تفسير سفر الملوك الأول – الأصحاح العشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر الملوك الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس” field=name]

 فى هذا الأصحاح :

(1) رسالة من ملك أرام إلى أخآب ورد أخآب عليه (ع1-4).
(2) رسالة ثانية من ملك أرام ورد أخآب عليها (ع5-9).
(3) رسالة ثالثة من ملك أرام ورد أخآب عليها (ع10، 11).
(4) استعداد ملك أرام لمحاربة إسرائيل (ع12).
(5) أحد الأنبياء يتحدث إلى أخآب (ع13، 14).
(6) خروج بنى إسرائيل للحرب وهزيمة الأراميين (ع15-21).
(7) النبى يتحدث ثانية إلى أخآب (ع22).
(8) استعداد الأراميين لحرب ثانية (ع23-27).
(9) النبى يتحدث ثالثة إلى أخآب (ع 28).
(10) الحرب الثانية وهزيمة الأراميين أيضاً (ع29-30).
(11) مشورة الأراميين على ملكهم بنهدد (ع31).
(12) تذلل بنهدد أمام أخآب وعفو أخآب عنه وإطلاقه حراً (ع32-34).
(13) توبيخ أحد الأنبياء لأخآب (ع35-42).
(14) ندم أخآب وحزنه (ع43).
1- وجمع بنهدد ملك أرام كل جيشه واثنين وثلاثين ملكاً معه وخيلاً ومركبات وصعد وحاصر السامرة وحاربها.
(1) شعب (أرام) هو الشعب السورى القديم، وامتدت أراضى الأراميين من جبال لبنان غرباً إلى ما بين نهرى الدجلة والفرات. والأراميون من نسل أرام بن سام، وقد أضيف اسم أرام إلى المنطقة التى كان يسكنها كل جماعة منهم. مثل أرام النهرين وأرام صوبة وأرام دمشق وأرام معكة وغيرها.
(2) أما (بنهدد) فكان اسماً شائعاً بين ملوك أرام، فكان هناك ملك باسم (بنهدد) عاصر آسا ملك يهوذا، وقد تحالف معه آسا ضد بعشا ملك إسرائيل كما مر ذلك فى (ص15: 18). و (بنهدد الثانى) المذكور هنا هو ابن بنهدد السابق، كما أن هناك ملكاً ثالثاُ باسم (بنهدد) عاصر يوآش ملك إسرائيل وانتصر عليه يوآش (2مل 13 : 25).
(3) وبنهدد الثانى الذى نحن بصدده أراد أن يثير الحرب ضد أخآب ملك إسرائيل ربما لكى يخضعه لسلطانه مثلما خضع الملوك الكثيرون، وربما طمعاً فى أخذ الجزية والكثير من خيرات إسرائيل من أخآب. ولكى يحقق غرضه :
( أ ) (جمع كل جيشه).
(ب) وجمع اثنين وثلاثين ملكاً ليحاربوا معه. وهم حكام الممالك الصغيرة التى كانت تحت نفوذه، وربما كان بعضهم مجرد أصدقاء له.
(ج) وجمع (خيلاً ومركبات) ليرعب بها الإسرائيليين.
(د ) ثم (حاصر السامرة) عاصمة إسرائيل (وحاربها) أى شرع فى ضربها فعلاً.
2 – وأرسل رسلاً إلى أخآب ملك إسرائيل إلى المدينة وقال له هكذا يقول بنهدد.3 – لى فضتك وذهبك ولى نساؤك وبنوك الحسان.
أرسل بنهدد رسالته الأولى إلى أخآب وقال له فيها : إن فضتك وذهبك، ونساءك وأحسن بنيك، كلها ملك لى، ويجب أن تسلم الجميع إلىَّ.
4 – فأجاب ملك إسرائيل وقال حسب قولك يا سيدى الملك. أنا وجميع مالى لك.
كان أخآب ملك إسرائيل خائفاً، وأرسل رداً لطيفاً متواضعاً مع رسل بنهدد قال فيها إن كل ما قلته يا سيدى نافذ المفعول، وأنا وكل ما أملك ملك لك.
وقد أراد أخآب بهذا الرد أن يلاطف بنهدد ويصرف غضبه، وظن أنه بهذا الرد الهادئ يجعل بنهدد يخفف من كبريائه وغطرسته ويعدل عن مطالبه الشاذة.
5 – فرجع الرسل وقالوا هكذا تكلم بنهدد قائلاً إنى قد أرسلت إليك قائلاً إن فضتك وذهبك ونساءك وبنيك تعطينى إياهم. 6 – فإنى فى نحو هذا الوقت غداً أرسل عبيدى إليك فيفتشون بيتك وبيوت عبيدك وكل ما هو شهى فى عينيك يضعونه فى أيديهم ويأخذونه.
(1) رأى بنهدد أن رد أخآب كان مجرد ملاطفة وتهدئة للموقف، فزاد غضباً وغلظة وأرسل رسالته الثانية إلى أخآب قال فيها إنه أرسل إليه لكى يسلمه جميع ثروته من الذهب والفضة بالإضافة إلى نسائه وبنيه. وتسليم النساء والبنين من أمر الأشياء على النفس ومن مظاهر الخضوع والذلة، وقصد بنهدد من طلبة هذا إذلال أخآب وامتهان كرامته وكرامة شعبه.
