تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح التاسع عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) الملكة إيزايل تهدد إيليا بالقتل (ع1، 2).
(2) هروب إيليا إلى بئر سبع وإلى البرية (ع3، 4).
(3) ظهور الملاك له فى البرية ثم ذهابه إلى حوريب (ع5-8).
(4) تجلى مجد الرب له وكلام الرب إليه فى حوريب (ع9-18).
(5) لقاء إيليا لأليشع وقبول أليشع الدعوة (ع19-21).
1 – وأخبر أخآب إيزابل بكل ما عمل إيليا وكيف أنه قتل جميع الأنبياء بالسيف.
أخبر الملك زوجته بكل الأحداث التى جرت فى ذلك اليوم، وركز أكثر على قتل إيليا لأنبياء البعل، لأنه الأمر الحساس لدى إيزابل لكونها ابنة ملك وثنى وتعبد البعل وتحب أنبياءه وتكرمهم.
2 – فأرسلت إيزابل رسولاً إلى إيليا تقول. هكذا تفعل الآلهة وهكذا تزيد إن لم أجعل نفسك كنفس واحد منهم فى نحو هذا الوقت غداً.
(1) اغتاظت إيزابل لقتل أنبيائها الكذبة وأرسلت إليه رسولاً عرفه بعزمها الأكيد بقتله مثلما قتل كل نبى منهم، وأكدت تهديدها بقولها : “هكذا تفعل الآلهة وهكذا تزيد” أى لابد من قتلك وإن لم أقتلك فلتقتلنى الآلهة.
(2) يرى بعض المفسرين أن الملكة لم تكن جادة فى وعيدها وأنها لم تعزم على قتله خفاء لأنها كانت تخاف من ثورة الشعب بعد العجائب التى جرت على يديه وبعد أن استجاب الرب صلاته وأرسل المطر والفرج إلى الأرض، وإنما أرسلت تهديدها لتعطيه فرصة يهرب، وفى نفس الوقت لكى تحتفظ بكرامتها وتخفى خذلانها عن الشعب فيعلموا أنها كانت ستقتله لو لم يهرب.
(3) ولكن الأرجح أن نيتها كانت سيئة وكانت عازمة على قتله، وكان فى إمكانها أن تفعل هذا فى نفس اليوم الذى أرسلت إليه رسولها، ولكن الرب بعنايته بعبيده جعلها تؤجل عملها إلى الغد، لكى يتيح لعبده إيليا الفرصة للهروب. والرب يسخر جميع الأشخاص وجميع الأنبياء لأجل خير عبيده ونجاتهم، وحتى قلب الملك فى يدى الرب.
3 – فلما رأى ذلك قام ومضى لأجل نفسه وأتى إلى بئر سبع التى ليهوذا وترك غلامه هناك.
كان إيليا يتوقع بعد الآيات العظيمة التى أجراها الرب على يديه أن يرجع الملك والشعب إلى الرب وأن تعرف الملكة بطلان عبادتها وتؤمن بالرب الواحد، ولكنه للأسف رأى الملكة مصرة على كفرها، وتوقع أن يكون الملك لا يزال خاضعاً لها.
فلما أحس إيليا بالخطر ترك يزرعيل وذهب هارباً “لأجل نفسه” أى لأجل حياته وجاء إلى “بئر سبع” التى تقع فى مملكة يهوذا وفى أراضى سبط يهوذا. وهناك ترك غلامه وواصل السير وحده إلى البرية كما سنرى.
ولقد “ترك غلامه” فى بئر سبع لأنها مكان مأمون وبعيد عن الخطر، ولعله تركه ولم يأخذه معه :
( أ ) لأن الغلام صغير وغض ولم يشأ إيليا أن يتعبه فى السير معه فى الرحلات الطويلة التى كان عازماً على القيام بها وما قد يلاقيه فى هذه الرحلات من التعب والجوع والعطش. والمؤمنون يراعون نفوس مرءوسيهم وخدمهم ويهتمون بأمنهم وراحتهم.
(ب) ولعله أراد أن يتوجه وحده أيضاً لكى تكون له فرص واسعة للاختلاء بالرب دون أن يعوقهم أحد أو يشغلهم.
4 – ثم سار فى البرية مسيرة يوم حتى أتى وجلس تحت رتمة. وطلب الموت لنفسه وقال. قد كفى الآن يارب خذ نفسى لأننى لست خيراً من آبائى.
