تفسير سفر حكمة سليمان – الأصحاح الثامن عشر – القمص مكسيموس صموئيل

الأصحاح الثامن عشر

 

أما قديسوك فكان عندهم نور عظيم

 
يؤكد الحكيم كيف كان المصريون الذين يعيشون ليس في ضربة الظلام الخارجي فقط بل والداخلي كانوا يطوبون قديسي شعب الله إذ علموا أن لهم نور وكانوا أحرار في حركتهم حيث يسمعون صوت تحركاتهم.
وكأن الحكيم يطوب إشراق النور الحقيقي على شعبه لأن الله نور وهم كانوا مستعدين بحياة القداسة التي تليق بتعامل الله النور الحقيقي (يو١: ٩؛ ١تي٦: ١٦؛ ملا٣: ٢٠؛ رو١٣: ١٣؛ ١كو٢: ١٤، ١٥).
تكلم الحكيم على مدى وداعة شعب الله عندما كانوا في مصر إذ خلصهم الله بالضربات العشر فعرف المصريون أن إلههم قوي فشكروهم على أنهم لم يؤذوهم بعد أن ظُلِموا وطلبوا منهم أن يغفروا لهم ما ظلموهم به في السخرة والعبودية.
وعلى النقيض من ظلمة مصر كان لشعب الله عمود النور في البرية كمرشد في رحلة لا يعرفوها وأرض لم يسلكوا من قبل فيها وكان عمود النور رغم قوته لا يؤذي مثل الشمس العادية التي تسبب ضربة الشمس التي حفظهم منها الله خلال تجوالهم.
الله يعاقب وينتقم للمظلومين فإن المصريين حبسوا بني إسرائيل في ظلمة صنع الطين (اللِبن) فلهذا عاقبهم الله بالظلمة التي حبستهم كما فعلوا يُفعل بهم (عو١: ١٥)، هؤلاء الذين حبسهم المصريون هم الذين ينشرون نور الشريعة عندما استلم موسى النبي إياها على جبل سيناء، هذه هي كلمة الله التي نورها لا يفسد ورائحتها الزكية تدوم، هكذا أيضا كلمة الله نور للراغبين فيها ولا تفيد الذين لا يحبونها، ورائحة زكية تخنق الخنزير لكن يشتمها الراغب فتحييه.
ثم تكلم الحكيم عن قتل فرعون لأطفال العبرانيين وبالتالي هلاك رجالهم وتحول جماعة إسرائيل إلى نساء جاريات ومع الوقت لا يوجدون لكن حدث ما لم يكن في الحسبان أنه نجا طفل وهو موسى النبي (ابن الماء) من الغرق وتربى عند ابنة فرعون هذا الذي بواسطته بنفس نوع العقوبة التي عوقب بها موسى عوقب بها فرعون وجنوده عندما أهلكهم الله في الماء.
وقد علم الشعب مقدما بواسطة موسى ما سوف يجري للمصريين الذين اضطهدوهم فطابت نفوسهم، ليس تشَّفي لكن تهلل بعمل الله معهم حيث توقع الشعب الخلاص وهلاك المصريين فصار بالعقوبة للمصريين مجد لشعب الله ولإلههم الذي صنع هذا لكي يصنع أحكاما بكل آلهة المصريين التي لم تفيدهم فتمجد الله إله الإسرائيليين.
أوضح هنا الحكيم تاريخيا تقليد لم يكتب في العهد القديم وهو أن الإسرائيليين في أرض مصر رغم أنها وثنية كانوا يقدمون التسبيح لله وبالتالي كانت لهم روح واحدة ووحدة بالذبيحة وأيضا تنفيذ الشريعة التي لله وأيضا الوحدة في تحمل الآلام والشكر في حالة الخير والوحدة في الترنم والتهليل الجماعي لله وهذه الأناشيد من صنع آبائهم.
وجاءت ليلة موت أبكار المصريين فكان الإسرائيليون يعيدون بالفصح منشدين بصوت واحد أما المصريين فكان عندهم جلبة ونشاذ في الأصوات وبكاء ونحيب في كل اتجاه وكأنهم خورس مبعثر وحزين يرد على خورس العبرانيين الموحد المتهلل.
وكانت العقوبة بموت الأبكار هي على الكل، العبد والسيد، إذ كانت مصر تنقسم إلى فرعون ثم وزرائه ومشيريه ثم الشعب لكن الله ليس عنده أفضلية لأحد عن أحد فقد شمل الموت كل أسرة ولأن الأسر كانت تعيش في بيوت كبيرة فكان في العائلة الواحدة كل أسرة بها بكر ميت فليس أحد يستطيع أن يواسي أحد.