(2) وأضاف بنهدد فى رسالته أنه مع ذلك سيرسل رجاله فى اليوم التالى فى نفس الميعاد ليفتشوا بيت أخآب وبيوت جميع رجاله، وعندئذ يضعون أيديهم على كل ما هو شهى وثمين فى أعينهم ويأخذونه رغم أنفه ورغم رجال إسرائيل ويأتون به إلى ملكهم بنهدد.
(3) كان هذا التصريح بأنه سيرسل رجاله لتفتيش بيت الملك وبيوت جميع الشعب ليستولوا على كل ما يرونه حسناً، كان من أشر الأمور والاعتداءات والإذلال.
7 – فدعا ملك إسرائيل جميع شيوخ الأرض وقال أعلموا وانظروا أن هذا يطلب الشر لأنه أرسل إلىّ بطلب نسائى وبنىّ وفضتى وذهبى ولم أمنعها عنه.
(1) كان (أخآب) حكيماً فى هذا الموقف لأنه لم يستأثر بالرأى وحده، بل دعا شيوخه ورؤساء شعبه من أنحاء الأرض، وربما كانوا مجتمعين فى السامرة حول الملك فى هذا الظرف العصيب. ولما دعاهم الملك عرض عليهم الأمر وقال لهم :
( أ ) “اعلموا وانظروا ” : أى اعرفوا حقيقة الموقف وفكروا فيه وابدوا رأيكم.
(ب) (أن هذا الرجل بنهدد يطلب شراً)، أى يريد أن يخلق وسيلة للدخول فى الحرب بينه وبيننا.
(ج) فقد عرض علىّ أن أسلمه مالى ونسائى وأولادى، فقبلت ومع ذلك يريد أن يفتش عبيده بيتى وبيوتكم جميعاً وبيوت كل الشعب ليأخذوا كل ما يريدون ويعيثوا الفساد مثلما يريدون.
(2) جميل بالملوك والحكام والرؤساء والرعاة أن يوقفوا رعاياهم على حقيقة كل أمر ويستشيروهم، حتى يكون الأمر مشتركاً والرأى ناضجاً.
8 – فقال له كل الشيوخ وكل الشعب لا تسمع له ولا تقبل.
أظهر الشيوخ ورؤساء الشعب وطنية صادقة وغيرة على شعبهم وعلى شرف أمتهم ومكانتها، فأشاروا على الملك أخآب ألا يسمع لتهديدات بنهدد ولا يقبل العروض المهينة التى يعرضها عليه، ومعنى ذلك أنهم يفضلون أن يدخل أخآب فى الحرب معه إذا اقتضى الأمر وأنهم مستعدون أن يدخلوا الحرب مع ملكهم وأن يضحوا بكل شئ حتى بأرواحهم دفاعاً عن حريتهم وكرامتهم.
9 – فقال لرسل بنهدد. قولوا لسيدى الملك إن كل ما أرسلت فيه إلى عبدك أولاً افعله. وأما هذا الأمر فلا أستطيع أن أفعله. فرجع الرسل وردوا عليه الجواب.
كانت الروح المعنوية لشيوخ إسرائيل ورؤسائه مشجعة لأخآب فأرسل إلى بنهدد رسالة أعلن فيها أولاً احترامه لبنهدد حيث دعاه “سيدى الملك” ثم أحاطه علماً :
( أ ) بأنه مستعد أن يفعل كل ما طلبه منه بنهدد أولاً أى فى رسالته الأولى حيث طلب فضته وذهبه ونساءه وبنيه لأن هذه ملكه ويستطيع أن يتصرف فيها.
(ب) “وأما هذا الأمر” أى ما يطلبه بنهدد فى رسالته الثانية بشأن تفتيش جميع البيوت وأخذ أموال ونساء وأولاد الشعب فلا يستطيع أن يفعله، لأنه لا يملك حرية التصرف إلا فى ملكه الخاص وليس فيما هو ملك للآخرين.
كان هذا شجاعة من أخآب، ودفاعاً عن حقوق شعبه، وتمسكه بحريتهم، ويعتبر رده نقطة حسنة فى حياته.
(ج) عاد رسل بنهدد إلى وطنهم وأبلغوه كلام أخآب.
10 – فأرسل إليه بنهدد وقال هكذا تفعل بى الآلهة وهكذا تزيدنى إن كان تراب السامرة يكفى قبضات لكل الشعب الذى يتبعنى.
لم يكن هذا الملك المتغطرس بنهدد يتوقع أن أخآب أو غيره من الملوك يعارضه فى أمر أو يمنع عنه شيئاً يطلبه مهما انطوى طلبه على التعسف، فلما أبلغه رسله بكلام أخآب استشاط غضباً، وأرسل إليه رسالته الثالثة وفيها يقسم بآلهته، ويدعو بأن تنتقم منه وتعاقبه إن كان لا يهاجم السامرة بجيوشه الجرارة ويدمرها تدميراً كاملاً.
“إن كان تراب السامرة يكفى قبضات لكل الشعب الذى يتبعه” : هذا القول كناية عن العدد الهائل من الجنود الذين يهجم به على السامرة وعن أعمال التخريب التى سيعملونها.
والمعنى إننى سأدمر السامرة تدميراً كاملاً بجيش لا يعد من الكثرة، حتى إنه لو أخذ كل واحد من جنودى قبضة (حفنة) واحدة من تراب المدينة وأنقاضها لما كان ترابها كافياً لهذا العدد الضخم من جنودى.