(1) سار أيضاً فى البرية الواقعة جنوبى فلسطين “مسيرة يوم” وهى ما كانوا يقدرونه بنحو عشرين ميلاً إذا سار المرء على قدميه سبع ساعات فى اليوم. والميل كانوا يقدرونه بألف خطوة مزدوجة. ووصل فى سيره إلى مكان به شجر الرتم، وجلس تحت واحدة من تلك الأشجار. و(الرتم) نوع من الشيح ينمو فى الأراضى الصحراوية.
(2) كانت نفسه قد تضايقت من عدم تقدير الشعب له كما ظن، ومن مطاردة الملكة له، وكان قد أعياه المسير والحزن فطلب الموت لنفسه وقال بلغة اليأس : (قد كفى الآن يارب، خذ نفسى لأننى لست خيراً من آبائى) :
( أ ) “قد كفى الآن يارب” يكفى ما قد ذقت من هوان، وما عشت من أعوام وإن كانت أعواماً قليلة.
(ب) “خذ نفسى”، خذنى إليك لأن الموت هو سبيل الراحة لأمثالى.
(ج) “لأننى لست خيراً من آبائى” إنهم قد شكوا وتضايقوا من أعباء الحياة وأنا لست أشد منهم قوة وجلداً واحتمالاً، وجميعهم قد ماتوا وأنا لست خيراً منهم.
لم يكن من اللائق أن يشكو ويتضجر ويطلب الموت، وهو الرجل الشجاع الذى تحدى الملك والملكة وأنبياء البعل، وقد شجعه الرب بإجراء آيات باهرة كفيلة بأن تزيده إيماناً وثباتاً ورجاء. ولكنه كبشرى ضعيف تعرض لهذا الضجر وهذا الضيق النفسى الشديد.
ما أعظم الفرق بينه وبين بولس الرسول عندما قال “لى اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً ” (فى1: 23)، لأن بولس قال هذه معبراً عن اشتياقه إلى الرب لكى يستوطن عنده، وفى نفس الوقت فضل أن يبقى فى الجسد ما دام بقاؤه لازماً لمواصلة خدمة إخوته وتتميم رسالته حتى إنه يستريح من عنائه حتى إن كان موته يقطع عمله الروحى ولا يجعله يكمل خدمته.
5 – واضطجع ونام تحت الرتمة وإذا بملاك قد مسه وقال قم وكل.6 – فتطلع وإذا كعكة رضف وكوز ماء عند رأسه فأكل وشرب ثم رجع فاضطجع.7 – ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسه وقال قم وكل لأن المسافة كثيرة عليك.
(1) نام تحت الشجرة من العناء والهم، وافتقده الرب فى ضيقته ووحدته وأرسل إليه ملاكه ليساعده، ولمسه الملاك فتنبه، وأمره الملاك أن يقوم ليأكل، وكانت دهشة إيليا عظيمة لأن الرب قد أعد له بقدرته (كعكة رضف وكوز ماء) فقام وأكل وشرب وانتعش.
و (كعكة رضف) هى رغيف من خبز الملة (تك18: 6)  وهو ما يخبز على الحجارة المحماة إما بوضع النار فوق الحجارة ثم إزالتها بعد أن تسخن ووضع العجين فوقها ليخبز، وإما بوضع النار تحتها.
(2) عاد إيليا ونام، ولكن عناية الرب به كانت عظيمة لأن الملاك عاد ولمسه ليقوم ويأكل مرة ثانية لأن المسافة التى كان مزمعاً أن يقطعها طويلة وتحتاج إلى التزود بطعام أكثر.
(3) ما أعظم عناية الرب بأولاده، فى وقت الوحدة، والضيق والحاجة، يرسل إليهم ملائكته ليعاونوهم، ويرشدهم فى طريقهم، ويوفر لهم كل احتياجاتهم.
8 – فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهاراً وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب.
(1) ظهرت بركة الرب فى الأكلة التى أكلها حتى سار إيليا بقوتها أى بمفعولها أربعين نهاراً وأربعين ليلة، حتى وصل فى ارتحاله إلى “جبل الله حوريب” فى شبه جزيرة سيناء، وهو الجبل العظيم الذى حل حوله بنو إسرائيل فى أيام موسى وأقاموا نحو سنة، وعليه تجلى مجد الرب، ومن فوقه كلم الرب عبده موسى وأعطاه شريعته (خر34)
وبركة الرب تعمل فى الأشياء الصغيرة فتجعلها كبيرة، لأن “بركة الرب هى تغنى ولا يزيد معها تعباً “. (أم10: 22).