ومات الكل أي المصريين بجميع رتبهم نفس الميتة فأصبح عندهم عدد جثث لا يحصى حتى أن الأحياء لم يكونوا عندهم عدد كافي لدفن موتاهم إذ ضرب الأبكار كلهم في لحظة واحدة.
رغم أن فرعون ضرب بالضربات التسعة الأولى ومن الضربة الثالثة اعترف سحرة فرعون أن هذه هي يد الله (خر٨: ١٩) لكن عاند مع موسى فأما ضربة الأبكار لم يستطع فرعون ولا سحرته إلا أن يؤمنوا ويعترفوا أن العبرانيين هم شعب الله وأن الله إلههم هو أقدر من جميع الآلهة.
بينما الليل كان يسير في صمت إذ قطعت ضربة الملاك أبكار المصريين أصبح الليل كمن يسرع في العدو أو السير.
فإذا كان قرار موت أطفال العبرانيين صدر عن العرش الملكي لفرعون فها ضربة الأبكار صدرت عن العرش الإلهي لله إذ صار الله لهم كمحارب عنيف وسط أرض مصر المحكوم عليها بموت أبكارها، وكأن هذا المحارب يحمل سيف ماضي ملأ كل مكان في مصر بالموتى وكأنه محارب عملاق يمس رأسه السماء ورجليه الأرض، هذا هو عمل الله إذ قال “وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين” وها قد صنع ما قاله (خر12: 12).
يؤكد الحكيم تشتت وانزعاج المصريين برؤى وأحلام مخيفة غير متوقعة وطرح كل واحد هنا وهناك بين الحياة والموت، وكان الله يوضح لهم لأي سبب يموتون وكانت جثث أبكارهم ميتة في كل أرض مصر وكانت تعلن لهم لماذا قتلوا بسبب ظلم فرعون لشعبه، وأيضا كانت الشياطين بسماح من الله جعلت قلق على نومهم فأصيبوا بنوع من الهلع النفسي لكن الله كان يعلن لهم لماذا أصابهم هذا حتى يتوبوا ويعرفوا الإله الحي بدلا من آلهتهم الضعيفة.
عدل الله لا يعرف المحاباة فقد اُغضِب الله من شعبه وهم في البرية لكن هذا الغضب الذي يمثل عدل الله لم يدم طويلا، إذ تكلم بعض من مجموعة من اللاويين هم قورح وداثان وأبيرام أرادوا أن يغتصبوا الكهنوت فجعلهم الله يقدمون بخورا أمام الخيمة وكان معهم ٢٥٠ شخص فابتلعتهم الأرض هم والــ ٢٥٠ معهم (عد١٦: ٣٠).
ولما تذمر الشعب على موسى وهارون انتشر وباء أباد ١٤٠٠٠ فجعل موسى هارون يمر بالبخور بين الأحياء والموتى حتى رفع الله الغضب والوباء، فكان موسى يرفع يديه ليشفع في شعبه كما بترس وهارون بالبخور كأنه ترس آخر وبهذا أسكت الملاك المهلك بالوباء وذكر موسى في صلاته أن يتذكر الله عهده مع إبراهيم وإسحق ويعقوب بأن يجعل نسلهم مثل نجوم السماء والرمل الذي على شاطئ البحر.
وبهذا وقف موسى كسور قطع عن الأحياء طريق الموت بشفاعته لدى الله بينما كان الموتى يتكدسون خلف الأحياء، وهارون بالبخور وثيابه الطويلة حمى العالم كله من غضب الله وشفع في إسرائيل ذات الــ ١٢ سبط بواسطة الأحجار الــ ١٢ التي على ثيابه، وإذ أعطاه الله مجد على رأسه إذ كتبت على عمامة الكاهن (قدس للرب) فتراجع الملاك المهلك وخاف من الصلوات والبخور وكف عن عمله بالعدل إذ رأى كيف يكون للبشر أبوة في مثل هؤلاء مليئة رحمة.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر حكمة سليمان – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment