كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح الثالث والعشرون – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح الثالث والعشرون

اليوم أيضا شكواي تمرد، ضربتـي أثقل من تنهدي

 

  • ” ​فَأَجَابَ أيوب وَقَالَ: الْيَوْمَ أيضا شَكْوَايَ تَمَرُّدٌ. ضَرْبَتِي أَثْقَلُ مِنْ تَنَهُّدِي “:-

شكوى أيوب مرة حسبها أصحابه أنها تمرد على الله.
ترجم البعض عبارة (ضربتي أثقل من تنهدي) بــ (يد ضربتي أثقل من تنهدي) أي يد أصدقائه المعزين صارت أثقل من تنهده بسبب ما أصابه وكأن أصدقاءه أضافوا تجربة أثقل من التجربة الأصلية.
لقد كان أيوب تنهده بسيط جدا عن ثقل تجربته.
والصديق الصادق يظهر في الألم فيزيل نصفه عن صاحبه، وفي الفرح يأصل ويثبت الفرح فيزيل كل حسد من قلب صاحبه لكن أصحاب أيوب لم يكونوا هكذا.

  • ​” مَنْ يُعْطِينِي أن أَجِدَهُ، فَآتِيَ إِلَى كُرْسِيِّهِ “:-

اشتهى أيوب أن يقف أمام الله لأنه يثق أن الله سيبرئه.
وقال أيوب أن يقف أمام كرسي الله أي يقف للدينونة، فكان أيوب بارا واثقا في بره.
وكرسي الله ليس هو إلا الأربعة الحيوانات الغير متجسدين وهم من رتبة الكاروبيم المليء أعينا ذوي الأربع وجوه بشكل أسد وإنسان وثور ونسر بل وكل الطغمات السمائية هي كرسي لله.
وكأن أيوب يقول كما أن الصديق الأمين دواء للحياة من البشر كذلك الطغمات السمائية هم مشاركون لنا في أفراحنا وأحزاننا على الأرض لهذا قيل “السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب أكثر من ٩٩ بارا لا يحتاجون إلى توبة” (لو ١٥).

  • ​” أُحْسِنُ الدَّعْوَى أمامهُ، وَأَمْلأُ فَمِي حُجَجًا “:-

تمنى أيوب أن يقف أمام الله حتى تتاح له فرصة للدفاع عن نفسه أكثر من ظلم بني البشر الذين قد لا يسمعون لدفاعنا.
فإن أيوب لديه حججا كثيرة وبنود كثيرة لتبرئته.
أول شيء يبرر الإنسان هو إعلان الإنسان عن خطأه أمام الله فيتبرر (إش٤٣: ٢٦).
أفضل شيء في الله أنه يعلن لنا أخطاءنا ويفضحنا أمام أنفسنا لا لهدف التحطيم مثل البشر أو التشهير بل للعلاج.
وأيضا الضيقات الكثيرة تساعدنا على التخلص من الخطايا إذا شكرنا الله عليها.

  • ​” فَأَعْرِفُ الأَقْوَالَ الَّتِي بِهَا يُجِيبُنِي، وَأَفْهَمُ مَا يَقُولُهُ لِي؟”:-

وثق أيوب أنه عندما يقف أمام الله سيقنعه الله لماذا هو جربه ويكون أيوب في حالة رضا واقتناع، دائما طريقة الله فاضلة في الإقناع بالخطأ إن وجد لكن طريقة البشر تميل إلى التشهير وإضافة زيادات لأن أصدقاء أيوب اتهموه بما ليس فيه، اتهموه أنه يهاجم الله وضد عدالة الله واتهموه بالخطايا الفعلية بل والإلحاد لكن هذا ما لم يقوله الله له عند ظهوره له، ليتنا نترك مهمة الدينونة لصاحبها الله إذ هو وحده الذي له سلطان الدينونة.

  • ​” أَبِكَثْرَةِ قُوَّةٍ يُخَاصِمُنِي ؟ كَلاَّّ ! وَلكِنَّهُ كَانَ يَنْتَبِهُ إلي “:-

الله ليس مثل بني البشر يخاصم الإنسان إلى الأبد لكنه يعطينا الوقت لكي ينصت إلينا لنتكلم ونتحاور معه فأيوب كان واثقا أن الله غير مخاصم له بل يعتني به بل أن التجربة التي هو فيها دليل عنايته به فهو ينتظر أن يتكلم الله معه لأنه لا يوجد حائل أو فاصل يفصله عن الله.
​” هُنَالِكَ كَانَ يُحَاجُّهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَكُنْتُ أَنْجُو إِلَى الأَبَدِ مِنْ قَاضِيَّ “:-
أراد أيوب أن يهرب من عدل القاضي الأعظم وهو الله باللجوء إليه والمحاجاة بالاستقامة لديه فإنه محامي لبق متأكد من أن عدالة القاضي ستبرئه.
وبأن القاضي هو الله والمتهم هو الإنسان أو أيوب لكون المتهم ضعيف للغاية ولا يستطيع أن يوفي مديونه أو يحسن موقفه في القضية فاضطر القاضي نفسه أن يوفي عدل القضية بأن يأخذ مكان المتهم ويوفي ما عليه من مديونية أبدية لكن بشروط استحقاقات الخلاص.

  • ​” هأَنَذَا أَذْهَبُ شَرْقًا فَلَيْسَ هُوَ هُنَاكَ، وَغَرْبًا فَلاَ أَشْعُرُ بِهِ. شِمَالاً حَيْثُ عَمَلُهُ فَلاَ أَنْظُرُهُ. يَتَعَطَّفُ الْجَنُوبَ فَلاَ أَرَاهُ “:-
  • أيوب عمل بنصيحة أليفاز أن بتعرف على الله (أي٢٢: ١٢) فذهب شرقا فليس هو هناك ولا يشعر به غربا ولا شمالا ولا جنوبا.
  • لأن الله لا يحده مكان ما بل هو موجود في كل مكان.

لكن لاتجاهات الأماكن معاني :-

  • فالشرق يمثل الإيمان بالله الذي هو شمس البر والشفاء في أجنحتها (ملا٤: ٢)، ولهذا ظهر الله في الشرق لبني إسرائيل ثم في العهد الجديد في الأراضي الفلسطينية.
  • أما الغرب فيمثل غياب الشمس أو غياب الحياة أو الموت لهذا كان الفراعنة يجعلوا مقابرهم غربا والكنيسة تتجه غربا عندما تشير إلى الموت في طقوسها.
  • أما الشمال فقيل حيث يظهر عمل الله حيث يبدو الله أنه يجلس على قمة الأفق وحيث عاش يافث أبو قارة أوروبا حيث عمل الله في عقل أولاد يافث بالقدرة على عمل الاختراعات الحديثة.
  • والجنوب حيث يتعطف الله ومن الجنوب أو فيه ظهر حام والذي ظهر منه مصرايم أبو المصريين حيث تعطف الله وأظهر عمله وعطفه في مصر حيث جاء إليها هاربا عندما تجسد، وفيها المسيحية والإيمان قوي، وظهرت منها كنيسة الإسكندرية ومدرستها التي أنارت العالم بمعرفة الله حيث ظهر اللاهوتيون مثل ق. أثناسيوس وق. كيرلس وق. ديسقورس، ومنها ظهر الشهداء الكبار في القامة والعدد ومنها ظهرت الرهبنة التي انتشرت في العالم كله بواسطة الأنبا أنطونيوس وق. آمون وق. مكاريوس الكبير في الشمال والأنبا باخوميوس والأنبا شنودة في الجنوب.
  • ​” لأَنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي. إذا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ كَالذَّهَبِ “:-
  • إن أيوب يؤمن أن الله كلي المعرفة يعرف ما بداخله رغم وجود الله في كل مكان.
  • وثقة أيوب بالله جعلته يرى جيدا ما وراء الأحداث بأن تجربته مثل دخول الذهب في النار حيث يزداد نقاوة ولمعانا هكذا دخول أيوب في التجربة التي سمح له الله بها لكي يصير أكثر نقاوة وليس عقوبة على شر.
  • هكذا امتحن كثيرون مثل يوسف الذي وضع في بئر وبيع للإسماعيليين ثم دخل السجن ثم أصبح ملكا لمصر فإنه خرج نقيا بعد كل هذه التجارب.
  • أيضا موسى تدرب ٤٠ سنة في برية مديان وقبلها بكل حكمة المصريين ثم ٤٠ سنة في البرية قاسى فيها من شعب غليظ الرقبة، وكان له حلم كبير جدا وعبر بشعبه البحر الأحمر وأخرج لهم ماء من الصخرة ومجد الله ظهر على وجهه هذا الذي وضع في سل مطلي بالحمرة والزفت في النيل الذي يكون مصيره الهلاك لكن الله صنع به كل هذا ومجده بعد كل هذه الضيقات.
  • ​” بِخَطَوَاتِهِ اسْتَمْسَكَتْ رِجْلِي. حَفِظْتُ طَرِيقَهُ وَلَمْ أَحِدْ “:-

يقتنع تماما أيوب أنه في بوتقة الفضة ينقيه الله من الزغل لكنه لم يحد عن طريق الله وعن وصاياه.
طريق الله ووصاياه هو أن نتبع آثار خطوات ربنا يسوع (١بط٢: ٢١).
لم يحد القديسون عن وصايا الله أي كانوا يصممون في ذهنهم على تتميم وصايا الله وفعلا يقوموا بهذا العمل وهذا ما قاله الأنبا أنطونيوس الكبير أن من يريد عمل وصايا أو فضائل يضعها في ذهنه أولا ثم يحاول بسلوكه تنفيذها عمليا.