صام موسى أربعين يوماً وأربعين ليلة مرتين على الجبل (خر24, 34), والرب يسوع صام مثل هذه المدة بقوة لاهوته وتدبيره وحسب قصد حكمته (مت4: 2).
(2) تقدر المسافة من بئر سبع إلى حوريب بنحو 180 ميلاً وكان إيليا قد قطع منها نحو عشرين ميلاً (مسيرة يوم) ( ع4), فكان عليه أن يقطع 160 ميلاً إلى حوريب أى مسيرة سبعة أيام ونصف للشخص الذى يسير سبع ساعات متوالية فى اليوم الواحد.
والأربعون يوماً المذكورة هنا :
( أ ) إما أن يكون إيليا قد سارها بالفعل من المكان الذى ظهر فيه الملاك له فى البرية إلى حوريب وكان يقطع فى اليوم نحو أربعة أميال بالنسبة لإعيائه وعدم التزامه بوقت معين لرحلته، وكان يستريح باقى اليوم تحت شجرة تصادفه أو خيمة صغيرة كان يحملها مثلما يعمل كل المسافرين فى الصحراء.
(ب) وإما أن يكون قد مضى منها عدة أيام فى البرية، وسار إلى حوريب خلال الأيام الباقية، وربما كان سيره فى أيام متتالية أو كان يسير أياماً ويستريح أياماً، حتى كان وصوله إلى حوريب بعد أربعين يوماً من أكله من الطعام الذى دعاه إليه ملاك الرب.
9 – ودخل هناك المغارة وبات فيها. وكان كلام الرب إليه يقول مالك ههنا يا إيليا.
(1) صعد إلى جبل حوريب، ودخل (المغارة) ليبيت فيها. وقد ذكرت (المغارة) هنا معرفة بأل، مما يدل على أنها مكان معروف. ولذلك يرى معظم المفسرين أنها (النقرة) فى الصخر التى أخفى الرب فيها عبده موسى عندما أراد أن يميز مجده أمامه حتى لا يتاذى موسى من التطلع إلى بهاء مجد الله (خر33: 22).
(2) وكلم الرب إيليا مستنكراً ومعاتباً : “مالك ههنا يا إيليا؟ ” لأن إيليا ترك يزرعيل وهرب متجولاً فى البرارى حتى جاء إلى حوريب، وكان مجيئه بدون أمر الرب له، مع أن الرب هو الذى كان يدبر كل خطواته، فأمره أولاً أن يتقابل مع أخآب، قم اذهب إلى نهر كريث، ثم إلى صرفة، ثم إلى أخآب ثانية، وهكذا. وقد كان هروبه هذه المرة خوفاً من إيزابل، وكان من الواجب عليه ألا يخاف بل يتكل على الرب وينتظر توجيهاته.
“مالك ههنا؟ ” لماذا تركت رسالتك، وجئت بدون أن تطلب إرشادى؟ إن الرب يراقب الإنسان أينما سار ويسأله دائماً لماذا يعرج عن طريقه أو يتباعد عنه. ما أشبه هذا السؤال لسؤال الله لآدم قديماً : “أين أنت؟ ” ( تك 3: 9).
10 – فقال قد غرت غيرة للرب إله الجنود لأن بنى إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف فبقيت أنا وحدى وهم يطلبون نفسى ليأخذوها.
(1) أجاب إيليا :
( أ ) ” قد غرت غيرة للرب إله الجنود ” يشير بذلك إلى مواجهته للملك أخآب وإلى المباراة التى أجراها مع أنبياء البعل، وإلى قتله لهم، لأنه فعل كل هذا لغيرته على مجد الرب. وقد دعا الرب هنا “إله الجنود” لأن الموقف كان كموقف حرب بين الحق والباطل، بين أبناء الله، وعبدة الأوثان، بل بين الرب والشيطان. والرب هو القاهر فى الحروب، وهو “إله الجنود” صاحب العزة والسلطان وجنوده هم الملائكة، وأبناؤه من البشر، وجميع قوى الطبيعة، وكل الخلائق، لأن الكل يعمل تحت سلطانه وينفذ مقاصده.