“الشعب الذى يتبعنى” : يقصد به جيشه الذى يحارب به السامرة.
11 – فأجاب ملك إسرائيل وقال قولوا. لا يفتخرن من يشد كمن يحل.
إن الأزمات كثيراً ما تظهر المواهب الكامنة فى الإنسان، وقد تكسبه حكمة وفطنة قد لا تظهران فيه فى أوقات السعة والرخاء. والشدة التى كان فيها أخآب جعلته ينطق بهذه الحكمة الفائقة التى تعتبر ذخيرة طيبة للأجيال، وقد لقنها لرسل بنهدد وطلب منهم أن يبلغوها إليه. وهذه الحكمة هى :
“لا يفتخرن من يشد كمن يحل” : و “من يشد” هنا هو من يشد منطقته على وسطه ويرتدى ثيابه الحربية أو غيرها استعداداً لعمل شاق أو سفر طويل أو للحرب خصوصاً، وكذلك من يشد العدة على الحصان ليسرجه ويشد العدة على المركبة, أما (كمن يحل) فهو الذى يحل (يفك) منطقته ويخلعها بعد الانتهاء من الحرب وكذلك من يخلع العدة عن الخيل والمركبات.
ويقصد أخآب من قوله ألا يفتخر بنهدد بنتيجة الحرب قبل أن يخوض الحرب ويقف على نتيجتها. فليس العبرة فى أن يفتخر الإنسان بمستقبل غامض ومجهول لأن الله وحده هو الذى يعلم المستقبل.
وكثيرون من الناس فى أحلامهم وأمانيهم يبنون آمالاً واسعة على نجاح أو فوز ينتظرونه فى المستقبل القريب أو البعيد وقد يتحقق لهم هذا النجاح أو قد تقف حوائل غير منتظرة دونه. وحسن بالمؤمن أن يبدأ عمله متفائلاً وأن يسير فيه مؤمناً ومجتهداً ومثابراً ويترك النتيجة لتدبير الله ومشيئته.
وسليمان الحكيم يعالج هذا الأمر فيقول “لا تفتخر بالغد لأنك لا تعلم ماذا يلده لك اليوم” (أم27: 1). والقديس يعقوب يوبخ الذين يبنون آمالهم على أفكارهم ولا يسلمون أمرهم لمشيئة الله فى قوله : “هلم الآن أيها القائلون نذهب اليوم أو غداً إلى هذه المدينة أو تلك وهناك نصرف سنة واحدة ونتجر ونربح. أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد لأنه ما هى حياتكم؟ إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. عوض أن تقولوا إن شاء الرب وعشنا نفعل هذا أو ذاك. وأما الآن فإنكم تفتخرون فى تعظمكم. كل افتخار مثل هذا ردئ”           (يع4: 13-16).
12 – فلما سمع هذا الكلام وهو يشرب مع الملوك فى الخيام قال لعبيده اصطفوا. فاصطفوا على المدينة.
(1) وافى الرسل إلى بنهدد وهو فى المعسكر يشرب الخمر مع حلفائه من الملوك، ولما ابلغوه قول أخآب، استشاط غضباً، لأنه كان فى غروره وكبريائه يظن أن انتصاره أمر محقق ولم يدر أن لله وحده تدبير الأمور وتصريفها.
(2) وفى ثورة غضبه الجنونية أمر جميع جنوده أن يصطفوا استعداداً للحرب، فاصطف الجنود، وحاصروا مدينة السامرة.
13 – وإذا بنبى تقدم إلى أخآب ملك إسرائيل وقال هكذا قال الرب. هل رأيت كل هذا الجمهور العظيم. هأنذا أدفعه ليدك اليوم فتعلم أنى أنا الرب.
بالرغم من شرور أخآب وخطاياه فإن الرب أراد أن يساعده فى حروبه ليعطيه فرصة للإيمان به وللتوبة عن خطاياه، فأرسل إليه نبياً لم يذكر الوحى اسمه، وأعلمه النبى أن الرب سينصره على الجيش العظيم الذى لأرام والمحيط بعاصمته السامرة، لكى يعلم أخآب أن الرب هو الله وحده وليس البعل والآلهة الكاذبة التى كان يعبدها مجاراة لزوجته إيزابل.
14 – فقال أخآب بمن. فقال هكذا قال الرب بغلمان رؤساء المقاطعات. فقال من يبتدئ بالحرب فقال أنت.
كان مجئ نبى من أنبياء العلى أمراً مفاجئاً لأخآب وأمراً لم يتوقعه لأن زوجته الشريرة كانت قد قتلت معظم الأنبياء (ص18), وكان تصريح النبى بأن الرب سينصره أمراً مفاجئاً أكثر. وكان حسناً منه أنه آمن بوعد الله وصدق قوله نبيه، وفى لهفة سأل النبى سؤالين، وأجابه النبى عليهما ليس من نفسه بل بحسب ما أوحى الرب إليه :
(أولاً) سأل أخآب أولاً : “بمن؟ ” أى بمن أحارب ليدفع الرب جيوش بنهدد إلى يديه؟
فأجابه النبى : “بغلمان رؤساء المقاطعات” أى بعبيد رؤساء الأقسام الإدارية (المحافظات) للمملكة. وكان كل رئيس بمثابة محافظ ووكيل للملك. والرب لم يشأ أن يكون النصر على أيدى الرؤساء الأقوياء المدربين على الحرب بل على أيدى (غلمانهم) أى خدامهم وعبيدهم الغير المدربين. والرب يعمل فى الضعفاء والفقراء والذين لا يعتبرون شيئاً فى نظر الناس لكى يتمجد قوته، وهو يعمل دائماً فى ضعفنا وعجزنا فيحولها إلى قوة “تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل” ( 2كو12: 9).