  • ​” مِنْ وَصِيَّةِ شَفَتَيْهِ لَمْ أَبْرَحْ. أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَتِي ذَخَرْتُ كَلاَمَ فِيهِ “:-

جعل أيوب وصايا الله التي هي صادرة عن فم الله هي كل كنزه فهو إن فقد كل ماله وحتى أولاده لكنه كان حريصا على ادخار وصايا الله أكثر من الذهب والفضة، بل هو خزنها في مساكن قلبه أكثر مما يحتمل لذلك يقول أكثر من فريضتي لأنه وجد فيها كل الغنى والشبع وهي مصدر كل الفضائل (مز١١٩: ١٤- ١٦، ٧٢، ٩٧، ١٠٥، ١١١، ١٧٢)، هكذا سلك كل القديسين مثلما قيل عن والدة الإله أنها كانت تحفظ وصايا الله وأعماله متفكرة بها في قلبها (لو٢: ١٩).

  • ​” أما هُوَ فَوَحْدَهُ، فَمَنْ يَرُدُّهُ ؟ وَنَفْسُهُ تَشْتَهِي فَيَفْعَلُ “:-

عرف أيوب الله أنه هو وحده الكائن بذاته لم يأخذ كينونته من آخر فهو يريد ويفعل مهما يريد وكل إرادته هي حق فمن يستطيع مقاومة الله ؟ وكل أعماله هي حق (مز١٣٥: ٦).
فالإنسان قد يريد شيئا لكنه لا يقدر أن يفعله ويتعثر لكن الله لا يعسر عليه أمر فهو وحده الكائن الذي كان وبغيره لم يكن شيء مما كان (يو١: ١).

  • ​” لأَنَّهُ يُتَمِّمُ الْمَفْرُوضَ عَلَيَّ، وَكَثِيرٌ مِثْلُ هذِهِ عِنْدَهُ “:-

يخاف أيوب من الله خوفا مقدسا مما حل به من ضيقات إذ يعرف أن الله وحده بيده كل شيء وهو كلي القدرة فإن كل ما حل بأيوب هو بإرادته لكن يخشى أيوب أن يكون هناك ضربات أخرى متبقية عند الله عليه رغم ثقته أن كلها لفائدته.

  • ​” مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَرْتَاعُ قُدَّامَهُ. أَتَأَمَّلُ فَأَرْتَعِبُ مِنْهُ “:-

تحول أيوب إلى مخافة الله لكن من نوع آخر هي مخافة المحب لله لأنه يعرف قدر عظمة الله وبقدر ما يثق فيه بقدر ما يهابه مهابة الابن لأبيه، فهو يعرف من يقدر أن يقف أمامه إذا كانت الملائكة العظام مثل السيرافيم تغطي وجوهها من عظمة مجده فكم يكون الإنسان الترابي في هيبته لله!! فقد حول خوف الله ق. أبو مقار الكبير إلى قطعة عظم بعمل الروح القدس، لكن قد فضل أيوب أن يقع في يد الله أفضل من يد أصحابه (٢صم٢٤: ١٤).

  • ​” لأَنَّ اللهَ قَدْ أَضْعَفَ قَلْبِي، وَالْقَدِيرَ رَوَّعَنِي “:-

إذا كان يوجد نوعان من المخافة مخافة العبيد من العقوبة ومخافة الأبناء من جرح مشاعر الله لكن مخافة يوم الدينونة ترعب وترهب القلب حتى أيوب البار الذي كان مستعد أن يدخل في المحاكمة مع الله ضعف أمام مخافة يوم الدينونة.
من يضع يوم الدينونة أمام عينيه لا يخطئ أبدا.
توجد أعمال تنقذنا من الدينونة هي الصلاة والتسبيح وقراءة الأسفار المقدسة وتذكر يوم الدينونة وعمل اليدين.

  • ​” لأَنِّي لَمْ أُقْطَعْ قَبْلَ الظَّلاَمِ، وَمِنْ وَجْهِي لَمْ يُغَطِّ الدُّجَى “:-

كلما تعرض الإنسان لضيقات كلما تخلص من خطاياه فلهذا صرخ أيوب أن الظلام لم يستطع أن يغطي وجهه لأن الضيقات سوف تؤدي إلى بركات غنية له مهما كانت الظلمة.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment