعل وأصبحوا كهنة وأنبياء له.
(ب) وقتلهم كان بناء على شريعة الرب حيث يقول الرب “من ذبح لآلهة غير الرب يهلك” (خر22: 20) وأمر بقتل أى إنسان يحرض إخوته على عبادة الآلهة الغريبة سواء فى أرض إسرائيل أو فى غيرها (تث13 : 6 – 9) ويقتل أى إنسان يجرؤ على عبادة إله غير الرب (تث17 : 2 – 7)، لأن الرب غيور على مجده وعلى شعبه.
(4) و(نهر قيشون): يسير فى مرج ابن عامر ويصب فى البحر المتوسط شمالى ميناء حيفا بقليل وهو الذى يسميه العرب اليوم نهر المقطع بالنسبة لأن إيليا أمر بقطع رؤوس أنبياء البعل عند شاطئه.
41 – وقال إيليا لأخآب اصعد كل واشرب لأنه حس دوى مطر فصعد أخآب ليأكل ويشرب.
يرجح أن أخآب كان حاضراً عند مذبح البعل ثم عند مذبح الرب وربما نزل إلى نهر قيشون ولم يستطع أن يعارض إيليا وهو يقتل أنبياء البعل، وبالرغم من أن لم تظهر فى السماء أية علامات للمطر فقد شعر إيليا بالروح أن هناك “حس دوى مطر” أى صوت لهطول المطر الغزير، وربما كان أخآب صائماً فى ذلك اليوم فلم يتناول طعاماً لأجل نزول المطر ولأن المباراة بين إيليا وكهنة البعل كانت عملاً مقدساً، فطلب إيليا إليه أن يصعد إلى مكان استراحته على الجبل ويأكل قبل أن ينزل المطر ويعوقه عن الذهاب إلى قصره فى يزرعيل، ومادام الرب قد أعلن لعبده إيليا عن قرب نزول المطر فيمكن للملك أن يحل صومه ويأكل.
42 – وأما إيليا فصعد إلى رأس الكرمل وخر إلى الأرض وجعل وجهه بين ركبتيه.
صعد إيليا إلى الجبل ليصلى من أجل نزول المطر، وخر ساجداً إلى الأرض منكساً رأسه حتى كانت بين ركبتيه وملامساً للأرض كعلامة للتذلل والاتضاع أمام الرب، وبقى على هذا الحال حتى أعلمه غلامه بظهور سحابة صغيرة.
43 – وقال لغلامه اصعد تطلع نحو البحر فصعد وتطلع وقال ليس شئ. فقال ارجع سبع مرات. 44 – وفى المرة السابعة قال هوذا غيمة صغيرة قدر كف إنسان صاعدة من البحر. فقال اصعد قل لأخآب اشدد وانزل لئلا يمنعك المطر.
(1) أمر إيليا تلميذه أن يصعد إلى مكان أعلى ويتطلع نحو البحر لعله يجد غيوماً أو سحباً فى السماء، وذهب التلميذ ثم عاد إلى سيده وأعلمه أنه لم ير أى شئ فى السماء. فأمره أن يذهب ثانية وثالثة إلى سبع مرات. وفى المرة الثالثة عاد الغلام وأخبره أنه رأى غيمة صغيرة جداً بقدر كف الإنسان.
(2) وآمن إيليا أن هذه الغيمة الصغيرة هى بداءة مطر غزير وثقيل، فأمر غلامه أن يذهب إلى الملك ويطلب إليه أن (يشد) أى يعد مركبته (عربته) ليذهب حالاً إلى بيته فى يزرعيل حتى لا يعوقه المطر.
(3) ذهب الغلام عدة مرات ليتطلع نحو السماء ولم يجد شيئاً ومع ذلك فإن إيليا لم ييأس بل ظل فى ركوعه وصلاته واثقاً أن الرب سيسمعه ويرسل المطر. والمؤمن يجب أن يقدم صلاته بإيمان ولجاجة وإلحاح وحتى إن تأنى الرب فى إجابته فإنه سيجيبه أخيراً.
(4) آمن إيليا بأن الغيمة الصغيرة التى لم تزد عن (كف إنسان) بداءة مطر ثقيل للغاية. ونحن يجب ألا نستهين بالأشياء الصغيرة ولا بالأشخاص الذين لا قيمة لهم تذكر فى أعين الناس، لأن الله بقدرته وبركته قادر أن يجعل هذه الأشياء أو هؤلاء الأشخاص بركة عظيمة وشيئاً كبيراً تأتى عن طريقهم نعم وبركات وثمار طيبة هائلة.
45 – وكان من هنا إلى هنا أن السماء اسودت من الغيم والريح وكان مطر عظيم. فركب أخآب ومضى إلى يزرعيل.
(1) “وكان من هنا إلى هناك”، أى ولم تمض لحظات قليلة، حتى كبرت الغيمة الصغيرة التى بقدر كف الإنسان، فامتلأت السماء بالغيوم حتى اسودت واشتدت الرياح ونزل المطر بغزارة عظيمة.
(2) وركب أخآب مركبته وذهب إلى قصره فى يزرعيل (شرح ع41).
46 – وكانت يد الرب على إيليا فشد حقويه وركض أمام أخآب حتى تجئ إلى يزرعيل.
(1) ركب أخآب مركبته، أما إيليا فقد سانده الرب بقوته فشد منطقته (حزامه) على وسطه فوق حقويه (الجزئين السفليين من جانبيه) حتى يشتد جسمه كعامل قوى وجندى نشيط)، وسار راكضاً (جارياً) أمام أخآب كأحد السعاة والعبيد حتى وصلا كلاهما إلى يزرعيل.
(2) كان من الواجب أن يأخذه أخآب معه فى المركبة بعد العمل العظيم الذى عمله، ولكن دع الملوك فى مركباتهم، وفى لهوهم وإهمالهم لأقل واجبات الذوق واللياقة، لأن رجال الله لا ينتظرون أجراً ولا تقديراً من البشر وإنما يعملون أعمالهم فى صمت وسكون لأجل مجد الرب.
(3) ركض إيليا أمام أخآب من باب إكرامه كملك من جهة، ولأن الرب قد أرشده إلى ذلك ليتلقى رسالة التهديد من إيزابل من جهة أخرى، فيذهب إلى مكان آخر ليتمم رسالته كما هو واضح فى الأصحاح القادم.
(4) إن رجال الله يقدِّرون وقتهم تقديراً كبيراً ولا يدعون يوماً يمر بدون أن يعملوا عملاً جليلاً، والرب فى نفس الوقت يبارك لهم فى حياتهم وفى وقتهم، وفى يوم واحد أظهر إيليا خزى أنبياء البعل وبطلان عبادتهم، ورمم مذبح الرب وقدم محرقته وأظهر مجد الرب حتى عاد الشعب إلى إيمانه بالإله الواحد، وقتل أنبياء البعل، ثم صلى فنزل المطر، وذهب إلى يزرعيل.
وقد كان يعمل كل أعماله بالإيمان وبالصلاة، وما أجمل ما يقوله الوحى عنه : (كان إيليا إنساناً تحت الآلام مثلنا وصلى صلاة أن لا تمطر فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر ثم صلى أيضاً فأعطت السماء مطراً وأخرجت الأرض ثمرها (يع 5 : 17، 18).
 
 
 

Leave a Comment