(ثانياً) وكان السؤال الثانى الذى سأله أخآب : (من يبتدئ بالحرب؟) أى من يبدأ بالحرب، أنا أم أنتظر حتى يبدأ أرام؟ ومن يتقدم جيشى ليكون فى أول الصفوف؟
وأجابه النبى : “أنت”
( أ ) عليه أن يبدأ بالهجوم لأن الأراميين هم المعتدون وقد اصطفوا حول المدينة ليضربوها.
(ب) وعليه أيضاً أن يكون فى مقدمة الصفوف ليكون أول المحاربين، وأول من يوجه ضربة إلى العدو، لأن القائد المثالى لا يجعل جنوده فى مواطن الخطر ويقف هو بعيداً، بل يسير أمام جنوده ويتقدمهم ليكون مثلاً لهم فى الشجاعة والإقدام والتضحية والبذل.
 
 
 
15 – فعد غلمان رؤساء المقاطعات فبلغوا مائتين واثنين وثلاثين. وعد بعدهم كل الشعب كل بنى إسرائيل سبعة آلاف.
خرج أخآب للحرب بجيش صغير جداً تكون من “غلمان رؤساء المقاطعات” وكان عددهم مائتين واثنين وثلاثين، ومن “كل الشعب” ويقصد بهم الصالحين للجندية وكان عددهم سبعة آلاف وهم الذين استطاع أن يجمعهم فى ذلك الوقت الضيق لكى ينفذ أمر الرب. ولكن ما هذا العدد القليل إزاء الجيوش الجرارة التى لملك أرام وللاثنين والثلاثين ملكاً المحالفين له؟ إن الرب لا يهمه وفرة العدد لأنه رجل الحرب (إش42: 13)         و(القاهر فى الحروب) (مز24: 8) و(أن يخلص بالقليل).(قض7).
16 – وخرجوا عند الظهر وبنهدد يشرب ويسكر فى الخيام هو والملوك الاثنان والثلاثون الذين ساعدوه.
خرج أخآب بجنوده فى وقت الظهر، ومن العجيب أن بنهدد هو وحلفاؤه كانوا فى الخيام لا يزالون فى شربهم وسكرهم ولهوهم فى هذا الوقت من النهار، بينما كانت جيوشهم مصطفة للقتال (ع1), عرضوا رعيتهم للموت، بينما ظلوا هم فى خيامهم يشربون ويسكرون، (ويل لك أيتها الأرض إذا كان ملكك ولدا ورؤساؤك يأكلون فى الصباح) (جا10: 16), والمقصود (بأكلهم فى الصباح هنا) انهماكهم فى الأكل والسكر فى الوقت الذى يجب أن يجعلوه وقتاً للعمل والجهاد.
17 – فخرج غلمان رؤساء المقاطعات أولاً. وأرسل بنهدد. فأخبروه قائلين قد خرج رجال من السامرة.
(1) ابتدأ أخآب برسم خططه الحربية وينفذها، فأرسل أولاً غلمان رؤساء المقاطعات لحكمة استطلاعية، ولكى يستفز بهم أيضاً بنهدد وحلفاءه ليبدأوا الحرب.
(2) أبلغ المراقبون بنهدد بأن هناك جماعة من الجنود الإسرائيليين قد خرجت من السامرة ودخلت الميدان.
18 – فقال إن كانوا قد خرجوا للسلام فامسكوهم أحياء وإن كانوا قد خرجوا للقتال فامسكوهم أحياء.
أخذ بنهدد الغرور فأمر رجاله أن يمسكوا رجال إسرائيل الذين خرجوا من السامرة سواء أكان خروجهم للمفاوضة لأجل الصلح والسلام أم للحرب.
وربما كان قصده من القبض عليهم أن يحتفظ بهم كأسرى يعبر بهم ملك إسرائيل، أو لكى يعذبهم ويقتلهم ويشهر بأجسادهم لكى يرعب بعمله بنى إسرائيل ويخيفهم.
19 – فخرج غلمان رؤساء المقاطعات هؤلاء من المدينة هم والجيش الذى وراءهم.
كانت خطة أخآب أن يخرج غلمان رؤساء المقاطعات ليراهم الأراميون جماعة قليلة أولاً، ثم يخرج وراءهم باقى الجيش المكون من سبعة آلاف رجل.
20 – وضرب كل رجل رجله فهرب الأراميون. وطاردهم إسرائيل. ونجا بنهدد ملك أرام على فرس مع الفرسان. 21 – وخرج ملك إسرائيل فضرب الخيل والمركبات وضرب أرام ضربة عظيمة.
(1) عظَّم الرب عمله مع العدد القليل من بنى إسرائيل فاستطاع كل واحد منهم أن يقتل رجلاً وربما من الأراميين، ولما رأى الأراميون رفقاءهم يسقطون قتلى خافوا لأن الرب ألقى الرعب فى قلوبهم، فهربوا لحياتهم، وتبعهم بنو إسرائيل ليقاتلوهم أيضاً.
