كتاب تفسير سفر ايوب – الأصحاح التاسع عشر – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح التاسع عشر

حتى متى تعذبون نفسي، وتسحقوننـي بالكلام؟

  • ” ​فَأَجَابَ أيوب وَقَالَ: حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُونَ نَفْسِي وَتَسْحَقُونَنِي بِالْكَلاَمِ ؟”:-
  • هنا يتكلم أيوب إن كان الشيطان هاجم جسده بسماح من الله فإن الجسد حتما سيموت لكن الأصعب أن الأصدقاء هم الذين يهاجمون النفس ويحطمون الرجاء والإيمان للنفس.
  • أصبح لسان أصحابه مثل اليد للقتل ومثل الأعين المتعجرفة، ومن اللسان تنبع مجموعة خطايا كما يمكن أن تنبع مجموعة فضائل.
  • فالخطايا في اللسان مثل الكذب الذي هو خطية إبليس وذلك سمي كذاب وأبو كل كذاب والشتيمة والحلف والنميمة التي تنخر العظام وتحطم الإنسان، والإدانة التي يأخذ فيها الإنسان مكان الله ديان العالم والاستهزاء بالآخرين والتعالي والتحقير من الآخرين أو الكلام الناعم الذي يختفي فيه القتل فهو لسان مخادع.
  • ومنه أيضا تنبع مجموعة فضائل : هو وسيلة للصلاة والحديث مع الله وهو وسيلة لنسبح به الله مثل الملائكة، وهو الذي نمجد به الله ونباركه، وهو الذي يقدسنا إذا قدسنا الله في كلامنا مثل السيرافيم الذين لا يفترون عن تقديس الله (إش٦)، وبه نعزي الآخرين في تجاربهم وبه نعطي إيمان للآخرين، وبه نبث الرجاء والمحبة للآخرين وبه نعلم الآخرين عن الله وبه نطلب ما نحتاجه من الله ونطلب ونصلي للآخرين فإن اللسان بيده أما الموت أو الحياة، وباللسان نتكلم بالحكمة التي تفيد الآخرين ونفيد أنفسنا، وبواسطة اللسان ينبع التواضع وبقلة الكلام أحيانا نثمر بالفضائل ونضبط أنفسنا. فاللسان هو عنوان قلبنا فإن كان القلب نقيا سيكون الكلام نقيا وجيدا وإن كان القلب غير نقي سيكون الكلام باطلا، لهذا بكلامنا نتبرر وبكلامنا ندان.
    • ​” هذِهِ عَشَرَ مَرَّاتٍ أَخْزَيْتُمُونِي. لَمْ تَخْجَلُوا مِنْ أن تَحْكِرُونِي “:-

تكلم أصحاب أيوب ٥ مرات في الدورة الأولى تكلم كل واحد من أصحابه الثلاثة والدورة الثانية إلى الآن تكلم أليفاز وبلدد فحسب أيوب كلامهم مضاعف في إساءتهم إليه حيث رقم عشرة هو عدد الكمال سواء للخير أو للشر، فالوصايا العشرة كاملة وإساءة أصحابه له وعنفهم عليه كاملين مثلما غير لابان أجرة يعقوب عشر مرات وخادعه، هكذا صار أصحاب أيوب محطمين له كمن لا يعرفوه وكمن هم غرباء عنه.

  • ​” وَهَبْنِي ضَلَلْتُ حَقًّا. عَلَيَّ تَسْتَقِرُّ ضَلاَلَتِي! “:-

وكأن أيوب يقول لأصدقائه هب أو افترضوا أني ضللت فإن ضلالتي تقع على رأسي وعقوبتي تقع عليَّ وليس عليكم، فلماذا تزيدوا العقوبة مرارة بدل ما تخففوا عني؟!!
فعندما نقف ضد شر أحد قبل ذلك من الضروري أن نقف ضد شر أنفسنا حتى لا نقول دعني أخرج القذى من عينك وأنا في عيني خشبة لا أخرجها فهذا رياء، فمن أساسيات تصحيح أخطاء الغير هو تصحيح أخطائنا أولا وأن نكون ذوي محبة لمن نصحح لهم أخطائهم لكن إن كانت هناك عدم محبة سيكون تصحيح الأخطاء بمرارة وتحطيم للآخرين وشر لنا نعاقب عليه، هكذا عندما اتهموا الزانية في (يو ٨) وأحضروها لربنا يسوع قال لهم أن الذي بلا خطية يرجمها أولا فخزوا.