(ب) وقد بنى غيرته على أمور فى قوله : “لأن بنى إسرائيل قد تركوا عهدك”:
نقضوا العهد المقدس الذى قطعته معهم فى سيناء وأصبحوا يعبدون البعل والآلهة المختلفة.
(ج) “ونقضوا مذابحك” يشير بذلك إلى المذابح الخاصة التى كان رجال الله قد أقاموها فى أماكن مختلفة، وقد هدمها شعب إسرائيل وملوكهم وبنوا بدلاً منها مذابح وسوارى ومرتفعات لآلهتهم.
(د ) “وقتلوا أنبياءك” لأن ايزابل قتلت أنبياء الرب (ص18).
(ها) ” فبقيت أنا وحدى” لأؤدى رسالتك، وقد كان هناك (عوبديا) ولكن إيليا لم يذكره لأنه فى نظر إيليا رجل مشغول بمهام بيت الملك، ولم يذكر المئة من الأنبياء الذين خبأهم عوبديا فى مغارتين (ص18) لأنهم كانوا محصورين فى أماكنهم ومشلولى الحركة، لا يستطيعون تأدية رسالتهم أو المجاهرة بكلمة الرب.
(و) “وهم يطلبون نفسى ليأخذوها” : رغم ما عملته من عجائب، وما جلبت لهم من المطر والخير، ورغم أننى بقيت وحدى حراً طليقاً لأشهد للرب.
(2) يذكر الرسول قول إيليا ويبين أنه كان يشكو شعبه ويتوسل ضده إلى الله لأنهم قتلوا أنبياءه وهدموا مذابحه (رو11: 4)، وما أعظم الفرق بين إيليا الذى أظهر آثام شعبه وبين الرب يسوع الذى ستر عيوبهم وطلب لهم المغفرة بقوله ” .. اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” .(لو23: 34).
11- فقال اخرج وقف على الجبل أمام الرب وإذا بالرب عابر، وريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب ولم يكن الرب فى الريح. وبعد الريح زلزلة ولم يكن الرب فى الزلزلة. 12 – وبعد الزلزلة نار ولم يكن الرب فى النار. وبعد النار صوت منخفض خفيف.
سر الرب برحمته أن يجتاز (يمر) بعبده إيليا ويعلن له مقاصده، فأمره أن يخرج من المغارة ويقف على الجبل احتراماً لجلال مجد الرب، ولكى يتمكن من رؤية الظواهر التى تصحب اجتياز الرب أمامه.
(2) “وإذا بالرب عابر” أى أن الرب اجتاز فعلاً أمامه، وهذا تعبير بلغتنا البشرية لأن الرب حاضر دائماً فى كل مكان، وإنما هذا التعبير يعنى أن الرب كشف لعبده إيليا أنه حاضر ليعلن له مجده ومقاصده وأشعره بذلك.
(2) وقد صحب عبور الرب أربعة ظواهر فظهرت أولاً “ريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال وكسرت الصخور” ثم ظهرت “زلزلة” ثم “نار” و “لم يكن الرب” فى هذه كلها، أو التعبير مجازى أيضاً وبلغتنا البشرية لأن الرب كائن فى كل شئ، وإنما معناه أن الرب لم يتكلم فيها إلى إيليا ولم يعلنه بقدومه، وبعد كل هذه “كان صوت منخفض خفيف” علم إيليا أن الرب يكلمه فى هذا الصوت..
(3) إن هذه الظواهر قد يكون لها عدة معان :
(أولاً) فمجد الرب كان دائماً يتجلى فى وسط البرق والرعود والنار والدخان والعواصف كما كان فى جبل سيناء أمام موسى (خر20) لإعلان جلال الرب ورهبته وإلى أن الرب له السلطان والسيطرة على كل قوى الطبيعة وعناصرها وأنها جميعاً خاضعة لأمره وتعمل لتنفيذ مقاصده.
(ثانياً) ولقد كان القدماء يعتبرون أن فى الكون أربع طبائع، طبيعة الهواء وطبيعة التراب وطبيعة النار وطبيعة الماء وأن لكل إنسان واحدة من هذه الطبائع، ولعل الرب أراد أن يعلن أنه أيضاُ المتسلط على كل طبائع الكون، وعلى كل البشر مهما كانت طبائعهم. وربما أشار بالريح إلى طبيعة الهواء، وبالزلزلة إلى الطبيعة الترابية وبالنار إلى الطبيعة النارية وبالصوت المنخفض إلى طبيعة الماء.