(2) و (بنهدد) المغرور نفسه نزل من مركبته الحربية وركب جواداً ليسهل عليه الهرب والاختفاء من وجه المطاردين.
(3) وتحمس (أخآب) واشترك أيضاً فى مطاردة الأعداء وضرب خيلهم ومركباتهم وهزم الأراميين هزيمة كبيرة جداً.
22 – فتقدم النبى إلى ملك إسرائيل وقال له اذهب تشدد واعلم وانظر ما تفعل لأنه عند تمام السنة يصعد عليك ملك أرام.
عاد النبى وكلم أخآب مرة ثانية وطلب منه قائلاً : “اذهب” لمواصلة عملك واستعدادك، “تشدد” ولا تتوان أو تتراخ، و “اعلم” أى اعرف الظروف المحيطة بك ولا تنسيك حلاوة الانتصار الأخطار المحيطة بك، و “انظر ماذا تفعل” أى تدبر فى أمرك، ولماذا كل هذا الحرص؟ لأن ملك أرام لن يكف عن محاربته، وإنما يستعد لحرب ثانية فى العام القادم.
إن ملك أرام يشبه الشيطان، قد ينتصر المؤمن عليه، ولكن الشيطان لن يكف عن محاربته، بل يشن عليه حروبه مرة ثانية وثالثة ومراراً كثيرة، والمؤمن الحكيم هو الذى يسهر دائماً وينتبه لذاته حتى لا يسقط فريسة لعدو الخير.
23 – وأما عبيد ملك أرام فقالوا له إن آلهتهم آلهة جبال لذلك قووا علينا. ولكن إذ حاربناهم فى السهل فإننا نقوى عليهم.
بالرغم من أن حكم الملوك قديماً كان حكماً مطلقاً، ولكنهم كانوا يستشيرون مشيريهم ويقبلون مشورتهم أحياناً، وقد شرع مشيرو ملك أرام فى تقديم مشورتهم، وبالنسبة لجهلهم الروحى بسبب وثنيتهم ظنوا أن إسرائيل يعبدون عدة آلهة مثلهم، وقالوا إن آلهة بنى إسرائيل “آلهة جبال” تستطيع أن تعمل فى الجبال فقط، ولذلك لما حاربوهم فى الأراضى الجبلية انتصر بنو إسرائيل، ولو أن الأراميين عادوا وحاربوهم فى الأراضى المنخفضة مثل السهول والوديان لعجزت آلهة إسرائيل عن مساعدة شعبهم وعندئذ يكون النصر لأرام.
إن الوثنية تعمى بصائر الوثنيين لأنهم يظنون أن الله محدود ويستطيع أن يعمل فى مكان دون مكان مع أن الله حاضر فى كل مكان، ويعمل فى السموات والأرض، “للرب الأرض وملؤها” (مز24: 1).
24 – وافعل هذا الأمر. اعزل الملوك كل واحد من مكانه وضع قواداً مكانهم.25 – وأحصِ لنفسك جيشاً كالجيش الذى سقط منك فرساً بفرس ومركبة بمركبة فنحاربهم فى السهل ونقوى عليهم فسمع لقولهم وفعل كذلك.
(1) ثم قدم المشيرون مشورتهم وتضمن :
( أ ) أن يعزل الملوك حلفاءه من قيادة جيوشهم ويعين بدلهم قواداً، ذلك لأن الملوك غير مدربين على الأعمال الحربية، وكثيراً ما يكون معتادين على حياة اللهو والكسل بينما القواد مدربون ويمكن الاعتماد عليهم. ولقد كانت المشورة حكيمة لأنه من اللائق أن نضع فى كل عمل الشخص المخصص له والمدرب عليه.
(ب) وأشاروا ثانية أن يجمع بنهدد لنفسه جيشاً مساوياً للجيش الأول فى عدده وعداده الحربية سواء من ناحية الخيل أو المركبات أو غيرها.
(ج) وأن يحاربوهم فى السهول لا فى الجبال لكى يضمنوا الانتصار عليهم.
(2) عمل بنهدد بمشورتهم وعزم على تكوين الجيش من جديد استعداداً للحرب.
26 – وعند تمام السنة عد بنهدد الأراميين وصعد إلى أفيق ليحارب إسرائيل.
تحقق قول النبى الذى قاله لأخآب (ع22), لأنه بعد سنة من الحرب الأولى جمع بنهدد جيشاً مساوياً لجيشه الأول، وخرج بجيشه ليحارب بنى إسرائيل فى (أفيق) وقد بدأ حربه فى الربيع لأنه كان الفصل الملائم للحرب.
وتوجد عدة مدن باسم أفيق، والمدينة المذكورة هنا تقع فى الأردن على بعد نحو أربعة كيلو مترات تقريباً من بحر الجليل واسمها اليوم (أفيق) أو (فيق).
27 – وأحصى بنو إسرائيل وتزودوا وساروا للقائهم فنزل بنو إسرائيل مقابلهم نظير قطيعين صغيرين من المعزى. وأما الأراميون فملأوا الأرض.