  • ​” إن كُنْتُمْ بِالْحَقِّ تَسْتَكْبِرُونَ عَلَيَّ، فَثَبِّتُوا عَلَيَّ عَارِي”:-

وكأن أيوب يقول إن كنت أؤدب من الله فهذا بحكمة يفعل كل شيء لكن أنتم تدينونني ليس بحكمة إنما بتهور وغضب فتحولت القذى التي في عيونكم إلى خشبة بسبب تحاملكم عليَّ.
فقد أدان الفريسي المرأة الخاطئة في كفر ناحوم وأدان معها ربنا يسوع لكنها خرجت مبررة لأنها أحبت كثيرا رغم مديونيتها الكثيرة أما الفريسي فلم يتبرر لأنه عن غير محبة أدان المرأة الخاطئة وربنا يسوع الذي هو ديان الأرض كلها.
أدان اليهود زكا وحسبوه خائن لكن ربنا يسوع نظر إليه في اشتياقه إلى الخلاص وأعطاه وعد بالخلاص.
ولهذا لا نرى عقوبة ما تحل بأحد فنفرح بهذا بل علينا أن نعزي صاحبها ونعطيه رجاء.

  • ​” فَاعْلَمُوا إذا أن اللهَ قَدْ عَوَّجَنِي، وَلَفَّ عَلَيَّ أُحْبُولَتَهُ “:-

عرف أيوب أن الله هو الذي سمح بتجاربه وأن شمس التجارب قد عوجته من كثرة تجاربه، وأيضا سمح الله بأن يلقي الأعداء عليه شبكة ويصطادوه كما يحدث في المعارك فيقع في الشبكة ويصبح لا قوة له.

  • ​” هَا إِنِّي أَصْرُخُ ظُلْمًا فَلاَ أُسْتَجَابُ. أَدْعُو وَلَيْسَ حُكْمٌ”:-

شعر أيوب بالظلم فصرخ أن يتركه أصحابه ليصرخ إلى الله عله يستجيب لكنه صرخ ودعا الرب وهو لم يستجيب، وهنا صورة لربنا يسوع المسيح على الصليب عندما صرخ ” إلهي إلهي لماذا تركتني؟” أي لماذا تركه ليتألم؟ (مز٢٢: ١، مت٢٧: ١٦، مر١٥: ٣٤)، فقد تألم ربنا يسوع بالجسد لأن اللاهوت لا يتألم حتى يرفع عنا عبودية إبليس وخطايا العالم كله، ظُلِم لأنه قدوس ولا يوجد فيه غش أو خطية بل تألم عن خطايانا هكذا حمل أيوب صورة نبوية عن صلب ربنا يسوع.

  • ​” قَدْ حَوَّطَ طَرِيقِي فَلاَ أَعْبُرُ، وَعَلَى سُبُلِي جَعَلَ ظَلاَمًا”:-

صور أيوب ما يحل به حتى يكف أصحابه عن أذيته بالكلام الجارح.
فهو كمن حوط به حتى لا يعبر في أي طريق وجعل طريقه مظلما فلا يرى نورا.
وهذا ينطبق على ربنا يسوع ونبوة عنه فقد قبض الجنود جنود الرومان وجند الهيكل وعبيد رؤساء الكهنة على ربنا يسوع في بستان جثسيماني حتى لا يعبر إلى المدينة وكانوا بعدد كبير لضمان السيطرة.
صلبوه فأظلمت الشمس محتجة على ما يفعلوه في إلهها إذ كانت ظلمة من الساعة السادسة إلى التاسعة، وكانوا يغطون عينيه ويلكموه ويقوا له تنبأ لنا من لطمك، وألبسوه لباسا أرجوانيا لباس الملوك وجعلوا في يده قضيب ملك وغطوا رأسه بتاج من شوك الأرض الذي أنتجته بعصيان آدم.

  • ​” أَزَالَ عَنِّي كَرَامَتِي وَنَزَعَ تَاجَ رَأْسِي “:-

زالت كرامة أيوب المحبوب بين الشيوخ والمكرم الذي كان مثل ملك لكنهم خلعوا عنه تاجه.
هنا أيضا يحمل بشكل ما نبوة عن ربنا يسوع إذ نزعوا عنه كرامته حتى كإنسان وليس فقط كإله متجسد فقد نزعوا عنه ثيابه وعلى لباسه ألقوا قرعة هذا الذي ملتحف بالبر الكلي نزعوا عنه التاج وألبسوه تاج من شوك العصيان التي للأرض بسبب خطية آدم وبنيه وأصبح ليس له منظر كما قال إشعياء النبي (إش٥٣: ٢).