(ثالثاً) ولعل الرب أراد أن يعلن لإيليا ألا يضطرب أو يخاف من اضطهادات الملك والملكة له، ومن اضطرابات الشعب وقيام الدنيا ضده حتى إن كانت هذه وتلك عنيفة كالريح العاتية ومدمرة كالزلزلة ومحرقة كالنار، وبينما الأشرار يكونون فى غضبهم وهياجهم يعمل الرب فى هدوء على نجاة الشعب “الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون” (خر14:14).
(رابعاً) إن مسرة الرب بالشعوب والأفراد لا تكون فى عيشهم بالعنف والشدة  والهياج والضجيج والحروب، ولكنها تكون بحياة الهدوء والسلام بين الجميع.
(خامساً) وعبادة الرب وعمله وخدمته لا يجب أن تقوم على المشاحنات والمخاصمات والصخب وإنما بالوداعة والاتضاع واللطف “لأن الرب إله سلام وليس إله تشويش”      (1كو14: 33).
(سادساً) وقد تكون هذه الظواهر العجيبة رمزية أيضاً تشير إلى المراحل التى كان شعب الله والعالم بوجه عام سيجتازها :
( أ ) فالريح العاصفة التى شقت الجبال قد تكون إشارة إلى عوامل الدمار والتخريب التى تسود الشعب بسبب ملوكه الأشرار، ثم إلى ملوك آشور وبابل اللذين يسبون شعب الله وملوك مادى وفارس الذين يسودونهم أيضاً.
(ب) والزلزلة العنيفة قد ترمز إلى ظهور مملكة اليونان التى تهز أركان العالم وتبسط سلطانها على شعوب كثيرة من بينها شعب الله.
(ج) والنار المحرقة قد تشير إلى نار الاضطهاد التى أثارتها ضد شعب الله أنطيوخوس أبيفانيس أحد ملوك الدولة السلوقية ، ثم إلى الدولة الرومانية التى بسطت سلطانها أخيراً على الشعوب وكانت تقوم على قوة الحديد والنار.
(د ) أما الصوت المنخفض الخفيف فيشير إلى عهد النعمة الذى ظهر فى أثناء الحكم الرومانى، وقد أسسه الرب يسوع المسيح ملك المحبة والسلام. وكما سمع إيليا صوت الرب يتكلم كلمنا الرب فى ابنه الوحيد كلمة الله المتجسد.
13 – فلما سمع إيليا لف وجهه بردائه وخرج ووقف فى باب المغارة وإذا بصوت إليه يقول ما لك ههنا يا إيليا. 14 – فقال غرت غيرة للرب إله الجنود لأن بنى إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف فبقيت أنا وحدى وهم يطلبون نفسى ليأخذوها.
(1) عرف إيليا أن الرب هو الذى يكلمه “فلف وجهه بردائه” احتراماً وإجلالاً مثلما توارى موسى فى النقرة عندما اجتاز به مجد الرب، ومثلما يغطى السيرافيم وجوههم بأجنحتهم من بهاء عظمة كرامة مجده.
(2) وسأله الرب نفس السؤال الذى ذكر فى (ع9) : “ما لك ههنا يا إيليا؟ ” لأنه لم يكن يليق به أن يترك خدمته ويهرب لأنه لم يكن قد أتم رسالته بعد. وأجاب إيليا بنفس ما قاله فى العدد العاشر، يشكو بنى إسرائيل لأنهم نقضوا عهد الله وهدموا مذابحه وقتلوا أنبياءه وأنهم يطلبون نفسه أيضاً.
(3) إن الرب كان يتنازل ويكلم عبيده فى العهد القديم بأنواع وطرق متنوعة، وكل هذه فتحت عقول البشر وأذهانهم لقبول الإيمان بسر التجسد حيث كلمنا الرب فى ابنه.