أحصى بنو إسرائيل أيضاً جنودهم، و ” تزودوا ” أى أخذوا ما يلزمهم من الطعام والذخيرة، ونزلوا الميدان مقسمين أنفسهم إلى فريقين كما فعلوا فى الحرب الأولى، فريق من غلمان رؤساء المقاطعات، وفريق من رجال الجيش (ع19), وقد كان عددهم ضئيلاً جداً بجانب الجيش العرمرم والفرسان والمركبات الكثيرة التى كانت للأراميين، وقد شبه الكتاب فريقى بنى إسرائيل لقلة عددهم وضعفهم بقطيعين صغيرين من المعزى. ولكن فى هذا العدد الضئيل تمجد الرب لأنه أعطاهم نصراً كاملاً على أعدائهم الذين لوفرتهم كانوا يملأون الأرض.
28 – فتقدم رجل الله وكلم ملك إسرائيل وقال. هكذا قال الرب. من أجل أن الأراميين قالوا إن الرب إنما هو إله جبال وليس هو إله أودية أدفع كل هذا الجمهور العظيم ليدك فتعلمون أنى أنا الرب.
أرسل الله نبيه للمرة الثالثة إلى ملك إسرائيل، لكى يبلغهم كلمة الرب وفيها بين الرب تعامله مع كل من الأراميين وبنى إسرائيل:
( أ ) فقد تحدى الأراميين الذين لجهلهم ظنوا أن الرب إله جبال وليس إله أودية (ع23).
(ب) وفى نفس الوقت أعلن لأخآب ملك إسرائيل أنه تبارك اسمه سيكسر كل جيوش الأراميين ويدفعهم إلى أيدى بنى إسرائيل. وأراد الرب بذلك أن يعالج بعد شعبه عن الرب ويجعلهم يوقنون أن الرب وحده هو الإله الحقيقى أما الآلهة الغريبة التى ساروا وراءها فكلها آلهة كاذبة.
 
 
29 – فنزل هؤلاء مقابل أولئك سبعة أيام. وفى اليوم السابع اشتبكت الحرب. فضرب بنو إسرائيل من الأراميين مائة ألف راجل فى يوم واحد. 30 – وهرب الباقون إلى أفيق إلى المدينة وسقط السور على السبعة والعشرين ألف رجل الباقين. وهرب بنهدد ودخل المدينة من مخدع إلى مخدع.
كان الجيشان مقابل بعضهما، واستمرا بدون حرب “سبعة أيام” وقصد بها هنا ستة أيام كاملة وجزء من اليوم السابع، لأن الجزء من اليوم كان يعتبر يوماً كاملاً.
وفى اليوم السابع قامت الحرب، وعظم الرب عمله جداً مع شعبه لأنه :
( أ ) فى يوم واحد قتل بنو إسرائيل من الأراميين “مائة ألف راجل” (والراجل هو الجندى من المشاة ).
(ب) بينما هرب الباقون وعددهم سبعة وعشرون ألفاً إلى مدينة (أفيق) (ع30),    وعمل الرب معجزة عظيمة إذ أسقط سور المدينة عليهم إما بزلزال أو بطريقة دبرها بحكمته، فماتوا جميعاً. وكما سقط سور أريحا بعد دوران بنى إسرائيل سبعة أيام (يش6)   سقط سور أفيق بعد انتصارهم فى الميدان سبعة أيام.
(ج) و (بنهدد) ملك أرام نفسه دخل إلى مدينة أفيق هارباً، ولشدة ذعره وخوفه كان يدخل من بيت إلى بيت ويختبئ فى المخادع (الحجرات الداخلية) حتى يكون فى مأمن من أن يقبض عليه بنو إسرائيل.
31 – فقال له عبيده. إننا قد سمعنا أن ملوك بيت إسرائيل هم ملوك حليمون فلنضع مسوحاً على أحقائنا وحبالاً على رؤوسنا ونخرج إلى ملك إسرائيل لعله يحيى نفسك.
عاد مشيرو بنهدد يقدمون إليه مشورتهم، وقد قالوا له إن ملوك إسرائيل معروفون بالحلم والوداعة والتسامح، ولعلهم ذكروا وقتئذ شـاول الذى صفح عن أجاج ملك عماليق (1صم15), وحلم داود ونقاوة قلبه فى تعامله مع شاول وأبشالوم وشمعى بن جيرا وغير ذلك من الأمثلة.
وأشار المشيرون بأن يذهبوا لمقابلة أخآب واستعطافه نيابة عن ملكهم بنهدد وعن شعبهم لابسين “مسوحاً ” على أحقائهم. والمسوح هى الملابس الرخيصة الخشنة التى كان الناس يلبسونها فى أزمنة الحزن والذل، وجاعلين “حبالاً ” حول رقابهم ورؤوسهم كعلامة لتسليم أنفسهم كعبيد وأسرى لملك إسرائيل لأن الملوك المنتصرين قديماً كانوا أحياناً يضعون الحبال حول أعناق أسراهم ويجرونهم كالحيوانات.
“لعله يحيى نفسك”، لعله إذا رآنا فى خضوعنا وتذللنا يعفو عنك وعنا جميعاً ولا يطلب قتلنا.
32 – فشدوا مسوحاً على أحقائهم وحبالاً على رؤوسهم وأتوا إلى ملك إسرائيل. وقالوا يقول عبدك بنهدد لتحى نفسى. فقال أهو حى بعد. هو أخى.
(1) وافق بنهدد على مشورتهم، وجاءوا إلى أخآب واضعين المسوح والحبال على أجسادهم ورؤوسهم، وأبلغوه طلبة بنهدد التى يتوسل فيها إليه أن يصفح عنه ولا يقتله.