  • ​” هَدَمَنِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَذَهَبْتُ، وَقَلَعَ مِثْلَ شَجَرَةٍ رَجَائِي”:-

لما قال إبليس لله أن الله سيج عليه من كل جانب فقد هدم إبليس أيوب كمدينة حصينة أسواره من كل جانب لا تعود في حماية شيء بل سهلة المنال والهدم.
اقتلع أيوب مثل شجرة رجاءها في ثمرها لكن عندما تقلع من جذورها فتصبح بلا رجاء لأنها إن قطعت فإن الجذور تنمي ساقا جديدة لكن إن قلعت من الجذور فقد باد كل رجاء في الحياة لها.
هكذا انهالت على ربنا يسوع كل الآلام فقد ضرب بالسياط بواسطة جنود قساة فتهرأ لحمه ونزف بكثرة فتهدم من كل جانب، وأرادوا له الموت رغم أن ربنا يسوع أراد لهم الحياة (يو ١٠)، هدموا من أراد لهم الخير، من علم في شوارع مدينتهم، من صنع لهم معجزات وشفى مرضاهم، فلماذا ردوا الإحسان بالإساءة والحياة بالموت؟! لأنهم أبناء الموت، أبناء إبليس الذي جلب الموت للبشر.

  • ​” وَأَضْرَمَ عَلَيَّ غَضَبَهُ، وَحَسِبَنِي كَأَعْدَائِهِ. مَعًا جَاءَتْ غُزَاتُهُ، وَأَعَدُّوا عَلَيَّ طَرِيقَهُمْ، وَحَلُّوا حَوْلَ خَيْمَتِي “:-

اشتعل عدل الله على أيوب وحُسب كأعدائه هكذا أصعد ربنا يسوع المسيح ذاته ذبيحة محرقة لله الآب حتى يوفي العدل الإلهي عن الإنسان وتلقى ضربات الله عوض الإنسان هكذا ضرب موسى النبي الصخرة (التي كانت ترمز للمسيح) (١ كو١٠: ٤) ففاضت مياه (خر١٧: ١- ٧).
جاءت الأرواح الشريرة وراء أيوب لأنه بار تحاول عرقلة طريقه وأن تهزمه، حلوا حول خيمته حتى لا يخرج ويكون محاصر لكن أيوب غلب بالصبر كل هذه المحاربات وخلص منها.

  • ​” قَدْ أَبْعَدَ عَنِّي إِخْوَتِي، وَمَعَارِفِي زَاغُوا عَنِّي “:-

تبين هذه الآية في الترجمة السبعينية أن الغرباء تعرفوا عليه بينما أخوته ومعارفه ابتعدوا عنه، وهنا إشارة ونبوة قوية عن ربنا يسوع المسيح الذي جاء إلى خاصة اليهود الذين لديهم النبوات والشريعة والعهود والذبائح التي كانت وسيلة للتعرف على ربنا يسوع بكونه المسيا لكنهم رفضوه بل صلبوه (إذ جاء) إلى خاصته وخاصته لم تقبله (يو١: ١١)، بل أن أخوة المسيح أي أبناء خالته لم يكونوا يؤمنوا به (يو٧: ٥) لكن الأمم الغرباء قبلوه وآمنوا به.

  • ​” أَقَارِبِي قَدْ خَذَلُونِي، وَالَّذِينَ عَرَفُونِي نَسُونِي”:-

أقاربه نسوا صلة الدم والمحبة والذين عرفوه أي الذين كانت لهم صلة قوية به ومحبيه تحولت المحبة إلى إثارة ضده وهيجان وحقد وحسد بلا سبب، فقد يتناسى الإنسان صاحبه ويتحول إلى عدو له يثيره للغيظ ويتحول إلى قاتل له بلا سبب وكأن الخطية حولت الإنسان إلى وحش مفترس لأنه حتى الوحوش المفترسة تكون مستأنسة مع جنسها أما الإنسان الذي يحمل عدم المحبة في قلبه فيكون أشد منها شراسة.