(4) ما أعظم النعمة التى حظى بها إيليا فى خلوته فى مغارة حوريب فى البرية لأنه حظى برؤية مجد الرب إذ تجلى له بعلامات واستحق أن يستمع إلى إعلانات الرب ويعرفه بمقاصده. والبرية كانت مكاناً مختاراً للآباء الصديقين ليعبدوا الرب ويحيوا معه. والخلوة المقدسة نافعة لكل مؤمن، عندما يدخل مخدعه ويخلو مع الرب إلهه فى صلوات وتسابيح وتأملات روحية عميقة، فتمتلئ حياته بالبركة ويحظى بالنجاح والنمو فى النعمة. لا تحرم نفسك أيها الحبيب من فترات روحية بين الحين والحين تنفرد فيها مع الرب إلهك عريس نفسك فى خلوة مقدسة هادئة، فتكتسب طاقة مقدسة ودفعة روحية تدفعك دائماً إلى الأمام فى طريق البر.
15 – فقال له الرب اذهب راجعاً فى طريقك إلى برية دمشق وادخل وامسح حزائيل ملكاً على أرام. 16 – وامسح ياهو بن نمشى ملكاً على إسرائيل. وامسح أليشع بن شافاط من آبل محولة نبياً عوضاً عنك.
(1) أمره الرب أن يرجع من الطريق الذى جاء فيها ليؤدى باقى رسالته مع شعب إسرائيل، وقد كلفه بثلاثة أعمال خطيرة قصد الله أن يتمم مقاصده عن طريقها:
(أولاً) فأمره أولاً أن يذهب إلى برية (دمشق) التى كانت عاصمة لآرام (سوريا) ويمسح (حزائيل) ملكاً على أرام. (والمسح) هنا قد يكون مسحاً بالدهن فعلاً مثلما كان الأنبياء يمسحون الملوك كما مسح صموئيل كلاً من شاول وداود (1صم 10, 16) وقد يكون مجازياً يقصد به إقامة هؤلاء الأشخاص وتعيينهم فى أعمالهم التى ندبهم الرب إليها.
و (حزائيل) كان أحد العاملين فى بلاط بنهدد ملك أرام، وقد تحقق قول الرب لإيليا وأقام حزائيل عصا تأديب لشعب إسرائيل، ففى عهد نبوة أليشع قتل حزائيل سيده بنهدد وملك عوضاً عنه (2مل 8 : 7 – 15)، وقد قام بغزو مدن إسرائيل الواقعة شرقى الأردن (2مل 10 : 32)، وفيما بعد عبر الأردن وضايق شعب إسرائيل غربى الأردن جداً (13: 4 – 7)، وكاد أن يأخذ أورشليم لولا أن يهوآش ملك يهوذا أعطاه كل كنوز الهيكل فترك أورشليم (2مل 12 : 17، 18).
(ثانياً) وأمر الرب إيليا أن يمسح (ياهو بن نمشى) ملكاً على إسرائيل. و (ياهو) هذا كان من قواد جيش إسرائيل.
وكان أبوه يدعى (يهوشافاط) وجده يدعى (نمشى) ونسب إلى جده لشهرته. ويرجح أن إيليا عينه بصورة مبدئية إلى أن يأتى الوقت المعين من الرب، وفى أيام أليشع أرسل أليشع أحد تلاميذه فعينه نهائياً، واستطاع ياهو أن يقتل كلاً من يورام بن أخآب ملك إسرائيل وأخزيا ملك يهوذا ثم إيزابل زوجة أخآب وقتل الباقين من بيت أخآب ومعظم الباقين من بيت أخزيا وقتل أنبياء البعل (2 مل 9، 10) وقد استمر الملك لنسله إلى رابع جيل.
(ثالثاً) ويمسح (أليشع) نبياً ليكون خليفة له. وأليشع ابن رجل من سبط يساكر اسمه (شافاط) وموطنه (آبل محولة) فى وادى الأردن (ص 4 : 12) يرى العلماء أن موقعها جنوبى بنسان بما يقرب من ستة عشر كيلو متراً.
وقد دعا إيليا أليشع ليتبعه فعلاً كما نرى فى هذا الأصحاح. وحمل أليشع الرسالة بعد معلمه وقام بها خير قيام كما نرى ذلك فى سفر الملوك الثانى من الأصحاح الأول إلى الأصحاح الثالث عشر.
17 – فالذى ينجو من سيف حزائيل يقتله ياهو والذى ينجو من سيف ياهو يقتله أليشع.