(2) واستجاب أخآب إلى طلبتهم حالاً، وسأل (هل هو حى بعد؟) لأنه ظن أنه مات مع عشرات الألوف الذين ماتوا من جيشه، ثم قال معبراً عن إخائه له بقوله (هو أخى) باعتباره ملكا مثله، وفى مملكة مجاورة لمملكته، وسنرى توضيحاً لهذا فى شرح (ع34).
33 – فتفاءل الرجال وأسرعوا ولَجُّوا هل هو منه. وقالوا أخوك بنهدد. فقال ادخلوا خذوه فخرج إليه بنهدد فأصعده إلى المركبة.
(1) كان رجال بنهدد ينتظرون بقلق ما يسمعونه من أخآب، فلما سمعوا قوله الرقيق (تفاءلوا) أى استبشروا وانتظروا الخير، وأسرعوا وتلقفوا قوله (هو أخى) من فمه وأرادوا بسياستهم أن يجعلوه حجة عليه، فقالوا “أخوك بنهدد” وهى عبارة موجزة كانوا يعنون بها: (نعم إن بنهدد أخوك حقيقة) أو (إن أخاك بنهدد رهن إشارتك وينتظر ما تأمر به من جهته)، وقد قالوا عبارتهم واثقين أن أخآب لن يستطيع أن يرجع عن قوله لأنه ملك، وكلام الملوك لا يرد.
(2) “فأسرعوا ولَجُّوا هل هو منه” المقصود بقوله “لجُّوا” هنا إنهم لم يشاءوا أن يسكتوا بل ألحوا على أخآب بكلامهم، لكى يتحققوا إن كان قوله (هو أخى)صاروا منه بإخلاص وعن يقين أم لا.
(3) لم يتراجع أخآب عن قوله فأمرهم أن يدخلوا إلى المكان الذى كان ملكهم منتظراً فيه ويأتوا به إلى أخآب.
(4) ولما جاء إليه بنهدد، أحسن استقباله، ومعاملته، وطلب إليه أن يصعد ويجلس إلى جانبه فى مركبته الخاصة.
34 – وقال له. إنى أرد المدن التى أخذها أبى من أبيك وتجعل لنفسك أسواقاً فى دمشق كما جعل أبى فى السامرة.فقال وأنا أطلقك بهذا العهد. فقطع له عهداً وأطلقه.
(1) ابتدأ بنهدد يقدم تعهدات إلى أخآب لكى يغريه على إطلاق صراحه وهذه التعهدات هى:
( أ ) أن يرد إليه المدن التى كان أبوه قد أخذها من أراضى إسرائيل، وقد كان أبوه يدعى بنهدد أيضاً (ص15: 18), ويظهر أنه فى اعتداءاته المتوالية أخذ بعض المدن فى أيام عمرى أبى أخآب.
(ب) وأن يسمح للتجار الإسرائيليين أن يقيموا أسواقاً دائمة فى دمشق عاصمة سوريا (أرام) وأن تكون لهم أحياء خاصة بالمدينة يسكنون فيها، وكان أبوه قد أقام مثل هذه الأسواق فى السامرة عاصمة إسرائيل ليروج تجارة أرام.
(2) وسر أخآب بهذه العروض المغرية وافق على أن يطلقه حراً ليرجع إلى ملكه على أن يفى بهذه التعهدات وقطع الملكان عهداً على ذلك وأطلقه حراً.
(3) ونرى من هنا أن أخآب عفا عن الملك الوثنى :
( أ ) لأجل النفع المادى والجغرافى الذى توقعه.
(ب) وإشباعاُ لحبه للعظمة والسلطة لأنه طمع أن ملكاً عظيماً مثل بنهدد سيكون تحت نفوذه هو وشعبه.
(ج) ولعله كان يرمى إلى غرض سياسى آخر هو أن يحتفظ بسوريا كمملكة قوية ولا يعمل على تحطيمها لأنها تجاور إسرائيل من الشمال الشرقى لكى تكون حليفة له لا سيما ضد أشور إذا فكرت فى الاعتداء على بلاد إسرائيل لأن أشور كانت قد ازدهرت جداً فى ذلك العهد واعتدت على أراضٍ وممالك متعددة وبسطت نفوذها عليها.
(4) على أن آمال أخآب خابت تقريباً لأننا نقرأ بعد قليل أن بنهدد لما تقوى عاد وحارب ولقى أخآب مصرعه فى هذه الحروب (ص 22).
35 – وإن رجلاً من بنى الأنبياء قال لصاحبه عن أمر الرب اضربنى فأبى الرجل أن يضربه. 36 – فقال له من أجل أنك لم تسمع لقول الرب فحينما تذهب من عندى يقتلك أسد. ولما ذهب من عنده لقيه أسد وقتله.
(1) كان الرب أحياناً يضرب أمثالاً بطرق متنوعة لإعلان مقاصده وتعاليمه وقد أمر أحد بنى الأنبياء القيام بدور تمثيلى لتوبيخ أخآب. وبنو الأنبياء هم تلاميذهم، وربما كان هذا الرجل من تلاميذ إيليا أو غيره أو من المائة الذين خبأهم من إيزابل (ص18).
(2) أمر الرب النبى الشاب أن يكلف أحد الرجال بضربه بالسيف ضربة تحدث به جرحاً ولكنها لا تميته. وطلب النبى من أحدهم أن يفعل هذا، فرفض أن يضربه ربما خوفاً من عقاب القضاء أو لأن ضميره لم يسمح له بذلك.