  • ” ​نُزَلاَءُ بَيْتِي وَإِمَائِي يَحْسِبُونَنِي أَجْنَبِيًّا. صِرْتُ فِي أَعْيُنِهِمْ غَرِيبًا”:-

نزلاء البيت أي الذين آواهم أيوب وعبيده الذي كان يوفر لهم الرحمة اعتبروه غريبا، لم يشفقوا عليه في محنته بل كأنهم نسوا كل الإحسانات التي قدمها لهم أما الغرباء فقد يكونوا أحسن وأرحم عليه من هؤلاء الذين سبق وترفق عليهم.
هكذا الله الذي أخرج إسرائيل من أرض مصر بذراع رفيعة بــ ١٠ ضربات على فرعون وأغرق فرعون في البحر الأحمر وخلص إسرائيل وأسكنهم في أرض كنعان التي لم يزرعوا ولا تعبوا فيها وأعطاهم الشريعة والمواعيد والعهود والذبائح، عندما أتى إليهم ابن الله حسبوه غريبا بل أساءوا إليه بل طردوه وصلبوه كأنه مجرم ملعون من الناموس وطلبوا أن يُطلق باراباس اللص، دليل على العنف وعدم الفهم والثورة التي بلا عقل وعدم المحبة وحب السلطة، هذه هي الأنانية التي تهب على الإنسان حتى تجعله ليس بإنسان وكأنه بلا إحساس لآلام الآخرين.

  • ​” عَبْدِي دَعَوْتُ فَلَمْ يُجِبْ. بِفَمِي تَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ “:-

إذ دعا أيوب حتى العبد فلم يجيبه وهذا إشارة إلى ربنا يسوع الذي دعا عبده آدم فخالف الوصية ثم إسرائيل قبل موسى وشريعته ثم الأنبياء فلم يستجيبوا بل عبدوا الأوثان فسبوا إلى بابل، ثم جاء الكلمة الذاتي نفسه فرفضوه بل صلبوه، فالدعوة تعبر عن دعوة الفم الذي هو به روح وحياة فم الله هو الذي يدعو وهو الذي منه نأخذ روح القوة فعندما يدعونا نكون مثل صموئيل ونقول “تكلم يا رب فإن عبدك سامع”، لكن البشرية أعطت لله القفا لا الوجه إذ كم مرة دعا ربنا يسوع أورشليم فلم تستجيب بالحب كما تأخذ الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تستجيب لكنه أخذ إسرائيل والعالم تحت جناحي الصليب دافعا دمه مهرا حتى تشعر البشرية بمدى عمق هذا الحب.

  • ​” نَكْهَتِي مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ امْرَأَتِي، وَخَمَمْتُ (ومنتنة) عِنْدَ أَبْنَاءِ أَحْشَائِي”:-

صار العريس مكروها عند عروسه هكذا امرأة أيوب.
فلهذا تمثل امرأة أيوب إسرائيل بالنسبة لله، فقد تنبأ زكريا النبي في (زك٩: ٩) بأن تبتهج جدا صهيون لأن ملكها جاءها وديع ومتواضع القلب راكبا على جحش ابن أتان عادل ومنصور لكنها رفضت العريس رغم أن الأطفال صرخوا له في الهيكل “مبارك الآتي باسم الرب”، والجموع استقبلته بعلو الصوت “أوصنا لابن داود” لكن العروس بعثت رسالة بواسطة الفريسيين قائلة سكت تلاميذك، فقال لها إن سكت هؤلاء ستنطق الحجارة، هذه هي التي أمام الوالي الروماني صرخت اصلبه اصلبه، هل توجد عروس تشكو زوجها وتطلب موته!! هذه هي العروس الخائنة هم اليهود أما الغريبة الوثنية فراحت تطلبه وتبحث عنه، يقول إنجيل يوحنا (يو١٢) جاء يونانيون إلى فيلبس وقالوا نريد أن نرى يسوع، فيلبس قال لأندراوس وأندراوس قال لربنا يسوع…

  • ​” اَلأَوْلاَدُ أيضا قَدْ رَذَلُونِي. إذا قُمْتُ يَتَكَلَّمُونَ عَلَيَّ. كَرِهَنِي كُلُّ رِجَالِي، وَالَّذِينَ أَحْبَبْتُهُمُ انْقَلَبُوا عَلَيَّ “:-