أقام الرب هؤلاء عصا تأديب لشعبه ولملوكهم فى المملكتين، وقد رأينا أن كلاً من حزائيل وياهو قام بتأديب الملوك الأشرار وأعوانهم ونقرأ ذلك بالتفصيل فى سفرى الملوك الأول والثانى. و(أليشع) وإن كان لم يقتل أحداً بالسيف، ولكنه قتل الأشرار قتلاً معنوياً بتوبيخهم وإنذارهم بكلمة الرب التى هى “أقوى من كل سيف ذى حدين” (عب4: 12) وكانت خدمته عاملاً على تقويض الباطل وهدمه.
18 – وقد أبقيت فى إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التى لم تجث للبعل وكل فم لم يقبله.
(1) ظن إيليا أن جميع شعب إسرائيل فى المملكة الشمالية قد ضلوا، وأنه هو وحده الذى بقى ليعبد الرب (ع10) ولكن الرب طمأنه بأن نعمة الرب ساندت الكثيرين فبقوا أمناء مع الرب ولم يعبدوا البعل ولا جثوا أمامه أو قبلوه بفمهم مثلما يعمل الذين يعبدونه.
والرب فى كل جيل له مختارون ممن يتجاوبون مع نعمته، ولا يترك نفسه بلا شاهد. فلتطمئن قلوبنا، ولنطلب من الرب أن يعمل فى قلوب الناس حتى يزداد عدد هؤلاء الصديقين الأمناء.
و (سبعة آلاف) عدد يشير إلى الوفرة والكثرة ولا يشترط أن يكون سبعة آلاف بالتحديد، وكل من السبعة والألف من الأعداد التى تشير إلى الكمال.
19 – فذهب من هناك ووجد أليشع بن شافاط يحرث واثنا عشر فدان بقر قدامه وهو مع الثانى عشر فمر إيليا به وطرح رداءه عليه.
(1) أطاع إيليا أمر الرب وترك حوريب ودخل أرض إسرائيل، وكان أول لقاء له مع (أليشع بن شافاط). ومعنى أليشع (الله خلاص). وقد رآه إيليا يحرث الأرض فى الحقل. وكان قدامه اثنا عشر فدان من البقر، يحرث أحد عشر رجلاً على أحد عشر فداناً منها، ويحرث هو على الأخير.
و (الفدان) بتشديد الدال هو آلة الحرث (المحراث) ويعنى أحياناً النير الذى يوضع على رقبتى الحيوانين اللذين يحرثان، ومعناه أيضاً زوج (اثنان) من البقر يحرثان مقترنين معاً تحت نير محراث واحد.
ويرى البعض أن الرجال الذين كانوا يحرثون كانوا عمالاً لدى الأثرياء وأن أليشع كان واحداً منهم. ولكن علماء الكتاب رجحوا أن الحقل كان لأبيه وأن الرجال كانوا فعلة يعملون بالأجر واشترك معهم أليشع للإشراف عليهم وإنجاز العمل معهم. واستنتجوا أن والد أليشع كان غنياً جداً لأن أرضه كانت تحتاج إلى هذا العدد من المحاريث والأبقار كما كان يمتلك هذا العدد منها وربما أكثر من هذا العدد.
(2) حرث أليشع وراء الفعلة لكى يكون دائماً ناظراً إليهم ومطمئناً على سير العمل، والراعى الأمين يسير أحياناً وراء خرافه ليطمئن عليها. والرئيس فى عمل ما لا يبالى إن سار وراء مرءوسيه أو أمامهم لأن من دأبه إنكار الذات والتواضع، كما أنه يجب أن يباشر أعمالهم ويتابعها ليضمن نجاح العمل.
(3) عندما رآه إيليا “طرح رداءه عليه” كعلامة للدعوة والتكريس لخدمة الرب وهو إلى حد ما مثل المسح بالدهن فى العهد القديم ومثل وضع اليد فى العهد الجديد.
و (الرداء) هو القطعة الخارجية من الثياب. وكان عبارة عن قطعة مستطيلة من القماش طولها نحو مترين ونصف تقريباً وعرضها نحو مترين إلا ربعاً.
فى شبه الملاءة (الملاية)، كانت تلف على الجسم، وأحياناً يتغطى به صاحبه فى النوم وهو إلى حد ما يقابل العباءة فى أيامنا. أو البطانية التى يلفها بعض الناس حول أجسامهم للتدفئة.
(4) اعتقد إيليا أن القوة الروحية التى فيه تنتقل إلى أليشع عن طريق ردائه الذى يلبسه (راجع شرح ص16), فطرح عليه ليكون معاوناً له ثم خليفة له فى النبوة.
20 – فترك البقر وركض وراء إيليا. وقال دعنى أقبل أبى وأمى وأسير وراءك. فقال له اذهب راجعاً لأنى ماذا فعلت لك.
(1) عرف أليشع أن إيليا يدعوه لخدمة الرب، وشعر فعلاً أن قوة روحية عجيبة تعمل فيه، فلبى الدعوة وفرح بها وركض (سار مسرعاً) وراءه، ثم استأذن منه ليذهب ويودع والديه ثم بعد ذلك يأتى ويتبعه.
(2) أذن له إيليا أن يذهب لتوديع والديه وتقبيلهما وقال له : “اذهب راجعاً ” أى ارجع إلى والديك لتوديعهما، ” لأنى ماذا فعلت بك؟ ” أى ماذا فعلت بك حتى لا تودع والديك. إن دعوتى لك لخدمة الله لا تقلل من احترامك لوالديك وحبك لهما والقيام بواجباتك نحوهما.
(3) إن خدمة الرب، وحياة التكريس أو الرهبنة لا تؤثر على عواطفنا نحو والدينا وأقاربنا وذوينا، ولا تقلل من محبتنا لهم، ومن الواجب أن الشخص الذى يكرس حياته للعبادة أو الخدمة أن يظل على صلة بأهله، يتبادل وإياهم الزيارة ويراسلهم ويراسلونه، ما دامت كل هذه الأعمال لا تعثره أو تقاوم عمله الروحى.
(4) أنكر المسيح على الشاب التماسه عندما قال له “دعنى أولاً أمضى وأدفن أبى” وقال له “دع الموتى يدفنون موتاهم أما أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله” وأنكر على شاب آخر أن يودع الذين فى بيته (لو9: 59-61).
ذلك لأن هذين كان التماسهما تلكؤاً وتردداً فى قبول الدعوة والرب العارف بالقلوب عرف أنهما يريدان أن ينظرا إلى الوراء، وأنهما غير جادين فى السير معه، أما أليشع فقد قبل الدعوة بفرح وكان كل التماسه أن يودع أبويه فسمح له إيليا.
21 – فرجع من ورائه وأخذ فدان بقر وذبحهما وسلق اللحم بأدوات البقر وأعطى الشعب فأكلوا. ثم قام ومضى وراء إيليا وكان يخدمه.
(1) كان فرح أليشع عظيماً، فمضى من وراء إيليا وأخذ زوجاً من البقر وذبحهما. وسلق لحمهما (بأدوات البقر) أى جعل خشب النير والمحراث وغيرها وقوداً ليسلق عليه اللحم، ومن ثم عمل وليمة عظيمة لأهل بلده وللعمال الذين معه ولإيليا. وكان عمله بمثابة ذبيحة سلامة للشكر وللفرح. كما كان عمله كعمل لاوى الذى إذ دعاه المسيح بالدعوة وصنع للمسيح وليمة عظيمة (مت9).
(2) ولابد أنه ودع والديه، وتركهما، ثم سار وراء إيليا يتبع تعليماته ويأتمر بأمره، ولم يكتف بهذا بل (كان يخدمه)، كان تلميذاً وخادماً له، ينفذ أقواله و (يصب الماء) (2مل3: 11).
(3) إن هذا الشاب العظيم (أليشع)، لم يفتنه غنى أبيه والميراث العظيم الذى كان سيرثه بعده، ولكنه رأى أن خدمة الرب أعظم من الغنى وأثمن من الميراث ومن كل شئ، فكان مثله كمثل موسى الذى “أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون مفضلاً بالأحرى أن يُذل مع شعب الله حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر” (عب11: 26), ومثل تلاميذ المسيح الذين ” تركوا كل شئ وتبعوه” (لو5: 11),  وعلى هذا النهج سار القديسون أمثال القديس الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا والأنبا باخوميوس وغيرهم وغيرهم، ممن تركوا العالم بما فيه وساروا فى عبادة الرب وخدمته.
(4) وعمل روح الرب فى (أليشع) ولازم معلمه إلى أن أصعده الرب إليه، وأصبح نبياً عظيماً وجليلاً لبنى إسرائيل بعد معلمه.
 
 
 
 
 
 

Leave a Comment