(3) ولكن النبى أعلن له أن عدم ضربه إياه مخالفة لأمر الله وتحد لمقاصده الحكيمة، وأنذره بأنه بمجرد انطلاقه من عنده سيقتله أسد وكان كذلك إن أسداً لاقاه وقتله، وكان هذا الحادث مماثلاً لحادث رجل الله الذى خالف أمر الرب فى أيام يربعام بن نباط (ص13).
(4) إن الرب يأمر بإطاعة كلمته والخضوع لأوامره حتى إن بدت غريبة أو عالية على إدراكنا. والرب قد يسخر قوى الطبيعة أو حتى الوحوش فى الانتقام من مخالفته، وخدمة محبيه.
37 – ثم صادف رجلاً آخر فقال اضربنى. فضربه الرجل ضربة فجرحه.
طلب النبى من رجل آخر أن يضربه، فضربه وأحدث به جرحاً.
38 – فذهب النبى وانتظر الملك على الطريق وتنكر بعصابة على عينيه. 39 – ولما عبر الملك نادى الملك وقال خرج عبدك إلى وسط القتال وإذا برجل مال وأتى إلىَّ برجل وقال احفظ هذا الرجل. وإن فقد تكون نفسك بدل نفسه أو تدفع وزنة من الفضة. 40 – وفيما عبدك مشتغل هنا وهناك إذا هو مفقود. فقال له ملك إسرائيل هكذا حكمك. أنت قضيت.
استوقف النبى الملك أخآب وهو عائد فى طريقه بعد توديعه ملك أرام، وكان النبى واضعاً عصابة (رباطاً)حول رأسه كأنه جندى جريح فى جبهته فى الحرب، وقص على الملك القصة التمثيلية التى لقنه الرب إياها، فقال له إنه كان فى ميدان القتال فجاء إليه رجل من القواد أو الرؤساء وسلمه رجلاً كان معه ليحفظه فى عهدته وفى الغالب كان أحد الأسرى، وأنذره إذا هو فقده أن يأخذ نفسه بدل نفس الأسير بمعنى أن يقتله أو يجعله عبداً له، أو يغرمه بوزنة من الفضة (والوزنة ثلاثة آلاف شاقل والشاقل نحو خمسة عشر جراماً تقريباً فتكون الغرامة نحو خمسة وأربعين كيلو جراماً).
(2) سمع الملك القصة وقال له : “هكذا حكمك” أى إنك تستحق أن تُقتل أو تدفع الغرامة، “أنت قضيت” وقد حكمت على نفسك بهذا فى قصتك التى سردتها.
(3) من الواجب على الراعى أن كل راع أو والد أو حاكم وكل من فى عهدته أنفس ليرعاها أو عمل ليتعهده، يجب أن يكون يقظاً وحريصاً حتى لا يفقد شيئاً مما معه.
41 – فبادر ورفع العصابة عن عينيه فعرفه ملك إسرائيل أنه من الأنبياء.
يظهر أن الأنبياء كانوا يجعلون علامة على جباههم، ربما بكتابة حرف الياء أول حروف (يهوه) أو حرف النون أول حروف (نبى) أو غير ذلك، ولما رفع النبى العصابة عن جبهته عرف أخآب أنه أحد الأنبياء.
42 – فقال له هكذا قال الرب لأنك أفلت من يدك رجلاً قد حرمته تكون نفسك بدل نفسه وشعبك بدل شعبه.
(1) كان الرب قد أعلن لأخآب أن بنهدد وشعبه يستحقون التحريم (القتل) مثل الشعوب الكنعانية المحرمة، لأن الأراميين وملكهم كانوا قد أسرفوا جداً فى عبادة الأوثان وفى المفاسد وأغاظوا الرب بأفعالهم الدنسة، كما كانوا يشكلون خطراً روحياً وسياسياً على شعبه وكانوا فى حروب مستمرة معهم. وقد جعل الرب ملكهم يقع فى يد أخآب، ولكن أخآب لجهالته وغروره بالأبهة أطلق صراحه، وبذلك أنذره الرب أن حياته ستؤخذ منه بدلاً من حياة بنهدد، وشعبه سينال الويلات على أيدى الأراميين بدلاً من الأراميين الذين أراد أخآب أن يحالفهم ويتاجر معهم.
(2) من الخطأ جداً أن يتكل الإنسان على أفكاره الخاصة، أو يفرح بالكسب المادى عن طريق لا يرضاه الله. ومن الواجب أن نجعل طاعة الله ومخافته نصب أعيننا دائماً.
(3) تحقق وعيد الرب لأن بنهدد عاد وآثار الحرب ضد أخآب، وفى هذه الحرب مات أخآب (ص 22).
43 – فمضى ملك إسرائيل إلى بيته مكتئباً مغموماً وجاء إلى السامرة.
(1) توجه الملك أخآب إلى بيته الذى فى يزرعيل (ص21 : 1) وهو مكتئب القلب ونادم على خطأه العظيم، وكان موقفه كموقف شاول الملك الذى عفا عن أجاج ملك العمالقة الذى كان الرب قد أمره بتحريمه (1صم15), وكل إنسان يدوس وصية الرب ولا يحرص على العمل بها يلقاه الندم والحزن والاكتئاب.
(2) من ثم توجه إلى (السامرة) عاصمته ليزاول أعماله.
 
 
 

Leave a Comment