الأولاد الذين رذلوه طبعا ليسوا أولاده لأن أولاد أيوب قد ماتوا لكن أولاد العبيد الذين ولدوا على يديه في بيته فاعتبرهم أولاده وضمهم إلى بيته، ورجاله الذين اعتمد عليهم كمسئولين احتقروه وكرهوه وتكلموا عليه وانقلبوا عليه، هذه هي طبيعة البشرية المملوءة كراهية على عكس طبيعة الله المُحبة، الله يقترب إلينا بالحب ونحن نعطيه أو نقابله بالكراهية، هذا هو الإنسان إن لم تعمل النعمة فيه يصبح منبع للكراهية والتسلط والأنانية وعدم الطاعة محب المنفعة لنفسه لكن حب الغير ومنفعة الغير لا يقبله حتى الله أبناءه تركوه بل قتلوه…

  • ​” عَظْمِي قَدْ لَصِقَ بِجِلْدِي وَلَحْمِي، وَنَجَوْتُ بِجِلْدِ أَسْنَانِي”:-

انحل كل جسد أيوب ولم يعد فيه سوى العظم الملتصق بالجلد وحتى أسنانه أصبحت ملتصقة بجلد الفك هذا ما تبقى فيه.
هنا نبوة وإشارة على عدم فساد جسد ربنا يسوع في القبر إذ لم يشر إلى فساد جسده بل أنه صحيح أصبح مثل هيكل عظمي لكن جسده فلم يفسد لأنه يبدو أن القروح كانت كلها خارجية ومع عدم القدرة على الأكل أصبح هزيلا لكن لحمه لم يفسد.

  • ​” تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أصحابي، لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ مَسَّتْنِي”:-

رغم ما عمل أصدقاء أيوب وأظهروا به أنهم أصدقاء مرائين وداخلهم عدم محبة له لكنه أي أيوب لا يعاملهم بالمثل لكن يخاطبهم بكلمة أصحاب ويطلب منهم أن يتراءفوا عليه، عجيبة هي المحبة في مفعولها فقد وصل أيوب إلى محبة الأعداء الذين جاءوا إليه في صورة أصدقاء فكم كان هذا الإنسان كاملا!!
ويقول يد الرب مستني ويد الرب تعني أقنوم الابن لكن التجربة كانت من إبليس لكنها بسماح من الله وهذا واضح من حديث إبليس لله ” لكن ابسط الآن يدك ومس عظامه ولحمه فإنه في وجهك يجدف عليك” (أي٢: ٥).

  • ” ​لِمَاذَا تُطَارِدُونَنِي كَمَا اللهُ، وَلاَ تَشْبَعُونَ مِنْ لَحْمِي ؟”:-

هنا بين أيوب أن الله يطارده أي يدينه وهذا من حقه أو من حق الله وحده لأنه يعرف ما هو مفيد للإنسان حتى إن عاقبه أو طارده كما لأيوب فبالتأكيد سيستفيد أيوب من عمل الله هذا فهذه قدرة الله الفائقة.
لكن لماذا هم أي أصحابه يدينوه مع أن هذا الحق لله فقط لأنه يعرف بدقة كل ما للإنسان أما هم فلماذا يتخطوا مستواهم كبشر ويصبحوا كأنهم كالله لهم معرفة مطلقة فيأذوا نفسيته وروحه لأن لحمه قد ذهب عنه.

  • ​” لَيْتَ كَلِمَاتِي الآنَ تُكْتَبُ. يَا لَيْتَهَا رُسِمَتْ فِي سِفْرٍ “:–

هنا يقول ياليت كل حديثي السابق لا يُحسب شيئا لأنني قدمت فيه دفاعا عن نفسي عن ما قاله أصدقائي، وكان شديد اللهجة لكن الآن قد عمل بي روح الله القدوس وأتكلم بما يوافقني وأشتهي الأبدية والقيامة وأكتب سفرا ينطق بعمل الله معي في تجربتي.

  • ​” وَنُقِرَتْ إِلَى الأَبَدِ فِي الصَّخْرِ بِقَلَمِ حَدِيدٍ وَبِرَصَاصٍ”:-

هنا يشير إلى كتابة سفر يكون إلى الأبد تذكار لعمل الله معه حيث يقتدي به الكثيرون وقد كان من خلال هذه الآية يمكن أن نعرف طرق الكتابة في العالم القديم ومنها :-
الكتابة على ألواح صخرية بقلم حديد ثم يصب مكان الحفر رصاص منصهر فتبقى مدة كبيرة.

  • وقد وجد كتاب من رصاص به نفس هذه الطريقة في عام ١٦٩٩م حيث اشترى Montfaucon في روما كتاب من رصاص وله مفصلات من رصاص ترجع إلى كتابات غنوسية مصرية مع نقوش يونانية.
  • كما وجدت في أثناء إجراء حفريات على منطقة الهيكل في مدينة كنيدس ١٨٥٨م ألواح رصاص تظهر فيها بعض النساء وقد كتبوا عليها أسماء أشخاص يكرهونهم مع أعمالهم الشريرة ووضعت هذه اللوحات في المتحف البريطاني.
  • كما كتب الله الوصايا العشر على لوحين لموسى النبي مرتين (خر٣١: ١٨؛ ٣٤: ٤، ٨).
  • كما أمر الله موسى بكتابة الشريعة على ألواح حجرية توضع على جبل عيبال (تث٢٧) وكان عددهم ٦١٣ لوحة.
    • ​” أما أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أن وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ “:-

يترجم الجزء الثاني من الآية “وأنا سأقوم في اليوم الأخير من الأرض”.
الولي : تعني الفادي الذي تجسد ومات مصلوبا وقام وسيأتي ليدين المسكونة بالعدل.
وكان الولي هو أقرب الأقرباء الذي يفك رهن أخيه سواء الميت أو الحي فهو يفدي نفسه من الضيقة والعوز هكذا فعل بنا ربنا يسوع أقامنا من حالة الفقر بواسطة الخطية إلى حالة البر بموته على الصليب وقيامته وأعطانا أن نتبرر بفدائه بواسطة المعمودية.
وأنه عندما سيجيء وليَّ الحي في المجيء الثاني (ربنا يسوع) مثلما هو رأس الكنيسة قام سأقوم أنا أيضا (أيوب) في اليوم الأخير.

  • ​” وَبَعْدَ أن يُفْنَى جِلْدِي هذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ “:-

هنا نبوة عن عمل ربنا يسوع وفداءه على الصليب إذ يؤمن أيوب أن جسده وجلده يفنى بواسطة الدود في القبر وتذهب روحه إلى الجحيم لكن عندما يأتي المخلص ويموت مصلوبا تنزل روحه الإنسانية المتحدة بلاهوته إلى الجحيم ويرى حينئذ الرب حيث يأخذ روحه إلى الفردوس تتنعم بشيء من المجد ورؤية الرب.
وهنا أيضا نبوة عن قيامة الروح، وإن كان في المجيء الثاني أيضا ستقوم الروح والجسد ليعطوا حسابا أمام الله.

  • ​” الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ. إِلَى ذلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي”:-

هنا يعبر عن تشوق نفس أيوب إلى الله الذي يراه ليس بعيني الجسد بل بعيني الروح والقلب فهو ملتهب حبا إلى ذلك اليوم الذي يلتقي فيه مع الرب حيث لا ضعف الجسد وأفكاره ولا مشاعر الجسد ولا خطية ولا شيء يستطيع أن يفصله عن الله محبوبه.
هكذا الذين يصلون بالروح فلا يقدر أن يفصلهم عن الصلاة أي شيء في العالم مهما كان لذلك قيل عن الصلاة هي موت عن العالم.

  • ​” فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: لِمَاذَا نُطَارِدُهُ؟ وَالْكَلاَمُ الأَصْلِيُّ يُوجَدُ عِنْدِي. خَافُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنَ السَّيْفِ، لأَنَّ الْغَيْظَ مِنْ آثَامِ السَّيْفِ. لِكَيْ تَعْلَمُوا مَا هُوَ الْقَضَاءُ “:-

حاول أيوب أن يوقظ مشاعر أصحابه بأن ما قالوه وفعلوه معه يقدمهم للدينونة لأن كلام أيوب هو ممسوح بروح الله فهم يقاوموا الله بعملهم.
وهو بهذا يتنبأ عن ربنا يسوع وعن مقاومة اليهود من رؤساء كهنة وكتبة وفريسيين له ودينونتهم التي حلت قبل ميعادها بحرق مدينتهم وهدم هيكلهم وحرقه بالنار سنة ٧٠ م.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment